تمر إثيوبيا حالياً بمرحلة حرجة تُعد الأكثر تعقيداً في مسارها السياسي، فبينما يتم الترويج لانتخابات يونيو 2026م بوصفها خطوة محورية نحو التحول الديمقراطى، تحذر التقارير من مخاطر انزلاق البلاد نحو صراعات داخلية. وعلى المسار الخارجي، تتبنى أديس أبابا استراتيجية تعتمد على إبرام اتفاقيات مثيرة للجدل لحسم ملفات شائكة، سواء فيما يتعلق بالحقوق المائية في حوض النيل أو السعي لتأمين منفذ بحري. وفي هذا السياق، تتناول هذه الورقة تحليلًا حول التباين في الرواية الإعلامية، من خلال إبراز أهم ما تناولته الصحف والمواقع الإثيوبية على المستويين الداخلى والخارجي.
اولًا: على المستوى الداخلي
أ-اجتماعيًا: انتخابات غير نزيهة لتفاقم استهداف المواطنين
بينما تقترب الانتخابات الوطنية السابعة، تجد إثيوبيا نفسها عند مفترق طرق تاريخي؛ فالمشهد ليس مجرد صناديق اقتراع، بل هو صراع بين إرث سياسي تهيمن عليه الحكومة الفيدرالية وطموح أحزاب تطالب بالعدالة الاجتماعية والتمثيل الحقيقي. وفي هذا السياق أجرت صحيفة “ذا ريبورتر: الإثيوبية (21- 2) مقابلة مع مسئول من حزب الشعب الثوري الإثيوبي (EPRP الذي أكد عدم اتخاذ الحزب حتى الآن قراراً سياسياً نهائياً بخوض الانتخابات، لعدم توافر بيئة حرة ونزيهة تلائم إجراء انتخابات ذات مصداقية، وذكر شروطًا للحزب يجب الوفاء بها؛ من بينها الإفراج غير المشروط عن السجناء السياسيين. كذلك الإفراج عن المواطنين المحتجزين، الذين بلغ عددهم 300 مواطن، لمجرد هويتهم فقط، وهذا يثير مخاوف جدية بشأن الحرية السياسية والحماية المتساوية بموجب القانون. كذلك يجب وضع حد للصراعات المستمرة في أجزاء مختلفة من البلاد، كما شدد على ضرورة وجود مراقبين دوليين مستقلين، علاوة على وجوب ضمان استقلال المؤسسات الإعلامية؛ إذ لا يمكن ضمان ثقة الجمهور في الانتخابات دون إعلام حر ورقابة ذات مصداقية.
وفي السياق ذاته نشر موقع “أديس أستاندرد” الأمهري على الفيس بوك (24- 2) استهداف منصات مثل “أديس ستاندرد” و”راديو وازيما” وغيرهما، ما يؤكد سيطرة الحكومة الكاملة على السردية الإعلامية قبل الانتخابات، وقد دعت لجنة حماية الصحفيين الدولية (CPJ) السلطات الإثيوبية إلى إعادة تسجيل المؤسسة المستقلة بشكل عاجل. وذكر الموقع أنه لم تكن هذه المرة الأولى التي تقع فيها “أديس ستاندرد” وغيرها من الصحف المعارضة ضحية للإجراءات الحكومية؛ منذ تأسيسها عام 2011م، وذلك لاشتهارها بتقاريرها السياسية الجوهرية والناقدة، إلا أن قرار إلغاء الترخيص الحالي يمنعها من العمل بشكل قانوني داخل إثيوبيا، وقد تواصلت اللجنة مع هيئة الإعلام الإثيوبية للحصول على تعليق حول هذه الإجراءات، لكنها لم تتلقَ ردا حتى الآن.
ب-أمنيًا: تداعيات قرار تعليق انتخابات المجالس الإقليمية
إن المشهد في أقاليم أمهرة وتيجراي وأوروميا لم يعد مجرد نزاعات حدودية أو سياسية، بل تحول إلى أزمة إنسانية وحقوقية واستهداف ممنهج للصحفيين والنشطاء، مما يعيد للأذهان أشباح الحرب الأهلية التي لم تندمل جراحها بعد. وما يزيد من خطورة الأوضاع هو قرار المجلس الوطني للانتخابات (NEBE) باستبعاد خمس مناطق متنازع عليها بين إقليمي أمهرة وتيجراي من التصويت الإقليمي، وفي هذا السياق نشرت ذا ريبورتر مقالاً بتاريخ (23 -2) حول النزاع الدائر لمجلس الانتخابات، وذلك عندما أعلن مسؤولو المجلس الوطني للانتخابات بتعليق انتخابات المجالس الإقليمية في دوائر انتخابية متنازع عليها بين إدارتي إقليمي أمهرة وتيجراي، وقد رفضت إدارة تيجراي قرار المجلس، محذرةً من أن ذلك قد يُفضي إلى “عواقب وخيمة وواسعة النطاق”. ووصفت القرار بأنه “يُخالف الدستور واتفاقية بريتوريا بشكلٍ صريح”.
