(قراءة استراتيجية في المشاهد السياسية والأمنية والاقتصادية وانعكاساتها على التنافس المصري-الإثيوبي)
إعداد الباحثة: إيناس فارس
باحثة في العلاقات الدولية، طالبة ماجستير – (University of Aberdeen)
الملخص التنفيذي
يمر القرن الأفريقي بمرحلة يُعاد فيها تعريف معنى القوة أكثر مما تُعاد فيها رسم الحدود. فالمياه والطاقة والموانئ والممرات البحرية وشبكات الربط والاعتراف السياسي أصبحت أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن القوة العسكرية. وفي قلب هذا التحول يبرز التنافس المصري–الإثيوبي، لكنه لا يفسر المشهد الإقليمي وحده؛ فالحرب في السودان، وهشاشة الدولة في الصومال، والتوترات الداخلية في إثيوبيا ومع إريتريا، واضطراب البحر الأحمر، وتداخل المصالح الخليجية والدولية، كلها تجعل أمن دول المنطقة شديد الترابط، وتزيد من تداخل القرن الأفريقي مع حسابات الشرق الأوسط.
تنطلق الورقة من فرضية أن الدولة الأكثر قدرة على التأثير لن تكون بالضرورة صاحبة المورد الأكبر، بل التي تنجح في تحويل مواردها إلى نفوذ مستدام من خلال تماسك الداخل، وبناء شبكة من المصالح الاقتصادية والأمنية، والحصول على قبول إقليمي. ووفق هذا المعيار، تمتلك إثيوبيا عناصر صعود حقيقية بعد انتقال سد النهضة إلى مرحلة التشغيل، فيما تمتلك مصر عناصر قوة هيكلية واسعة بحكم موقعها عند قناة السويس، وثقلها العربي والأفريقي، وقدراتها الدبلوماسية والعسكرية. غير أن الطرفين يواجهان تحديًا مشتركًا يتمثل في تحويل هذه الأصول إلى نفوذ من دون الوقوع في الاستنزاف.
وتخلص الورقة إلى أن القرن الأفريقي يتجه، في المدى المنظور، نحو توازن تنافسي متعدد المراكز، لا إلى هيمنة إثيوبية ولا إلى عودة نظام إقليمي أحادي. وسيتحدد اتجاه هذا التوازن بقدرة الدول على إدارة ثلاثة ملفات مترابطة: قواعد تشغيل المياه في فترات الجفاف، وصيغة الوصول الإثيوبي إلى البحر ضمن سيادة الدول المعترف بها، ومستقبل الدولة في السودان والصومال. أما الخطر الأكبر، فلا يكمن في كل أزمة على حدة، بل في احتمال تزامنها وتفاعلها، بما قد يحول المنافسة المحدودة إلى حالة ممتدة من عدم الاستقرار الإقليمي.
جوهر المنافسة اليوم لم يعد في امتلاك سد أو ميناء أو حتى التفوق العسكري وحده، بل في القدرة على تحويل الجغرافيا إلى شبكة مصالح، والموارد إلى اعتماد متبادل، والتحالفات إلى قبول وشرعية إقليمية، من دون أن يتحول التمدد الخارجي إلى عبء يدفع المجتمع كلفته.
منهج الورقة ومصادرها
هذه ورقة تحليل استراتيجي واستشرافي موجهة إلى صانع القرار، وليست بحثًا أكاديميًا محكّمًا بالمعنى الصارم. وتعتمد على مزيج من الأدبيات الأكاديمية في العلاقات الدولية ودراسات القرن الأفريقي، وتقارير المؤسسات الدولية، ومنها الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلى جانب التغطية الصحفية الموثوقة لرصد المستجدات حتى منتصف أغسطس/آب 2026. ولا تعتمد الورقة على مقابلات ميدانية أو مصادر أولية مباشرة، وإنما على تحليل مصادر مفتوحة، جرى توثيقها في قائمة المراجع.
مقدمة
كثيرًا ما يُقرأ التنافس المصري–الإثيوبي من بوابة سد النهضة، وكأن النيل هو نقطة البداية والنهاية. هذه القراءة مفهومة، لكنها لم تعد كافية. فخلال الأعوام الأخيرة، انتقلت المنافسة من سؤال: من يملك حق استخدام المياه؟ إلى سؤال أوسع: من يستطيع التأثير في بنية الأمن والاقتصاد والاتصال في شرق أفريقيا والبحر الأحمر؟
هنا يصبح السد جزءًا من مشهد أكبر يشمل الطاقة والموانئ والوصول إلى البحر والتحالفات والوجود العسكري الخارجي، إلى جانب قضايا السيادة والاعتراف السياسي. وتستفيد الورقة من مفهوم “المركب الأمني الإقليمي” لدى بوزان وويفر [1]، الذي ينطلق من أن أمن الدول المتجاورة وتهديداتها مترابطة إلى درجة يصعب معها فهم أمن دولة بمعزل عن محيطها. كما تستند إلى أدبيات القرن الأفريقي التي تربط بناء الدولة بالصراع على الموارد والشبكات الإقليمية [2,3].
لكن تطبيق مفهوم “المركب الأمني الإقليمي“على القرن الأفريقي يحتاج إلى بعض المرونة؛ فالدولة هنا ليست دائمًا اللاعب الوحيد الذي يصنع التهديد أو يحدد اتجاهه. فقد تبدأ الأزمة من الداخل، من جماعة مسلحة أو صراع محلي أو ضعف في مؤسسات الدولة، ثم تعبر الحدود وتتحول إلى مشكلة إقليمية. كما أن الإدارات المحلية وشبكات التجارة والسلاح والفاعلين من خارج الدولة باتوا قادرين على التأثير في علاقات الدول نفسها [3–5].
لذلك، لا تستخدم هذه الدراسة مفهوم “المركب الأمني الإقليمي ” باعتباره إطارًا مغلقًا، بل كنقطة بداية لفهم حجم الترابط بين دول المنطقة، مع الأخذ في الاعتبار أن بعض التهديدات لا تبدأ بين دولتين، بل داخل الدولة نفسها قبل أن تنتقل آثارها إلى الجوار[6,7].
وفي القرن الأفريقي، قد يبدأ التهديد محليًا، ثم يعبر الحدود، قبل أن يعود ليغيّر حسابات الدول في الإقليم.
ولا تفترض الورقة وجود خطة إثيوبية معلنة للهيمنة، كما لا تفترض أن كل تحرك مصري في القرن الأفريقي يمثل سياسة احتواء لإثيوبيا. والأدق هو قراءة سلوك الطرفين باعتباره محاولة لتحسين الموقع الاستراتيجي في بيئة إقليمية أعادت صياغة قواعد التنافس. ولهذا تستخدم الورقة مفهوم “تحويل القوة”، والمقصود به قدرة الدولة على تحويل ما تمتلكه من موارد ومزايا إلى نفوذ سياسي مستدام، من خلال تماسك الداخل، وبناء شبكة من المصالح والعلاقات، والحصول على قبول إقليمي. وتساعد هذه القراءة على جمع الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية في مشهد واحد، بدل النظر إلى كل ملف باعتباره أزمة قائمة بذاتها.
