Close Menu
مركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيممركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام يوتيوب RSS
    أحدث المنشورات
    • من العمق الاستراتيجي إلى “العمق المتحرك.. الوحدة 5700 الإسرائيلية تعيد تعريف الحرب الجوية بعيدة المدى
    • حرب الروايات: قراءة في خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة 2026
    • نتنياهو في الأمم المتحدة 2026م العالم يغادر القاعة ونتنياهو يخاطب الناخب الإسرائيلي
    • استراتيجية مائة يوم بعد الانتخابات لإنقاذ إسرائيل من الانهيار الداخلي
    • 10مداخل لفهم الموقف المصري من الحرب الأمريكية على إيران
    • دلالات الدعم المعلوماتي الصيني لإيران في الحرب الأمريكية وأهدافه الإستراتيجية
    • مكارم الشيرازي.. إعادة التفكير في سيرة مرجع إيراني تحفظ على تطبيق ولاية الفقيه
    • نوري الهمداني.. زيارة جديدة لعقلية مرجع ديني إيراني أيد الأهلية الدينية لعدو خامنئي
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام يوتيوب RSS
    الثلاثاء, 29 سبتمبر
    مركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيممركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم
    • الرئيسية
    • الوحدات البحثية
      • وحدة الدراسات الإسرائيلية و الفلسطينية
      • وحدة الدراسات الأفريقية
      • وحدة الدراسات الإيرانية
      • وحدة الدراسات التركية
    • برامج تدريبية
    • إصدارات المركز
      • النشرات الإلكترونية
      • مجلات
    • فعاليات
      • ندوات
    • مكتبة الوسائط
      • مكتبة الصوتيات
      • مكتبة الصور
      • مكتبة الفيديو
    • روابط هامة
    • عن المركز
      • إتصل بنا
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام يوتيوب RSS
    لإدراج دراسة
    مركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيممركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم
    الرئيسية » مقاالت مختارة » نتنياهو في الأمم المتحدة 2026م العالم يغادر القاعة ونتنياهو يخاطب الناخب الإسرائيلي
    تحليلات /تقدير موقف إسرائيلي

    نتنياهو في الأمم المتحدة 2026م العالم يغادر القاعة ونتنياهو يخاطب الناخب الإسرائيلي

    د. محمد صالحبواسطة د. محمد صالح28 سبتمبر، 2026لا توجد تعليقات
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr واتساب البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن واتساب بينتيريست البريد الإلكتروني

     

    يكشف خطاب بنيامين نتنياهو الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن تداخل غير مسبوق بين الدبلوماسية والحرب والحملة الانتخابية الإسرائيلية. فقد حوّل خروج عشرات الوفود عند اعتلائه المنصة إلى عنصر في روايته السياسية، مقدمًا نفسه بوصفه قائدًا يواجه عزلة دولية ويتمسك بأمن إسرائيل. ركز الخطاب على إيران، وحماس، وحزب الله، والحوثيين، وقطر وتركيا، كما أشاد بدور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واستحضر شقيقه يوني نتنياهو لتأكيد استمرارية عقيدة الأمن والردع. وفي المقابل، غابت السعودية واتفاقيات أبراهام والحل السياسي للقضية الفلسطينية عن مركز الخطاب، مقارنة بخطاباته السابقة. ويعكس ذلك انتقالًا من خطاب “الشرق الأوسط الجديد” والتطبيع إلى خطاب القوة والصمود ومواجهة الضغوط الدولية. كما وظف نتنياهو الاتهامات المتعلقة بغزة ومعاداة السامية و”الجبهة الثامنة” لتقديم المعركة على الرواية الدولية باعتبارها جزءًا من الحرب. لذلك يبدو الخطاب موجّهًا بدرجة كبيرة إلى الناخب الإسرائيلي، بهدف تحويل الانتخابات إلى اختبار للقيادة الأمنية والقدرة على مواجهة التهديدات والضغوط الخارجية.

    حين أصبح خروج الوفود جزءًا من الخطاب

    لم يكن خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 24 سبتمبر 2026م خطابًا دبلوماسيًا تقليديًا، ولا مجرد مناسبة سنوية لإعادة عرض المواقف الإسرائيلية من الحرب على غزة وإيران وحماس. فقد جاء في لحظة سياسية شديدة الحساسية: إسرائيل تتجه إلى انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر، والحرب الممتدة منذ 7 أكتوبر 2023م تحولت من حدث عسكري إلى قضية مركزية في السياسة الإسرائيلية والدبلوماسية الدولية، فيما بات نتنياهو نفسه أحد أكثر الشخصيات الإسرائيلية ارتباطًا بصورة الحرب ومخرجاتها وتداعياتها الدولية. وقد حددت إسرائيل موعد الانتخابات في 27 أكتوبر بعد استكمال الكنيست الخامس والعشرين ولايته كاملة، وهو أمر غير معتاد في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية الحديثة.

    ومن هنا تكتسب لحظة اعتلاء نتنياهو منصة الأمم المتحدة أهمية خاصة. فما إن بدأ في الصعود إلى المنصة حتى غادرت عشرات الوفود القاعة احتجاجًا على سياسات إسرائيل والحرب في غزة. ورد نتنياهو فورًا بوصف المغادرين بأنهم “جبناء أخلاقيون”، بل دعا من تبقى إلى المغادرة أيضًا قبل أن يبدأ حديثه.

    هذه اللحظة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد بروتوكول دبلوماسي فاشل؛ إذ تحولت في الخطاب نفسه إلى المشهد الافتتاحي الذي أعاد نتنياهو من خلاله تعريف العلاقة بين إسرائيل والمجتمع الدولي. فبدل أن يبدأ من سؤال: لماذا خرجت الوفود؟ نقل السؤال إلى: لماذا لا تفهم هذه الوفود ما تفعله إسرائيل؟ ثم بنى على ذلك رواية متكاملة تقوم على أن إسرائيل تقاتل ليس دفاعًا عن نفسها فحسب، وإنما دفاعًا عن دول كثيرة تنتقدها علنًا بينما تشكرها سرًا، وفق روايته.

    وبذلك أصبح خروج الوفود مادة سياسية لنتنياهو أكثر منه مأزقًا. فهو لم يحاول تهدئة المشهد أو استعادة لغة التوافق، وإنما استثمره لتثبيت صورة الزعيم الذي يقف منفردًا في مواجهة “العالم”، وهي صورة ذات قيمة انتخابية كبيرة في الداخل الإسرائيلي، خصوصًا بالنسبة إلى ناخب يرى الأمن والردع والعلاقة مع إيران والولايات المتحدة عناصر أساسية في تقييم القيادة.

    الخطاب، بهذا المعنى، يمكن قراءته عبر ثلاث دوائر متداخلة: الأمم المتحدة بوصفها مسرحًا دوليًا، والجمهور الإسرائيلي بوصفه الجمهور السياسي الأكثر أهمية، والجمهور الأمريكي والغربي بوصفه ساحة المعركة على الشرعية والمساندة.

    خروج الوفود.. من مشهد احتجاجي إلى أداة في بناء الرواية

    كانت صورة خروج الوفود أثناء اعتلاء نتنياهو المنصة هي الصورة الأبرز في بداية الخطاب. وتؤكد تقارير إعلامية أن عشرات المندوبين غادروا القاعة، بينما ذكرت مصادر إسرائيلية أن غالبية الوفود العربية والمسلمة شاركت في المغادرة، مع بقاء دولة الإمارات داخل القاعة.