ثانيا: على المستوى الخارجي
أ-استدعاء تحرك دولي عاجل للصراعات المتجددة في إثيوبيا
نشرت صحيفة “أديس أستاندر” (22-2) تحذير منظمات دولية وإقليمية كثيرة معنية بحقوق الإنسان والشؤون الإنسانية من تجدد صراعات واسعة النطاق في أقاليم رئيسة نحو تيجراي وأوروميا وأمهرة، تفيد بأن إثيوبيا “على حافة الهاوية”، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع الفظائع الجماعية وسط تصاعد العنف في عدة مناطق. واستشهدت الصحيفة بتقارير صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بشأن استخدام الأسلحة الثقيلة، وشن غارات بطائرات مسيرة، والاعتقالات التعسفية، محذرةً من أن هامش خفض التصعيد يتقلص بسرعة.
ب-دلالات وجود الرئيس الإسرائيلي في أديس أبابا
نشرت الصحف ووسائل الإعلام الإثيوبية خبرًا (25- 2) حول وصول الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج إلى أديس أبابا في زيارة رسمية، فعلقت صحيفة “ذا ريبورتر” بأن زيارته تُعد الأحدث ضمن سلسلة زيارات لشخصيات رفيعة المستوى إلى أديس أبابا، وفي السياق نفسه نشر موقع “أديس إستاندر” على الفيس بوك (27- 2) تحليلًا حول تلك الزيارةجاء فيه: “تمثل صراعاً على النفوذ في أديس أبابا، التي استقبلت وفوداً رفيعة المستوى من تركيا والسعودية، مضيفًا أن قيام رئيس إسرائيل بزيارة رسمية إلى حليفته الرئيسة إثيوبيا، يأتي بعد أيام من اقتراح رئيس الوزراء الإسرائيلي تشكيل شبكة من الدول الحليفة، بما في ذلك دول في الشرق الأوسط وأفريقيا، للوقوف ضد ما أسماهم الخصوم “المتطرفين”، ويتساءل الموقع: “لم يُعرف بعد أي الدول العربية والأفريقية ستشكل جزءاً من “التحالف السداسي” الافتراضي لنتنياهو”، والذي قال “إنه سيضم إسرائيل والهند واليونان وقبرص وغيرها للوقوف ضد أعدائهم في الشرق الأوسط. وعلى رأس هؤلاء الأعداء، يُفترض وجود إيران وشبكة فصائل المقاومة التابعة لها، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن. ويختتم الخبر بالتشكيك حول قدرة إسرائيل على تأمين نفوذ كافٍ لتشكيل ميثاق أمني رسمي”.
جـ- استعداد إثيوبيا لعمليات عسكرية بالمسيرات
نشرت صحيفة “أديس إستاندر” (22- 2) تصريح رئيس الوزراء بأن الاستعدادات العسكرية التي تقوم بها حكومته حاليًا، تمتد من أطراف الصومال وصولاً إلى ميناء مصوع في إريتريا، مؤكدًا على بناء قوة نخبة مجهزة بتقنيات متقدمة، قادرة على إجراء عمليات استطلاع باستخدام طائرات مسيرة، وضرب المواقع الحصينة بالطائرات الانتحارية (كاميكازي)، وتنفيذ عمليات خاطفة في المواقع الاستراتيجية، وتشمل البيئات البحرية للمساهمة في تأمين السلام الإقليمي ومكافحة القرصنة، مضيفًا أن إثيوبيا ستعمل مع الشعوب الشقيقة للقضاء على الإرهاب البحري على طول ممر البحر الأحمر. وقد جاءت هذه التصريحات خلال الحفل الختامي لذكرى تأسيس قيادة العمليات الخاصة، فوصف أبي هذه القوة بأنها صُممت ليس فقط لتكثيف القتال أو حسمه، بل صُممت في المقام الأول لدحر العنف والإرهاب في إثيوبيا والمنطقة بأسرهـا.
