يُشكل الإعلام أحد أهم الأدوات الفاعلة في تشكيل الوعي العام وبناء التصورات حول الصراعات الدولية، حيث لا يقتصر دوره على نقل الأحداث فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة صياغتها ضمن أطر تفسيرية وسرديات محددة تخدم توجهات سياسية وأمنية مختلفة. وفي سياق الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي والتوترات الإقليمية المتصاعدة، يكتسب الإعلام في إسرائيل أهمية خاصة بوصفه جزءًا من منظومة الأمن القومي وأداة مؤثرة في إدارة الرأي العام الداخلي والخارجي.
وفي ظل التصعيدات التي شهدتها كل من قطاع غزة ولبنان خلال عام 2026، برزت اختلافات واضحة في أنماط التغطية الإعلامية داخل الإعلام الإسرائيلي، بما يعكس تباينًا في الخطاب بين وسائل إعلام تميل إلى تبني الرواية الرسمية للدولة والمؤسسة العسكرية، وأخرى تتبنى مقاربات نقدية أكثر استقلالية. ومن هنا تأتي أهمية دراسة هذا التباين من خلال تحليل خطاب وسائل الإعلام المختلفة، للكشف عن آليات بناء المعنى وتوجيه الإدراك العام.
يسعى هذا المقال إلى تقديم تحليل مقارن لتغطية كل من “يسرائيل هيوم” و”هآرتس” للتصعيد في غزة ولبنان عام 2026، في ضوء ثنائية “الأمن والدعاية”، وذلك من خلال دراسة طريقة تقديمهما للأحداث العسكرية في غزة ولبنان، بهدف فهم كيفية توظيف الخطاب الإعلامي في دعم أو نقد السياسات الأمنية، ومدى تأثير ذلك على تشكيل السردية الإعلامية للصراع.
وتنبع أهمية هذا المقال من كونها تسلط الضوء على الدور المعقد للإعلام في بيئات الصراع، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الأبعاد الدعائية، مما يجعل من الإعلام فاعلًا رئيسيًا في إنتاج وتوجيه الخطاب السياسي، وليس مجرد ناقل محايد للأحداث.
أولاً: تعريف مختصر بالصحيفتين
“يسرائيل هيوم”
تمثل “يسرائيل هيوم” واحدة من أكثر الصحف انتشارًا في إسرائيل، وتُعرف بقربها من الخطاب الحكومي والمؤسسة السياسية، حيث تميل في تغطيتها إلى دعم الرواية الأمنية الرسمية للدولة، خصوصًا في أوقات الصراع والتصعيد العسكري، مع تركيز واضح على قضايا الأمن القومي والتهديدات الخارجية.
“هآرتس”
أما “هآرتس” فهي صحيفة ذات طابع تحليلي نقدي، تُعد من المنابر الإعلامية التي تقدم تغطية أكثر استقلالية نسبيًا، حيث تهتم بإبراز الأبعاد السياسية والإنسانية للصراعات، وتتيح مساحة أكبر لوجهات النظر المعارضة أو الناقدة للسياسات الحكومية والعسكرية.
ثانيًا: تحليل تغطية الصحيفتين
تحليل تغطية ” يسرائيل هيوم “:
في مقال تحت عنوان : “الجيش الإسرائيلي يتصرف بقوة ضد حزب الله: مهاجمة البنية التحتية الإرهابية في لبنان وغزة”
تُغطي الصحيفة عمليات الجيش الإسرائيلي ضد حزب الله وحماس، مُركزةً على النجاحات العملياتية، وإحباط عمليات عناصره، وتدمير بنيته التحتية. وتُصوّر التغطية هذه العمليات على أنها ضرورية لحماية المواطنين الإسرائيليين.
- الطابع التحليلي والنقدي
ركز المقال على:
أ-العمليات العسكرية الإسرائيلية الناجحة.
ب-استهداف “البنية التحتية للإرهاب”، “وفقا لوصفه”.
ج-تصوير الجيش كطرف دفاعي.
د-التأكيد على حماية المدنيين الإسرائيليين.
- التركيز الأمني والعسكري :تركز الصحيفة على العمليات العسكرية الإسرائيلية بوصفها:
“ردًا على تهديدات”، و”دفاعًا عن المواطنين”، و”عمليات ناجحة ضد الإرهاب”.
- اللغة الإعلامية:
تستخدم مصطلحات مثل: تصفية “، “تدمير بنى تحتية إرهابية”، “إحباط هجمات”
3- الإطار العام
يتم تقديم الصراع على أنه صراع دفاعي بين إسرائيل وجماعات مسلحة تهدد أمنها.
