ولاء عبدالمرضي
شهد العالم خلال العقد الأخير تحولًا كبيرًا ومهمًا في مفهوم العمل الاستخباراتي؛ وذلك بسبب التطور التقني والتكنولوجي ، فلم تعد قوة أجهزة الاستخبارات تُقاس بحجم المعلومات التي تمتلكها فقط، بل أيضًا بقدرتها على تحليل هذا الكم الهائل من البيانات والتنبؤ المستقبلي بالتهديدات الممكنة.
وبما أنه أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم الأدوات التي أعادت تشكيل منظومة الأمن القومي للدول، خاصة داخل تحالف “العيون الخمس”، وهو تحالف استخباراتي يضم الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، ويُعتبر أقدم وأكبر تحالف استخباراتي في العالم يضم أطراف متعددة، ويتم فيه تبادل المعلومات الاستخباراتية.
يرجع تحالف العيون الخمس إلى عام 1941، عندما زار مسؤولون استخباراتيون أمريكيون مركز بليتشلي بارك في إنجلترا، كان بليتشلي بارك مركز عمليات فك الشفرات للحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، ثم بدأت العلاقات الاستخباراتية بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بعد زيادة حدة التوترات مع الاتحاد السوفيتي، ثم تطور الأمر في عام 1946، حيث وقعت واشنطن ولندن اتفاقًا كان سريًّا وقتها وعُرف باسم “ “UKUSA، وكان الهدف من هذا التعاون تبادل المعلومات الاستخباراتية ومواجهة الاتحاد السوفيتي، وفي عام 1948 تم انضمام كندا، وفي عام 1956 تم انضمام أستراليا ونيوزيلندا.
بينما يُمثل تحالف العيون الخمس الدائرة الداخلية، فقد توسع التحالف ليشمل مستويات أوسع من التعاون على مدى العقود الماضية. يضم تحالف العيون التسع فرنسا والدنمارك وهولندا والنرويج. أما تحالف العيون الأربعة عشر فيضم بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والسويد. تتبادل هذه الحلقات الخارجية المعلومات الاستخباراتية على نطاق أضيق، لكنها تُوسع نطاق التحالف في جميع أنحاء أوروبا وخارجها.
ولكن بعد تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي تم تطوير التعاون بين أعضاء التحالف ليتحول من مجرد مشاركة معلومات إلى بناء منظومات تكنولوجية تحليلية مشتركة تعتمد على التعلم الآلي وتحليل البيانات الضخمة، وهو ما يجعل دول التحالف لديها قدرة أكبر على توقع الأزمات قبل وقوعها، وتعزيز تفوقها الاستراتيجي في مواجهة القوى المنافسة، وعلى رأسها الصين وروسيا من وجهة نظرهم.
الجدير بالذكر أن التحالف لا يمكنه البقاء محدودًا، حيث إن التهديدات السيبرانية لا تعترف بحدود الدول الخمس الناطقة بالإنجليزية، إذ تنتقل الهجمات السيبرانية عبر القارات في ثوانٍ، وقد تجاوز النظام الرقمي نطاق أي سلطة قضائية منفردة، ويدعو بعض المحللين إلى ضم دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية أو حلفاء الناتو كشركاء أوثق لمواجهة التهديدات المعاصرة.
الذكاء الاصطناعي، العقل الجديد للاستخبارات
اليوم وبعد تطور أنظمة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبحت تعتمد أجهزة الاستخبارات على تلك الأنظمة لمعالجة وتحليل كميات هائلة من البيانات المفتوحة والسرية الواردة من مصادر متعددة، وهذا جعلها تتعامل مع مليارات الرسائل والصور والفيديوهات والإشارات الإلكترونية يوميًا، وهو حجم يفوق قدرة العنصر البشري على التحليل، وهو ما جعل الأجهزة تستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالتحليل أيضًا ولا تكتفي بالرصد فقط، ومن هنا جاءت تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتؤدي وظائف عديدة، من أبرزها:
• تحليل البيانات الضخمة.
• التعرف على الأنماط السلوكية للأفراد والجماعات.
• التنبؤ بالهجمات الإرهابية أو السيبرانية.
• تحليل صور الأقمار الصناعية والمسيرات.
• مراقبة الفضاء الإلكتروني واكتشاف حملات التضليل الإعلامي.