جدول (1): كيف تتغير مصادر القوة في القرن الأفريقي؟
| لماذا يهم استراتيجيًا؟ | ما الذي يتغير؟ | المشهد |
| يحدد من يملك حق ترتيب الإقليم لا مجرد التأثير فيه | صراع على الشرعية والسيادة والاعتراف | السياسي |
| يرفع خطر الأزمات المركبة وسوء الحساب | انتقال التهديد بين السودان والصومال والبحر الأحمر | الأمني |
| القيمة تذهب إلى من يربط الجغرافيا بالتجارة والاستثمار | التحول من الموارد إلى الشبكات والممرات والطاقة | الاقتصادي |
| الأمن المائي يتحول إلى ملف مخاطر لا مجرد ملف حقوق | انتقال الخلاف من بناء السد إلى قواعد التشغيل في الجفاف | المائي والبيئي |
| كل نفوذ خارجي بلا قاعدة اجتماعية متماسكة يصبح هشًا | الحرب والجفاف والنزوح يضغطون على الدولة والمجتمع | الإنساني |
المشهد الجيوسياسي والبحري
تبدأ قراءة القرن الأفريقي من الجغرافيا، لكنها لا تنتهي عندها. فالإقليم يجاور البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، ويقع عند نقطة تربط المحيط الهندي بقناة السويس وشرق المتوسط. وتمنح هذه الجغرافيا دولًا صغيرة مثل جيبوتي وزنًا يتجاوز حجمها، كما تدفع دولًا حبيسة مثل إثيوبيا إلى البحث المستمر عن تنويع منافذها إلى البحر، فيما تربط أمن مصر الاقتصادي بتطورات تقع على بعد آلاف الكيلومترات من حدودها.ولم يعد البحر الأحمر مجرد ممر بين أفريقيا والشرق الأوسط، بل أصبح مساحة أمنية واقتصادية متداخلة، تلتقي فيها التجارة والطاقة والموانئ والقواعد العسكرية مع قضايا السيادة والاعتراف السياسي.

خريطة (1): المجال الجيوسياسي للقرن الأفريقي والبحر الأحمر (خريطة توضيحية)
كشفت اضطرابات الملاحة منذ أواخر 2023 أن السيطرة على البر وحدها لا تكفي لضمان القيمة الاستراتيجية للموقع. فالممر البحري لا يتحول إلى مصدر قوة إلا إذا كان آمنًا وقابلًا للاستخدام، ومدعومًا بشبكة مستقرة من الموانئ والخدمات والضمانات السياسية. ومن هذه الزاوية، تتجاوز القيمة الاستراتيجية لمصر قناة السويس نفسها، لتشمل قدرتها على الحفاظ على استمرارية المسار الملاحي الذي يصل إليها. أما بالنسبة لإثيوبيا، فالمشكلة لا تقتصر على غياب الساحل، بل تمتد إلى اعتمادها بدرجة كبيرة على منفذ رئيسي واحد للتجارة الخارجية، وما يترتب على ذلك من كلفة اقتصادية وهشاشة استراتيجية [8,9].
وتفسر هذه الصورة لماذا أصبح الوصول إلى البحر ملفًا سياسيًا وأمنيًا في الوقت نفسه. فحق إثيوبيا في تنويع منافذها التجارية لا يتعارض في ذاته مع مصالح دول الجوار، بل قد يفتح فرصًا أوسع للتجارة والاستثمار. وتبدأ المشكلة عندما يتقاطع هذا السعي مع قضايا السيادة أو مع ترتيبات أمنية غير واضحة. ومن هنا جاءت أهمية إعلان أنقرة، الذي حاول نقل الملف من منطق منفذ مقابل اعتراف أو امتياز سيادي إلى صيغة تقوم على وصول اقتصادي في إطار السيادة المعترف بها [10,11]. وإذا نجح هذا المسار، فقد يخفف من حدة التوتر في الإقليم؛ أما تعثره فقد يعيد ملف الوصول إلى البحر إلى قلب التنافس الإقليمي.

خريطة (2): معضلة الوصول الإثيوبي إلى البحر وخيارات الموانئ الرئيسة (خريطة توضيحية)
الخلاصة الجيوسياسية الأهم هي أن القوة في القرن الأفريقي لم تعد ترتبط فقط بامتلاك المنافذ، بل بالقدرة على إدارة ما يمر عبرها من مياه وكهرباء وسلع وسفن وتمويل ومعلومات. وهذا التحول يمنح أفضلية للدولة القادرة على تحويل موقعها ومواردها إلى شبكة من المصالح المترابطة، وإدارة علاقات معقدة في مجالات التجارة والموانئ والبحار، لا للدولة التي تعتمد على المساحة أو القوة العسكرية وحدهما. ومن هنا تصبح الموانئ والسدود وقناة السويس والسكك الحديدية وشبكات الكهرباء أجزاءً من معادلة واحدة: من ينجح في إبقاء هذه التدفقات مفتوحة وتنظيمها ضمن قواعد مقبولة إقليميًا، يكون أقدر على بناء نفوذ أكثر استدامة.
المشهد السياسي
يتسم المشهد السياسي في القرن الأفريقي بثلاث سمات متزامنة: هشاشة مؤسسات الدولة في بعض الدول، وتصاعد قضايا السيادة والاعتراف السياسي، واتساع مساحة الحركة أمام القوى المتوسطة للموازنة بين الشركاء وتجنب الارتهان لمحور واحد. ويُعد السودان المثال الأكثر قسوة؛ فالحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023 أضعفت مركز الدولة ودفعت الإقليم إلى التعامل مع فراغ استراتيجي على الضفة الغربية للبحر الأحمر وفي قلب وادي النيل. ولا يقتصر أثر هذا الفراغ على السودان، بل يمتد إلى بيئة النيل والحدود والموانئ والعلاقات المصرية–الإثيوبية معًا [12].
سياسيًا، تسعى القوى الإقليمية كذلك إلى إعادة تعريف مصادر الشرعية. فإثيوبيا تستند إلى سردية التنمية وحق الدولة في استخدام مواردها، بينما يستند الخطاب المصري إلى الأمن المائي وقواعد عدم الإضرار وضرورة التشاور. وبين السرديتين، لم تعد دول الجوار مجرد ساحات للتنافس، بل أصبحت أطرافًا قادرة على ترجيح الكفة وفق مصالحها. والسودان مثال واضح على ذلك؛ فلا يمكن اختزاله في موقعه بين القاهرة وأديس أبابا. فاستعادة دولة سودانية قادرة على اتخاذ قرار مستقل ستعيد تشكيل حسابات حوض النيل والبحر الأحمر معًا، بينما يترك استمرار التفكك ثغرة أمنية وسياسية مفتوحة أمام النفوذ الخارجي والتسويات الجزئية.
وفي الصومال، تتقاطع عملية بناء الدولة مع التنافس على السيادة. فقد أثارت مذكرة التفاهم الإثيوبية مع “أرض الصومال” في 2024 أزمة تجاوزت قضية الميناء إلى أسئلة الشرعية والحدود، قبل أن يقدم إعلان أنقرة في ديسمبر/كانون الأول 2024 إطارًا أكثر مرونة يقوم على احترام سيادة الصومال والبحث عن وصول إثيوبي إلى البحر ضمن ترتيبات متفاوض عليها [10,11]. كما أضاف الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” في ديسمبر/كانون الأول 2025 عاملًا جديدًا زاد المشهد تعقيدًا؛ إذ لا تكمن أهمية التطور في حسم الوضع القانوني، بل في إدخال ملف أفريقي حساس ضمن توازنات البحر الأحمر والشرق الأوسط، بالتوازي مع موقف أفريقي معلن يرفض المساس بوحدة الصومال [13,14].