4- طبيعة السرد
أ-إبراز نجاح الجيش الإسرائيلي.
ب-تقليل الجوانب الإنسانية للصراع.
ج-التركيز على “الإنجازات العسكرية”.
ومن خلال ما سبق، يتضح أن تغطية “هآرتس” ربطت التصعيد بعوامل سياسية داخلية في لبنان، مقدمةً إياه ضمن سياق أوسع يتجاوز البعد العسكري، في حين ركزت “يسرائيل هيوم ” على إبراز العمليات العسكرية الإسرائيلية بوصفها إجراءات ردع ضرورية تهدف إلى حماية الأمن القومي.
تحليل تغطية “هآرتس”:
– مقال تحت عنوان ” في قرار وقف إطلاق النار في لبنان، لم يكن أمام نتنياهو أي مجال للمناورة: ترامب هو الحكم الوحيد” .
1-الطابع التحليلي والنقدي:
ركزت الصحيفة على:
أ-أسباب التصعيد السياسية
ب-تأثيرات الحرب على المدنيين
ج- نتائج العمليات العسكرية على المدى البعيد
2- اللغة الإعلامية
استخدمت مصطلحات مثل: “تصعيد عسكري “، “خسائر بشرية”، “تداعيات إنسانية “.
3- الإطار العام
يتم تقديم الصراع على أنه أزمة معقدة متعددة الأطراف ذات أبعاد سياسية وإنسانية.
4- طبيعة السرد
أ-إبراز معاناة المدنيين .
ب-التشكيك في جدوى التصعيد العسكري .
ج-ربط الحرب بالسياق الإقليمي والدولي .
5- الفكرة العامة
أراد الكاتب إيصال فكرة أساسية مفادها أن إسرائيل لم تعد صاحبة القرار الكامل في الحرب أو التهدئة، وأن الولايات المتحدة (تحديدًا إدارة ترامب حسب النص) أصبحت الطرف الحاسم الذي يفرض الشروط، بينما تتراجع قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها كاملة.
بمعنى آخر: هو يصوّر إسرائيل كطرف “مقيّد” وليس “مسيطر”، وأن نتائج الحرب لم تكن انتصارًا كاملاً لها.
6- أهم الرسائل الضمنية في النص
- تقييد القرار الإسرائيلي.
-الجملة: “لم يكن أمام نتنياهو أي مجال للمناورة: ترامب هو الحكم الوحيد”.
تعني أن الكاتب يرى أن: القرار السياسي والعسكري الإسرائيلي لم يعد مستقلًا ، بل أصبح خاضعًا للضغط الأمريكي
- نتائج الحرب غير مكتملة
-“حققت نصف مطالبها”
هنا الفكرة أن: إسرائيل لم تحقق أهدافها بالكامل ، وبالتالي الحرب لا يمكن تقديمها كـ “نصر واضح” داخليًا
- أزمة داخلية في إسرائيل:
-“سيواجه رئيس الوزراء صعوبة في إقناع الرأي العام الإسرائيلي”
المقصود: هناك فجوة بين الخطاب السياسي والواقع ، وقد يحدث تراجع في ثقة الجمهور بالحكومة
- دور أمريكي في إعادة تشكيل الإقليم
-“قرار فرضه الرئيس الأمريكي…” وهذا يعكس رؤية الكاتب أن واشنطن تتحكم في مسار الصراع ، وتفرض تهدئة قد تتحول إلى دائمة.
- تقليل من الرواية الإسرائيلية:
-“تبين أن العديد من مزاعم إسرائيل لا أساس لها من الصحة”
هذه جملة نقدية مباشرة تعني التشكيك في الخطاب الإسرائيلي الرسمي ، والإيحاء بأن جزءًا من مبررات الحرب كان غير دقيق أو مبالغ فيه.
- رسالة ختامية مهمة:
“من المحتمل أن تجبر الولايات المتحدة إسرائيل في المستقبل على الانسحاب”
المعنى: استمرار الضغط الأمريكي ، وأن إسرائيل ليست صاحبة القرار النهائي حتى في قضايا الأمن القومي
ثالثًا: طبيعة الخطاب في المقال
أ-تحليلي سياسي يميل إلى النقد لإسرائيل .
ب-يركز على اختلال ميزان القوة لصالح الولايات المتحدة.
ج-يستخدم لغة تقريرية توحي باليقين أكثر من الاحتمال أحيانًا.
وبالتالي أراد الكاتب أن يقول أن وقف إطلاق النار في لبنان يكشف أن إسرائيل ليست الطرف الأقوى في إدارة الصراع، وأن الولايات المتحدة أصبحت اللاعب الرئيسي الذي يحدد متى وكيف تنتهي الحرب، بينما تواجه إسرائيل تحديات في تحقيق أهدافها وإقناع جمهورها الداخلي.