(من اليسار إلى اليمين) المدير العام لمنظمة الاستخبارات الأمنية الأسترالية، مدير جهاز المخابرات الأمنية الكندي، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، مدير دائرة المخابرات الأمنية النيوزيلندي، المدير العام لجهاز MI5 البريطاني قبل قمة التكنولوجيا الناشئة في وادي السيليكون بكاليفورنيا
تحذيرات التحالف من الذكاء الاصطناعي
يحذّر تحالف “العيون الخمس” من التسارع التكنولوجي في قدرات الذكاء الاصطناعي في المجال السيبراني، حيث يرى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة قد تصبح قادرة خلال فترة قصيرة على تنفيذ هجمات إلكترونية معقدة، وقد دعا التحالف إلى استجابة عاجلة من الحكومات والشركات لتعزيز الأمن السيبراني والاستعداد للمرحلة المقبلة.
على الرغم أن دول التحالف في السنوات الأخيرة قامت بمضاعفة الاستثمار في الشركات التي تعمل على تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال برامج مشتركة لتطوير الخوارزميات وتحليل البيانات الاستخباراتية، إلا أنها تقف بالمرصاد متربصة لغيرها من الدول، وتضع العديد من التحذيرات.
ونجد على سبيل المثال أعلنت شركة “أنثروبيك” في منتصف يونيو 2026 عن تعطيلها النموذجين المتقدمين (Claude Fable 5) و(Mythos 5) بشكل مفاجئ استجابة لتوجيهات وزارة التجارة الأمريكية، جاء القرار إثر مخاوف حكومية من إمكانية تجاوز إجراءات الحماية واستغلال قدرات النماذج في التعرف على الثغرات البرمجية والتهديدات السيبرانية.
ثم رفعت الحكومة الأمريكية لاحقاً في 30 يونيو 2026 قيود التصدير وسمحت لشركة “أنثروبيك” بإعادة إتاحة نموذجي Fable 5 وMythos 5 في الأسواق بعد التنسيق المشترك لفرض حزمة من الإجراءات الوقائية الجديدة.
الفرق بين الجيل القديم من أدوات الذكاء الاصطناعي الاستخباراتي أنه كان يقوم بتحليل الأنماط، ورصد البيانات، بينما الجيل الجديد يقوم بالانتقال من التحليل بمساعدة الخوارزمية إلى التنفيذ، أي أن النموذج نفسه أصبح قادرًا على اكتشاف الثغرات السيبرانية وتنفيذ أي اختراق دون تدخل بشري مباشر في كل خطوة، وهذا التحول يُعد خطر كبير.
من اللافت للنظر أن هذا التحذير جاء من تحالف موجّه تاريخيًا لمواجهة خصوم وهو الاتحاد السوفيتي سابقًا، والصين وروسيا حاليًا، لكنه هذه المرة يحذّر من تقنية متطورة جدًا داخل إحدى الدول الأعضاء نفسها وهي الولايات المتحدة الأمريكية، مما يعكس كيف أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول من مساعد ضد خصم إلى تحالف يضرب في البنية الخاصة بالدولة نفسها المبتكرة والمطورة.
إسرائيل شريك غير مباشر في التحالف:
ورغم أن إسرائيل ليست عضوا رسميا في تحالف “العيون الخمس”، إلا إنها تُعد أحد أبرز الشركاء المعنيين بالجانب التكنولوجي والاستخباراتي مع الولايات المتحدة، كما أن لها علاقات تعاون وثيقة مع مؤسسات أمنية واستخباراتية غربية كثيرة، مثل وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، وذلك للتعاون في مجالات تحليل البيانات الضخمة، والأمن السيبراني.
كما تُعد الوحدة 8200 التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) من أكثر الوحدات الاستخباراتية تطورا في العالم في مجال الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، وقد أسهم خريجوها في تأسيس عشرات الشركات المتخصصة في الأمن السيبراني والاستخبارات الرقمية، والتي أصبحت ابتكاراتهم في الأنظمة تُستخدم في العديد من الدول الغربية. ومن أبرز هذه الشركات NSO Group المتخصصة في تقنيات الاختراق الرقمي، وCellebrite الرائدة في استخراج وتحليل البيانات الجنائية من الهواتف الذكية، وVoyager Labs التي تطورت منصات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل المحتوى المفتوح ورصد الشبكات الاجتماعية.
