حسين محمود التلاوي

أصدرت الخارجية الإثيوبية في 3 ديسمبر 2025 بيانا تناول ملف سد النهضة والخلاف المصري الإثيوبي بشأنه، وحمل البيان بشدة على مصر وموقفها في الملف، واستمر في استخدام التعبيرات نفسها التي دأب الإثيوبيون على استخدامها؛ مثل “العقلية الاستعمارية” و”الحق السيادي” الإثيوبي في التصرف في مياه النيل باعتبارها من دول المصب.

mostbet

وتلقى معهد الشئون الخارجية الإثيوبي هذا البيان بحفاوة بالغة؛ فأورد تحليلًا للبيان كان بمثابة إعادة تأكيد على الموقف الإثيوبي، واستمر في استخدام التعبيرات نفسها بوصف الموقف المصري بأنه “موقف عدائي”، والزعم بأن التصريحات الرسمية المصرية “ترفض الحوار رفضًا قاطعًا”. لكن البيان الإثيوبي والمساندة التي قدمها معهد الشئون الخارجية لا يصمدان أمام نظرة فاحصة تتجاوز اللهجة القوية والتعبيرات النارية التي حفل بها البيان لتثبت أن هذه اللهجة مجرد غطاء لضعف الموقف الإثيوبي، وهشاشة الركائز التي يستند إليها الإثيوبيون في موقفهم، وفي “لهجتهم النارية”.

مغالطات وأخطاء

تتناول هذه الورقة أبرز الأخطاء والمغالطات التي وقع فيها بيان الخارجية ورؤية معهد الشئون الخارجية؛ لمعرفة أين أخطأ الإثيوبيون.

أولًا: مبدأ “عدم إلحاق الضرر الجسيم”

دأبت إثيوبيا، في بياناتها الرسمية وعلى لسان مسئوليها، على استخدام تعبير “الاستخدام المنصف والمعقول” لمياه النهر كبديل عن الاتفاقيات الموقعة في 1929م و1959م؛ وهي الاتفاقيات التي ترفضها إثيوبيا بداعي أنها تعود إلى “المرحلة الاستعمارية”.  لكن إثيوبيا تتجاهل، بل تتغافل، مبدأ “عدم إلحاق الضرر الجسيم”؛ وهو مبدأ يقره القانون الدولي، بالقدر نفسه الذي يقر به مبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول” الذي تتمسك به إثيوبيا. يحاول الإثيوبيون أن يروجوا لفكرة أن مصر ترفض بناء سد النهضة من الأساس؛ وهو أمر غير صحيح؛ لأن الخلاف بين مصر وإثيوبيا ليس على بناء السد، ولكن على تداعياته وآثار الملء والتشغيل، التي قد تكون سلبية على مصر والسودان، بوصفهما دولتي المصب.

واقع الأمر أن إثيوبيا ترفض مطالبة مصر بتوقيع اتفاق ملزم أمام القانون الدولي بالتنسيق في إدارة سد النهضة؛ بحيث تضمن مصر والسودان عدم وقوع ضرر جسيم عليهما؛ وهو حق يكفله لهما القانون الدولي. وقد تحقق هذا الضرر بالفعل قبل أسابيع، عندما فتحت إثيوبيا بوابات السد لتصريف مياهه؛ مما أدى إلى فيضانات في بعض مناطق السودان، وغرق مساحات من أراضي طرح النهر في مصر. يشير ذلك إلى الانتقائية الإثيوبية في التعامل مع القانون الدولي؛ وهي انتقائية حاولت إثيوبيا أن تخفيها وراء التعبيرات الصاخبة واللهجة القوية التي تحفل بها تصريحات مسئوليها وبياناتهم.

ثانيًا: تداعيات الوضع الداخلي على قدرة المفاوِض الإثيوبي

تعاني إثيوبيا من هشاشة داخلية، لا يمكن للخارجية الإثيوبية نفسها أن تنفيها؛ والتي تتمثل في المواجهات المسلحة في مناطق تيجراي وأمهرة، بالإضافة إلى الاحتجاجات الداخلية ذات الدوافع المختلفة، وإن كانت تتعلق في غالبيتها بدوافع معيشية؛ والتي تواجهها الدولة بقمع مفرط، في أسلوب يشابه العنف المفرط الذي تمارسه ضد المدنيين في مناطق النزاع.

لا يذكر البيان الإثيوبي، بكل تأكيد، أن هذه المشكلات الداخلية تؤثر على قدرة التفاوض الإثيوبية؛ فعلى سبيل المثال تعرض الإثيوبيون لعقوبات أمريكية بسبب العنف المفرط ضد المدنيين في مناطق النزاع، كان من بينها تعليق المساعدات العسكرية والأمنية الأمريكية لإثيوبيا، وتعليق عضوية إثيوبيا في برنامج (AGOA) التنموي التجاري المتعلق بالفرص والنمو في إفريقيا. أدت هذه العقوبات إلى إبعاد الولايات المتحدة كوسيط في ملف سد النهضة.

ثالثًا: أين السودان؟

لا يأتي البيان، ولا الدعم المقدم من المراكز البحثية، على ذكر السودان، ويقدم الخلاف على سد النهضة على أنه خلاف بين مصر وإثيوبيا، لا وجود للسودان فيه؛ وهو الأمر الذي يجافي الواقع. فتغالط وترى أن للسودان منافع في السد في تنظيم الفيضان، وفي الوقت نفسه تعتبره مصدر قلق بسبب إجراءات تصريف المياه التي تقدم عليها إثيوبيا بشكل أحادي دون تنسيق مع السودان؛ ما يعرض السودان لخطر الغرق.