وتظهر في بعض حالات القرن الأفريقي ملامح ظاهرة يمكن وصفها في هذه الدراسة بـ“تسليع السيادة”. والمقصود هنا ليس أن السيادة فقدت معناها القانوني، بل أن بعض عناصرها، مثل الأرض أو الساحل أو الميناء أو حق إبرام اتفاقيات مع الخارج، قد تتحول في الدول الهشة إلى أدوات تفاوض مقابل الاستثمار أو الحماية أو الدعم السياسي [3–5].
وتظهر هذه المسألة بوضوح في الحالة الصومالية، حيث لا تتحرك الحكومة المركزية والإدارات الإقليمية دائمًا من موقف واحد تجاه القوى الخارجية. وفي بعض الحالات، يتحول الميناء أو الاتفاق الأمني أو العلاقة مع دولة خارجية إلى جزء من صراع داخلي حول من يملك القرار ومن يملك حق تمثيل الدولة. وهنا تصبح هشاشة الدولة أكثر من مجرد نقطة ضعف تستفيد منها القوى الخارجية؛ إذ قد تتحول هي نفسها إلى مساحة للمساومة [3–5].
في الدولة المستقرة تُستخدم السيادة لتنظيم العلاقة مع الخارج، أما في الدولة الهشة فقد تصبح بعض عناصر السيادة نفسها جزءًا من عملية التفاوض مع الخارج.
أما إثيوبيا، فتتحرك سياسيًا من موقع دولة وازنة تستفيد من استضافتها لمقر الاتحاد الأفريقي، وتسعى إلى ترجمة ثقلها السكاني والجغرافي إلى نفوذ إقليمي أوسع. لكنها ما تزال بحاجة إلى إدارة ملفات داخلية ساخنة، من التوترات القومية والمناطقية إلى ملف حاجتها إلى البحر، بما يقلل احتمالات الصدام السيادي مع دول الجوار [15].
وفي المقابل، وسعت مصر حضورها في القرن الأفريقي عبر شراكتها الاستراتيجية مع الصومال وعلاقاتها مع دول البحر الأحمر. والأهم هنا ألا يُقرأ هذا الحضور باعتباره مجرد “تطويق” لإثيوبيا؛ فهو يرتبط أيضًا بمصالح مصر في أمن الملاحة، ووحدة الدول، واستقرار السودان، والحد من تشكل فراغات أمنية على الممرات الجنوبية المؤدية إلى قناة السويس [16].
المشهد الأمني والعسكري
يعكس المشهد الأمني في القرن الأفريقي ترابطًا جيوسياسيًا واضحًا؛ فالأزمات لا تبقى محصورة داخل حدود الدول، بل تنتقل تداعياتها عبر الحدود وتعيد تشكيل حسابات الأمن في الإقليم. فالحرب في السودان خلّفت تدفقات من السلاح والنزوح وفراغات حدودية، فيما يسمح ضعف الدولة في الصومال لحركة الشباب بالحفاظ على حضورها كتهديد أمني إقليمي، بينما يرفع التوتر الإثيوبي–الإريتري احتمالات انزلاق دولتين عاشتا حربًا تاريخية إلى مواجهة جديدة.
وفي الصومال، يعكس استمرار تهديد حركة الشباب بقاء البيئة الأمنية شديدة الهشاشة؛ وهو ما دفع مجلس الأمن إلى إعادة تأكيد نظام العقوبات وحظر السلاح المفروض عليها، مع تمديد إجراءات الاعتراض البحري حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2026 [17]. وفي إثيوبيا، أظهرت تطورات 2025–2026 أن التوتر في أمهرة وأجزاء من أوروميا، إلى جانب هشاشة الوضع في تيغراي وتصاعد التوتر مع إريتريا، يضع قيودًا على قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو الخارج [15,18].
وأصبح البحر الأحمر بدوره مسرحًا أمنيًا لا يمكن فصله عن الأمن الاقتصادي. فكثافة الوجود العسكري الدولي فيه تعكس القيمة الاستراتيجية للممر، لكنها تعني أيضًا أن أي أزمة محلية قد تتحول إلى جزء من تنافس إقليمي أوسع. وبالنسبة لمصر، لا يرتبط أمن قناة السويس بالقناة وحدها، بل يمتد عمليًا إلى جنوب البحر الأحمر وباب المندب. أما إثيوبيا، فإن غياب منفذ بحري مباشر يضعها أمام معادلة معقدة بين تأمين احتياجاتها الاقتصادية وحسابات أمنها القومي.
ومن هنا، يصبح من المهم التمييز بين الوصول التجاري المشروع إلى البحر وبين ترتيبات عسكرية غامضة أو ترتيبات قد تمس سيادة الدول. فالأول يمكن أن يعزز الاستقرار والاعتماد المتبادل، بينما قد يحول الثاني الحاجة الاقتصادية إلى مصدر توتر أمني إقليمي.
كما يمنح اتساع التعاون بين مصر والصومال الحضور المصري في القرن الأفريقي أساسًا أمنيًا أكثر وضوحًا ومشروعية، لكنه يحتاج إلى إدارة دقيقة حتى لا يتحول من أداة لتعزيز الدولة الصومالية إلى عنصر في سباق أمني مفتوح مع إثيوبيا. والأفضل استراتيجيًا أن يرتبط أي تعاون عسكري أو أمني ببناء المؤسسات، ومكافحة الإرهاب، وحماية السواحل، وضبط الحدود، لأن هذه الوظائف تخفض التهديد المشترك بدلًا من إعادة إنتاج منطق المحاور. وبالمثل، ترتفع قيمة أي تقارب إثيوبي مع شركاء بحريين كلما بقي اقتصاديًا وشفافًا، بينما تزداد مخاطره إذا ارتبط بترتيبات عسكرية ترفع حساسية القاهرة أو أسمرة أو مقديشو [16,19].
ومن زاوية الإنذار المبكر، لا ينبغي انتظار الاشتباك المباشر للحكم بأن البيئة الأمنية تتجه نحو التدهور؛ فمؤشرات التصعيد الأهم تظهر عادة قبل الوصول إلى نقطة المواجهة. ومن أبرزها تحوّل الخطاب الرسمي من التنافس إلى نزع الشرعية عن الطرف الآخر، والتحركات العسكرية غير المعتادة قرب الحدود، وترتيبات القواعد أو الموانئ غير الواضحة، وتعطيل قنوات الاتصال، أو تصاعد الاعتماد على الوكلاء المحليين.
ولا تكمن الخطورة في ظهور مؤشر واحد، بل في تزامن عدة مؤشرات خلال فترة زمنية متقاربة، بما قد ينقل الأزمة من حالة قابلة للاحتواء إلى مسار تصعيدي.
المشهد الاقتصادي والطاقة
تتنافس دول الإقليم على تحويل موقعها الجغرافي إلى مركز ربط إقليمي للتجارة والطاقة والنقل. وفي هذا السياق، تسعى إثيوبيا إلى توظيف الطاقة الكهرومائية والبنية التحتية لتعزيز ترابطها مع شرق أفريقيا، وفي الوقت نفسه تقليل كلفة اعتمادها الكبير على جيبوتي في الوصول إلى التجارة العالمية. وإذا نجحت في تحويل فائض الكهرباء إلى شبكة تصدير مستقرة وموثوقة، فإن القيمة الاستراتيجية لسد النهضة ستتجاوز إنتاج الطاقة إلى بناء علاقات اعتماد متبادل مع دول الجوار. وقد تناولت الأدبيات هذا المسار منذ سنوات بوصفه جزءًا من مشروع أوسع لبناء الدولة الإثيوبية وربط التنمية بالمياه والطاقة والبنية التحتية [20,21].
