حسين محمود التلاوي
يستمر انشغال وسائل الإعلام الإثيوبية بمصر وشئونها، حتى تلك البعيدة عن الملفات التي تشهد اشتباكًا أو انخراطًا من الطرفين. ويتمثل هذا الانشغال في نشر العديد من المواد المتعلقة بمصر على مختلف المنابر الإعلامية، سواءً التابعة لمراكز أبحاث، أو على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
تلقي هذه الورقة الضوء على تلك المواد، مع نظرة على فحواها، وآليات طرحها، ودلالاتها على التوجهات الإثيوبية نحو مصر.
الإبحار في القرن من المنظور الإثيوبي
نشر موقع معهد الشئون الخارجية الإثيوبي التابع لوزارة الخارجية تحليلًا بعنوان “الإبحار في القرن: الاستجابة الإثيوبية للأجندة المصرية بعدم الاستقرار”. يظهر العنوان أن التحليل ليس “تحليلًا” موضوعيا، لكنه مقال رأي؛ وهو الانطباع الذي يتأكد عند قراءة الموضوع، ليتأكد افتقاره إلى الدقة التاريخية، والحيادية في رصد الوقائع، واستخلاص النتائج. تنطلق الورقة من الزعم بأن السياسات المصرية في القرن الإفريقي هي السبب في حالة عدم الاستقرار التي يشهدها الإقليم. ويدعي التحليل أن الدافع وراء تلك السياسات الخلاف المصري الإثيوبي حول سد النهضة، فيرى أن السياسات المصرية تفرض تحديات على المصالح الإثيوبية في ملف السد وملف الوصول إلى منفذ على البحر الأحمر. ويسرد التقرير بعضًا مما يزعم أنه أدلة على “الأجندة المصرية”؛ فيشير إلى إرسال مصر قوات عسكرية إلى الصومال، وإلى الاتفاقات الأمنية التي وقعتها مع عدد من بلدان المنطقة، والقارة الإفريقية عمومًا.
بعد ذلك يشير التحليل إلى إثيوبيا باعتبارها “صانعة استقرار في المنطقة” من خلال سياساتها التي يصفها بأنها “متوازنة” إزاء قضايا المنطقة ومع مختلف دولها. ومن الأمثلة التي ساقها التحليل العلاقات الإثيوبية الصومالية، التي اعتبرها نموذجًا على حسن الجوار، معتبرًا أن الدور الاثيوبي في الصومال دور داعم للإستقرار. وينتهي التقرير بالإشارة إلى ضرورة التعاون الإقليمي في القضايا المهمة؛ مثل قضايا مكافحة الإرهاب، على أن يكون ذلك التعاون من خلال المؤسسات الإفريقية؛ وأبرزها الاتحاد الإفريقي.
إثيوبيا والصومال.. نزاعات الماضي والحاضر
لقد أغفل هذا التقرير حقائق تاريخية وآنية في رؤيته للأوضاع في إقليم القرن الإفريقي، وفي اتهامه للسياسات المصرية في الإقليم بأنها سبب عدم استقراره. فعند النظر إلى علاقات إثيوبيا بالصومال؛ يتجاهل التحليل التدخل الإثيوبي عسكريًّا في الصومال عام 2006م ضد المحاكم الإسلامية، دون تفويض من أية جهة دولية أو إقليمية؛ وهو التدخل الذي أدى إلى تشكيل حركة الشباب الصومالية الإرهابية. كما يتجاهل المعهد البحثى نظرة أوساط اصومالية إلى القوات الإثيوبية على أنها قوات احتلال، لا قوات حفظ سلام.
كما لم يشر التقرير إلى أن إثيوبيا تسهم في عدم استقرار الصومال، من خلال توطيد علاقاتها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، وقد تجلى ذلك في اتفاقية التفاهم بين إثيوبيا والإقليم الانفصالي التي تتيح لإثيوبيا استغلال موانئ الإقليم؛ وهي الاتفاقية التي أعلنت الدولة الصومالية أنها غير شرعية، وأصدرت مرسومًا بإلغائها.
وبالرجوع إلى تاريخ العلاقات بين الصومال وإثيوبيا، يتبين أنه مليء بأشكال المواجهات؛ أبرزها حرب أوجادين في سبعينيات القرن العشرين، واستيلاء إثيوبيا على إقليم أوجادين من الصومال الكبير بعد اتفاقية مع بريطانيا أثناء الاستعمار البريطاني لأجزاء من الصومال. بطبيعة الحال لا يمكن وصف هذه العلاقات بأنها تستند إلى حسن الجوار، ناهيك عن وصف إثيوبيا فيها بأنها “صانع استقرار”. وكذلك لم تكن مصر حاضرة في كل تلك الملفات: التاريخية، والحديثة، والمعاصرة.
وفيما يتعلق بمزاعم ورقة معهد البحوث التابع لوزارة الخارجية الإثيوبية حول الدور المصري في الصومال، فإن التواجد العسكري المصري في الصومال جاء بدعوة من الحكومة الصومالية وفق اتفاقات ثنائية بين دولتين تجمعهما علاقات ثنائية، وعضوية منظمات إقليمية ودولية؛ مثل جامعة الدول العربية، والاتحاد الإفريقي. كما جاء هذا الوجود تحت الغطاء الإفريقي الرسمي ضمن قوات الاتحاد الإفريقي “أوسوم”؛ ما يعني أن وجود مصر ليس مفروضًا على الصومال، ولا يأتي تحركًا منفردًا لكن ضمن تنسيق إقليمي وقاري أوسع.
إثيوبيا طرف مشترك في النزاعات الإقليمية
وبالانتقال إلى ملف العلاقات الإريترية الإثيوبية، يبرز التوتر وعدم الثقة بوصفهما عنصرين حاكمين في العلاقات الثنائية؛ وهو أمر غير مرتبط بمصر من قريب أو بعيد.