تتفق السودان مع مصر في ضرورة توقيع اتفاق ملزم لإثيوبيا بالتنسيق في عمليات الملء والتشغيل. لكن البيان الإثيوبي لا يأتي على ذكر السودان مطلقًا؛ لأن مجرد ذكر السودان ينسف الأساس الذي تبني عليه إثيوبيا كل بياناتها بأن الخلاف على سد النهضة هو خلاف مع مصر ينطلق من اعتبارات سياسية؛ لأن وجود تطابق بين مطالب مصر والسودان يعني أن المطالب المصرية موضوعية، تنطلق من حقائق على الأرض، تشترك معها فيها السودان، لا من دواعي التنافس السياسي أو “الأطماع الاستعمارية”.

رابعًا: مصلحة دول المنبع في اتفاقية الإطار التعاوني

يرى معهد الشئون الخارجية أن بيان الخارجية الإثيوبية يأتي في لحظة فارقة قبل اجتماعات بوروندي التي ناقشت اتفاقية الإطار التعاوني كبديل عن الاتفاقيات السارية التي تحكم استغلال مياه النيل، وهيئة حوض النيل باعتبارها المؤسسة المركزية المعنية بالإدارة المشتركة للمياه. لكنَّ الإثيوبيين يغفلون مسألة مصلحة دول المنبع في توقيع الاتفاقية؛ حيث لا يذكر البيان أي منافع يمكن أن تعود على دول المنبع من توقيع الاتفاقية، وتداخل مصالح هذه الدول مع مصر في تحديد موقفها النهائي من تفعيل الاتفاقية أو الالتزام بها.

كان لمثل هذه المصالح في دول القرن الإفريقي دور كبير في تحجيم طموحات إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر؛ وهو ما يمثل نموذجًا موضوعيًّا، من الأزمة نفسها، على أن المصالح المشتركة تلعب دورًا كبيرًا في الضغط على الطموحات الإقليمية الإثيوبية.

خامسًا: العلاقات الخارجية الإثيوبية

تحاول إثيوبيا على الدوام إظهار نفسها بمظهر الدولة التي تتمتع بالدعم من جيرانها؛ وهو الأمر الذي يجافي الحقيقة؛ حيث تعاني إثيوبيا توترًا مع العديد من الأطراف الإقليمية. بعيدًا عن التوتر مع مصر، تعاني إثيوبيا توترا كبيرا في العلاقات مع إريتريا ناجم عن رغبة إثيوبيا في الحصول على ميناء عصب الإريتري للوصول إلى البحر الأحمر؛ وهو الأمر الذي ترفضه إريتريا رفضًا قاطعًا أدى إلى تهديد ضمني إثيوبي باللجوء إلى القوة العسكرية للاستيلاء على الإقليم.

تعاني كذلك إثيوبيا  توترا مع الصومال بسبب الاتهامات الرسمية الصومالية إلى إثيوبيا بالتورط في تزويد الجماعات المسلحة في الصومال بالسلاح، وفي توطيد العلاقات مع إقليم أرض الصومال الانفصالي الذي يناقش مع إثيوبيا الاعتراف به مقابل منحها منفذ إلى البحر الأحمر.

هذه الاعتبارات كلها تؤثر بالسلب على القدرة التفاوضية لإثيوبيا فيما يخص سد النهضة؛ لأنها قد تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات في بعض الملفات الحساسة للدول المعنية بالملف مقابل الحصول على تأييد تلك الدول في ملف السد. وهنا يعود الحديث إلى الاضطرابات الداخلية في إثيوبيا التي تؤثر على قدرة الدولة قي تطوير بعض الملفات التنموية؛ مما يلقي بالشكوك على قدرتها على الوفاء بتعهداتها في أية مساومات خارجية تدخل فيها بشأن ملف السد.

الخلاصة

يحاول بيان الخارجية الإثيوبي وتحليل معهد الشئون الخارجية له إظهار إثيوبيا بأنها دولة تتبنى القانون الدولي، وتدافع عن حقوق التنمية في القارة الإفريقية مقابل “العقلية الاستعمارية” التي يزعم الإثيوبيون أن مصر تتبناها. لكن التحليل الموضوعي والدقيق يظهر أن البيان والتحليل المساند له يهدفان إلى كسب الدعم الدبلوماسي الدولي؛ وبوجه خاص الدعم الإفريقي باللعب على وتر “التحرر مقابل الاستعمار”، لكنه لا يذكر تمامًا رفض إثيوبيا توقيع اتفاق ملزم فيما يخص ملء السد وتشغيله، كما يتجنب الدخول في التفاصيل التقنية والفنية؛ وبوجه خاص مبدأ “عدم إلحاق الضرر الجسيم” الذي يشكل الجوهر الحقيقي للخلاف في ملف السد.

لذلك يمكن وصف البيان بأنه يعبر عن الكيفية التي تريد إثيوبيا أن يراها العالم والداخل بها، لا الواقع الفعلي للخلاف حول سد النهضة؛ مما يجعله نصًّا توجيهيًّا سواء للمجتمع الدولي أو مكونات الداخل الإثيوبي أكثر منه بيان رسمي مسئول يهدف إلى حل مشكلة بمخاطبة جوهر الخلاف، واقتراح حلول فعلية بناءة، إن لم تحل المشكلات كلها، فعلى الأقل تصلح للبناء عليها، أو حتى مجرد التفاوض حولها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version