وحدة الدراسات الإسرائيلية
(أ.د.محمد أحمد صالح، أ.م.د.دعاء سيف، أ.سعد عبد العزيز، أ.نيفين أبو حمدة، أ.ولاء عبد المرضي)
شكّل عام 2025م محطة مفصلية في تاريخ المجتمع الإسرائيلي، إذ دخلت الدولة عامها الثاني في ظل تداعيات عدوانها على غزة، الذي شنته في أكتوبر 2023م، والتي ما زالت تلقي بظلالها على مختلف القطاعات الحيوية. لم تقتصر آثار الحرب على الجبهة العسكرية والأمنية فحسب، بل امتدت لتعيد تشكيل الحياة السياسية الداخلية، وتؤثر في التوازنات الاقتصادية، وتعيد توجيه الخطاب الثقافي والفكري والفني داخل المجتمع الإسرائيلي. وبذلك تحولت إسرائيل في 2025م إلى مجتمع يعيش حالة “تعبئة شاملة”، تتداخل فيها متطلبات الأمن مع أسئلة الهوية، ومستقبل الدولة، وحدود القوة العسكرية، وكلفة الحرب المستمرة.
في هذا السياق، شهدت إسرائيل خلال عام 2025م تحولات متسارعة، سياسيًا مع تصاعد الانقسامات الداخلية حول إدارة الحرب ومسؤوليات القيادة، وعسكريًا مع إعادة صياغة العقيدة القتالية وتوسيع مفهوم الردع متعدد الجبهات، واقتصاديًا مع ضغوط متزايدة على الميزانية العامة والاستثمار والنمو. وفي المقابل، برزت تحولات ثقافية وفكرية وفنية عكست محاولة المجتمع استيعاب الصدمة الجماعية، وإعادة إنتاج السرديات الخاصة، واحتواء مشاعر الخوف وفقدان الثقة بالشخصيات والمؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية. هكذا تداخل العدوان، بمظاهره المختلفة، مع الحياة اليومية، وأصبح محددًا رئيسا في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
أما عام 2026م، من المتوقع أن يحمل في طياته مرحلة انتقالية بالغة الحساسية بالنسبة لإسرائيل؛ إذ يتوقع أن يشهد اختبارًا لقدرة الدولة على تحويل نتائج الحرب إلى معادلات استراتيجية مستقرة، أو مواجهة احتمالات التآكل الداخلي والاستنزاف طويل الأمد. لهذا سيكون عام 2026م عامًا حاسمًا في بلورة الاتجاهات المستقبلية، والتي تبلورها التساؤلات التي تطرح نفسها، مثل: هل تتجه إسرائيل نحو مزيد من العسكرة والانغلاق القومي؟، أم تتجه نحو مراجعات سياسية وفكرية عميقة؟، وهل تنجح في استعادة توازنها الاقتصادي والاجتماعي؟. من هنا تأتي أهمية استشراف 2026م بوصفه عام “ترسيخ ما بعد الحرب”، حيث ستتحدد ملامح إسرائيل الجديدة في السياسة والأمن والاقتصاد والمجتمع والثقافة على السواء.
على المستوى السياسي
شهد عام 2025م ضغوطًا سياسية داخلية غير مسبوقة على الحكومة الإسرائيلية نتيجة العدوان الطويل والمكلف في غزة، واختلافات وتوترات في الائتلاف الحاكم، وردود فعل قوية من الرأي العام، وتحوّلات في العلاقات مع الولايات المتحدة والعالم. ومن المرجح أن يشهد عام 2026م استمرار ضغوط سياسية داخلية مع احتمال انتخابات مبكرة أو إعادة ترتيب التحالفات السياسية، ومراجعات في السياسات الخارجية لإعادة استقرار العلاقات الدولية، واستمرار الخلافات حول إدارة الصراع وأجندة ما بعد الحرب.
أ- المشهد السياسي الإسرائيلي خلال 2025م:
1-تأثير العدوان على غزة طويل الأمد: شهد عام 2025م استمرارًا غير مسبوق في الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في غزة حتى اتفاق وقف إطلاق النار في يناير 2025م، وهو حدث مركزِي في السياسة الإسرائيلية لأنه أثّر على الشرعية السياسية للحكومة وسياستها الأمنية؛ واستقرار الائتلاف الحكومي في الكنيست؛ والرأي العام الإسرائيلي والدولي تجاه قدرة الدولة على إدارة الحرب وتحقيق أهدافها. وتشير تقارير إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة لم يكن حسمًا حقيقيًا للنزاع، إذ ترك حماس أقوى سياسيًا، مما شكل ضغطًا على الساحة السياسية الإسرائيلية داخليًا وخارجيًا.
2-توترات وتحوّلات داخل الائتلاف الحاكم: شهد عام 2025م توترات وتحولات داخل الائتلاف الحاكم، ولا سيما بين قيادات الليكود وأجنحة اليمين المتطرف، في سياق الجدل حول قيادة بنيامين نتنياهو بعد الحرب؛ ومراجعات داخلية لعلاقات الشركاء في الائتلاف الحاكم مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن جفير؛ وتوترات حول السياسات في الضفة الغربية وجلوس الحكومة على طاولة سياسية واحدة في ظل التحديات العسكرية. كل هذا اضطر نتنياهو- ومازال – للتعامل بحذر مع شركائه السياسيين، مثل سموتريتش، لضمان استمرار دعم الائتلاف، خاصة في ما يتعلق بالسياسات الأمنية المتعلقة بالضفة الغربية.
3-تراجع معنويات الجمهور ومعدل قبول الحرب: رغم الخطاب الرسمي الإسرائيلي الذي يحاول تصوير العدوان بأنه نجاح استراتيجي، شهدت استطلاعات الرأي في إسرائيل ارتفاعًا في النقد تجاه إدارة الحرب وتراجعًا في نسبة التأييد للحكومة، لا سيما بين من يرون أن العمليات العسكرية والتداعيات الإنسانية للمواطنين المدنيين كانت باهظة التكلفة.
4-ضغوط داخلية على استقرار الائتلاف: التوترات والخلافات وتداعياتها أثّرت على الاستقرار السياسي الداخلي، فاندلع جدل حول الخدمة العسكرية الطويلة والاحتياط وتأثير ذلك على الاقتصاد والمجتمع، وانتقادات واحتجاجات من بعض الفئات الإسرائيلية، بما في ذلك مطالبات بإعادة التفكير في السياسات الأمنية، وتحركات داخلية للضغط على نتنياهو لتعديل سياسات الحكومة أو حتى الدعوة لانتخابات مبكرة في حال استمرار الأزمات الاجتماعية والأمنية.
ب- انعكاسات الحرب على العلاقات الخارجية لإسرائيل
1-العلاقات مع الولايات المتحدة: لوحظ في 2025م تحوّل في التوافقات والتفاهمات بين واشنطن وتل أبيب، حيث بدأ الرئيس الأمريكي ترامب يستغل تأثيره في السياسة الإسرائيلية أكثر من ذي قبل، بما في ذلك ملف وقف إطلاق النار بقطاع غزة. وهذا يشير إلى توازن جديد في العلاقات الثنائية، حيث باتت واشنطن تمتلك أوراق ضغط أكبر على إسرائيل في ملفاتها الحساسة.
2-العلاقات الإقليمية والدولية: التصعيد في الحرب والتداعيات الإنسانية، بما في ذلك اتهامات الخطاب الدولي إسرائيل بـ”الإبادة” في بعض التقارير، زاد من عزلة إسرائيل سياسيًا في بعض الأوساط الدولية، لا سيما في أوروبا والدول العربية. كما لعبت بعض الدول الإقليمية، في مقدمتها مصر، أدوارًا في التفاوض لوقف الحرب، مما أضاف طبقة سياسية جديدة للمشهد الدبلوماسي الإسرائيلي.
جـ- تقييم مسار السياسة الإسرائيلية في 2025م
1-الانقسام الداخلي حول استراتيجية الحرب: شهدت السياسة الإسرائيلية انقسامًا بين من يرى أن الحرب ضرورة وجودية لأمن الدولة؛ ومن يحذر من تداعيات طويلة الأمد على الاستقرار السياسي الداخلي والاقتصاد. ظهر هذا الانقسام في النقاشات السياسية والاعلامية داخل إسرائيل، كما ظهر عدم الإجماع حول نهاية العدوان أو أدوات التعامل معه.
2-ترسيخ السرديات المتطرفة في بعض التنظيمات والأحزاب السياسية: عزّز اليمين المتطرف في إسرائيل خطابه حول الحاجة إلى تفكيك القوى الفلسطينية سياسيًا وأمنيًا، وهو ما انعكس على سياسات الضم والاستيطان في الضفة، حتى في سياق تقييم وقف النار في غزة.
د- استشراف عام 2026 – السيناريوهات السياسية المتوقعة
1-استمرار حالة الاستقطاب السياسي الداخلي: الوضع في إسرائيل سينطلق في 2026م من ضغوط اقتصادية واجتماعية ناتجة عن تكلفة الحرب، وإرث سياسي متنازع عليه داخل الأحزاب وبين شرائح المجتمع. ومن المتوقع أن يستمر الاستقطاب الحاد داخل الساحة السياسية الإسرائيلية حول كيفية التعامل مع غزة، والضفة الغربية، والعلاقات الدولية، وقد يؤدي ذلك إلى التعجيل بعقد انتخابات مبكرة.
2-احتمال عقد انتخابات مبكرة أو إعادة ترتيب الائتلاف: إذا استمرت الضغوط الداخلية والاجتماعية، يمكن أن تكون 2026م سنة تسويات حزبية جديدة، أو انتخابات مبكرة في حال فشل الائتلاف في الاستمرار مع استمرار الأزمات المعيشية والأمنية.
3-تحوّل محور السياسة الخارجية: قد يشهد 2026م مراجعة التحالفات الخارجية لإسرائيل، خصوصًا مع الولايات المتحدة وأوروبا، في ظل رغبة بعض القوى الدولية في تهدئة الصراع، ومحاولة إسرائيل توسيع قواعد دعمها الدولي بعيدًا عن الانقسامات الحادة.
4-تأثير الحرب على شرعية القيادة: استمرار التوتر السياسي الداخلي قد يضع نتنياهو وقيادات اليمين في تحدّ لإعادة بناء شرعية سياسية جديدة لصياغة رؤية ما بعد الحرب، خصوصًا مع بروز انتقادات واسعة من داخل المجتمع الإسرائيلي وحتى من تيارات مؤيدة تقليديًا للحكومة.
هـ-انتخابات 2026م الاستثنائية وقضاياها
ينظر إلى انتخابات عام 2026م على أنها استثنائية؛ لأنها تأتي في سياق غير مسبوق منذ تأسيس الدولة عام 1948م، حيث تتقاطع ثلاثة مستويات من الأزمات: أزمة أمنية – استراتيجية بعد أحداث غزة في السابع من أكتوبر وتداعياتها وما تلاها من صدامات مع محور إيران. وأزمة سياسية داخلية بسبب تراجع الثقة في المؤسسات والقيادات السياسية والعسكرية، والانقسام حول التعديلات القضائية ومسؤولية الإخفاق الأمني. وأزمة إقليمية – دولية تتمثل في تصاعد الضغط الأمريكي والأوروبي، واتساع العزلة الدبلوماسية، وتحولات موازين القوى في الشرق الأوسط. هذا التداخل والتشابك والتقاطع يجعل الانتخابات القادمة عام 2026م استفتاءً على مستقبل العقيدة الأمنية والسياسية لإسرائيل، وليس مجرد تنافس حزبي تقليدي.
ويشير محللون إلى أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستُحسم بميزان الأمن الإقليمي، فكلما اقتربت إسرائيل من حرب واسعة، صعد اليمين؛ وكلما اقتربت من تسوية إقليمية، صعد الوسط. أما استمرار المأزق الحالي فسيُنتج نظامًا سياسيًا هشًا قابلًا للانفجار في أي لحظة. وبالتالي، الانتخابات الإسرائيلية القادمة ستكون مرآة مباشرة لتوازن القوة في الشرق الأوسط أكثر مما هي تنافس حزبي داخلي فقط.
ومن القضايا التي تشغل الناخب الإسرائيلي في هذه الانتخابات القادمة:
1-الأمن والسياسة الخارجية: من أهم القضايا التي تُحدّد مواقف الأحزاب وتؤثّر في الناخب الإسرائيلي التصدي لما يسمى “التهديد” الإيراني ومحور المقاومة، فإيران وحزب الله والحوثيون بات يُنظر إليهم كتهديد وجودي ممتد جغرافيًا، وأي تصعيد مباشر مع حزب الله أو إيران قبل الانتخابات سيعيد مركز الثقل إلى خطاب الردع والقوة، وكلما زاد التصعيد الإقليمي زادت فرص عودة اليمين القومي المتشدد. والأمر نفسه في التعامل مع غزة، فاستمرار عدم الحسم الكامل ضد حماس، رغم الاتفاق الدولي على وقف إطلاق النار في شرم الشيخ، يخلق شعورًا عامًّا بأن الحرب لم تحقق “نصرًا حاسما”، كما أن حكومة اليمين المتطرف كانت تلعب بورقة جثة واحدة باقية، ورغم عودة كل الأسرى والمفقودين وحتى الجثة الأخيرة، فإن أي انفجار جديد في غزة قبيل الانتخابات قد يخرق اتفاق شرم الشيخ وسيُستثمر انتخابيًا لصالح الأحزاب التي ترفع شعار “الأمن أولًا”، بما يعزز فرص أحزاب اليمين الأمني إذا تصاعد التهديد، أو تعزز فرص الوسط إذا ساد شعور بالإرهاق من الحرب. وعلى مستوى السياسة الخارجية تضغط واشنطن لفرض ترتيبات سياسية في غزة ومسار سياسي مع الفلسطينيين، وأوروبا تُلوّح بعقوبات أو اعتراف بالدولة الفلسطينية. من هنا ينشأ انقسام داخلي في إسرائيل بين اليمين الذي يرفض الإملاءات الدولية من جهة والوسط واليسار الذين يروّجان لخطة “إنقاذ إسرائيل من العزلة” من جهة أخرى. ورغم كل ذلك يجمع اليمين القومي والوسط المحافظ موقف رافض لتقديم تنازلات جذرية، بينما اليسار يدعو إلى حلول سياسية ودبلوماسية أكثر واقعية لإزالة الأزمات المتكررة. وعلى مستوى التطبيع نجد تجميدا لمسار التطبيع مع السعودية بعد العدوان على غزة من ناحية، ومن ناحية أخرى نجد تخوفا إسرائيليا من ضياع فرصة “الاندماج الإقليمي” الذي سعت إليه كثيرا، وكان هدفا محوريا في فترات سابقة، ورغم عدم اهتمام الأحزاب المتشددة بهذا المسار إلا أن أحزاب الوسط ستستخدم ورقة “إعادة التطبيع” كجزء رئيس من برنامجها الانتخابي.
2-القضايا الاجتماعية والسياسية الداخلية: قوانين التجنيد والخدمة العسكرية، واستقلال القضاء، وسياسات الاندماج الاجتماعي من أبرز القضايا الداخلية التي تقوّض أو تعزّز الائتلافات بين الأحزاب، وتؤثر على استقرار الحكومة الحالية وقد تُسهم في الدعوة لانتخابات مبكرة قبل موعدها المقرر.
3-مستقبل حلّ الدولتين والهوية الإسرائيلية: الاستيطان ومشروعاته في الضفة الغربية تزيد من الانقسامات حول مفهوم الهوية الوطنية الإسرائيلية ومستقبل العلاقات مع الفلسطينيين ومع العالم العربي، كما يضع ضغوطًا على إسرائيل في المحافل الدولية.
4-تحوّلات ديموجرافية وتأثير المجتمع المدني: هناك نقاشات في المجتمع الإسرائيلي بشأن العلمانية مقابل التديّن، حيث يشعر العلمانيون بأن تحوّلات اجتماعية وسياسية قد تضع مستقبل هذا التوجه في خطر، ما يجعله قضية انتخابية حسّاسة في 2026م.
على المستوى العسكري والأمني
مثل العدوان على غزة في أكتوبر 2023م مرحلة حرجة في أمن إسرائيل القومي، فكشف هشاشة بعض ركائز عقيدتها العسكرية ومنظومة الردع والاستخبارات، فأصبحت تواجه تهديدات أمنية على رأسها التهديد النووي الإيراني وحركات المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق، فضلا عن التحولات الخطيرة في سوريا، وصعود النفوذ التركي، واستمرار الصراعات في القرن الإفريقي. ويفرض هذا الواقع على إسرائيل تطوير مقاربة استباقية متعددة الأبعاد، تجمع بين القوة العسكرية والاستخبارات.
تواجه إسرائيل العديد من التحديات الأمنية، منها:
1-دوائر التهديد الثلاث: مع بداية عام 2026، تواجه إسرائيل واقعًا أمنيًا معقدًا يتطلب تحوّلًا استراتيجيًا جذريًا. ففي الوقت الذي استنزفت فيه الدولة العبرية مواردها خلال العامين الماضيين في مواجهات محلية على الحدود مع قطاع غزة وجنوب لبنان، يتعاظم التهديد الإيراني في الدوائر الأبعد. ويقسم الخبراء الاستراتيجيون التحديات العسكرية التي تواجه إسرائيل إلى ثلاث دوائر متصلة: الأولى، يتركز فيها الصراع العسكري التقليدي من قتال مباشر على الحدود مع حماس في غزة وحزب الله في لبنان، وكذلك في الجنوب السوري بعد سقوط نظام بشار. الثانية، يتركز الصراع مع أذرع إيران في اليمن والعراق، والتي تعمل على توسيع نفوذها وقدراتها العسكرية ضد إسرائيل. الثالثة: وهي إيران نفسها، التي تشكل التهديد الأكثر خطورة بطموحاتها نووية وسعيها لتغيير ميزان القوى الإقليمي، فضلا عن تدشين الجبهة الجديدة في القرن الأفريقي ومدخل البحر الأحمر، بعد اعتراف إسرائيل باستقلال أرض الصومال. وفيما يخص التهديد النووي الإيراني فإن إسرائيل تضع له ثلاثة سيناريوهات رئيسة: الأول اتفاق نووي مُحكَم يقيّد البرنامج الإيراني بمشاركة وضمانات إسرائيلية، والثاني استمرار التقدم دون اختراق، ما يستدعي عقوبات وضغطًا استخباراتيًا متواصلًا. والثالث الاختراق النووي الكامل، وهو سيناريو قد يفرض خيار الضربة العسكرية الإسرائيلية، سواء بالتنسيق مع واشنطن أو بصورة مستقلة.
2-المرحلة الثانية من خطة ترامب في غزة: بعد أكثر من عامين على عدوانها تُشير التطورات الأخيرة إلى نهاية جزئية لمرحلة الصراع في قطاع غزة، مع إعادة جثمان آخر جندي إسرائيلي. ويُعد ذلك إنجازا لإسرائيل لكنه في الوقت نفسه يفتح فصلًا جديدًا من التحديات الأمنية، مع انتقال القطاع نحو المرحلة الثانية من خطة ترامب لإعادة الاستقرار، والتي تتضمن إقامة حكومة تكنوقراطية، باسم “مجلس سلام دولي”، ونزع سلاح حماس. وتظهر إسرائيل تحفظات قوية على خطة ترامب، حيث تطالب بالوجود العسكري المستمر، من هنا يتعين على الجيش الإسرائيلي الاستمرار في السيطرة على “الخط الأصفر” حتى التأكد من نزع السلاح الكامل لحماس، لضمان حماية سكان غلاف غزة ومنع استعادة التنظيم قدراته. مكافحة التهريب وإعادة تسليح المقاومة ومراقبة المعابر، خصوصًا معبر رفح، لمنع إدخال أسلحة ومواد ذات استخدام مزدوج تعزز قدرات حماس، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى. الإشراف على نزع السلاح، إذ برغم تعهدات ترامب، تظل قدرة إسرائيل على فرض نزع سلاح حماس محل شك، مع اصرار حماس على تمسكها بالسلاح وضغوط الدول المشاركة في الوساطة (مصر وتركيا وقطر). دعم القوى المحلية المعارضة لحماس عبر تعزيز حضور الفصائل المدنية والمجتمعية التي يمكن أن تحد من هيمنة حماس وتوفر بدائل للإدارة المحلية.
3-إشكالات أمنية – حاضرة ومستقبلية: لا شك أن عدوان إسرائيل على غزة لأكثر من عامين خلفت العديد من التداعيات العسكرية الخطيرة على الجيش الإسرائيلي، منها أزمة الردع وتآكل صورة القوة، من هنا يصبح عام 2026م مرشّحا لأن يشهد استمرار تآكل الردع الإسرائيلي. فخصوم إسرائيل باتوا أكثر جرأة في اختبار الخطوط الحمراء، ونجحوا في العمل تحت عتبة الحرب الشاملة، ما يقلل من فعالية التفوق العسكري التقليدي. دور الاستخبارات والإنذار المبكر، فيبقى التحدي الاستخباري في صميم معادلة الأمن القومي؛ لأن فجوات التقدير الاستراتيجي التي سبقت 7 أكتوبر خلقت أزمة ثقة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية. كما أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، مقابل تراجع التحليل البشري العميق، زاد خطر المفاجآت. الجيش والموارد البشرية، لقد أفرزت الحرب الطويلة تحديات عسكرية داخلية لا تقل خطورة عن التهديدات الخارجية. فإنهاك قوات الاحتياط، والضغط النفسي والاجتماعي على الجنود والضباط، والحاجة إلى إعادة بناء القوة البرية معنويًا وعملياتيًا، كلها عوامل قد لا تنفجر فورًا، لكنها ستؤثر بعمق في أي مواجهة واسعة خلال 2026م. الدفاع الجوي والحرب غير التقليدية، فرغم التفوق العسكري الإسرائيلي في منظومات الدفاع الجوي، فإن كثافة الصواريخ والمسيّرات في سيناريو حرب متعددة الجبهات قد تُنهك هذه المنظومات، وهو ماظهر في حرب الإثني عشر يوما مع إيران. إلى جانب ذلك، يتصاعد التهديد السيبراني ضد البنى التحتية الحيوية، فيما ينتقل الخصوم تدريجيًا إلى حرب استنزاف ذكية، منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
تدخل إسرائيل عام 2026م وهي تواجه بيئة أمنية شديدة التعقيد تتسم بتعدد الجبهات وتآكل الردع وضغوط داخلية وخارجية متزامنة. ولم تعد التهديدات محصورة في خطر عسكري مباشر، بل باتت تشمل أزمة في إدارة الصراع، وفي العلاقة بين القوة العسكرية والقرار السياسي. ويظل الملف الإيراني التحدي الاستراتيجي الأبرز، فيما تشكّل غزة والجبهة الشمالية ومسرح البحر الأحمر والقرن الإفريقي ساحات استنزاف مفتوحة تزيد من هشاشة الوضع الأمني الإسرائيلي، خاصةً أن التحدي المركزي لإسرائيل لم يعد عسكريًا بحتًا، بل يكمن في قصور نموذج الأمن القومي عن التعامل مع صراعات طويلة ومتعددة الجبهات.
على المستوى الاقتصادي
شكّل عام 2025م أحد أكثر الأعوام تعقيدًا للاقتصاد الإسرائيلي، بسبب التداخلات الأمنية والسياسية في الوضع الاقتصادي الإسرائيلي، وهو ما أثر على المؤشرات المختلفة للاقتصاد، مثل الناتج المحلي، وحجم الدين، والنمو، وسعر الفائدة وسعر الصرف وغيرها من المؤشرات، وهذا أدى إلى فتح الباب أمام سيناريوهات مختلفة في عام 2026، جعل الاقتصاد يتراوح بين التعافي الحذر. ووفقًا لمؤشر أقوى الاقتصادات لعام 2025 الصادر عن مجلة الإيكونوميست تحتل إسرائيل المركز الثالث بفضل أداء سوق رأس المال المحلي. وقد تمكنت إسرائيل من قفزة نوعية إلى صدارة المؤشر، بعد أن كانت تحتل المركز السادس في عام 2024م.
لقد شهد الاقتصاد الإسرائيلي في الربع الثالث من عام 2025م فائض أصول خارجي أكبر، ووفقًا للبيانات التي اعلنها بنك إسرائيل المركزي أن هناك ارتفاعا في إجمالي أصول الإسرائيليين في الخارج من 33 مليار دولار ليصل إلى 885 مليار دولار، بينما لم تتجاوز الزيادة في التزامات إسرائيل الخارجية 16 مليار دولار، ونتيجةً لذلك ارتفع فائض أصول الدولة إلى 260 مليار دولار، ولعل السبب في ذلك هو ارتفاع أسعار الأسهم والسندات في الخارج التي تمتلكها العائلات اليهودية، والشركات الإسرائيلية ما أضاف حوالي 25 مليار دولار إلى قيمة المحافظ الاستثمارية. كما زادت الاستثمارات المباشرة للإسرائيليين في الخارج، وارتفعت أصول الاحتياطي لدى بنك إسرائيل لتصل إلى 232 مليار دولار، ويعزى ذلك بشكل رئيس إلى ارتفاع أسعار الأصول الاستثمارية العالمية.
بلغ إجمالي نمو الناتج المحلي 3.5% في الربع الثالث من عام 2025م مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2024م. وبلغ معدل ارتفاع أسعار الأسهم 53.3% مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2024م. وصلت إسرائيل إلى المركز الثالث بفضل تعافيها من بعض أزماتها السياسية التي كانت فيها.
يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 3.9% في عام 2026م، لتصبح إسرائيل متقدمة على ألمانيا من حيث الناتج الإجمالي، كما نشر بنك إسرائيل توقعات أعلى بنسبة 4.7%، أما وزارة المالية فتوقعت نسبة 5.1%.
ومع ذلك، وفي ظلّ بيئة التعافي من آثار الحرب، لا يُعتبر معدل نمو 3.9% مرتفعاً؛ لأن الاقتصاد بات يعيش حالة من عدم اليقين، ويعتمد على التطورات الجيوسياسية المحلية والبيئة الاقتصادية العالمية على حدّ سواء.
ارتفعت نسبة الدين العام في إسرائيل إلى حوالي 68.6% في 2025 نتيجة الإنفاق الدفاعي الذي ارتفع مع الحروب الإقليمية، بينما تم تسجيل عجز مالي في 2025 بنحو 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي، مما عكس ضغوطًا على المالية العامة مع تراجع بعض الإيرادات الدفاعية الكبيرة.
من أبرز التوقعات الاقتصادية التي وضعها بنك إسرائيل في سبتمبر 2025 بشأن المتغيرات الاقتصادية، أنه مع الانتهاء من العدوان على غزة خلال الربع الأول من عام 2026، من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي بنسبة 2.5% في عام 2025 و4.7% في عام 2026. ومن المتوقع أن يبلغ التضخم 2.4% حتى الربع الثالث من عام 2026، وبما أنه بلغ 3.0% خلال عام 2025، فمن المتوقع أن يبلغ 2.2% خلال عام 2026.
ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يبلغ متوسط العجز في نهاية عام 2026م 4.8% من الناتج الإجمالي، وتتمثل العوامل الرئيسة المؤثرة على التوقعات في وتيرة التعافي الاقتصادي، حجم إيرادات الضرائب الحكومية، والسياسة المالية، والإنفاق الدفاعي، واستمرار العدوان على غزة. وفيما يتعلق بسعر الصرف، يتوقع أن يرتفع سعر الشيكل مقابل الدولار واليورو في العامين المقبلين، متأثراً بانخفاض أسعار الفائدة، وزيادة الاستثمارات الأجنية، والتغيرات في المخاطر الجيوسياسية.
يمكن الوقوف على مجموعة من المؤشرات الاقتصادية ذات الدلالة على النحو التالي:
–الأثر السلبي للهجرة العكسية على الاقتصاد الإسرائيلي: مثلت الهجرة العكسية في عام 2025م ظاهرة واضحة؛ فبحسب بيانات المكتب المركزي للإحصاء، فقد غادر 69.3 ألف إسرائيلي، أطباء ومهندسين وحاملي شهادات دكتوراه في العلوم والتكنولوجية والرياضيات، عاد منهم 19 ألفًا فقط.
– ارتفاع ميزانية وزارة الدفاع: كانت ميزانية وزارة الدفاع لعام 2025م الأضخم في تاريخها، حيث خضعت لتعديلات وزيادات متكررة لمواجهة تكاليف العمليات العسكرية المستمرة في غزة ودول الإقليم، فقد بلغت في صيغتها النهائية حوالي 135.7 مليار شيكل (نحو 36.8 مليار دولار)، وان بدأت بـ109.8 مليار شيكل في مارس 2025م، وإضيف حوالي 30.8 مليار شيكل لاحقاً في سبتمبر 2025 كـ”ميزانية تكميلية” لتغطية تكاليف الحرب. كما تم تركيز المشتريات والصفقات بشكل كبير على صفقات التسلح العاجلة، خاصة أنظمة الدفاع الجوي كما تم تخصيص مبالغ كبيرة لتعويض الذخائر والأسلحة المستهلكة. مع أن الميزانية تتلقى دعماً سنوياً ثابتاً من الولايات المتحدة بقيمة 3.8 مليار دولار، بالإضافة إلى تمويلات استثنائية أقرتها الإدارة الأمريكية لتعزيز قدرات الدفاع الصاروخي. وأدى ارتفاع الإنفاق العسكري إلى زيادة عجز الموازنة العامة ليصل إلى حوالي 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مما استدعى رفع ضريبة القيمة المضافة (VAT) إلى 18% لتمويل هذه الاحتياجات.
–أزمة التكنولوجيا الفائقة: مر قطاع التكنولوجيا الفائقة (Hi-Tech) في إسرائيل بمرحلة حرجة تتسم بـ”الركود التشغيلي”، ما ترك أثراً سلبيًّا على الاقتصاد الكلي الذي يعتمد على هذا القطاع كمحرك رئيسي. كما تراجع معدل نمو التوظيف في القطاع فانخفض في عام 2025م بمقدار 5,000 موظف لأول مرة منذ عقد، كما تفاقمت أزمة الخريجين الجدد في الدخول لسوق العمل، حيث تراجعت الوظائف الشاغرة لهذه الفئة بشكل حاد، مع ارتفاع معدلات البطالة بين تقنيي التكنولوجيا لتتجاوز المتوسط العام للاقتصاد. كما نقصت القوى العاملة بسبب الحرب، فقد أدى استدعاء جنود الاحتياط إلى تعطيل العمليات اليومية وتأخير تطوير المنتجات، فقد تأثرت 30% من الشركات من هذا الاستدعاء بشكل مباشر. وقد أشارت تقارير هيئة الابتكار الإسرائيلية إلى أن نحو 2.1% من القوى العاملة في مجال التقنية غادروا إسرائيل. كما أدى زيادة الإنفاق العسكري مع تراجع وتيرة نمو قطاع التكنولوجيا إلى رفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، والتي بلغت 68.6% بنهاية 2025م.
وهكذا شهد عام 2025 أداءً اقتصاديًا متباينا بسبب الضغط المتزايد لإنفاق للجيش الإسرائيلي والميزانية الكبيرة التي تم تخصيصها للعدوان على غزة والحروب الخارجية على عدة جبهات. من هنا يتوقع أن يحمل عام 2026م تعافيًا نسبيًا، معدلات تضخم أقل، واستقرارًا ماليًا شريطة استمرار اتفاقية وقف إطلاق النار وتحسّن الظروف الأمنية.
على المستوى الاجتماعي
-فقراء الحرب وارتفاع تكلفة المعيشة: يعيش المجتمع الإسرائيلي في حالة طوارئ نتيجة التداعيات الاقتصادية للعدوان على غزة بشكل عام، فارتفعت تكلفة المعيشة بنسبة 10% خلال عام 2025م فقط، ووفقًا لتقرير الفقر السنوي الصادر عن منظمة “لاتِت לתת”، فقد بلغ حجم الإنفاق السنوي للفرد في أسر الطبقة المتوسطة حوالي 9,539 شيكل، وبلغ دخل الأسرة التي يعمل فيها شخصان على الأقل حوالي 12,000 شيكل شهريًا، وأفاد 75% من الجمهور بأنهم تأثروا بارتفاع تكلفة المعيشة خلال العام الماضي، خاصة أولئك الذين كانوا يستفيدون سابقًا من مُنظمات توزيع الغذاء بشكل كبير، حيث تجاوزت نسبتهم 98%. وهناك زيادة بنسبة 27.5% في معدل انعدام الأمن الغذائي بين الأسر المتوسطة، و28.9% بين الأفراد، مقارنةً بعام 2024م، وبدأ ربع المستفيدين في طلب المساعدة الغذائية خلال عامي الحرب. وأفاد 59.6% من المستفيدين بتدهور وضعهم الاقتصادي خلال العام الماضي. ومن بين 41% من الأسر التي تتلقى الدعم، اضطر طفل واحد على الأقل للعمل، أي ما يعادل 2.4 ضعف النسبة في عموم السكان (17.2%). يوجد معيل واحد على الأقل في 83.2% من أسر المستفيدين (في سن العمل)، ومع ذلك ما زالوا يعانون من الفقر. ويشير 54.8% من المستفيدين إلى تدهور أوضاعهم الوظيفية منذ 7 أكتوبر، أي ما يعادل 2.1 ضعف النسبة في عموم السكان (26.2%)؛ ما يكشف عن صورة قاتمة لـــ”فقراء الحرب”؛ وهي الأُسر التي تواجه فقراً مدقعاً وفقًا للمؤشرات الإسرائيلية، وتواجه صعوبات في النفقات الأساسية كالغذاء والصحة والتوظيف في أعقاب تداعيات الحرب، إضافة لتفاقم ظاهرة النقص في احتياطي الأمن الغذائي في السنوات الأخيرة بشكل عام منذ جائحة كوفيد 19، وقد وضعj الدولة خطة وطنية للأمن الغذائي تبدأ من 2026م، تهدف إلى الحدّ من هذه الظاهرة وتضمن الإمداد الغذائي طويل الأمد.
–ارتفاع معدلات الإنفاق الدفاعي: أوصت لجنة ناجل[1]، بزيادة ميزانية الدفاع بما يتراوح بين ٩ و١٥ مليار شيكل إسرائيلي سنوياً (ليصبح المجموع ١٣٣ مليار شيكل إسرائيلي) خلال العِقد الذي يبدأ عام ٢٠٢٦م، وأمام انحسار مصادر التمويل المتاحة لزيادة ميزانية الدفاع، من المرجح أن يتم تعويض هذه الزيادة عن طريق رفع نسبة الدين والعجز في الناتج المحلي الإجمالي، رغم ما تنطوي عليه هذه الخُطوة من تهديد الاستقرار الاقتصادي الإسرائيلي بشكل عام.
–سوق العمل: بلغت الزيادة في متوسط الأجور في إسرائيل عام 2023م حوالي نصف الزيادة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD. شهد عاما العدوان على غزة تباطؤًا في زيادة الأجور.
–التوظيف في قطاع الخدمات التقنية المتقدمة: أدي انخفاض حجم الاستثمارات بسبب الحرب على غزة وتداعياتها إلى تقليل فرص العمل في هذا القطاع.
– الإنفاق على ضحايا عمليات المقاومة الفلسطينية: بلغ عدد ضحايا أعمال المقاومة الفلسطينية في إسرائيل حوالي 5000 شخص سنويًا في العِقد الذي سبق 7 أكتوبر 2023م، ثم أُدخلت تعديلات على صياغة القانون الخاص بهم لتوسيع نطاق المستفيدين منه بعد الحرب، وفي أكتوبر 2024م تم تحديد أكثر من 70000 في سنة واحدة، وبلغ عددهم حوالي 22666 شخصًا في فبراير 2025م فقط؛ وارتفع نتيجة لذلك معدل الإنفاق على التعويضات بشكل ملحوظ، من متوسط حوالي 51 مليون شيكل شهريًا قبل الحرب إلى حوالي 261 مليون شيكل حتى فبراير 2025م.
-المنظومة الصحية والبيئة: تعاملت المنظومة الصحية مع آلاف المرضى والجرحى خلال عامين من الحرب على عدة جبهات، فسُجِّل أعلى متوسط يومي لحالات دخول المستشفيات بسبب الحرب في أكتوبر ونوفمبر وديسمبر 2023م، وتجاوز المتوسط اليومي حوالي 100 حالة، ثم انخفض المتوسط اليومي تدريجيًا لمدة تسعة أشهر حتى عاد للارتفاع في أكتوبر2024م، نتيجةً للقتال العنيف مع حزب الله، وبلغ متوسط حالات دخول المستشفيات اليومية أعلى مستوى له في يونيو 2025م، خلال الحرب مع إيران. وتحتل إسرائيل مرتبة متدنية في مؤشر تنفيذ السياسات البيئية، وفقًا لتقرير رصد الصادر عن وزارة حماية البيئة الذي يفيد بوجود تأخيرات في تنفيذ جزء كبير من هذه التدابير، وينعكس هذا في انخفاض درجة إسرائيل في مؤشر تنفيذ السياسات البيئية، الذي يُقيّم مدى تطبيق السياسات البيئية، ويركز على خفض الانبعاثات والاستعداد للتغيرات المناخية. وتحتل إسرائيل المرتبة الأخيرة بالمقارنة مع دول حوض البحر الأبيض المتوسط الأخرى.
-تفاقم الصعوبات العاطفية والسلوكية لدى الأطفال: أظهرت دراسة، أجرتها مبادرة مركز تآؤوب لدراسة الطفولة المبكرة خلال الحرب، اتجاهًا واضحًا من ازدياد معاناة الأطفال الذين أُغلقت مؤسساتهم التعليمية لأسبوعين فأكثر، من صعوبات عاطفية واضطرابات سلوكية وانخفاض ملحوظ في المستوى التعليمي، نتيجة لعدم استقرار روتينهم اليومي ونقص الدعم التعليمي والنفسي، وقد أظهر ذلك قدرة الأطفال وأسرهم على التكيف مع الواقع الجديد، وإيجاد حلول بديلة، ما يشير إلى أن إغلاق المؤسسات التعليمية في حالات الطوارئ قد يكون له تأثير فوري على الصحة النفسية للأطفال بشكل عام والقدرة على التكيف المدى الطويل.
-القطاع الفلسطيني في الداخل الإسرائيلي: كان العنف والجريمة، ومازالا، آفة مستشرية بين فلسطيني الداخل، وإن كانت الغالبية العظمى من الضحايا من قطاع فلسطيني الداخل، حيث تتكرر جرائم القتل بوتيرة متسارعة، ويُلقي الواقع الدموي بظلاله على حياتهم اليومية؛ إذ بلغ عدد الضحايا 252 مواطنًا فلسطينيًا، قُتلوا في 218 جريمة عنف وجريمة مُنظّمة؛ وهو ارتفاع خطير مقارنة بعام 2024م الذي سُجّل فيه مقتل 230 شخصًا. وقد قُتل حوالي (88%) من بين الضحايا بالرصاص الحي، وبلغ عدد النساء المقتولات 23 امرأة، وكان أكثر من 51% من الضحايا من الفئة العمرية 18-30 عامًا، وارتفع معدل الضحايا في الفئة العمرية 18-40 عامًا ليصل إلى 72.2% في 2025م، واحتلت اللد- الناصرة المرتبة الأولى بـ 18 ضحية لكل منهما، وقُتل 12 ضحية عام 2025م خلال نشاطات شرطية. كما شهد هذا القطاع نِسَبًا متدنّية في التوصل للجاني، كما شهد أيضًا انخفاضًا في الميزانيات والبرامج الإدارية والاستثمار والخطط الاستراتيجية، إلى جانب غياب الحوار وفشل واضح في ترتيب أولويات عمل الشرطة والتنسيق الحقيقي بين الوزارات الحكومية.
-شعور وطني متردي: يشير مؤشر الصوت الإسرائيلي لعام 2025م، إلى أن حوالي 71% من الجمهور الإسرائيلي يعاني من أضرار نفسية واقتصادية عميقة، ويتشكك في تحقيق أهداف الحرب وإنهائها. يؤيد 55% من الجمهور تشكيل لجنة تحقيق حكومية، بينما يؤيد 22% لجنة تحقيق تُعيّن الحكومة أعضاءها. ويعاني حوالي 73% من اليهود و58% من فلسطيني الداخل، من شعور وطني سئ أو سئ للغاية، وتسود حالة من التشاؤم على المستوى الوطني، وأبلغ أكثر من 80% من فلسطينيي الداخل عن أضرار نفسية أو اقتصادية، وهي ضعف النسبة في القطاع اليهودي. ورغم انخفاض معدل التفاؤل بشأن مستقبل الأمن القومي الإسرائيلي بنسبة 8% في ديسمبر 2025م، يعتقد ثلاثة أرباع اليهود أن العيش في إسرائيل هو الأكثر أمانًا، مقارنةً بثلث فلسطينيي الداخل.
-عام انتخابي من منظور اجتماعي: يؤيد ثلثا ناخبي المعارضة اليهودية تشكيل حكومة بالتعاون مع القائمة العربية المشتركة، بينما يعارض ذلك 82% من ناخبي الائتلاف، وأفاد نحو النصف من عامة الجمهور أنهم سيفضلون- عند اختيار مرشحهم- الأحزاب التي تضمن تمثيلاً متساوياً للمرأة، ويُعزى إلى تراجع حقيقي في اهتمام الحكومة بمختلف القضايا الاجتماعية، والاعتقاد بأن وضع المرأة سيكون أفضل بوجود عدد أكبر من النساء في الكنيست والحكومة، والمناصب العليا في مختلف الوزارات الحكومية. وأظهر تقرير المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أن أقلية من المتشددين دينيًا والمتدينين (28%، 35%)، وكذلك نصف المتدينين التقليديين (51%) وأغلبية من غير المتدينين التقليديين (58%) والعلمانيين (59%)- يُفضّلون الأحزاب التي تُحقق المساواة بين الجنسين.
-تهديدات الأمن القومي: يرى 3 من كل 5 من القطاع اليهودي بعد حرب الـ12 يوم ضد إيران، أنها تشكل تهديدًا وجوديًا على إسرائيل، وأن حدة التهديد قد ازدادت مقارنةً بتقييمها في نهاية الحرب، وجميعهم يرددون أن إيران هي أخطر تهديد لإسرائيل، ويعتقد اليهود الذين يحملون الجنسية الأمريكية أن قطر هي التهديد التالي بعد إيران، بينما يرى اليهود الإسرائيليون (فقط) أن تركيا تأتي في المرتبة الثانية، ويوجد تباين كبير فيما يتعلق بتصنيف اليمن؛ حيث يُنظر إلى اليمن على أنه تهديد أكبر بين اليهود الذين يحملون جنسيات الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة، مقارنةً بتصنيفه بين اليهود الإسرائيلين. وقد احتلت السعودية ومصر المرتبة الأولى كأقل الدول تهديدًا لإسرائيل لدى جميع المجموعات، وتُعتبر السعودية الأقل تهديدًا بين اليهود الكنديين والبريطانيين وبين اليهود في إسرائيل. وتعتقد أغلبية كبيرة من اليهود الإسرائيليين أن هناك زيادة ملحوظة في مظاهر معاداة السامية بشكل عام، ويعتقد 85% من اليهود أن صورة إسرائيل في عام 2025م قد تضررت على المستوى العالمي. ويشعر معظم اليهود بأن الهوية اليهودية لا تقل أهمية بالنسبة لهم عن أهميتها لآبائهم، مقارنةً بأبنائهم خاصة جيلZ-. فقد أفاد ثلث المشاركين في استطلاع معهد سياسات الشعب اليهودي بأنهم يهتمون بهويتهم اليهودية أكثر من اهتمام أبنائهم بزيادة طفيفة مقارنةً بعام 2024م. وتبرز اختلافات في استمرارية ترسيخ الهوية بين الأجيال؛ حيث يبرز الشعور بأن الآباء أكثر ارتباطًا بالهوية اليهودية من أبنائهم (41% و37% على التوالي) بين الإصلاحيين والمحافظين، بينما يميل المتدينون والحريديم بشدة إلى وجود أوجه تشابه بين الأجيال (51% و53%) في هذا الإطار.
على المستوى الثقافي والفكري
لم يكن عام 2025م في إسرائيل عامًا عاديًا على المستوى الثقافي والفكري، إذ ظل الصراع مع الفلسطينيين في صميم النقاشات الفكرية والثقافية، بل لعب دورًا محوريًا في تشكيل كثير من الإنتاجات الفكرية والفنية والنقاشات العامة داخل المجتمع الإسرائيلي وخارجه. تشير الدراسات إلى أن الفنون والثقافة لم تعد تجارب تجميلية أو ترفيهية فقط، بل وسائل تعبير عن الانقسام الاجتماعي السياسي والهوية الوطنية.
جسّدت الفنون والثقافة داخل إسرائيل عام 2025م فضاءً لقراءات الحرب والعدوان على غزة، وللنقد الذاتي وللتعبير القومي، وأدّى دخول أطراف إقليمية ودولية في الصراعات والحروب إلى مقاطعات وتيارات فنية مضادة، محدثة توترات في المشهد الثقافي. كما أثرت الحرب على البنية الثقافية الفلسطينية، وهو تأثير يمتد تأثيره على النقاشات الإسرائيلية حول الهوية والإبداع. وفي عام 2026م ستكون النقاشات الفكرية حاسمة في فهم العلاقة بين الثقافة والحرب، والحرية الفنية وأخلاقياتها في زمن الأزمات والحروب.
أ-المشهد الثقافي والفكري داخل إسرائيل في 2025م
1-توظيف الحرب في الفن والإبداع: فرضت الحرب نفسها كموضوع أساسي في الأعمال الفنية الإسرائيلية، فتناولها السينمائيون والمخرجون والمبدعون كصراع داخلي على الهوية والذاكرة والعدالة، وليس مجرد حدث عسكري عابر. فقد عكس، مثلا، الفيلم الوثائقي “מכתב לדוויד” (خطاب لديفيد) مباشرة تأثير الحرب على الأفراد والإنتاج السينمائي الإسرائيلي، مستحضراً تجارب الذاكرة والوفاء والصدمة داخل سياق الحرب، فقدّم الفيلم رسالة إلى ديفيد كوينيو، الممثل الإسرائيلي الذي اختُطف خلال أحداث 7 أكتوبر 2023م من كيبوتس نير عوز، وظلّ محتجزًا في غزة طوال فترة الحرب حتى عام 2025م. والفيلم يعالج موضوعات إنسانية أساسية: الذاكرة، والروابط الأسرية، وفقدان السيطرة، وإعادة النظر في معنى الحرب من منظور شخصي جدًا، فهو ليس وثائقي حرب بقدر ما هو تأمل سينمائي في تأثير الحرب على الفرد والمجتمع، أي أنه لا يعالج الحرب كتقرير أخباري، بل يعالجها كـتجربة إنسانية معقدة تتجاوز السرد السياسي التقليدي، ما يجعله جزءًا من تيار ثقافي يعيد التفكير في الحرب كظاهرة تتغلغل في الوعي الفردي والمجتمعي. وقد فاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم وثائقي في جوائز “أوفير” الإسرائيلية 2025م.
2-فنون الذاكرة والرموز الاجتماعية: استخدمت بعض الأعمال الفنية التركيبية مواد الحرب نفسها في الفن، مثل الأعمال التي تحول بقايا حرب أو أجزاء من صواريخ إلى رموز تعبيرية، لتمثل تحولًا في الرموز واستثمارها في التعبير عن الأمل والمقاومة النفسية داخل المجتمع، مثل “חנוכייה של תקווה” (شمعدان الأمل)، الذي تمّ صنعه من شظايا صواريخ وقذائف، بما في ذلك أجزاء من منظومة القبة الحديدية والأجزاء المتفجرة من الصواريخ.
3-النقد الثقافي والمجتمعي: يسود الساحة الثقافية الإسرائيلية نقاش حاد حول دور الفن في زمن الحرب: هل يقوم بتجميل الصدمة؟، أم يمكن أن يكون أداة للمساءلة الأخلاقية والجمع بين المواطنين في مواجهة الأزمة؟ وهذا انعكس في نقد الأعمال السينمائية والمسرحية وحتى في أوساط المثقفين.
ب-الفكر والنقاشات العامة في إسرائيل
1-جدل حول الهوية الوطنية ودور الحرب: أثارت الحرب، على المستوى الفكري العام، نقاشات غير مسبوقة حول معنى إسرائيل كدولة: بين من يرى الحرب “ضرورية وجودية” وبين من ينتقد تأثيرها على الديمقراطية والهوية الثقافية.
2-تأثير الحرب على النقاش الفكري: ناقش محللون وفلاسفة وإعلاميون كيف أعادت الحروب والعدوان تعريف الإبداع والحرية الفنية، ومدى مسؤولية المثقف تجاه الحرب والأخلاق، مما أدى إلى انقسام داخل جماعة المفكرين والمثقفين.
جـ-التأثيرات الدولية على المشهد الثقافي الإسرائيلي
1-المقاطعة الثقافية العالمية: شهد 2025م تصاعدًا في مبادرات المقاطعة الثقافية والفنية ضد إسرائيل، مثل حركةNo Music For Genocide التي أطلقها فنانون وموسيقيون احتجاجًا على الإبادة الجماعية في غزة، واحتجاجًا على السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية وأماكن أخرى، فدعت إلى إزالة الموسيقى الإسرائيلية من المنصات العالمية كاحتجاج على الحرب، بوصف ذلك ضغطا ثقافيا يعبر عن الرفض، ويطالب بمحاكمة سياسية، وينهي انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. كما ظهر انسحاب فرق أوروبية أو إلغاء عروض فنية في إسرائيل، مثل إلغاء عرض أوبرا Tosca من قبلRoyal Ballet and Opera دار الباليه والأوبرا الملكية البريطانية، والتي كان من المقرر عرضها في تل أبيب عام 2026م بسبب الحرب في غزة، بعد أن وقع 182 من موظفي دار الباليه والأوبرا الملكية رسالة مفتوحة ينتقدون فيها موقف المؤسسة من الحرب في غزة، ويُدينون ما وصفوه بالصمت أو التجاهل تجاه ما يحدث في غزة.
2- مواجهة السرديات في مهرجانات خارجية: أصبحت الأعمال الإسرائيلية المشاركة في مهرجانات عالمية (سينما وفنون) تمثّل مشهدًا معقّدًا: غالبًا ما تُقرأ الأعمال في سياق سياسي متشابك، مما يؤثر على استقبالها وتقييمها دولياً.
د-المشهد الثقافي عند الفلسطينيين وتأثيره على الساحة الإسرائيلية: لا يمكن فصل التطورات الثقافية في إسرائيل عن تأثيرات الحرب على الثقافة الفلسطينية، فقد وثق العدوان والحرب تدمير مبانٍ ثقافية وتراثية في غزة، وأثر ذلك على الإنتاج الثقافي الفلسطيني بشكل كبير، وربما انعكست هذه المآسي على النقاشات داخل المجتمع الإسرائيلي حول مسؤولية الثقافة في زمن الحرب، وتعميق حدود الحوار بين الثقافات المتصارعة.
هـ-استشراف التوجهات الثقافية في عام 2026م
1-استمرار توظيف الحرب كموضوع ثقافي وسياسي: من المتوقع أن يستمر المنتج الثقافي الإسرائيلي في الأداء النقدي والتحليلي لآثار الحرب، ربما مع تركيز أكبر على معالجة الصدمة الجماعية والاجتماعية، وإعادة توثيق القصص الإنسانية، واستكشاف الحدود الأخلاقية للإبداع في زمن الصراع.
2-مزيد من التفاعل الدولي: تزايد المقاطعات واختيارات المنصات الدولية قد يدفع المثقفين الإسرائيليين للبحث عن صيغ جديدة للحوار الثقافي عبر الحدود، مثل الإنتاجات المشتركة، أو المشاريع التي تتناول السلام والعدالة.
3-نقاشات حول الذكاء الاصطناعي والإبداع: سيتوسع النقاش حول تأثيرات التكنولوجيا الحديثة (مثل الذكاء الاصطناعي) في الفنون والثقافة، باعتبارها أدوات لتعزيز التعبير أو كتهديد للهوية الفنية التقليدية، وهو موضوع يشغل الساحة الفكرية العالمية عام 2025م وسيستمر في 2026م.
-أ.د.محمد أحمد صالح: مقدمة التقرير والمستوى السياسي والمستوى الثقافي والفكري
-أ.م.د.دعاء سيف، وأ.ولاء عبد المرضي: المستوى الاقتصادي.
-أ.سعد عبد العزيز: المستوى العسكري والأمني.
-أ.نيفين أبو حمدة: المستوى الاجتماعي.
[1] تشكّلت لجنة “ناجل” في أغسطس 2024م، على إثر العدوان على غزة برئاسة “يعقوب ناجل”، وقُدّمت توصياتها في يناير 2025م، وتضمنت دراسة ميزانية الدفاع وبناء القوات المسلحة المطلوب ومختلف الأذرع الحربية، وتوصيات بشأن المخصصات المالية طويلة المدى- ميزانية الدفاع للعِقد المقبل” ومصادر الإنفاق الاحتياطية.