في المقابل، تستند القوة الاقتصادية الإقليمية لمصر إلى عناصر مختلفة، في مقدمتها قناة السويس والموانئ والبنية التحتية في شرق المتوسط وشبكات الطاقة. وقد أظهرت اضطرابات البحر الأحمر أن القيمة الاستراتيجية لقناة السويس لا ترتبط بالممر نفسه فقط، بل بأمن مسار ملاحي يمتد حتى جنوب البحر الأحمر وباب المندب. كما عكست العودة التدريجية لبعض خطوط الشحن إلى مسار السويس في يوليو/تموز 2026 مدى ارتباط حركة العبور، وبالتالي الإيرادات المصرية، بتقييم شركات الشحن للمخاطر الأمنية في المنطقة [8,22].
ويفرض قطاع الغاز بدوره قيودًا إضافية على هامش الحركة الاقتصادية المصرية. فتراجع الإنتاج المحلي وزيادة الحاجة إلى واردات الغاز المسال خلال 2025–2026 أظهرا أن الطموح في لعب دور مركز إقليمي للطاقة لا يمكن فصله عن أمن الإمدادات وكلفة الاستيراد. ومع ضغوط ملف غزة، وتراجع عوائد قناة السويس نتيجة اضطراب الملاحة، وارتفاع كلفة الطاقة، تضيق الموارد المتاحة للدولة لإدارة ملفاتها الأفريقية. ومن هنا، لا يعود الاقتصاد مجرد عامل داخلي، بل يصبح أحد عناصر القدرة الاستراتيجية؛ فالدولة التي تحافظ على متانتها المالية تكون أقدر على إدارة الأزمات الممتدة وبناء شراكات أكثر استدامة [22–24].
وتظهر هنا أيضًا أهمية التمويل الخارجي. فالمشروعات الكبرى في القرن الأفريقي تعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الدولة على جذب القروض والاستثمارات والشركاء القادرين على تحمل المخاطر. وهذا يضع حدودًا لفكرة الاستقلال الاستراتيجي الكامل؛ فكلما ارتفعت كلفة خدمة الدين، أو زادت هشاشة العملة، أو تراجعت ثقة المستثمرين، تقلصت قدرة الدولة على تمويل طموحاتها الإقليمية. لذلك، لا يمكن قياس الصعود الإثيوبي بحجم السد وحده، ولا القدرة المصرية بحجم الاقتصاد فقط، بل بقدرة كل طرف على الحفاظ على تدفقات مستقرة من التمويل والاستثمار والتجارة في بيئة عالية المخاطر [25,26].
وبالنسبة لدول القرن الأفريقي الأخرى، تمثل المنافسة فرصة بقدر ما تمثل خطرًا. فجيبوتي تستطيع الاستفادة من موقعها كمركز للخدمات والعبور، والصومال يمكنه تحويل موقعه وسواحله إلى قيمة اقتصادية إذا عزز مؤسسات الدولة والقواعد القانونية، بينما يمتلك السودان موقعًا وموارد يمكن أن تعيد إليه دورًا محوريًا إذا انتهت الحرب. ولذلك، فإن أي سياسة إقليمية عقلانية ينبغي أن تتعامل مع هذه الدول كشركاء اقتصاديين محتملين، لا كمجرد جغرافيا تُستخدم في موازنة الخصوم.
المشهد المائي والبيئي
يظل النيل من أكثر الملفات حساسية، لأنه يمس أمنًا وجوديًا لدول المصب، وفي الوقت نفسه يمثل لإثيوبيا رمزًا للتنمية والسيادة. لكن مرحلة ما بعد بناء سد النهضة تفرض تحولًا في السؤال الاستراتيجي؛ فلم يعد الخلاف الواقعي يدور حول وجود السد، بل حول قواعد تشغيله في الظروف الحرجة: تبادل البيانات، وإدارة الجفاف والجفاف الممتد، والتعامل مع الطوارئ، ومدى قابلية التشغيل للتنبؤ. فالقانون يحتاج إلى مصالح تدعمه، والقوة تحتاج إلى قواعد واضحة تنظمها وتحد من سوء التقدير.
وقد أوضحت الأدبيات المتعلقة بسد النهضة أن المشروع غيّر قواعد التفاوض داخل حوض النيل، لكنه يمكن أن يكون في الوقت نفسه مصدرًا للصراع وفرصة لبناء قواعد تعاون جديدة. ولذلك، لا تكمن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لأي اتفاق في التفاهم السياسي العام وحده، بل في قدرته على تحويل التشغيل إلى قواعد واضحة وقابلة للقياس والتحقق، خصوصًا في سنوات الشح. كما يضيف الجفاف والتغير المناخي ضغوطًا لا ترتبط بالقرار السياسي مباشرة، لكنها تزيد كلفة الأزمة على جميع الأطراف، وتجعل المرونة المائية والأمن الغذائي جزءًا من الأمن القومي، لا مجرد ملف بيئي ثانوي [27,28].
أما الاختبار الحقيقي لأي ترتيب مائي، فلا يظهر في السنوات العادية بقدر ما يظهر في سنوات الجفاف الممتد. ففي هذه الظروف، تتحول قرارات التخزين والإطلاق إلى قرارات استراتيجية تمس الأمن الغذائي والكهرباء والزراعة والاستقرار الداخلي في أكثر من دولة. لذلك، لا تُقاس قوة الاتفاق بقدرته على إدارة الوفرة، بل بقدرته على تنظيم سلوك الأطراف عندما تصبح المياه شحيحة. ويكتسب تبادل البيانات أهمية خاصة في هذه الظروف، لأنه يقلل احتمالات سوء التقدير ويمنح كل طرف صورة أوضح عن وضع الطرف الآخر وما يستطيع فعله ، ففي غياب المعلومات، تميل الدول إلى الاستعداد لأسوأ الاحتمالات.
المشهد الإنساني والاجتماعي
في إقليم تتقاطع فيه الحرب والجفاف والنزوح والفقر، لا يمكن التعامل مع البعد الإنساني باعتباره مسألة منفصلة عن القوة. ففي السودان، قدّرت الأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2026 أن نحو 34 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية [12]، كما أدت النزاعات في إثيوبيا والصومال إلى استنزاف الموارد وإضعاف الثقة بالمؤسسات. وتحد هذه الضغوط مجتمعة من قدرة الحكومات على تحمل كلفة التنافس الخارجي، كما تزيد هشاشة المجتمعات أمام التعبئة والانقسام والنزوح [15].
وتبرز أهمية هذا البعد عند تقييم القوة الشاملة للدولة. فالدولة التي توجه جزءًا متزايدًا من مواردها إلى الحضور الخارجي، فيما تتراجع قدرتها على توفير التعليم والصحة والأمن الغذائي، قد تبدو أكثر نشاطًا على المدى القصير، لكنها تفقد تدريجيًا الأساس الذي يسمح لها بالحفاظ على نفوذ مستدام. ومن هنا، تقترح الورقة النظر إلى التماسك الاجتماعي والقدرة على تقديم الخدمات باعتبارهما “احتياطيًا استراتيجيًا” يحدد قدرة الدولة على الصمود تحت الضغوط، شأنهما في ذلك شأن الموانئ والسدود والقدرات العسكرية.