    لكن نتنياهو لم يتعامل مع المشهد بوصفه إشارة إلى اتساع العزلة الدبلوماسية الإسرائيلية، بل أعاد تفسيره سياسيًا وأخلاقيًا. فالجملة الافتتاحية التي دعا فيها من تبقى إلى المغادرة إذا كانوا “جبناء أخلاقيين” أعطت الخطاب نبرة مواجهة منذ الثواني الأولى. وهنا تظهر إحدى أهم خصائص الخطاب: تحويل الرفض الخارجي إلى دليل على صلابة الموقف الداخلي.

    ففي الخطاب السياسي الانتخابي، قد تتحول صورة العزلة إلى مشكلة إذا جرى تفسيرها بوصفها فشلًا دبلوماسيًا، لكنها يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة إذا أعيد تعريفها بوصفها ثمنًا للاستقلال والقدرة على مقاومة الضغوط. وهذا تحديدًا ما فعله نتنياهو.

    لقد قدم نفسه باعتباره رئيس الحكومة الذي لا يخضع للضغط الدولي، وليس رئيس حكومة يحتاج إلى إقناع الدول التي غادرت القاعة. ومن هنا يمكن فهم رد فعله بوصفه جزءًا من معادلة سياسية أوسع: خروج الوفود، ومواجهة إسرائيل للعالم، ونتنياهو يرفض الخضوع، ونتنياهو يصبح رمزًا للقدرة على الصمود، والرسالة تعود إلى الناخب الإسرائيلي. وهذه الدائرة أكثر أهمية انتخابيًا من أي نجاح محتمل في إقناع الوفود نفسها.

    لمن كان نتنياهو يتحدث فعلًا؟

    رغم أن المخاطب الرسمي كان الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن الخطاب كان متعدد الجماهير والمقاصد. كان الجمهور الأول هو المواطن الإسرائيلي. الجمهور الإسرائيلي كان حاضرًا في معظم فقرات الخطاب، حتى عندما لم يخاطبه نتنياهو بصورة مباشرة. عندما تحدث عن “سبع جبهات”، وعن إيران، وحماس، وحزب الله، والحوثيين، والميليشيات العراقية والسورية، والفلسطينيين في الضفة الغربية، كان يستعيد اللغة الأمنية التي تشكل أحد المحاور التقليدية في السياسة الإسرائيلية. وقد وصف نتنياهو إسرائيل بأنها خاضت حربًا على سبع جبهات، مؤكدًا أن إسرائيل لم يكن أمامها خيار سوى الانتصار.

    ثم انتقل إلى العبارة التي كررها بوصفها خلاصة فلسفة الخطاب: “ليس لدينا خيار آخر”، مستعيدًا كلمات شقيقه يوني نتنياهو في سياق حرب 1967م، ثم أعاد استخدامها في سياق 7 أكتوبر والحرب الحالية. هنا لا يعود الخطاب مجرد دفاع عن سياسة الحكومة؛ بل يصبح بناءً لسردية القيادة: أنا أعرف الخطر، وقد عرفته قبل الآخرين، ولذلك فإن سياساتي ليست اختيارًا أيديولوجيًا بل ضرورة وجودية.

    وهذه نقطة انتخابية مركزية؛ لأنها تنقل النقاش من سؤال “هل أخطأت الحكومة؟” إلى سؤال “هل تستطيع إسرائيل تحمل تغيير القيادة في لحظة تهديد؟”

    استدعاء يوني نتنياهو.. صناعة السيرة الشخصية للزعيم الأمني

    من أكثر العناصر دلالة في الخطاب أن نتنياهو لم يكتفِ باستحضار إيران وغزة و7 أكتوبر، بل عاد إلى عام 1967م، ثم إلى شقيقه يوني نتنياهو، قائد عملية عنتيبي الذي قُتل عام 1976م. روى نتنياهو ذكريات شخصية عن عودته إلى إسرائيل قبل حرب 1967م، ولقائه بشقيقه، ثم استعاد عبارته: “سننتصر، ليس لدينا خيار آخر”. وبعد ذلك ربطها بالحرب الحالية.

    هذه ليست مجرد قصة عائلية، إنها محاولة لبناء استمرارية رمزية بين ثلاثة أجيال من الأمن الإسرائيلي: جيل 1967م، وجيل عنتيبي، وجيل 7 أكتوبر والحرب على إيران وغزة. وبذلك يضع نتنياهو نفسه داخل سردية الدولة الأمنية الإسرائيلية، لا داخل دورة سياسية انتخابية عابرة.

    والرسالة الضمنية للناخب الإسرائيلي هي أن نتنياهو لا يقدم نفسه بوصفه سياسيًا يدير أزمة مؤقتة، وإنما بوصفه وريثًا لتاريخ من القيادة الأمنية. كما أن استخدام صورة شقيقه يوني يضيف عنصرًا عاطفيًا وشخصيًا إلى خطاب غالبًا ما يهيمن عليه الأمن والقوة.

    إيران.. المحور الذي يحول الحرب من نزاع إقليمي إلى معركة وجودية

    احتلت إيران مركزًا محوريًا في الخطاب، فاستعاد نتنياهو “الخط الأحمر” الذي رسمه في الأمم المتحدة قبل 14 عامًا بشأن البرنامج النووي الإيراني، ثم أعلن أن إسرائيل والولايات المتحدة نجحتا في تدمير المنشآت النووية الإيرانية، ووصف القرار بالهجوم على إيران بأنه من أسهل القرارات التي اتخذها رئيسًا للحكومة، لأنه- بحسب روايته- كان مرتبطًا ببقاء إسرائيل والعالم.

    هنا تتضح وظيفة إيران في الخطاب: ليست مجرد دولة خصم، بل مفتاح لتفسير كل شيء. فإيران تفسر الحرب، والتحالف الإسرائيلي الأمريكي، والتهديد النووي، والميليشيات الإقليمية، وحزب الله، والحوثيين، وحماس، وحتى بعض الاحتجاجات والانتقادات الغربية، وفق الرواية التي طرحها نتنياهو.

    والأهم أنه نقل الصراع مع إيران من مستوى الدولة إلى مستوى الحضارة. فهو قال إن إسرائيل والولايات المتحدة عملتا معًا “لإنقاذ الحضارة”، وهي صياغة تتجاوز الدفاع الوطني إلى تقديم الحرب باعتبارها معركة عالمية بين نظامين. وهذا يخدمه داخليًا؛ لأنه يضع الحرب في إطار أكبر من تقييم أداء الحكومة.

    ترامب.. الحليف الذي يحتاج إليه نتنياهو سياسيًا واستراتيجيًا

    كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشخصية الأجنبية الأكثر إيجابية في الخطاب، فقد وصفه نتنياهو بأنه أعظم شريك لإسرائيل في “المعركة ضد البرابرة”، وأشاد بقيادته، وربط بين العمليات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، كما أشار إلى مشاركة طيارين أمريكيين وإسرائيليين في مهام مشتركة فوق إيران.

    لكن أهمية ترامب لا تتوقف عند السياسة الخارجية. ففي الانتخابات الإسرائيلية، صورة نتنياهو بوصفه صاحب علاقة استثنائية مع الرئيس الأمريكي يمكن أن تكون جزءًا من تعريفه لنفسه أمام الناخب باعتباره السياسي القادر على ضمان استمرار الدعم الأمريكي. ومع ذلك، فإن السياق الذي سبق الخطاب مهم: كان نتنياهو يريد لقاء ترامب، لكنه لم يلتق به خلال زيارته القصيرة، وفق تغطية إسرائيلية سبقت الخطاب.