على الرغم من اختلاف طبيعة عمل هذه الشركات، فإنها تشكل جزءًا من المنظومة التكنولوجية التي تستفيد منها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الغربية، سواء عبر التعاون المباشر أو من خلال التعاقدات التجارية ونقل التكنولوجيا، وهو ما يعزز المكانة الإسرائيلية باعتبارها شريكًا غير مباشر في البيئة الاستخباراتية التي يعتمد عليها تحالف “العيون الخمس” في مواجهة التهديدات السيبرانية والاستخباراتية المتنامية.
وكل هذا لا يجعلنا نغفل من أن هناك العديد من الاخفاقات التي قد تحدث في هذا الشركات والأنظمة، وهو ما وجدناه في عملية طوفان الأقصى عام 2023.
مبادرات التشريع والعمل المشترك:
في ضوء التهديدات المتزايدة المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى الأمن السيبراني أو حملات التأثير المعلوماتي، برزت محاولات لوضع أطر تشريعية وتنسيقية بين دول تحالف العيون الخمس. وفي هذا السياق، في أكتوبر 2023، أصدرت الإدارة الأمريكية “الأمر التنفيذي 14110” والذي فرض تنسيقاً حكومياً واسعاً يضم أكثر من 50 كياناً فيدرالياً، وأدى إلى مطالبة الكونجرس بوضع إطار تنظيمي يضمن مشاركة بيانات الأمن القومي والاستخبارات بطرق آمنة وموثوقة. ركزت نقاشات لجنتي الاستخبارات والأمن الداخلي في الكونجرس على التعاون بين مجتمع الاستخبارات ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA) لمواجهة التهديدات الخارجية وتأمين البنية التحتية الحيوية للبلاد.، شهدت أواخر عام 2023 مداولات مكثفة حول قوانين تفويض الاستخبارات السنوية، والتي تضمنت بنوداً تلزم وكالات الاستخبارات بتبادل المعلومات بشكل أكثر كفاءة مع وكالات إنفاذ القانون لحماية المصالح الأمريكية والدفاع عنها. ويكتسب توقيت هذا المشروع أهمية خاصة، إذ جاء بعد أسابيع من عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، والتي كشفت عن إخفاقات استخباراتية وأمنية كبيرة لدى إسرائيل، وأبرزت الحاجة إلى تطوير آليات أكثر تقدمًا في تحليل البيانات والإنذار المبكر والتنسيق الاستخباراتي، مع توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرة على التنبؤ بالتهديدات والاستجابة لها ضمن إطار تعاوني بين الحلفاء.مستقبل التحالف في عصر الذكاء الاصطناعي.
ولا يعكس هذا التوجه مجرد استجابة تقنية للتحديات السيبرانية، بل يمثل تحولًا استراتيجيًا نحو دمج الذكاء الاصطناعي في بنية التعاون الاستخباراتي لدول التحالف، بما يضمن توحيد معايير تطوير النماذج الذكية، وتسريع تبادل البيانات، وتعزيز القدرة على مواجهة التهديدات الهجينة التي تجمع بين الهجمات السيبرانية، والتضليل المعلوماتي، والاستهداف الاستخباراتي.
الخلاصة
بعد مرور ما يقارب ثمانين عاماً على المصافحة الأولى في بليتشلي بارك، لا يزال تحالف العيون الخمس أحد أهم الشراكات في مجال الأمن العالمي. وقد ازدادت أهميته مع تطور المشهد الأمني. فتحديات الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وجمع المعلومات الاستخباراتية من الفضاء، وتصاعد التنافس بين القوى العظمى، كلها عوامل عززت قيمة التعاون الوثيق بين الحلفاء الموثوق بهم.
المصادر:
(1) https://www.congress.gov/bill/119th-congress/house-bill/2659
(2) https://news.usni.org/2023/11/21/highlights-of-the-2023-executive-order-on-artificial-intelligence
(3) https://news.usni.org/2023/11/21/highlights-of-the-2023-executive-order-on-artificial-intelligence
(4) https://breakingdefense.com/2023/11/ai-for-five-eyes-new-bill-pushes-ai-collaboration-with-uk-australia-canada-new-zealand/
(5) https://www.ndsshow.com/what-are-the-five-eyes/

