د. نهال حمدي
باحثة في وحدة الدراسات الإيرانية
مع تفاقم الأزمات الاقتصادية الإيرانية أصبحت تلك الحالة مجرد انعكاس مباشر للعقوبات الدولية وسوء الإدارة الحكومية، جنبا إلى جنب مع كونها باتت تعبيرًا عن مأزق أعمق يتصل بطبيعة العلاقة بين العقيدة السياسية الحاكمة ومتطلبات الاقتصاد الحديث، وفي ظل تصاعد الضغوط الداخلية واتساع رقعة السخط الاجتماعي، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت العقيدة السياسية التي شكلت أساس شرعية النظام منذ عام 1979م، قد تحوّلت من مصدر قوة رمزية إلى عبء هيكلي يهدد استدامة الاقتصاد الإيراني ذاته.
اقتصاد إيران والاعتبارات العقائدية
منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، لم تتم إدارة الاقتصاد الإيراني وفق منطق السوق أو الكفاءة الإنتاجية، بل خضع لاعتبارات أيديولوجية وأمنية جعلته أداة في خدمة مشروع سياسي ــ عقائدي عابر للحدود، إذ رُفعت شعارات “الاستقلال” و”مقاومة الهيمنة” و”الاقتصاد المقاوم” باعتبارها بدائل عن الاندماج في الاقتصاد العالمي، حتى وإن جاء ذلك على حساب معدلات النمو والاستقرار المالي.
ولقد أفضى هذا التوجه تدريجيًا إلى عزل الاقتصاد الإيراني عن شبكات التجارة والاستثمار الدولية، وتحويله إلى اقتصاد شبه مغلق يعتمد على قنوات داخلية غير شفافة، وتغلب عليه آليات التوزيع السياسي للموارد بدلًا من التنافسية، ومع الوقت، تراجعت كفاءة القطاعات الإنتاجية، واتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي المتدهور.
واليوم، تجد إيران نفسها أمام معضلة إستراتيجية مزدوجة؛ إذ إن أي تراجع عن ثوابت العقيدة السياسية قد يفتح نافذة لإنقاذ الاقتصاد، لكنه في الوقت ذاته يمسّ الأساس الأيديولوجي الذي قام عليه النظام، أما الاستمرار في النهج الحالي، فينذر بتآكل اقتصادي تدريجي قد يتحوّل إلى أزمة اجتماعية واسعة النطاق.
العقوبات والتفسير الخارجي للأزمة
لا يمكن إنكار الدور الكبير الذي لعبته العقوبات الأمريكية والدولية في تعميق الأزمة الاقتصادية، غير أن اختزال المشهد الإيراني في هذا العامل وحده يظل تفسيرًا قاصرًا، إذ إن التجربة الدولية تُظهر أن دولا عديدة تعرّضت لعقوبات أو صدمات خارجية، لكنها استطاعت احتواء آثارها عبر إصلاحات داخلية وهيكلية.
وتكمن المعضلة الحقيقية عند تحليل الحالة الإيرانية في غياب الإرادة السياسية لتنفيذ إصلاحات تتعارض مع ثوابت العقيدة الحاكمة، فالانفتاح الاقتصادي، وتعزيز الشفافية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، كلها سياسات تصطدم بخطاب “العداء للغرب” وبنية “الاقتصاد المقاوم” التي تُقدَّم كبديل أيديولوجي عن الإصلاح المؤسسي.
وتنعكس هذه الإشكالية بوضوح في أداء العملة الوطنية، إذ شهد الريال الإيراني تدهورًا حادًا خلال العقد الأخير، فبعد أن كان الدولار يُتداول عند حدود 32 ألف ريال قبل الاتفاق النووي عام 2015، ارتفع إلى نحو 55 ألف ريال مع عودة العقوبات عام 2018، ثم قفز إلى قرابة 430 ألف ريال في نهاية 2022، ليبلغ في عام 2025 مستويات مليونية تجاوزت مليون و400 ألف ريال للدولار الواحد في ذروة الاضطرابات الداخلية، وهو مسار يعكس فقدان الثقة البنيوية في الاقتصاد لا مجرد أثر العقوبات.
الحرس الثوري والاقتصاد الموازي
يُعد الدور المتنامي للحرس الثوري أحد أبرز تجليات هيمنة العقيدة السياسية على الاقتصاد الإيراني، فهذه المؤسسة لم تعد فاعلًا عسكريًا وأمنيًا فحسب، بل تحوّلت إلى قوة اقتصادية كبرى تسيطر على قطاعات حيوية تشمل الطاقة، والاتصالات، والبنية التحتية، والنقل، والتجارة الخارجية.
ولقد خلق هذا التمدد اقتصادًا موازيًا يفتقر إلى قواعد المنافسة العادلة، حيث تُمنح الامتيازات على أساس الولاء السياسي لا الكفاءة الاقتصادية، وتُقصى الكفاءات المدنية لصالح شبكات مرتبطة بالمؤسسة العقائدية، ونتيجة لذلك، تفاقمت ظواهر الفساد، وهروب رؤوس الأموال، وتآكل ثقة القطاع الخاص المحلي قبل المستثمرين الأجانب.
الأخطر من ذلك أن هذا النموذج الاقتصادي يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، إذ يُنظر إلى الاقتصاد بوصفه أداة للسيطرة السياسية لا وسيلة لتحقيق الرفاه، ما يزيد من هشاشة العقد الاجتماعي ويقوّض فرص الاستقرار على المدى المتوسط.
خاتمة
في ضوء ما سبق يتضح أن الأزمة الاقتصادية في إيران لم تعد أزمة سياسات مالية أو إدارة موارد فحسب، بل تحوّلت إلى أزمة نظام تتشابك فيها العقيدة السياسية مع بنية السلطة والاقتصاد، فعندما تصبح الأيديولوجيا مرجعية مطلقة تحكم مسارات الاقتصاد، يغدو الفشل نتيجة شبه حتمية، ويبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان النظام الإيراني قادرًا على إعادة تعريف أولوياته وفك الارتباط بين الشرعية العقائدية ومتطلبات الاقتصاد، أم أن الاستمرار في النهج الحالي سيجعل العقيدة نفسها عامل استنزاف لاقتصاد لم يعد يحتمل مزيدًا من الصمود.