    ومن ثم جاءت الإشادة العلنية بترامب لتعويض جزء من غياب الصورة الثنائية التي اعتاد نتنياهو استخدامها سياسيًا. أي أن الخطاب يقول للناخب الإسرائيلي: حتى عندما لا تكون الصورة السياسية الكاملة متاحة، فإن العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن ما زالت عنصرًا أساسيًا في قوة إسرائيل.

    نتنياهو ضد ممداني.. لماذا أصبح عمدة نيويورك جزءًا من خطاب رئيس حكومة إسرائيل؟

    من أكثر المؤشرات على البعد الانتخابي للخطاب أن نتنياهو خصص مساحة واضحة لعمدة نيويورك زهران ممداني. كان نتنياهو قد أعلن قبل وصوله إلى نيويورك أنه سيستخدم خطابه للرد على ممداني، الذي وصفه بأنه “مجرم حرب” ودعا في وقت سابق إلى توقيفه على خلفية العدوان على غزة، قبل أن يتراجع عن دعوة لا يملك صلاحية تنفيذها على مستوى مدينة نيويورك.

    وفي الخطاب، اتهم نتنياهو ممداني بدعم حماس وبالتسامح مع شخصيات ومواقف وصفها بأنها معادية لإسرائيل، كما ربط بين خطاب ممداني وبين شعور اليهود بعدم الأمان في نيويورك. وهنا نصل إلى إحدى أهم وظائف الخطاب انتخابيًا. فممداني ليس خصمًا إسرائيليًا تقليديًا، ولا رئيس دولة، ولا قائدًا عسكريًا. ومع ذلك، فإن تحويله إلى شخصية في خطاب نتنياهو يسمح لرئيس الحكومة بإعادة صياغة الانتخابات الإسرائيلية على أساس أوسع: نتنياهو مقابل القوى التي يقول إنها تضغط على إسرائيل في الجامعات، والإعلام، والمدن الغربية، والأمم المتحدة.

    وبهذا يصبح الخصم الخارجي جزءًا من المعركة الداخلية. وقد لاحظ محللون أن ممداني أصبح، في السياق الانتخابي الإسرائيلي، خصمًا مفيدًا لنتنياهو لأنه يسمح له بتحويل الجدل حول غزة إلى جدل حول أمن اليهود ومواجهة معاداة السامية.

    غزة.. من سؤال الحرب إلى سؤال “الإبادة“

    لم يتجاهل نتنياهو الاتهامات المتعلقة بغزة، بل جعل نفي “الإبادة الجماعية” أحد المحاور الأساسية في الخطاب. قال إن إسرائيل لم ترتكب إبادة جماعية وإنما منعت إبادة، وركز على عمليات الإخلاء والتحذيرات وإدخال الغذاء واللقاحات، واستشهد بالعقيد الأمريكي جون سبنسر في سياق دفاعه عن أداء الجيش الإسرائيلي في الحرب داخل المدن.

    لكن الخطاب هنا يكشف تحولًا مهمًا في وظيفة الخطاب الإسرائيلي. في مراحل سابقة كان نتنياهو يحاول أن يشرح لماذا تخوض إسرائيل الحرب. أما الآن فهو يخوض معركة ثانية حول كيفية توصيف الحرب نفسها. أي أن الصراع لم يعد فقط إسرائيل ضد حماس، بل أصبح أيضًا إسرائيل ضد الرواية الدولية للحرب.

    وهذا يفسر حديثه عن “الجبهة الثامنة”: جبهة الحقيقة والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. هذه الجبهة، وفق تصوره، أصبحت مساوية للجبهات العسكرية.

    قطر وتركيا.. انتقال الهجوم من الخصوم المباشرين إلى شبكات النفوذ الإقليمية

    هاجم نتنياهو قطر بشدة، متهمًا إياها بتمويل جامعات أمريكية ووسائل إعلام، وربط ذلك بما وصفه بنشر الكراهية ضد إسرائيل والولايات المتحدة والغرب، كما هاجم تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان واتهم أنقرة بإيواء قيادات من حماس ونشر ما وصفه بالأكاذيب المعادية للسامية. هذا مهم استراتيجيًا لأن نتنياهو لم يقدم قطر وتركيا بوصفهما دولتين تختلفان مع إسرائيل في بعض الملفات، بل بوصفهما جزءًا من بنية أوسع للحرب على الوعي والرواية.

    وهنا تتحول الجغرافيا الإقليمية من خريطة دول إلى خريطة شبكات: إيران تعني القوة المركزية المعادية، وقطر تعني التمويل والإعلام، وتركيا تعني الغطاء السياسي والإعلامي، وحماس تعني الفاعل المسلح، والحوثيون والميليشيات تعني الامتداد العسكري، وبعض المؤسسات الغربية تعني المجال الذي تنتقل إليه الرواية المعادية لإسرائيل، وفق رواية نتنياهو.

    وهذا يفسر لماذا أصبح الخطاب أقل اهتمامًا بالدبلوماسية التقليدية وأكثر اهتمامًا بتحديد “من يقف وراء الرواية”.

    سوريا وأحمد الشرع.. رسالة تتجاوز الحاضر إلى الجغرافيا الإسرائيلية الجديدة

    وجه نتنياهو كلامًا مباشرًا إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، مستخدمًا قضية الجولان في سياق تاريخي وديني. لم يكن هذا مجرد ذكر لسوريا. إنه إعلان أن الجولان بالنسبة إلى الخطاب الحالي ليس مجرد ورقة تفاوضية بين إسرائيل وسوريا، بل جزء من تصور أمني وتاريخي إسرائيلي أوسع. وهذا مهم في قراءة موقف نتنياهو من دول الإقليم؛ لأنه يوضح أن “السلام” الذي يتحدث عنه لا ينطلق من إعادة تعريف الحدود وفق منطق التسوية فقط، وإنما من إعادة تعريف البيئة الأمنية الإسرائيلية أولًا.

    أوروبا.. من الحليف المحتمل إلى الطرف المتهم بالضعف

    وجه نتنياهو انتقادات واضحة إلى بريطانيا وفرنسا وبعض الدول الأوروبية، واتهمها بالخضوع للضغط والابتزاز السياسي وبالتردد في الدفاع عن إسرائيل. كما صاغ المسألة باعتبارها اختيارًا بين “أخوة الديمقراطيات” و”الإخوان المسلمين”، بحسب عبارته. وهذه نقطة مهمة للغاية. ففي الخطاب الدبلوماسي التقليدي، عادة ما تحاول الدولة التي تواجه عزلة دولية تخفيف الخلاف مع الدول الغربية.

    أما نتنياهو فاختار استراتيجية مختلفة قوامها إعادة تعريف الخلاف نفسه بوصفه اختبارًا أخلاقيًا للغرب، أي أنه لم يقل فقط: “أنتم تختلفون معنا”. بل قال، في جوهر روايته: “أنتم لا تقفون في الجانب الصحيح من الصراع”. وهذه اللغة لها وظيفة انتخابية لأنها تقدم التنازلات الدبلوماسية المحتملة بوصفها ضعفًا، بينما تقدم المواجهة بوصفها استقلالًا.