المشهد الإقليمي والدولي
من الخطأ تقسيم القوى الخارجية إلى معسكر مؤيد لمصر وآخر مؤيد لإثيوبيا؛ فالواقع أقرب إلى شبكة من المصالح المتقاطعة. تجمع تركيا بين حضور أمني واقتصادي واسع في الصومال ودور الوسيط بين مقديشو وأديس أبابا، فيما بنت الإمارات شبكة براغماتية من الاستثمارات والموانئ والعلاقات مع حكومات وأقاليم متعددة. أما السعودية، فتنظر إلى الضفة الأفريقية بدرجة كبيرة من زاوية أمن البحر الأحمر والممرات البحرية. ولم يعد الحضور الخليجي في القرن الأفريقي مقتصرًا على الموانئ والاستثمارات، بل أصبح جزءًا من حسابات أمنية أوسع تتقاطع فيها المصالح السعودية والإماراتية والتركية وغيرها مع أزمات السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا [5,7].
كما أصبح التنافس السعودي–الإماراتي أكثر وضوحًا في بعض ملفات المنطقة، وهو ما ظهر أيضًا في أجواء قمة الاتحاد الأفريقي في فبراير/شباط 2026. لكن ذلك لا يعني أن دول القرن الأفريقي تحولت إلى أدوات بيد القوى الخليجية؛ ففي بعض الحالات تحاول هذه الدول والفاعلون المحليون الاستفادة من تنافس الخارج للحصول على التمويل أو الدعم أو تحسين مواقعهم التفاوضية [29].
ورغم أن القرن الأفريقي والشرق الأوسط لم يتحولا إلى فضاء أمني واحد بالكامل، فإن الفصل التحليلي بينهما أصبح أكثر صعوبة؛ فما يحدث في البحر الأحمر أو الخليج ينعكس على القرن الأفريقي، والعكس صحيح [6,7].
وتحتفظ الصين بعلاقات اقتصادية عميقة مع إثيوبيا، لكنها في الوقت نفسه صاحبة مصالح كبيرة في مصر ومنطقة قناة السويس، ولذلك يصعب التعامل معها باعتبارها طرفًا في مواجهة ثنائية. أما الولايات المتحدة، فتتحرك من خلال اعتبارات أمن الملاحة، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار، والمنافسة الدولية. وإسرائيل، بعد اعترافها بـ”أرض الصومال”، أصبحت أكثر حضورًا في المعادلة السياسية للقرن الأفريقي [5,7,13].
ويستحق الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” في ديسمبر/كانون الأول 2025 التوقف عنده بصورة منفصلة؛ إذ لا يمكن اختزاله في تطور ثنائي محدود. فالموقع الجغرافي لـ”أرض الصومال”، وخصوصًا ميناء بربرة وقربه من مدخل البحر الأحمر، يمنح هذا الاعتراف وزنًا استراتيجيًا يتجاوز وضع الإقليم نفسه [13].
ولا تكمن أهمية الحدث في افتراض وجود خطة إسرائيلية متكاملة لتطويق مصر، فالأدلة المتاحة لا تسمح بالجزم بذلك. لكن الاعتراف أضاف عاملًا جديدًا إلى معادلة البحر الأحمر، وربط بصورة أوضح بين قضية السيادة في الصومال والتنافس الإقليمي في الشرق الأوسط. كما يتقاطع الملف مع مصالح الإمارات في بربرة، وسعي إثيوبيا إلى تنويع منافذها إلى البحر، وموقف تركيا الداعم لوحدة الصومال، وحسابات مصر المرتبطة بأمن البحر الأحمر وعلاقتها بإثيوبيا [5,7,10].
ما تغيّر مع الاعتراف الإسرائيلي ليس وضع “أرض الصومال“ فقط، بل القيمة السياسية والاستراتيجية للاعتراف نفسه، باعتباره أداة يمكن أن تؤثر في ترتيب المصالح حول مدخل البحر الأحمر.
وتسعى روسيا إلى توسيع حضورها الأفريقي وعلاقاتها العسكرية، بينما يركز الاتحاد الأوروبي بدرجة أكبر على الملاحة والهجرة والاستقرار والتنمية. وتكشف هذه الصورة أن القوى الخارجية تستطيع تعزيز نفوذ الدول والفاعلين المحليين، لكنها لا تستطيع تعويض ضعف الدولة أو غياب القبول الإقليمي. لذلك، لا ينبغي لمصر أو إثيوبيا التعويل على ثبات الاصطفافات، بل على بناء مصالح متبادلة تجعل التعاون معهما خيارًا يصعب على الشركاء التخلي عنه [5–7].
ويخلق هذا التشابك فرصة ومخاطرة في الوقت نفسه. فالفرصة تكمن في أن تعدد الشركاء يمنح دول الإقليم بدائل في التمويل والوساطة والاستثمار، وقد يرفع كلفة الحرب عندما ترتبط مصالح القوى الكبرى باستقرار الموانئ والممرات. أما المخاطرة، فتظهر عندما تستخدم الدول المحلية تنافس الخارج لرفع سقف رهاناتها، وتفترض أن دعم شريك دولي يسمح لها بتجاوز حسابات الجوار. وتُظهر تجارب الإقليم أن الدعم الخارجي قد يمنح أي مشروع قوة دفع، لكنه لا يعوّض قبول دول الجوار؛ فكلما افتقد أي ترتيب إلى توافق إقليمي، ارتفعت كلفة الحفاظ عليه سياسيًا وأمنيًا.
ومن هنا، يبدو تنويع الشراكات وتجنب الارتهان لمحور واحد من أكثر الخيارات فاعلية أمام القوى المتوسطة، ومنها مصر وإثيوبيا. فالقاهرة تحتاج إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الخليج وتركيا والصين والولايات المتحدة وأوروبا، ليس لأن هذه الأطراف ستتبنى الموقف المصري في كل قضية، بل لأن لها تأثيرًا مباشرًا في التمويل والموانئ والاستثمار والوساطة. وينطبق المنطق نفسه على إثيوبيا؛ إذ تحتاج إلى توسيع شبكة علاقاتها الخارجية، من دون التعامل مع الدعم الاقتصادي الذي تحصل عليه باعتباره قبولًا تلقائيًا بأي ترتيبات قد تمس التوازنات أو قضايا السيادة في الإقليم.
التقدير الاستراتيجي: أين يقف التنافس المصري-الإثيوبي؟
ومن قراءة هذه التطورات مجتمعة، يتضح أن التنافس المصري–الإثيوبي لا يجمع قوتين تتحركان بالأدوات نفسها، بل دولتين تمتلك كل منهما مصادر مختلفة للقوة وتسعى إلى توظيفها إقليميًا. فإثيوبيا تمتلك عناصر صعود لا يمكن تجاهلها: كتلة سكانية كبيرة، وموارد مائية وقدرات متنامية في الطاقة الكهرومائية، إلى جانب استضافتها مقر الاتحاد الأفريقي وسعيها المستمر إلى تنويع منافذها إلى البحر. غير أن هذا الصعود يواجه قيدًا أساسيًا يتمثل في الفجوة بين حجم الطموح وقدرة الدولة على تحويله إلى حضور إقليمي مستدام، في ظل التوترات الداخلية والضغوط الاقتصادية واللوجستية وحساسية دول الجوار تجاه أي ترتيبات قد تمس سيادتها.