رابعًا: المقارنة بين الصحيفتين
تُظهر المقارنة بين “هآرتس” و “يسرائيل هيوم ” اختلافًا واضحًا في زاوية السرد والمعالجة الإعلامية للأحداث. فبينما تتبنى “هآرتس” مقاربة نقدية تحليلية تسعى إلى تفكيك أبعاد الصراع المختلفة، يميل يسرائيل هيوم إلى تقديم سرد أمني يركز على دعم المؤسسة العسكرية وتبرير تحركاتها. وينعكس هذا التباين أيضًا في طبيعة التركيز، حيث سلطت “هآرتس” الضوء على أوضاع المدنيين والخسائر الإنسانية الناتجة عن التصعيد، في حين ركزت “يسرائيل هيوم” على العمليات العسكرية وما تحققه من إنجازات ميدانية. أما من حيث اللغة، فتسخدم “هآرتس” أسلوبًا متوازنًا وتحليليًا يفتح المجال للتفسير والنقاش، بينما تعتمد “يسرائيل هيوم” لغة حاسمة ذات طابع عسكري مباشر. وفيما يتعلق بتقييم الحرب، تطرح “هآرتس” تساؤلات وانتقادات حول جدواها ونتائجها، في مقابل اتجاه “يسرائيل هيوم ” إلى تبرير العمليات العسكرية وتقديمها كضرورة أمنية.
وتوضح المقارنة أن الإعلام الإسرائيلي ليس موحدًا في تفسير الأحداث، بل يعكس انقسامات فكرية وسياسية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه ؛ فبينما تقدم “يسرائيل هيوم ” سردًا يدعم الرواية الأمنية الرسمية، تقدم “هآرتس” قراءة أكثر نقدًا وتعقيدًا تركز على الأبعاد الإنسانية والسياسية. وهذا الاختلاف يؤكد أن الإعلام ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو أداة لتشكيل الرأي العام وأن كل وسيلة إعلامية تقدم “واقعًا مختلفًا” لنفس الحدث.
خاتمة:
يتضح من خلال هذا التحليل أن التغطية الإعلامية للتصعيد في غزة ولبنان عام 2026 لم تكن موحدة داخل الإعلام الإسرائيلي، بل عكست تباينًا واضحًا في الرؤى، والتوجهات بين الصحف. فقد قدمت “يسرائيل هيوم” سردًا يركز على البعد الأمني ويدعم الرواية الرسمية، في حين اتجهت ” هآرتس ” إلى تقديم معالجة أكثر نقدًا وشمولًا تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الإنسانية والسياسية للصراع. ويؤكد هذا الاختلاف أن وسائل الإعلام لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد تشكيله وفق أطر تفسيرية محددة تؤثر بشكل مباشر على وعي الجمهور واتجاهاته. لذلك، تبرز أهمية الاعتماد على تعددية المصادر والتحليل النقدي عند دراسة القضايا الدولية، خاصة في سياقات الصراع المعقدة، حيث تتداخل الحقائق مع التفسيرات الإعلامية.
المصادر:
– הראל ,עמוס ,פרשנות השעון מתקתק וישראל מנסה לצבור הישגים, עד שארה”ב תשים קץ למלחמה בלבנון ואולי באיראן, הארץ, 17 באפריל, 2026.
– הראל, עמוס, בהחלטה על הפסקת האש בלבנון, לנתניהו לא היה מרחב תמרון: טראמפ היה הבורר הבלעדי, הארץ, 16 באפריל, 2026.
– קובוביץ, יניב ואחרים הסלמה מול חיזבאללה: צה”ל תקף בלבנון לאחר שהארגון שיגר טילים לעבר ישראל, הארץ, 2 במרץ 2026.
– פרסיקו, אורן, מחקר, “ישראל היום” הוא כלי תעמולה מובהק של נתניהו,מאמר באתר העין השביעית, 3 בספטמבר 2020 , תאריך הכניסה 2 באפריל 2025.
– צה״ל פועל בעוצמה נגד חיזבאללה, פגיעה בתשתיות טרור בלבנון ובעזה ישראל היום,15 באפריל, 2026.
– Entman, Robert M. (1993). Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm. Journal of Communication.
– McCombs, Maxwell (2004). Setting the Agenda: The Mass Media and Public Opinion.
– Tuchman, Gaye (1978). Making News: A Study in the Construction of Reality.
– Israel Hayom – https://www.israelhayom.co.il
– Haaretz – https://www.haaretz.co.il6