    الدولة الغائبة الأكثر دلالة.. السعودية

    من أكثر عناصر الخطاب إثارة للتحليل أن نتنياهو لم يذكر السعودية، ولم يجعل توسيع اتفاقيات أبراهام محورًا للكلمة، رغم أن ذلك كان من الموضوعات المتكررة في خطاباته السابقة. وقد سجلت “تايمز أوف إسرائيل” هذه الملاحظة بصورة مباشرة. وهذه الغياب أكثر أهمية من كثير من الأسماء التي ذكرها.

    ففي خطاب الأمم المتحدة عام 2023م، كان نتنياهو يقدم خريطة لـ”الشرق الأوسط الجديد”، وكانت السعودية وإمكان السلام الإسرائيلي-السعودي في مركز الرسالة. أما في 2026، فقد تغير ترتيب الأولويات. لم يعد نتنياهو يقدم صورة مستقبلية عن شرق أوسط جديد بقدر ما يقدم صورة عن إسرائيل التي انتصرت في حرب متعددة الجبهات وتواجه حملة دولية ضدها.

    وهذا التحول يكشف انتقالًا من دبلوماسية الفرص إلى دبلوماسية الدفاع والردع. كما أنه يطرح سؤالًا استراتيجيًا مهمًا: هل أصبحت القضية الفلسطينية، والحرب في غزة، والضغوط الدولية، تجعل خطاب التطبيع الإقليمي أقل فائدة انتخابية من خطاب القوة والأمن؟ الخطاب لا يجيب صراحة عن هذا السؤال، لكنه يعطي مؤشرًا واضحًا على تغير ترتيب الأولويات.

    وفي الوقت نفسه، لا يعني غياب السعودية من الخطاب أن العلاقات الإسرائيلية-الخليجية فقدت أهميتها؛ فقد عقدت دول اتفاقيات أبراهام اجتماعًا رسميًا في نيويورك بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة، بمشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب، وانضمت كازاخستان إلى الاجتماع باعتبارها دولة مهتمة بالانضمام إلى الاتفاقيات.

    وهنا تظهر مفارقة استراتيجية قوامها المسار الإقليمي للتطبيع كان يتحرك في الخلفية، بينما خطاب نتنياهو أمام العالم كان يتحرك في اتجاه الحرب والردع.

    موقف نتنياهو من السلام.. السلام بوصفه نتيجة للقوة لا بديلًا عنها

    السؤال الأهم: ماذا يقول الخطاب عن السلام؟ الإجابة تتطلب التمييز بين السلام كمبدأ لغوي والسلام كمشروع سياسي. في الخطاب، تحدث نتنياهو عن القيم والعدالة والسعي إلى السلام، لكنه لم يقدم مبادرة سياسية جديدة تجاه الفلسطينيين، ولم يطرح إطارًا تفصيليًا لمسار تفاوضي، ولم يجعل حل الدولتين محور الخطاب، ولم يحدد تصورًا جديدًا للعلاقة مع السلطة الفلسطينية. وهذا الغياب مهم. فالخطاب لا يقدم السلام بوصفه عملية تفاوضية لها خطوات ومراحل، بل يقدم الأمن والانتصار والردع بوصفها شروطًا سابقة لأي سلام.

    وبذلك يمكن تلخيص فلسفة السلام في الخطاب على النحو الآتي: لا سلام من دون قوة؛ ولا اعتراف بسلام يترك إسرائيل معرضة للخطر؛ ولا تسوية تُبنى على حساب الأمن الإسرائيلي. هذه ليست صيغة جديدة تمامًا في خطاب نتنياهو، لكنها في 2026م أصبحت أكثر وضوحًا بسبب سياق الحرب. والأهم أن السلام العربي لم يعد حاضرًا بوصفه عملية دبلوماسية مستقلة، وإنما ضمنيًا بوصفه نتيجة محتملة لقيام توازن إقليمي جديد تكون إسرائيل فيه أقوى عسكريًا وأكثر اندماجًا مع الولايات المتحدة وبعض الدول العربية.

    أين الفلسطينيون في الخطاب؟

    المفارقة الكبرى أن القضية الفلسطينية هي إحدى أكثر القضايا تأثيرًا في صورة إسرائيل الدولية، لكنها لم تظهر في خطاب نتنياهو باعتبارها مشروعًا سياسيًا مستقلًا. ظهر الفلسطينيون أساسًا من خلال حماس، والإرهاب، والضفة الغربية، والهجمات على الإسرائيليين، واتهامات إسرائيل بالمسؤولية عن إبادة الفلسطينيين، والمدنيين في غزة في سياق الدفاع عن الإجراءات الإسرائيلية. أما السلطة الفلسطينية، فلم تصبح شريكًا سياسيًا في مشروع سلام جديد. وهذه نقطة جوهرية في التحليل الاستراتيجي.

    فالخطاب لا يبدو مصممًا لإقناع المجتمع الدولي بأن إسرائيل تملك حلًا سياسيًا للقضية الفلسطينية، بقدر ما هو مصمم لإقناع الجمهور بأن غياب الحل السياسي ليس هو المشكلة المركزية مقارنة بالخطر الأمني. ومن ثم فإن الفجوة بين خطاب نتنياهو وخطاب الدول التي تدفع باتجاه حل الدولتين ليست فجوة لغوية، بل فجوة في تعريف المشكلة نفسها.

    مصر والأردن والإمارات.. الحضور بالغياب

    إذا قارنا خطاب 2026م بخطابات سابقة، فإن اللافت ليس فقط من ذكرهم نتنياهو، وإنما أيضًا من لم يمنحهم مساحة كبيرة. مصر والأردن، باعتبارهما دولتين ترتبطان بإسرائيل باتفاقيتي سلام، لم يكونا محور الخطاب. والإمارات ظهرت بصورة مختلفة؛ فقد بقيت داخل القاعة أثناء مغادرة وفود أخرى، وفق التغطية الإسرائيلية. وهذا يعكس تحولًا في طبيعة الرسالة الإسرائيلية تجاه الإقليم: لم يعد الهدف في هذه الكلمة هو تقديم صورة “شرق أوسط متصالح”، وإنما تقديم صورة شرق أوسط منقسم حول إسرائيل، لكن إسرائيل تملك تحالفات وظيفية داخله.

    ومن ثم يمكن قراءة الموقف تجاه دول المنطقة ضمن ثلاثة مستويات: دول شريكة أو قابلة للتعاون، مثل الإمارات، وبعض الدول التي دخلت في مسار اتفاقيات أبراهام، ودول خصمة أو معادية، مثل إيران، وحلفاؤها وشبكاتها، ودول تقع في المنطقة الرمادية، مثل تركيا وقطر وسوريا، حيث تتداخل المصالح والخصومات والصراعات على النفوذ. وهذا يختلف عن خطاب 2023م الذي كان يحاول إبراز شبكة تطبيع إقليمية جديدة.

    الجبهة الثامنة.. الحرب على الحقيقة

    من أكثر المفاهيم الاستراتيجية أهمية في الخطاب مفهوم “الجبهة الثامنة”. فبعد الجبهات العسكرية السبع التي عددها نتنياهو، أضاف جبهة ثامنة هي الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والمعركة على الحقيقة. وهذا التحول بالغ الدلالة. فالحرب الحديثة لا تنتهي بالسيطرة على الأرض فقط؛ وإنما تتطلب السيطرة على تفسير ما حدث. ومن وجهة نظر نتنياهو، فإن إسرائيل تستطيع أن تنتصر عسكريًا ثم تخسر سياسيًا إذا خسرت معركة الصورة. ولهذا ظهر في الخطاب قطر، وتركيا، والجامعات الأمريكية، والإعلام، ووسائل التواصل، وممداني، والاتهامات بالإبادة، والاحتجاجات في نيويورك، والحديث عن معاداة السامية. كل هذه العناصر تقع داخل مفهوم واحد: الحرب على شرعية الرواية الإسرائيلية.