أما مصر، فمشكلتها ليست في نقص عناصر القوة، بل في خطر توزيعها على مسارح كثيرة في وقت واحد. فموقعها عند قناة السويس، وثقلها العربي والأفريقي، وقدراتها العسكرية والدبلوماسية، وشبكاتها في البحر الأحمر وشرق المتوسط، تمنحها مركز ثقل لا يزال قائمًا. لكن غزة، والحدود الشرقية، والحرب في السودان، واضطرابات البحر الأحمر، والنيل، وضغوط الطاقة والاقتصاد، تفرض مجتمعة خطر “التمدد الاستراتيجي الزائد”.ومن ثم، فإن التحدي المصري لا يتمثل في إثبات التفوق، بل في ترتيب الأولويات بحيث لا يتحول كل ملف إلى التزام مكلف في الوقت نفسه.
وهذا يقود إلى نتيجة أساسية: لا يكفي أن تمتلك إثيوبيا سد النهضة أو أن تنجح في الوصول إلى البحر حتى يتحول ذلك تلقائيًا إلى نفوذ إقليمي مستدام؛ فالأهم أن يقترن صعودها بمنافع ملموسة لدول الجوار. وإلا بقيت هذه الأصول إنجازات وطنية مهمة، لكن قدرتها على إنتاج نفوذ إقليمي ستظل محدودة. وفي المقابل، لا تستطيع مصر الحفاظ على مركز ثقلها الإقليمي بالاستناد إلى مكانتها التاريخية وحدها. فكلا الطرفين يحتاج إلى تقديم قيمة حقيقية للإقليم: طاقة أقل كلفة، وممرات تجارية أكثر أمنًا، وتعاون في الأمن البحري، وترتيبات مائية تقلل مساحة عدم اليقين، واستثمارات تجعل مصالح الدول أكثر ترابطًا. وبهذا المعنى، لا تُقاس فاعلية المنافسة بعدد الحلفاء، بل بعدد الدول التي يصبح استقرارك ونجاحك جزءًا من مصالحها هي أيضًا.
وتكشف هذه الصورة عن مسارين مختلفين لإنتاج النفوذ في القرن الأفريقي. يظهر الأول لدى الدول التي تمتلك موارد وقدرات كبيرة وتحاول تحويلها إلى تأثير إقليمي، كما في حالتي مصر وإثيوبيا. أما الثاني، فيظهر بصورة أوضح في البيئات الهشة، حيث يمكن أن يتحول الموقع أو الميناء أو بعض صلاحيات السيادة إلى أدوات تفاوض مع الخارج [3–5]. وهنا تظهر إحدى مفارقات الإقليم: الدولة الأقوى تحاول تحويل مواردها إلى نفوذ، بينما قد تسعى الدولة الأضعف إلى تحويل موقعها أو جزء من سلطتها إلى ورقة تمنحها وزنًا أكبر من حجمها.
لذلك، لا تتحدد موازين القوة في القرن الأفريقي بالقدرات العسكرية والاقتصادية وحدها. فقد تمتلك دولة موارد كبيرة، لكنها تجد صعوبة في تحويلها إلى تأثير مستدام إذا أثارت سياساتها مخاوف جيرانها. وفي المقابل، قد تمتلك دولة أصغر ميناءً أو موقعًا حساسًا يمنحها قدرة على التأثير تفوق حجمها. والسؤال هنا ليس فقط: من يملك القوة؟ بل من يستطيع تحويل ما يملكه إلى قيمة يحتاجها الآخرون؟
وبناءً على ذلك، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال السنوات الخمس المقبلة هو”التوازن التنافسي المُدار”؛ أي استمرار الخلافات حول المياه والنفوذ والوصول إلى البحر، مع بقاء الأطراف حريصة على تجنب الصدام المباشر والاعتماد على المساومات الجزئية والوساطات لاحتواء التوتر. أما السيناريو الأفضل، وإن كان أقل احتمالًا، فهو”التسوية الوظيفية”، حيث يتم فصل الملفات عن بعضها والتوصل إلى ترتيبات عملية بشأن تشغيل المياه والوصول البحري، بالتوازي مع تحسن نسبي في استقرار السودان والصومال.
في المقابل، يظل “التصعيد المركب” السيناريو الأخطر، خاصة إذا تزامنت أزمة مائية حادة مع توتر بحري أو مواجهة إثيوبية–إريترية أو تدهور إضافي في السودان أو الصومال؛ عندها قد تتداخل الأزمات وتتضاعف آثارها، بما يجعل احتواءها أكثر صعوبة.
جدول (2): أين تتقدم إثيوبيا وأين يبقى الثقل المصري؟
| إثيوبيا | مصر | المجال |
| سد النهضة، الكتلة السكانية، الطاقة الكهرومائية، موقع الاتحاد الأفريقي | قناة السويس، الثقل العربي، الدولة المركزية، القدرات العسكرية والدبلوماسية | الأصل الاستراتيجي |
| فجوة بين الطموح الإقليمي والقدرة الداخلية | تعدد مسارح الاستنزاف وتزاحم الأولويات | المعضلة الرئيسة |
| تحويل الطاقة والوصول البحري إلى شبكة منافع إقليمية | تحويل الموقع والثقل إلى حزام مصالح لا مجرد ردع | الفرصة |
| إثارة مخاوف السيادة لدى الجوار وارتفاع الكلفة الاقتصادية | استنزاف الموارد في ملفات متزامنة من غزة إلى السودان والنيل | الخطر |
جدول (3): مؤشرات الإنذار المبكر
| اتجاه الاستقرار | اتجاه التصعيد | المؤشر |
| تبادل بيانات وترتيبات للجفاف | تشغيل غير متوقع أثناء شح ممتد | سد النهضة |
| اتفاق تحت سيادة معترف بها | عودة ترتيبات متنازع عليها | الوصول إلى البحر |
| قنوات تفاوض وضبط الحدود | حشود أو اشتباكات مباشرة | إثيوبيا-إريتريا |
| مسار سياسي واستعادة مؤسسات | توسع الحرب وتدويلها | السودان |
| توافق سياسي وتحسن أمني | انقسام داخلي وتراجع مكافحة الشباب | الصومال |
| عودة مستدامة للملاحة | هجمات تعيد تحويل المسارات | البحر الأحمر |
| بقاء الاعتراف بصوماليلاند محدودًا وعدم اقترانه بترتيبات عسكرية أو أمنية جديدة | اعتراف دول إضافية، أو ظهور اتفاقات عسكرية/أمنية أو ترتيبات للموانئ مرتبطة بالاعتراف | الاعتراف والسيادة
|
| استمرار التنافس ضمن الاستثمار والنفوذ السياسي مع بقاء قنوات التنسيق مفتوحة | انتقال التنافس إلى دعم اصطفافات أمنية متعارضة في السودان أو الصومال أو إريتريا أو إثيوبيا. | التنافس السعودي-الإماراتي |
| بقاء العلاقات والاتفاقات الخارجية ضمن مؤسسات الدولة المركزية | توسع قدرة الأقاليم أو السلطات المحلية على إبرام أو الإبقاء على ترتيبات خارجية تتعارض مع موقف الحكومة المركزية | مركزية الدولة |
الخلاصة والتوصيات الاستراتيجية
تخلص الورقة إلى أن إدارة المنافسة أهم من محاولة حسمها. وبالنسبة لمصر، تتمثل الأولوية في بناء “حزام مصالح” لا “حزام حصار”؛ أي توسيع الروابط الاقتصادية واللوجستية والأمنية مع السودان والصومال وجيبوتي وإريتريا، بالتوازي مع إدارة دقيقة لمخاطر سد النهضة تركز على الجفاف الممتد وتبادل البيانات والاستجابة للطوارئ. كما تحتاج القاهرة إلى ترتيب ملفاتها بحسب درجة الخطورة، حتى لا تتحول الأزمات المتزامنة إلى مصادر استنزاف يصعب إدارتها في وقت واحد.