د- خلاف بين السعودية والإمارات المتهمة بشأن السودان واليمن
سلطت صحيفة “أديس أستاندر” (21- 2) الضوء على الخلاف الواقع بين السعودية والإمارات، فأشارت إلى رسالة ولي العهد السعودي الذي أرسلها إلى مستشار الأمن القومي الإماراتي، يُفصّل فيها رؤى السعودية لدور الإمارات في السودان واليمن، لا سيما ما يتعلق بدعمها لقوات الدعم السريع (RSF) في خضم الحرب الأهلية الدائرة في البلاد، ساعيًا في الوقت نفسه إلى وساطة أمريكية. ووفقًا لتقارير الصحيفة “أن الرياض لم تعد بإمكانها التحمل أكثر تجاه استمرار الصراع في السودان في وقت تُتهم فيه جارتها بدعم قوات الدعم السريع. كما دافعت الرسالة عن التدخل العسكري للسعودية في اليمن باعتباره قضية أمن قومي، معيدةً التأكيد على أن الرياض تعتبر اليمن ضمن نطاق نفوذها، وتعتزم تحمل المسؤولية عن الاستقرار على طول حدودها الجنوبية. وترى الصحيفة أن هذا التصعيد يأتي في خضم ما يصفه المراقبون بتوترات متزايدة بين الحليفين، ولا سيما عندما أقر الرئيس الأمريكي علناً بأن السعودية والإمارات «لديهما بالفعل خلاف»، مضيفاً أنه يعتقد أن بإمكانه تسوية الأمر بسهولة، وذلك عندما أفادت الصحيفة بأن ولي العهد السعودي كان يخطط للضغط على ترامب بشأن الدعم الإماراتي المزعوم لقوات الدعم السريع خلال زيارة للبيت الأبيض في نوفمبر، وأكد ترامب لاحقاً أن السعودية طلبت منه التدخل في صراع إقليمي، دون أن يسمي الإمارات صراحة. كما أشارت الصحيفة إلى الخلافات في اليمن، وقيام السعودية بقصف ما وصفته بشحنة أسلحة إماراتية في مدينة المكلا الساحلية اليمنية في ديسمبر الماضي، وقدمت لاحقاً دعماً جوياً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في اشتباكات مع المجلس الانتقالي الجنوبي.
ثالثا: أخبار متعلقة بمصر
أ-مساعي جنوب السودان لإلحاق القاهرة والخرطوم باتفاقية عنتيبي
نشرت صحيفة “أديس إستاندر” (23-2) خبرًا حول حث دولة جنوب السودان مصر والسودان إلى اتفاقية الإطار التعاوني (CFA)، تلك الاتفاقية التى تصفها إثيوبيا بأنها ‘أداة قانونية تاريخية’ تنظم الاستخدام المنصف لنهر النيل، وعلقت الصحيفة على رفض مصر والسودان الانضمام، مشيرة إلى أن هناك مخاوف من أن الاتفاقية تقوض مخصصات المياه التاريخية في معاهدات الحقبة الاستعمارية. وفي المقابل ذكرت تحذير وزير الرى المصرى من الإجراءات الأحادية في حوض النيل.
ب-مقترح مصري مزعوم من قبل إثيوبيا لوصولها للبحر الأحمر
نشرت صحيفة “أديس إستاندر” (24-2) خبرا عن استعداد مصر للعمل مع شركاء أفارقة للمساعدة في تأمين وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر، شريطة أن تبدي أديس أبابا مرونة في النزاع المستمر منذ فترة طويلة بشأن مياه النيل. وذكرت الصحيفة، وفقًا لمصادرها، بأن هناك اقتراحا تم تقديمه إلى رئيس الوزراء، وتمت مشاركته أيضاً مع واشنطن، حيث أعرب الرئيس الأمريكي علناً عن اهتمامه بالتوسط في النزاع حول حصة مصر من مياه النيل في أعقاب بناء إثيوبيا للسد، ويتضمن العرض المصري تحذيراً ضمنياً بأن القاهرة قد تستخدم نفوذها السياسي والعسكري في السودان والصومال وجيبوتي، فضلاً عن وجودها البحري في جنوب البحر الأحمر، لتقييد وصول إثيوبيا إلى موانئ تلك الدول في حال رفض المقترح. وعقبت الصحيفة أنه لم يصدر أي رد رسمي فوري من أديس أبابا أو القاهرة بشأن الاقتراح المذكور. وأشارت الصحيفة إلى العلاقات القوية بين رئيس الوزراء وأردوغان مؤخرًا، الذي أظهر له موقف إثيوبيا الثابت تجاه الوصول إلى البحر. وفي المقابل أبرزت الصحيفة العلاقات الجيدة بين القاهرة وأنقرة، واتفاقهما على عدة قضايا إقليمية، بما في ذلك دعم القوات المسلحة السودانية في النزاع الدائر مع قوات الدعم السريع، كذلك ليبيا والصومال.
وتختتم الصحيفة سياق الخبر بارتباط هذا المقترح بكشف سابق عن توصل مصر إلى تفاهمات لتطوير وتحديث البنية التحتية للموانئ في جيبوتي وإريتريا، بما في ذلك ميناءي دوراله وعصب، الواقعين بالقرب من مضيق باب المندب، وهو بوابة استراتيجية إلى البحر الأحمر. وأضافت الصحيفة أن مصر تخطط لتطوير مشترك لميناء بورتسودان، الميناء التجاري الرئيس في السودان، في إطار جهود أوسع لتعزيز وجودها على البحر الأحمر.