    ستارلينك.. الانتقال من الخطابة إلى الرمز البصري

    استخدم نتنياهو جهاز ستارلينك أمام الجمعية العامة، وقال إنه يرمز إلى قدرة الإيرانيين على الوصول إلى المعلومات والحرية، ثم أعلن أنه سيترك الجهاز لرئيس الجمعية العامة لكي يسلمه إلى الوفد الإيراني، ساخرًا من أن أعضاء النظام قد “ينشقون” مستقبلًا. هذه ليست تفصيلة هامشية. نتنياهو يعرف قيمة الصورة في الخطاب التلفزيوني.

    وبعد انتهاء نتنياهو من كلمته، أخذ السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون الجهاز بنفسه وتوجه به إلى رئيس الوفد الإيراني في الأمم المتحدة، محاولًا تقديمه له باعتباره “هدية” من نتنياهو. وقال له إن الجهاز يمكن أن يساعد الإيرانيين على الوصول إلى الحرية والمعلومات، ثم طلب منه أن يأخذه ويعيده إلى طهران.  لكن المندوب الإيراني رفض استلام الجهاز، وتجنب حتى النظر مباشرة إلى دانون، وفق تسجيل مصور نشرته وسائل الإعلام.

    فبدل أن يكتفي بالحديث عن حرية الإيرانيين، حول الفكرة إلى جسم مادي قابل للتصوير وإعادة النشر. وقد سبق أن استخدم في خطابات الأمم المتحدة أدوات بصرية وخرائط ورسومات. وهكذا يتحول الخطاب إلى محتوى متعدد المنصات: الجملة، والصورة، والرمز، والفيديو القصير. وهذه آلية ذات قيمة انتخابية عالية في عصر لا يعود فيه الخطاب محصورًا في القاعة.

    اللغة الدينية والتاريخية.. إعادة بناء الهوية

    اختتم نتنياهو خطابه باستدعاء مايسميه “التاريخ اليهودي” والكتاب المقدس، وتحدث عن استمرار مايسميه “الشعب اليهودي” عبر آلاف السنين، قبل أن يعود إلى العبارة المركزية: “ليس لدينا خيار آخر”. إذن الخطاب يتحرك في ثلاث مستويات: التاريخ الذي يعطي الشرعية، والأمن الذي يعطي الضرورة، والمستقبل الذي يعطي معنى استمرار القيادة. وهذه البنية تمنح الخطاب بعدًا يتجاوز السياسة اليومية.

    فالناخب لا يُطلب منه فقط تقييم الحكومة خلال السنوات الماضية، بل يُدعى إلى رؤية الانتخابات باعتبارها جزءًا من صراع أطول حول أمن الدولة وهويتها.

    الخطاب بوصفه حملة انتخابية قبل أن يبدأ البث الرسمي

    الانتخابات الإسرائيلية مقررة في 27 أكتوبر، بينما يبدأ البث الرسمي للدعاية الانتخابية في 13 أكتوبر، أي أن خطاب الأمم المتحدة جاء في قلب الفترة التي تتشكل فيها الرسائل الانتخابية الأساسية. وهنا تكمن أهمية التوقيت. فنتنياهو لم يكن بحاجة إلى إعلان أنه في حملة انتخابية. الخطاب نفسه قام بعدة وظائف انتخابية:

    -تثبيت صورة القائد الأمني: إيران، وحماس، وحزب الله، والحوثيون، والميليشيات.

    -تثبيت صورة المدافع عن إسرائيل أمام العالم: خروج الوفود، ونتنياهو يقف ويتحدث.

    -استدعاء التحالف الأمريكي: ترامب والعمليات المشتركة.

    -مواجهة خصم خارجي قابل للتوظيف السياسي: ممداني.

    -الدفاع عن الجيش: وصف الجيش الإسرائيلي بأنه “الأكثر أخلاقية” في العالم.

    -إعادة تعريف الانتقادات الدولية: ليست بالضرورة نتيجة فشل إسرائيلي، بل نتيجة “حرب رواية” و”معاداة للسامية”، وفق خطاب نتنياهو.

    -خلق شعور بالتهديد الوجودي: أحد أقوى محركات السياسة الإسرائيلية.

    هل كان الخطاب موجهًا إلى اليمين فقط؟

    ليس تمامًا، وإن كانت هذه نقطة مهمة. فالخطاب يحاول بناء تحالف انتخابي أوسع من اليمين الأيديولوجي التقليدي. عندما قال نتنياهو إن إسرائيل تجمع بين اليمين واليسار، والدينيين والعلمانيين، والشباب والكبار، فإنه حاول تقديم الحرب باعتبارها عامل توحيد وطني. لكن هذه الصورة تواجه سؤالًا سياسيًا داخليًا: هل الحرب وحدت المجتمع الإسرائيلي فعلًا بالدرجة التي يصورها الخطاب؟

    هذه ليست مسألة يمكن حسمها من الخطاب نفسه. لكنها تكشف وظيفة العبارة: نتنياهو يريد أن يجعل الأمن نقطة التقاء، بحيث تصبح الخلافات الداخلية أقل مركزية من الخطر الخارجي. وهذا يفيده سياسيًا لأنه يعيد ترتيب أجندة الانتخابات حول الأمن والقيادة والردع.

    التناقض المركزي.. خطاب الوحدة في مجتمع شديد الاستقطاب

    من المفارقات أن نتنياهو تحدث عن وحدة الإسرائيليين، بينما أشار محللون إسرائيليون إلى أن المجتمع الإسرائيلي ما زال يشهد انقسامات حادة حول الحرب والقيادة والمسؤولية والسياسات الحكومية. كما رأت تحليلات إسرائيلية أن الخطاب مصمم بدرجة كبيرة للجمهور الإسرائيلي وليس لإقناع المنتقدين في الخارج.

    وهنا تظهر إحدى أهم المفارقات الاستراتيجية: كلما ازداد الصراع مع الخارج، ازدادت قيمة نتنياهو السياسية داخل القاعدة التي ترى أن إسرائيل محاصرة. لكن في المقابل، كلما توسعت الفجوة بين إسرائيل ومؤسسات دولية وحكومات غربية، يصبح ذلك عاملًا في النقاش الداخلي حول تكلفة السياسات الحالية.

    ومن ثم فإن الخطاب لا ينهي الخلاف الداخلي؛ بل يعيد صياغته حول سؤال: هل تكلفة العزلة الدولية ثمن ضروري للأمن، أم أنها مؤشر على الحاجة إلى تغيير المسار؟ نتنياهو تبنى الإجابة الأولى.

    المفارقة الدبلوماسية.. خطاب في الأمم المتحدة ضد منطق الأمم المتحدة

    الأمم المتحدة في جوهرها مؤسسة تقوم على التعددية والتفاوض والتسويات والقواعد الدولية،  لكن خطاب نتنياهو كان يقوم على فكرة مختلفة نسبيًا قوامها القوة العسكرية، والردع، والانتصار، وعدم انتظار الآخرين، وعدم الخضوع للضغط، والاعتماد على التحالف مع الولايات المتحدة.