أما إثيوبيا، فتتمثل مصلحتها بعيدة المدى في فصل حاجتها إلى الوصول إلى البحر عن أي ترتيبات قد تمس سيادة دول الجوار، وتحويل سد النهضة من رمز للقدرة الوطنية إلى منصة أوسع لتجارة الكهرباء والمنافع المشتركة. فقبول الجوار بدور إثيوبي أكبر لن يعتمد على حجم القدرات وحده، بل على قدرة أديس أبابا على إقناع الدول المحيطة بأن صعودها يمكن أن يضيف إلى أمنها وتنميتها، لا أن ينتقص من سيادتها.
وعلى المستوى الإقليمي، ينبغي التعامل مع استقرار السودان والصومال باعتباره مصلحة استراتيجية قائمة بذاتها، لا مجرد جزء من التنافس بين مصر وإثيوبيا. فضعف الدولتين لا يزيد أمن الجوار، بل يوسع حركة السلاح والنزوح والإرهاب، ويفتح المجال أمام التدخلات الخارجية، ويجعل الممرات البحرية أكثر هشاشة.
ويبقى الاستنتاج الأوسع أن الأمن في القرن الأفريقي لن يصنعه طرف واحد. فالدول الأكثر قدرة على حماية مصالحها ستكون تلك التي تدرك أن القوة المستدامة تبدأ من الداخل، ثم تتحول إلى شبكات من المصالح، وتكتسب قيمتها النهائية عندما تصبح مقبولة لدى الجوار.
معيار النجاح ليس الانتصار على الطرف الآخر، بل القدرة على حماية المصالح من دون تحويل كل خلاف إلى أزمة وجودية.
وعمليًا، تتطلب المرحلة المقبلة الانتقال من رد الفعل إلى إدارة المخاطر. فبالنسبة لمصر، يعني ذلك تحديد عدد محدود من الخطوط الحمراء المتعلقة بالأمن المائي والسيادة والممرات البحرية، مع الحفاظ على مساحة واسعة للمساومة في الملفات الاقتصادية والتجارية. وبالنسبة لإثيوبيا، يعني الفصل بين الحاجة المشروعة إلى التنمية والوصول التجاري وبين السياسات التي قد يقرأها الجوار باعتبارها تغييرًا قسريًا في توازنات السيادة. وكلما كانت الخطوط الحمراء أكثر وضوحًا، واتسعت المصالح المشتركة، انخفض خطر سوء الحساب.
دلالات لصانع القرار خلال الأجل القريب
أولًا: تحويل ملف المياه من صراع سياسي إلى إدارة مخاطر قابلة للقياس
لم يعد التحدي المصري الأكثر إلحاحًا إعادة فتح سؤال وجود السد، بل خفض عدم اليقين في سنوات الجفاف والجفاف الممتد. وهذا يتطلب أن تركز أي مفاوضات مقبلة على قواعد تشغيل واضحة تشمل توقيت تبادل البيانات، وتعريف حالات الجفاف، والتنسيق في الطوارئ، وآلية فنية لمعالجة الخلافات قبل انتقالها إلى المستوى السياسي.
ثانيًا: بناء أمن البحر الأحمر من الساحل إلى قناة السويس
لا تقتصر المصلحة المصرية على حماية مرور السفن عبر القناة، بل تمتد إلى استقرار الضفة الأفريقية للبحر الأحمر وقدرة دولها على ضبط السواحل والموانئ. ومن هنا، ينبغي أن يجمع التعاون مع الصومال وجيبوتي وإريتريا والسودان بين تبادل المعلومات، وبناء القدرات، والتعاون الاقتصادي والمؤسسي، لأن استقرار الساحل يمثل جزءًا من أمن الممر الملاحي نفسه.
ثالثًا: فصل العلاقات مع دول القرن الأفريقي عن المنافسة مع إثيوبيا
إذا قُرئت كل علاقة مصرية مع السودان أو الصومال أو إريتريا باعتبارها أداة لمواجهة أديس أبابا، فقد تفقد القاهرة جزءًا من جاذبيتها كشريك مستقل. والأكثر فاعلية هو بناء علاقات ثنائية لها قيمة في ذاتها، تقوم على التجارة والتعليم والصحة والزراعة والموانئ والأمن البحري، بحيث تصبح هذه الدول شركاء في شبكة مصالح، لا مجرد أطراف في توازن مع إثيوبيا.
رابعًا: قياس الصعود الإثيوبي بقدرته على طمأنة الجوار
لن ينتج قبول دور إثيوبي أكبر من حجم السكان أو سد النهضة وحدهما، بل من قدرة أديس أبابا على إقناع الدول المحيطة بأن صعودها يفتح فرصًا للتنمية من دون أن يقلص هامش سيادتها. ولذلك، فإن نجاح ترتيبات الوصول التجاري إلى البحر ضمن سيادة معترف بها، وتوسيع تجارة الكهرباء، وخفض التوتر مع إريتريا، ستكون مؤشرات أكثر دلالة على صعود إقليمي مستقر من مجرد امتلاك القدرات.
خامسًا: مراقبة تزامن المؤشرات لا كل مؤشر منفردًا
لا يكفي خبر عن حشد عسكري، أو تعثر تفاوض مائي، أو أزمة سياسية في الصومال لتغيير التقدير الاستراتيجي بمفرده. ترتفع الخطورة عندما تتحرك عدة مؤشرات في الاتجاه نفسه خلال فترة زمنية قصيرة، مثل شح مائي شديد، وتصعيد إثيوبي–إريتري، وتوسع الحرب في السودان، واضطراب الملاحة، أو ظهور ترتيبات بحرية وأمنية غامضة. عندها يصبح المطلوب الانتقال من إدارة ملفات منفصلة إلى التعامل مع أزمة مركبة.
وأخيرًا، ستُقاس أفضلية الدولة في المرحلة المقبلة بقدرتها على الاحتفاظ بحرية الحركة. فمصر تحتاج إلى هامش مالي ودبلوماسي يسمح لها بترتيب استجاباتها بحسب حجم كل تهديد، فيما تحتاج إثيوبيا إلى استقرار داخلي وقبول إقليمي يسمحان لها بتحويل مشروعاتها الكبرى إلى منافع بدلًا من أن تتحول إلى مصادر مقاومة لدى الجوار.
وفي الحالتين، لا تتمثل القوة فقط فيما تملكه الدولة، بل فيما تستطيع استخدامه، وفي التوقيت المناسب، وبكلفة يستطيع مجتمعها تحملها.
المراجع
[1] Buzan, B. and Wæver, O. (2003) Regions and Powers: The Structure of International Security. Cambridge: Cambridge University Press.
[2] Clapham, C. (2017) The Horn of Africa: State Formation and Decay. London: Hurst.
[3] de Waal, A. (2015) The Real Politics of the Horn of Africa: Money, War and the Business of Power. Cambridge: Polity.
[4] Jaspars, S., Majid, N. and Adan, G.M. (2023) “Somalia’s evolving political market place: from famine and humanitarian crisis to permanent precarity”, The Journal of Modern African Studies, 61(3), pp. 343–366. https://doi.org/10.1017/S0022278X23000071.