فقد حصلت إريتريا على استقلالها من إثيوبيا عام 1993م، بعد حرب ضروس، استمرت نحو ثلاثة عقود. وعلى الرغم من الفترات القصيرة من التقارب وحسن الجوار بين الجانبين، نجد أن الخلاف الحدودي حول منطقة بادمي، إلى جانب التوترات السياسية المتصاعدة بينهما حاليًّا، وصل إلى درجة وجهت فيها إثيوبيا اتهامات إلى إريتريا بأنها تحتل أراضيها، وتهددها باستخدام القوة العسكرية للوصول إلى موانئها على البحر الأحمر، في تصرفات ليس فيها ما يدل على حسن الجوار. وبطبيعة الحال لا علاقة لمصر بهذه التوترات المستجدة بين إثيوبيا وإريتريا.
وعلى الجانب الآخر من الحدود الإثيوبية تتكشف أنباء اختراق طائرات مسيرة إثيوبية المجال الجوي السوداني، وتوجيهها ضربات على أهداف داخل الأراضي السودانية؛ وهي تصرفات لاعلاقة لها بحسن الجوار، ولا علاقة لمصر بها كذلك.
سد النهضة والبحر الأحمر.. أمن قومي مصري
وعند الانتقال إلى ملف سد النهضة والاستراتيجية المصرية في البحر الأحمر، يرى الباحث الإثيوبي أن تطلع إثيوبيا إلى منفذ على البحر الأحمر حق مشروع لها، على الرغم من أن هذا الحق المزعوم لا تنظمه أو تضمنه أية اتفاقيات من ناحية، ومن ناحية أخرى يرفض هذا الباحث الدعوة المصرية للإدارة المشتركة لسد النهضة، على الرغم من أن حقوق مصر في مياه النيل تنظمها اتفاقات تاريخية وتضمنها، ومسعاها للإدارة المشتركة له أساس في الاتفاقات الدولية. وبينما يصر على أن الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر له أهمية في استقرار إثيوبيا وتنميتها، يتجاهل الأهمية “الوجودية” لمياه النيل بالنسبة لمصر.
نزاعات واضطرابات داخلية في إثيوبيا
وعلى الرغم من أن التحليل الإثيوبي يصف إثيوبيا بأنها “عامل استقرار إقليمي”، يتجاهل الاضطرابات والنزاعات المسلحة الداخلية التي تؤثر على قدرة الدولة على العمل خارجيًّا، وتحد من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها إزاء الاتفاقات الدولية. ويتأكد ذلك في ضوء ماشهده أقاليم إثيوبية من نزاعات مسلحة، واضطرابات سياسية، تعرقل قدرة الحكومة على استغلال مقدرات هذه المناطق في التنمية الاقتصادية؛ ما يعني أن الدولة الإثيوبية، إذا عقدت اتفاقات اقتصادية دولية، سوف تتأثر قدرتها على الوفاء بالتزامات تلك الاتفاقات بسبب عجزها عن استغلال ثرواتها الداخلية. ومن أمثلة ذلك مشروعات الطاقة في إقليم أوجادين، الذي تعتمد إثيوبيا عليها في التعاون مع جيبوتي والصومال. هذه المشروعات مهددة بسبب التوترات السياسية في الإقليم، التي قد تتطور إلى مواجهات مسلحة؛ بما يعرقل استغلال موارده؛ ومن ثم وفاء إثيوبيا بالتزاماتها في التعاون مع الصومال وإثيوبيا.
وبخصوص النزاعات الداخلية في دول الإقليم، فإن الموضوع، من خلال ربط معظم التطورات في المنطقة بالخلاف بين مصر وإثيوبيا، يتجاهل أن القرن الإفريقي منطقة مليئة بصراعات تاريخية داخلية وإقليمية متشابكة؛ مثل النزاعات الحدودية، والقضايا القومية، والصراعات العشائرية، وضعف الدولة في بعض البلدان؛ ما يجعل تفسير كل التوترات من زاوية واحدة اختزالًا مخلا للمشهد.
دور القوى الدولية والنزاعات الداخلية
يتجاهل التحليل أيضا دور القوى الدولية الكبرى في نزاعات الإقليم، سواء من حيث التهدئة أو التصعيد. على سبيل المثال زاد الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي كدولة مستقلة من التوترات في المنطقة لما تمثله هذه الخطوة من اعتداء على السيادة الصومالية، وتعزيز الحركات الانفصالية في المنطقة.
كما يؤدي تسابق القوى الدولية الكبرى على إنشاء قواعد عسكرية في القرن الإفريقي إلى نقل الصراعات الدولية إلى الإقليم؛ حيث تنقسم دول الإقليم حسب القوة الدولية التي تصطف وراءها؛ مما يؤدي إلى استقطاب يعزز التوترات في القرن الإفريقي.
خاتمة
هكذا يروج التحليل لصورة مغلوطة ومزاعم واعاءات عن الأوضاع في القرن الإفريقي، زاعما زورا وبهتانا أن لمصر دورا فيها، لتبرئة إثيوبيا من المسئولية عن الاضطرابات الحاصلة في الإقليم، من خلال تجاهل حقائق الماضي والحاضر، والتلاعب بالوقائع في مناورات سياسية تهدف، في المقام الأول، إلى شغل مصر بمعارك جانبية إعلامية ودبلوماسية، وحشد التأييد الداخلي للحكومة، في ظل الأزمات المتعددة التي تعصف بإثيوبيا في الداخل والخارج؛ وآخرها أزمة الطاقة والمحروقات بسبب الحرب في الخليج بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة.