    وبذلك فإن المنصة نفسها أصبحت مسرحًا للصراع بين نموذجين: نموذج التعددية الدولية مقابل نموذج الدولة التي تعتمد على قوتها وتحالفاتها العسكرية لتأمين نفسها. ولذلك فإن مشهد خروج الوفود لم يكن مجرد احتجاج على الخطاب؛ بل أصبح بصريًا تجسيدًا لهذا التعارض.

    لماذا لم يكن خطاب سلام؟

    يمكن فهم ذلك من خلال مقارنة خطاب نتنياهو 2026م بخطابه في 2023م. في 2023م كان نتنياهو يقدم خريطة الشرق الأوسط الجديد، ويركز على إمكانية السلام مع السعودية والتطبيع الإقليمي، ويعرض المنطقة باعتبارها أمام فرصة تاريخية. في 2026م اختفت السعودية من الخطاب، ولم تظهر اتفاقيات أبراهام كموضوع مركزي، بينما تصدرت إيران، والحرب، وغزة، وممداني، وقطر، وتركيا، ومعاداة السامية، والجيش، و”الجبهة الثامنة”.

    ومن ثم يمكن القول إن مفهوم السلام لم يختف من قاموس نتنياهو، لكنه انتقل من كونه مشروعًا دبلوماسيًا إلى كونه نتيجة مفترضة لانتصار القوة والردع. وهذا تحول مهم في مفهوم السياسة الإسرائيلية.

    إسرائيل والإقليم.. من التطبيع إلى هندسة التوازن

    لا يعني ذلك أن نتنياهو تراجع عن فكرة التطبيع، بل إن التطبيع يبدو في هذه المرحلة جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل ميزان القوى. لكن خطاب الأمم المتحدة لم يكن المكان الذي اختار فيه إبراز هذه الورقة. وهنا يمكن التمييز بين مسارين: المسار الدبلوماسي العملي  من خلال
    التطبيع، واتفاقيات أبراهام، والعلاقات مع الإمارات والبحرين والمغرب، واحتمالات التوسع الإقليمي. والمسار الخطابي الانتخابي من خلال إيران، والحرب، والردع، والجيش، والولايات المتحدة، ورفض الضغوط الدولية. والاجتماع الذي عقدته دول اتفاقيات أبراهام في نيويورك بالتزامن مع الجمعية العامة يوضح أن المسار الأول لم يتوقف، حتى لو لم يظهر بقوة في كلمة نتنياهو.

    الدلالة الاستراتيجية لغياب السعودية

    غياب السعودية يستحق أهتماما خاصا لأنه يكشف شيئًا عن المرحلة السياسية. في خطاب 2023م، كانت السعودية بالنسبة إلى نتنياهو رمزًا لإمكان الانتقال من النزاع إلى إعادة هندسة الشرق الأوسط. أما في 2026م، فإن مجرد عدم ذكرها في خطاب شديد الطول والمشحون بالأسماء والخصوم يجعل الغياب ذا دلالة.

    ويمكن تفسير ذلك بثلاثة احتمالات تحليلية، من دون الجزم بأن أحدها هو الدافع الحقيقي:

    أولًا.. أولوية الأمن على التطبيع: الحرب مع إيران وغزة جعلت ملف الأمن أكثر فائدة في الرسالة السياسية الداخلية.

    ثانيًا.. تجنب إحراج الشركاء العرب: إبراز التطبيع في خطاب هجومي تجاه الدول العربية والإسلامية قد يضع الشركاء أمام كلفة سياسية أكبر.

    ثالثًا.. فصل المسار العملي عن المسار الانتخابي: يمكن أن تستمر قنوات التطبيع والتعاون بعيدًا عن المنصة العلنية، بينما يُستخدم خطاب الأمم المتحدة لأغراض مختلفة.

    ولا يمكن من الخطاب وحده إثبات أي من هذه الفرضيات.

    ماذا يقول الخطاب عن مستقبل العلاقة مع تركيا؟

    الخطاب تجاه تركيا كان أكثر حدة من كونه مجرد خلاف ثنائي. فنتنياهو اتهم أردوغان بإيواء قادة حماس، وانتقد سياسات تركيا تجاه الأكراد وأرمينيا وقبرص واليونان وسوريا، ثم ربط ذلك بموقف أنقرة من إسرائيل. وهذا يعني أن تركيا تظهر في الرؤية التي قدمها نتنياهو كجزء من صراع على النظام الإقليمي. المشكلة هنا أن تركيا ليست إيران، فهي دولة عضو في الناتو، وفاعل إقليمي كبير، ولها مصالح في سوريا وشرق المتوسط والقوقاز والعالم العربي. لذلك فإن تحويل الخلاف الإسرائيلي-التركي إلى جزء من “جبهة واحدة” ضد إسرائيل يحمل دلالة على اتساع مفهوم التهديد في الخطاب الإسرائيلي.

    إيران بعد الحرب.. نتنياهو لا يكتفي بالردع بل يتحدث عن تغيير النظام

    من أكثر المقاطع دلالة قوله إن النظام الإيراني سيسقط، وإن الشعب الإيراني سيصبح حرًا. هنا ينتقل الخطاب من: منع إيران من امتلاك السلاح النووي إلى: التنبؤ بسقوط النظام الإيراني. وهذا انتقال استراتيجي مهم. فإذا كان الهدف الأول دفاعيًا، فإن الهدف الثاني يحمل بعدًا سياسيًا داخليًا في إيران.

    واستخدام جهاز ستارلينك في الخطاب يؤكد أن نتنياهو أراد أن يرسل رسالة مباشرة إلى المجتمع الإيراني، وليس فقط إلى الحكومة الإيرانية. وبذلك تصبح الحرب على إيران في الخطاب ذات ثلاثة مستويات: تدمير القدرة النووية، وإضعاف القدرات العسكرية، والتأثير في البيئة السياسية والاجتماعية داخل إيران. وهذا يوسع أهداف الصراع بدرجة كبيرة.

    من “إسرائيل تبحث عن السلام” إلى “إسرائيل ستفرض الردع“

    من الناحية الخطابية، يمكن ملاحظة تحول واضح مقارنة بصيغ سابقة. لم يكن السؤال في الخطاب: كيف نصنع السلام؟ بل: كيف نمنع أن يتحول السلام إلى خطر على إسرائيل؟ وهذا يفسر تركيز نتنياهو على تجارب الانسحاب من غزة ولبنان في خطابات سابقة، وعلى الصواريخ والجبهات والردع. السلام، وفق هذا التصور، لا يسبق الأمن. بل الأمن هو الذي يسمح بالسلام. وهذا يضع إسرائيل في موقع تفاوضي مختلف عن التصورات التي تجعل إنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية شرطًا أساسيًا للسلام الإقليمي.

    الرسالة إلى العالم العربي

    رغم أن نتنياهو لم يقدم مبادرة عربية جديدة، فإن خطابه يرسل رسائل غير مباشرة إلى الحكومات العربية، منها:

    الأولى: إسرائيل قوية، وقد خرجت من الحرب وهي قادرة على مواجهة إيران.

    الثانية: التحالف مع الولايات المتحدة ما زال ركيزة أساسية للقوة الإسرائيلية.

    الثالثة: إسرائيل ترى إيران تهديدًا مشتركًا.

    الرابعة: الدول العربية التي تتعاون مع إسرائيل يمكنها الاستفادة من هذه القوة، بينما الدول التي تواجهها ستتحمل كلفة أكبر.

