سيد محمد حسيني | ترجمة: د. خلود عبد الحفيظ
تحول النزاع بين إيران والولايات المتحدة في هذه الأيام إلى قضية محورية في السياسة والأمن الدوليين، وربما أصبح القضية الأهم في الشرق الأوسط؛ فقد انشغل بهذه المسألة الساسة والباحثون ووسائل الإعلام وحتى الفاعلون الاقتصاديون في المنطقة.
هل ستتوصل إيران وأمريكا إلى اتفاق؟ وحول أي موضوعات سيكون الاتفاق؟ هل سيكون اتفاقًا دائمًا أم مؤقتًا؟ هل سيكون مُرضيًا للطرفين أم لطرف واحد فقط؟ هل ستندلع حرب؟ وما نطاقها؟ هل ستكون محدودة أم شاملة؟ قصيرة أم استنزافية؟
يبدو أن الإجابة عن هذه الأسئلة مرهونة بمن سيتمكن في “حرب فرض الإرادة” من أن يكون أكثر تصميمًا من خصمه، وأن يفرض إرادته على الطرف الآخر.
يسعى دونالد ترامب، من خلال سياسة الغموض، وفي إطار نظرية “الرجل المجنون” (Madman Theory)، إلى إظهار أنه مستعد لتحمل أي كلفة، حتى ولو كانت الحرب، من أجل فرض إرادته على إيران.
ولهذا الغرض أرسل معداته العسكرية المتطورة إلى المنطقة، في مشهد تعبئة عسكرية شهدناه آخر مرة خلال الحرب الأمريكية على صدام حسين عام 2003م.
وبالرغم من التهديدات اللفظية وحشد القوات من جانب ترامب، فإنه من الواضح أنه وفريقه المقرّب ما زالوا مترددين في شنّ الحرب؛ أولًا لأنهم يخشون أن تتحول إلى حرب استنزاف، وثانيًا لأن إيران، وبغضّ النظر عن نتيجة الحرب، تمثل بالنسبة لهم “صندوقًا أسود” قد يخلق متاعب ظاهرة وخفية للولايات المتحدة في اليوم التالي للحرب.
وعليه، فإن إرادة ترامب تميل إلى الدبلوماسية أكثر من الحرب، وإن كانت دبلوماسية من نوع “الإكراه”.
أما الطرف الآخر فهو إرادة إيران. وقد أظهرت إيران أنها لا تخشى الحرب؛ فحرب الاثني عشر يومًا أثبتت أن إيران لا تتردد في الرد على أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي. كما أعلنت أن أسلوب ردّها هذه المرة لن يكون على غرار حرب الاثني عشر يومًا، بل ستجعلها مواجهة إقليمية واستنزافية.
وإذا ما ترسّخ هذا التهديد الإيراني في ذهن ترامب وصدّقه، فسيشكل ورقة رابحة لإيران؛ إذ يمكنها حينها، إضافةً إلى ردع المغامرة العسكرية الأمريكية، أن تحوّل “دبلوماسية الإكراه” الأمريكية إلى “دبلوماسية عادلة” في المفاوضات.
وعليه، فإن الساحة الراهنة هي ساحة حرب الإرادة.
النقطة الجوهرية في حرب الإرادة هي بناء السردية؛ بحيث يسعى كل طرف، سواء في الاتفاق المحتمل أو في الحرب المحتملة، إلى صناعة رواية انتصار.
تشير معطيات المفاوضات إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق يستطيع الطرفان بناء رواية انتصار من خلاله. فحتى لو رجحت كفة الميزان لصالح الولايات المتحدة، فإن الاتفاق بالنسبة إلى إيران يُعد انتصارًا كبيرًا؛ لأن أعظم قوة عسكرية في العالم، المدعومة من حلف الناتو وإسرائيل، ستكون قد تخلّت عن خيار الهجوم العسكري على إيران، ورضيت بالدخول في “أخذ وعطاء” معها. وهذا الوضع يمنح إيران مكانةً وهيبةً على المستويين الداخلي والإقليمي والدولي.
وقد يشمل الاتفاق اتفاقًا نوويًا مرفقًا بملحقين: “عقود اقتصادية” و”معاهدة عدم اعتداء” بين الولايات المتحدة وإيران، تتضمن التزامات متبادلة في إطار هذه المعاهدة.
كما يمكن لترامب أيضًا أن يشعر بالانتصار من خلال الاتفاق مع إيران؛ إذ يقدم نفسه كرجل سلام، ويعرض الاتفاق الجديد بوصفه أشمل من الاتفاق النووي السابق، ويقنع حلفاء أمريكا الإقليميين بأنه، في إطار معاهدة عدم الاعتداء، تم احتواء إيران والقوى المرتبطة بها.
وبناءً عليه، فإن التوصية الإستراتيجية لإيران في حرب الإرادة هي:
أولًا، أن تنجح في إيصال إرادتها الدفاعية إلى الطرف المقابل بطريقة لا تُعد مجرد خدعة أو تهديد فارغ.
وثانيًا، أن تعزز أي اتفاق نووي محتمل بركيزتين أساسيتين: “معاهدة عدم اعتداء” و”حوافز للاستثمار الاقتصادي الأمريكي”.