[5] Ylönen, A. (2023) “Governing the Horn’s External Linkages: Agency, Domestic Politics and Local Power in the Horn of Africa–Gulf Relations”, Asian Journal of Middle Eastern and Islamic Studies, 17(4), pp. 386–403. https://doi.org/10.1080/25765949.2023.2299077.
[6] Cannon, B.J. and Donelli, F. (2020) “Asymmetric alliances and high polarity: evaluating regional security complexes in the Middle East and Horn of Africa”, Third World Quarterly, 41(3), pp. 505–524. https://doi.org/10.1080/01436597.2019.1693255.
[7] Karim, U. (2022) “Interregional embedded security model: Turkish and Emirati engagement in the Horn of Africa”, in Mason, R. and Mabon, S. (eds.) The Gulf States and the Horn of Africa: Interests, Influences and Instability. Manchester: Manchester University Press, pp. 151–170. https://doi.org/10.7765/9781526162175.00013.
[8] Reuters (2026a) “Shippers Maersk and Hapag-Lloyd begin return to Suez Canal trade route”, 6 July. Available at: https://www.reuters.com/world/middle-east/maersk-hapag-lloyd-resume-sailings-through-suez-canal-one-their-services-2026-07-06/ (Accessed: 16 August 2026).
[9] World Bank (2023) “Addis-Djibouti Corridor to Get Major Upgrade That is Key to Unlocking Connectivity and Trade for Ethiopia and the Horn of Africa”, 20 July. Available at: https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2023/07/20/addis-djibouti-corridor-to-get-major-upgrade-that-is-key-to-unlocking-connectivity-and-trade-for-ethiopia-afe-hoa (Accessed: 16 August 2026).
[10] Türkiye Ministry of Foreign Affairs (2024) Ankara Declaration by the Federal Democratic Republic of Ethiopia and the Federal Republic of Somalia, 11 December. Available at: https://www.mfa.gov.tr/etiyopya-federal-demokratik-cumhuriyeti-ve-somali-federal-cumhuriyeti-nin-ankara-bildirisi.en.mfa (Accessed: 16 August 2026).
[11] Türkiye Ministry of Foreign Affairs (2025) “Statement on the First Round of Technical Negotiations between Somalia and Ethiopia within the scope of the Ankara Process”, 18 February. Available at: https://www.mfa.gov.tr/somali-ve-etiyopya-arasinda-gerceklestirilen-teknik-muzakerelerin-ilk-turuna-iliskin-aciklama-18-02-2025.en.mfa (Accessed: 16 August 2026).
[12] United Nations (2026) “UN Relief Chief: Three years on, Sudan remains a test the world is failing”, 14 April. Available at: https://sudan.un.org/en/313802-un-relief-chief-three-years-sudan-remains-test-world-failing (Accessed: 16 August 2026).
[13] Reuters (2025b) “Israel becomes first country to formally recognise Somaliland as independent state”, 26 December. Available at: https://www.reuters.com/world/middle-east/israel-recognises-somaliland-somalias-breakway-region-independent-state-2025-12-26/ (Accessed: 16 August 2026).
[14] African Union (2025) “The Chairperson of the African Union Commission rejects any recognition of Somaliland and reaffirms the African Union’s unwavering commitment to the unity and sovereignty of Somalia”, 26 December. Available at: https://au.int/en/pressreleases/20251226/auc-chairperson-rejects-any-recognition-somaliland (Accessed: 16 August 2026).
[15] Human Rights Watch (2026) World Report 2026: Ethiopia. New York: Human Rights Watch. Available at: https://www.hrw.org/world-report/2026/country-chapters/ethiopia (Accessed: 16 August 2026).
[16] Presidency of Egypt (2025) “Joint Political Declaration to Elevate Relations between Egypt and Somalia to Strategic Partnership”, 23 January. Available at: https://www.presidency.eg (Accessed: 16 August 2026).
[17] United Nations Security Council (2025) Resolution 2806 (2025), S/RES/2806, 12 December. Available at: https://main.un.org/securitycouncil/en/content/sres28062025 (Accessed: 16 August 2026).
[18] Reuters (2026b) “Ethiopia accuses Eritrea of military aggression, backing armed groups”, 8 February. Available at: https://www.reuters.com/world/africa/ethiopia-accuses-eritrea-military-aggression-backing-armed-groups-2026-02-08/ (Accessed: 16 August 2026).
[19] Egyptian Ministry of Defense (2025) “General Abdel Mageed Saqr Meets Somali Minister of Defense”, Armed Forces News, 29 September. Available at: https://www.mod.gov.eg/modwebsite/NewsDetails.aspx?id=45643 (Accessed: 16 August 2026).
[20] Verhoeven, H. (2013) “The politics of African energy development: Ethiopia’s hydro-agricultural state-building strategy and clashing paradigms of water security”, Philosophical Transactions of the Royal Society A: Mathematical, Physical and Engineering Sciences, 371(2002), 20120411. https://doi.org/10.1098/rsta.2012.0411.
[21] Reuters (2025a) “Ethiopia launches Africa’s largest hydroelectric dam”, 9 September. Available at: https://www.reuters.com/sustainability/boards-policy-regulation/ethiopia-launches-africas-largest-hydroelectric-dam-2025-09-09/ (Accessed: 16 August 2026).
[22] World Bank (2026) Egypt: Country Overview and Economic Update. Washington, DC: World Bank. Available at: https://www.worldbank.org/ext/en/country/egypt (Accessed: 16 August 2026).
[23] Reuters (2025c) “Mideast war highlights Egypt’s energy weak spot”, 30 June. Available at: https://www.reuters.com/markets/commodities/mideast-war-highlights-egypts-energy-weak-spot-2025-06-30/ (Accessed: 16 August 2026).
[24] Reuters (2026c) “Egypt in talks with energy majors for multi-year LNG supply deal”, 21 July. Available at: https://www.reuters.com/business/energy/egypt-talks-with-energy-majors-multi-year-lng-supply-deal-sources-say-2026-07-21/ (Accessed: 16 August 2026).
[25] International Monetary Fund (2025) The Federal Democratic Republic of Ethiopia: 2025 Article IV Consultation, Third Review Under the Extended Credit Facility Arrangement, and Financing Assurances Review. IMF Country Report No. 2025/188. https://doi.org/10.5089/9798229017541.002.
[26] World Bank (2025) “World Bank Steps up Support for Ethiopia’s Economic Reforms with $1 Billion Development Policy Operation”, 3 July. Available at: https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2025/07/03/world-bank-steps-up-support-for-ethiopia-economic-reforms-with-1-billion-development-policy-operation (Accessed: 16 August 2026).
[27] Cascão, A.E. and Nicol, A. (2016) “GERD: new norms of cooperation in the Nile Basin?”, Water International, 41(4), pp. 550–573. https://doi.org/10.1080/02508060.2016.1180763.
[28] Yihdego, Z., Rieu-Clarke, A. and Cascão, A.E. (2016) “How has the Grand Ethiopian Renaissance Dam changed the legal, political, economic and scientific dynamics in the Nile Basin?”, Water International, 41(4), pp. 503–511. https://doi.org/10.1080/02508060.2016.1209008.
[29] Reuters (2026d) “African Union summit clouded by Saudi-UAE rivalry in Horn of Africa”, 14 February. Available at: https://www.reuters.com/world/middle-east/african-union-summit-clouded-by-saudi-uae-rivalry-horn-africa-2026-02-14/ (Accessed: 16 August 2026).