    الخامسة: الأكثر تعقيدًا، التطبيع لا يعني بالضرورة قبول إسرائيل بتنازلات فلسطينية كبيرة. وهذه الرسالة هي إحدى العقبات المحتملة أمام توسيع المسار الإقليمي؛ لأن بعض الدول العربية تربط تقدم التطبيع بمسار فلسطيني واضح.

    ما الذي كشفه الخطاب عن استراتيجية نتنياهو الانتخابية؟

    يمكن اختزال استراتيجية الخطاب في خمس عمليات سياسية متزامنة:

    1-تحويل الانتخابات إلى استفتاء على الأمن: بدل أن تكون الانتخابات تقييمًا لكل ملفات الحكومة، يريد نتنياهو أن تصبح سؤالًا حول من يستطيع حماية إسرائيل.

    2-تحويل الانتقاد الدولي إلى مادة تعبئة: خروج الوفود، والاحتجاجات، والانتقادات الأوروبية ومواقف ممداني كلها تصبح أجزاء من رواية واحدة.

    3-تحويل إيران إلى مركز الانتخابات: كلما كان التهديد الإيراني حاضرًا، زادت أهمية الخبرة الأمنية والقيادة العسكرية في الخطاب الانتخابي.

    4-ربط نتنياهو بترامب: الرسالة هي أن نتنياهو ليس مجرد رئيس حكومة، بل حلقة في الشراكة الأمريكية الإسرائيلية.

    5-إعادة بناء الهوية حول “لا خيار آخر”: هذه العبارة هي المفتاح النفسي والسياسي للخطاب، فهي تقلل مساحة النقاش حول البدائل. إذا لم يكن هناك “خيار آخر”، فإن تغيير القيادة أو السياسة يمكن تقديمه ضمنيًا باعتباره مخاطرة.

    الخطاب يحمل أيضًا نقطة ضعف استراتيجية

    من منظور تحليلي، فإن الخطاب الذي ينجح في تعبئة جمهور يرى العالم معاديًا لإسرائيل قد لا يكون الخطاب نفسه الأكثر قدرة على بناء تسويات دولية؛ ذلك لأن اللغة التي تصف الوفود بأنها “جبانة”، والدول بأنها ضعيفة أو مستسلمة، وبعض القادة بأنهم متواطئون أو داعمون للإرهاب، ترفع تكلفة التراجع أو التسوية. فالدبلوماسية تحتاج في مراحل معينة إلى لغة تسمح للخصم بالعودة إلى الطاولة دون أن يبدو أنه استسلم. أما لغة المواجهة المطلقة فتجعل المسافة بين الطرفين أكبر. وهنا تظهر المفارقة: الخطاب يمكن أن يكون مفيدًا انتخابيًا لأنه حاد، لكنه قد يكون أقل مرونة دبلوماسيًا لأنه حاد. وهذا ليس حكمًا على نجاحه أو فشله الانتخابي، وإنما وصف للتوتر بين الوظيفة الانتخابية والوظيفة الدبلوماسية للخطاب.

    الأمم المتحدة مسرح انتخابي إسرائيلي

    أصبح خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة، عبر السنوات، أكثر من خطاب دبلوماسي، إنه حدث إعلامي إسرائيلي. تغطية التلفزيون الإسرائيلي، ووسائل التواصل، والعناوين الصحفية، والصور، والخرائط، والأدوات التي يرفعها نتنياهو، وتصعيده ضد خصومه كلها تجعل الخطاب قابلًا لإعادة الاستخدام داخل إسرائيل. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل أقنع الجمعية العامة؟ بل: ما الصورة التي عاد بها إلى إسرائيل؟

    والصورة التي صنعها الخطاب هي: رئيس حكومة يقف على منصة دولية بينما يغادر الآخرون؛ ثم يتحدث عن إيران، ثم يذكر ترامب، ثم يدافع عن الجيش، ثم يهاجم ممداني، ثم يرفض اتهام الإبادة، ثم يهاجم قطر وتركيا، ثم يتحدث عما يسميه “الشعب اليهودي وتاريخه”، ثم ينهي الخطاب بالانتصار والخلود. هذه بنية انتخابية مكتملة.

    “العالم ضد إسرائيل” إطار انتخابي

    من أهم ما يمكن استخلاصه من الخطاب أن نتنياهو لا يريد أن تكون الانتخابات بين نتنياهو ومعارضيه، بل بين إسرائيل التي يقودها نتنياهو والعالم الذي يضغط عليها. وهذا تحول في بنية المنافسة السياسية.

    فإذا أصبحت القضية الأساسية هي قدرة إسرائيل على مواجهة العالم، يصبح رئيس الحكومة صاحب خبرة دولية وعلاقات أمريكية طويلة أكثر مركزية في الرسالة. ولهذا فإن اللغة الإنجليزية، والحضور الدولي، والعلاقة مع واشنطن، والقدرة على مخاطبة الكونجرس والأمم المتحدة ليست مجرد مهارات شخصية في خطاب نتنياهو؛ إنها جزء من رأس المال السياسي الذي يريد تحويله إلى أصوات.

    بين “نتنياهو الدبلوماسي” و”نتنياهو المحارب“

    الخطاب يكشف صعود شخصية سياسية مركبة: نتنياهو الدبلوماسي الذي يعرف واشنطن والغرب ويخاطب المؤسسات الدولية، وفي الوقت نفسه نتنياهو المحارب الذي يقول إن إسرائيل لا تنتظر أحدًا، وإنها ستنتصر لأنها لا تملك خيارًا آخر. والانتخابات ستدور جزئيًا حول أي صورة منهما تكون أكثر تأثيرًا في الناخب الإسرائيلي. لكن الخطاب نفسه يميل بوضوح إلى الشخصية الثانية.

    السيناريوهات الاستشرافية بعد الخطاب

    يمكن بناء ثلاثة سيناريوهات محتملة، ليس باعتبارها توقعات انتخابية، وإنما باعتبارها مسارات سياسية ممكنة:

    السيناريو الأول.. استمرار مركزية الأمن: إذا استمرت البيئة الإقليمية في إنتاج تهديدات عسكرية، فمن المرجح أن يبقى خطاب الأمن والردع وإيران في قلب السياسة الإسرائيلية. في هذه الحالة، يصبح خطاب الأمم المتحدة نموذجًا لحملة انتخابية أوسع: إيران، وغزة، وأمريكا، والردع، والقيادة.

    السيناريو الثاني.. عودة التطبيع إلى مركز المشهد: إذا تطورت المسارات الإقليمية، خصوصًا حول السعودية واتفاقيات أبراهام، فقد يعود خطاب “الشرق الأوسط الجديد” إلى الواجهة. وهنا يمكن أن ينتقل نتنياهو من خطاب الحرب إلى خطاب الإنجاز الدبلوماسي.

    السيناريو الثالث.. تزايد الضغط الدولي: إذا اتسعت الفجوة مع أوروبا والمؤسسات الدولية بشأن غزة والضفة الغربية، فقد تصبح العلاقة مع المجتمع الدولي نفسها قضية داخلية إسرائيلية. وهنا قد تتبلور مواجهة سياسية بين من يرى أن الصمود أمام الضغط الدولي ضرورة أمنية، ومن يرى أن استمرار العزلة يحتاج إلى تغيير سياسي ودبلوماسي. وهذا الخلاف قد يصبح أحد المحاور الأساسية للنقاش الإسرائيلي بعد الانتخابات، بغض النظر عن نتائجها.

