د.محمد أحمد صالح
لا يدور الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كما تكشف عنه الأسماء العربية الفلسطينية لجغرافيا المكان ومقابلاتها العبرية الإسرائيلية ومفاهيم التهويد والأسرلة، حول الأرض فقط ، بل حول المعنى، والذاكرة، وإعادة تعريف المكان والإنسان معًا. فالتسمية وإعادة التسمية هنا ليست مجرد إجراء لغوي، بل أداة استراتيجية ضمن مشروع أوسع يعمل على مستويين متكاملين: إعادة تشكيل الجغرافيا ضمن سياسات التهويد وإعادة تشكيل الإنسان داخلها ضمن سياسات الأسرلة.
أ-المفاهيم
–ثنائية التهويد والأسرلة: التهويد يستهدف المكان: الأرض، والفضاء، والرموز. الأسرلة تستهدف الإنسان: وعيه، وسلوكه، وانتماءه. وهذا يعني أن هناك مشروع مزدوج يعمل عل تحويل الجغرافيا وإعادة تشكيل من يعيش فيها.
ب-التسمية كأداة استراتيجية
-أنماط التغيير في الأسماء: يمكن تصنيف التغييرات إلى ثلاث فئات:
-التحوير الصوتي: مثل كفر قاسم כפר קאסם بهدف احتواء الاسم دون محوه الكامل.
–الترجمة الدلالية: وادي נחל (ناحال)، وجبل הר (هار)، بهدف إعادة تفسير المكان ضمن لغة أخرى.
–الاستبدال الكامل: صفورية ציפורי (تسيفوري)، واللجون מגידו (مجيدو)، بهدف إعادة كتابة الذاكرة بالكامل.
-الدلالة الاستراتيجية: التسمية هنا تؤدي ثلاث وظائف، أولها إعادة تعريف المكان، ثانيها فصل الأجيال الجديدة عن الذاكرة الأصلية، ثالثها فرض رواية تاريخية بديلة.
جـ-مستويات العمل الاستراتيجي
-مستوى الجغرافيا (Hard Power): تغيير الأسماء، وإعادة التخطيط العمراني، والسيطرة على الأرض، بهدف رسم خريطة جديدة بمرجعية مختلفة.
–مستوى الوعي (Soft Power): عبر التعليم، واللغة، والإعلام، بهدف إعادة تشكيل الإدراك الجمعي.
-مستوى الحياة اليومية: عبر العمل، والمواصلات، والمؤسسات، بهدف اندماج تدريجي في منظومة جديدة.
د-التباين الجغرافي في التطبيق
-القدس: أعلى مستوى تداخل بين التهويد والأسرلة، فتمارس إسرائيل ضغطا مباشرا على الهوية ودمجا وظيفيا، وهذا يعني أنها منطقة صراع مركّب: رمزي وعملي.
-الضفة الغربية: هيمنة التهويد على الأرض، وبناء المستوطنات، وضعف نسبي للأسرلة، وهذا يعني صراعا على الجغرافيا أكثر من الإنسان.
– فلسطينو الداخل (عرب 48): هيمنة الأسرلة عبر التعليم، والاقتصاد، والقانون، مع تهويد أقل وضوحًا، وهذا يعني صراعا على الإنسان أكثر من المكان.
هـ-الأثر النفسي والاجتماعي
أنماط الهوية الناتجة
-هوية مركّبة (القدس): مرونة عالية، وتوتر داخلي، وقدرة على التكيّف.
–هوية مزدوجة (فلسطينو الداخل): اندماج وظيفي، وتفاوت في الانتماء، وبراجماتية.
-هوية واضحة (الضفة الغربية): انتماء قوي، ووضوح ثقافي، وضغط واقعي.
وهكذا لم تختف الهوية، بل أصبحت متعددة الأشكال حسب جغرافيا المكان وطبيعته.
و-المخاطر الاستراتيجية
-تمييع الهوية وطمسها: فقدان التفاصيل الثقافية، وتحول الهوية إلى شعار.
–التجزئة: اختلاف التجارب بين المناطق، وضعف الوحدة الشعورية.
–الانفصال عن الذاكرة: تراجع السرد العائلي، وهيمنة روايات بديلة.
ز-عوامل المقاومة والاستمرارية:
-الذاكرة الجماعية: أحداث مثل نكبة فلسطين 1948م، والروايات العائلية.
–اللغة: العربية كحامل للهوية الجماعية.
–الثقافة اليومية: التراث، والعادات، والرموز.
-سوشيال ميديا: أداة مزدوجة تعمل على حفظ الهوية أو تمييعها وطمسها.
حـ-السيناريوهات المستقبلية
-السيناريو المرجّح هوية مرنة متعددة: ليست ثابتة، وتتكيّف مع السياق.
–نموذج التوازن (الأغلب): التكيّف دون الذوبان.
-استمرار الصراع الرمزي: على الأسماء، وعلى الرواية والسردية، وعلى الذاكرة.
ط-ختاما
يمكن تلخيص المشهد في معادلة واحدة مفادها: إذا تغيّر المكان (عبر التهويد)، وتغيّر الإنسان (عبر الأسرلة) تتغيّر الهوية، لكن لا تختفي، وتكون النتيجة هي أن الهوية الفلسطينية ليست في طور الزوال، لكنها في حالة إعادة تشكيل مستمرة.
وهكذا تخلص الورقة إلى أن الصراع ليس فقط على الأرض، بل على اسمها، ومعناها، ومن يعيش فيها، وكيف يفهمها. فالاسم الجغرافي ليس تفصيلًا، بل هو مدخل لفهم مشروع كامل لإعادة تشكيل الواقع والوعي معًا.