    الخاتمة

    خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة في سبتمبر 2026م يكشف تحولًا مهمًا في وظيفة الدبلوماسية الإسرائيلية. ففي مرحلة سابقة كان الهدف هو استخدام المنصة الدولية لإظهار إسرائيل باعتبارها دولة تسعى إلى الاندماج في شرق أوسط جديد، وتبحث عن تطبيع وعلاقات اقتصادية وسلام مع دول عربية، وفي مقدمتها السعودية. أما في الخطاب الحالي فقد أصبح الهدف الأساسي إعادة تعريف موقع إسرائيل في العالم من خلال القوة والردع والقدرة على الصمود أمام العزلة الدولية.

    ولذلك فإن غياب السعودية واتفاقيات أبراهام عن الخطاب لا يقل أهمية عن حضور إيران وقطر وتركيا وممداني. فالموضوع لم يعد كيف تبني إسرائيل شرق أوسط جديدًا؟ بل: كيف تحافظ إسرائيل على موقعها وقوتها وسط شرق أوسط مضطرب وعالم دولي أكثر انتقادًا لها؟ وفي هذه المعادلة يصبح نتنياهو نفسه جزءًا من الرسالة. إنه لا يقدم نفسه فقط بوصفه رئيس حكومة إسرائيل، بل بوصفه الشخص الذي يستطيع الوقوف في مواجهة الضغط الدولي دون التراجع. ولهذا فإن خروج الوفود لم يفسد الخطاب من وجهة نظر بنيته السياسية؛ بل أصبح مادة له. فالقاعة الفارغة نسبيًا تحولت إلى خلفية بصرية لرواية تقول: إسرائيل معزولة، لكنها لا تستسلم؛ إسرائيل تواجه العالم، لكنها لا تتراجع؛ إسرائيل محاصرة، لكنها تنتصر؛ ونتنياهو هو القائد الذي يقول: ليس لدينا خيار آخر. لكن هذه الصيغة تحمل في الوقت نفسه تناقضًا استراتيجيًا عميقًا.

    فإسرائيل تحتاج إلى القوة والردع، لكنها تحتاج أيضًا إلى شبكة من العلاقات الدولية والإقليمية. وتحتاج إلى التحالف الأمريكي، لكنها تحتاج أيضًا إلى شركاء عرب. وتحتاج إلى مواجهة إيران، لكنها تحتاج كذلك إلى ترتيبات إقليمية مستقرة. وتحتاج إلى الدفاع عن شرعيتها، لكنها تحتاج أيضًا إلى مسار سياسي يستطيع تخفيض تكلفة الحرب.

    ومن هنا فإن قيمة خطاب 2026م لا تكمن فقط في العبارات التي قالها نتنياهو، وإنما في ما لم يقله، فهو لم يقدم خطة سياسية جديدة للفلسطينيين، ولم يضع حل الدولتين في مركز الخطاب، ولم يجعل السعودية محور الرسالة، ولم يقدم مشروعًا جديدًا لتوسيع اتفاقيات أبراهام، ولم يحاول تقديم تسوية مع الخصوم الإقليميين. بل أعاد بناء العالم من حول إسرائيل وفق معادلة قوامها إيران والتهديد، والحرب، والردع، والتحالف مع الولايات المتحدة، والدفاع عن الجيش، والحرب على الرواية، والصمود الإسرائيلي، والانتصار. وهذه ليست خريطة سلام بقدر ما هي خريطة أمن قومي وحملة انتخابية.

    ومن ثم يمكن النظر إلى خطاب الأمم المتحدة الأخير باعتباره وثيقة تكشف عن انتقال مركز الثقل في السياسة الإسرائيلية من هندسة السلام الإقليمي إلى هندسة الشرعية الداخلية للحرب. وإذا كان خطاب 2023م قد حمل صورة نتنياهو أمام خريطة “الشرق الأوسط الجديد”، فإن خطاب 2026م حمل صورة مختلفة: نتنياهو أمام قاعة يغادرها المندوبون، ثم يرفع صوته في مواجهتهم.

    بين الصورتين أربع سنوات فقط، لكن الفارق السياسي كبير: الأولى كانت صورة إسرائيل التي تريد إعادة تشكيل المنطقة عبر التطبيع. والثانية صورة إسرائيل التي تريد إعادة تعريف موقعها في العالم عبر القوة والردع والصمود. وهذا هو المعنى الاستراتيجي الأعمق للخطاب.

    فالانتخابات الإسرائيلية المقبلة لن تجري فقط على سؤال من يحكم إسرائيل، وإنما- وفق الإطار الذي يحاول نتنياهو بناءه- على سؤال أوسع: أي إسرائيل تريد أن تكون؟ إسرائيل التي تبحث عن الاعتراف والتسويات وإعادة الاندماج الإقليمي، أم إسرائيل التي ترى أن أمنها وقوتها وقدرتها على تحدي الضغط الدولي هي الشرط الأول لأي ترتيب إقليمي مقبل؟ ولا يقدم خطاب الأمم المتحدة إجابة محايدة عن هذا السؤال؛ بل يقدم بوضوح الرواية السياسية التي يريد نتنياهو أن يخوض بها الانتخابات. واللافت أن هذه الرواية لا تفصل بين الحرب والدبلوماسية والانتخابات؛ بل تدمجها في منظومة واحدة: الحرب تمنح الشرعية للردع، والردع يمنح شرعية القيادة، والقيادة تواجه العزلة، والعزلة تصبح دليلًا على ضرورة الصمود، والصمود يتحول إلى مادة انتخابية، والانتخابات تعيد إنتاج سؤال الأمن.

    وهكذا يصبح خطاب الأمم المتحدة في سبتمبر 2026م أكثر من خطاب لرئيس حكومة إسرائيل أمام العالم؛ إنه مقدمة خطابية للمعركة الانتخابية الإسرائيلية، ورسالة إلى الإقليم، ودفاع عن الحرب، ومحاولة لإعادة صياغة معنى العزلة الدولية، وتثبيت نتنياهو في موقع “القائد الذي لا يملك ترف التراجع”.

    وفي هذه النقطة تحديدًا تكمن أهمية الخطاب الاستشرافية: المسألة المقبلة لن تكون فقط ما إذا كانت إسرائيل ستواصل الحرب أو التطبيع، وإنما كيف ستجمع بين القوة العسكرية، والشرعية الدولية، والعلاقات العربية، والعلاقة مع واشنطن، والقضية الفلسطينية في نظام إقليمي يتغير بسرعة.

    والخطاب، حتى الآن، يميل إلى ترتيب هذه العناصر على النحو التالي: الأمن أولًا، والولايات المتحدة ثانيًا، والردع الإقليمي ثالثًا، والتطبيع بوصفه مسارًا عمليًا لا شعارًا خطابيًا، والحل الفلسطيني في موقع متأخر من الأولويات. وهذه ليست مجرد صياغة خطابية؛ بل قد تكون إحدى أهم مفاتيح فهم المرحلة السياسية الإسرائيلية التي ستلي انتخابات أكتوبر 2026م.

    • Facebook
    • Share on X
    • LinkedIn
    • WhatsApp
    • Email
    • Copy Link
    #إسرائيل NVD nvdeg أمريكا القضية الفلسطينية
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr واتساب البريد الإلكتروني
    د. محمد صالح

    اترك تعليقاً
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام يوتيوب RSS
    • دراسات
    • تحليلات/ تقديرات موقف
    • تقارير
    • مقالات رأي
    • ملفات خاصة
    © 2026 كافة الحقوق محفوظة. تصميم وبرمجة شركة بيو فري للحلول المتكاملة.

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter