تُعد قضية تجنيد الحريديم في إسرائيل من أكثر القضايا إثارةً للجدل في المشهدين السياسي والمجتمعي الإسرائيلي، إذ تتقاطع فيها الاعتبارات الدينية مع متطلبات الأمن القومي ومبادئ المساواة في تحمل أعباء الخدمة العسكرية. وقد ازدادت حدة الجدل خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة والحاجة المتزايدة إلى القوى البشرية داخل الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي أعاد قضية إعفاء طلاب المعاهد الدينية الحريدية من الخدمة العسكرية إلى صدارة النقاش العام.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الجوانب القانونية أو العسكرية، بل تحولت إلى قضية إعلامية وسياسية بامتياز؛ حيث لعبت وسائل الإعلام الإسرائيلية دورًا محوريًا في تشكيل الخطاب العام حولها، من خلال إبراز التباينات بين التيارات السياسية والدينية المختلفة، وتسليط الضوء على الخلافات داخل الائتلاف الحاكم. ومع تصاعد الضغوط على الحكومة لإيجاد تسوية لهذه الأزمة، باتت قضية تجنيد الحريديم تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه استقرار الائتلاف الحاكم، في ظل تمسك الأحزاب الحريدية بمواقفها من جهة، ومطالب الأحزاب الأخرى بتوسيع قاعدة التجنيد من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، يسعى المقال إلى تحليل كيفية معالجة الإعلام الإسرائيلي لأزمة تجنيد الحريديم، والكشف عن الأبعاد السياسية التي أسهمت في تحويلها من قضية دينية واجتماعية إلى أزمة تهدد تماسك الحكومة واستمرارها.
أولًا: جذور أزمة تجنيد الحريديم في إسرائيل
تُعد قضية تجنيد الحريديم (اليهود المتشددين دينيًا) من أقدم القضايا الخلافية في المجتمع الإسرائيلي، حيث تعود جذورها إلى السنوات الأولى لتأسيس إسرائيل. ففي عام 1948 وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول “دافيد بن جوريون” على إعفاء نحو 400 طالب من طلاب المدارس الدينية (اليشيفوت) من الخدمة العسكرية، استجابةً لمطالب القيادات الدينية التي رأت ضرورة الحفاظ على دراسة التوراة بعد الخسائر البشرية الكبيرة التي تعرض لها العالم الديني اليهودي خلال المحرقة النازية. وكان هذا الإعفاء في بدايته محدودًا واستثنائيًا، إلا أنه تحول مع مرور الوقت إلى سياسة دائمة توسعت لتشمل عشرات الآلاف من طلاب المعاهد الدينية.
واعتمدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على مبدأ «توراتو أومانوتو» (תורתו אומנותו) أي «التوراة هي مهنته»، والذي يتيح لطالب المعهد الديني تأجيل خدمته العسكرية طالما استمر في الدراسة الدينية بشكل منتظم. وقد ساهم النمو الديمغرافي السريع للمجتمع الحريدي في زيادة أعداد المستفيدين من هذا الترتيب، الأمر الذي أثار جدلًا متصاعدًا داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن مبدأ المساواة في تحمل أعباء الخدمة العسكرية.
وعلى المستوى التشريعي، شهدت قضية التجنيد العديد من المحطات القانونية المهمة. فقد استندت الإعفاءات في البداية إلى صلاحيات وزير الدفاع المنصوص عليها في قانون الخدمة الأمنية لعام 1949. ومع تصاعد الانتقادات والطعون القانونية، سعت الحكومات الإسرائيلية إلى إيجاد إطار قانوني دائم للقضية، فتم إقرار ما عُرف بـ«قانون طال» (חוק טל) عام 2002، والذي منح الحريديم إمكانية تأجيل الخدمة العسكرية مقابل تشجيع اندماجهم التدريجي في سوق العمل أو الخدمة العسكرية. إلا أن المحكمة العليا الإسرائيلية قضت عام 2012 بعدم دستورية القانون لكونه يمس بمبدأ المساواة بين المواطنين، ما أعاد الأزمة إلى دائرة الجدل السياسي والقانوني. ومنذ ذلك الحين تعاقبت عدة محاولات تشريعية دون التوصل إلى تسوية مستقرة تحظى بإجماع سياسي ومجتمعي.
وفي يونيو 2024 أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارًا تاريخيًا يقضي بوجوب تطبيق قانون التجنيد على الحريديم في ظل غياب إطار قانوني يمنحهم إعفاءً جماعيًا، مؤكدة أن الحكومة لا تملك صلاحية الاستمرار في سياسة الإعفاء دون تشريع صادر عن الكنيست. كما ربطت المحكمة بين الإعفاءات العسكرية واستمرار تمويل المدارس الدينية التي يدرس فيها الطلاب المشمولون بالتجنيد. وقد أدى هذا القرار إلى تصعيد الأزمة السياسية داخل الائتلاف الحاكم.
أما الأحزاب الحريدية، وعلى رأسها: “شاس” ، و”يهودوت هتوراه”، فتتبنى موقفًا رافضًا لفرض التجنيد الإجباري على طلاب المعاهد الدينية، انطلاقًا من اعتقادها بأن دراسة التوراة تمثل مساهمة جوهرية في حماية الهوية اليهودية للدولة. وترى هذه الأحزاب أن الخدمة العسكرية قد تؤدي إلى إضعاف الطابع الديني للشباب الحريدي نتيجة الاحتكاك بالمجتمع العلماني داخل المؤسسة العسكرية. لذلك ظلت قضية التجنيد تمثل أحد الخطوط الحمراء في المفاوضات الائتلافية، وسببًا متكررًا للتوتر بين الأحزاب الحريدية وبقية القوى السياسية الإسرائيلية.
ثانيًا: أزمة التجنيد في ظل المتغيرات الأمنية الراهنة
أعادت الحرب التي شهدتها إسرائيل منذ احداث السابع من أكتوبر 2023 قضية تجنيد الحريديم إلى صدارة النقاش السياسي والإعلامي، بعدما فرضت التطورات الأمنية تحديات غير مسبوقة على المؤسسة العسكرية؛ فقد اضطُر الجيش الإسرائيلي إلى استدعاء مئات الآلاف من جنود الاحتياط للمشاركة في العمليات العسكرية على جبهات متعددة، الأمر الذي كشف عن الحاجة المتزايدة إلى توسيع قاعدة التجنيد وتعزيز القوى البشرية داخل الجيش. وفي هذا السياق برزت قضية استمرار إعفاء عشرات الآلاف من الحريديم من الخدمة العسكرية باعتبارها إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل داخل المجتمع الإسرائيلي. وقد حذرت قيادات عسكرية إسرائيلية من أن التحديات الأمنية المتصاعدة تتطلب إعادة النظر في سياسات الإعفاء التقليدية، بما يضمن توفير احتياجات الجيش من الموارد البشرية خلال السنوات المقبلة.
وفي ظل هذه الظروف، تصاعد الجدل حول مبدأ «تقاسم الأعباء» (שוויון בנטל)، وهو أحد المفاهيم المركزية في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي. ويستند هذا المبدأ إلى ضرورة المساواة بين مختلف فئات المجتمع في أداء الواجبات الوطنية، وعلى رأسها الخدمة العسكرية. وترى قطاعات واسعة من الإسرائيليين أن استمرار إعفاء الحريديم يتعارض مع هذا المبدأ، خاصة في وقت يتحمل فيه الجنود النظاميون وجنود الاحتياط أعباءً متزايدة نتيجة استمرار العمليات العسكرية. وقد انعكس هذا الجدل بصورة واضحة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي تناولت القضية بوصفها اختبارًا لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين الاعتبارات الدينية ومتطلبات الأمن القومي. كما استخدمت العديد من الصحف ووسائل الإعلام مصطلح «المساواة في العبء» باعتباره إطارًا رئيسيًا لتفسير الأزمة وتقييم مواقف الأطراف المختلفة منها.
وبالتوازي مع ذلك تعرضت الحكومة الإسرائيلية لضغوط متزايدة من مؤسسات الدولة ومن الرأي العام لتوسيع نطاق التجنيد؛ فقد دعت قيادات عسكرية، وأمنية إلى سن تشريعات تتيح دمج أعداد أكبر من الحريديم في الخدمة العسكرية، معتبرة أن الوضع الأمني الراهن لا يسمح باستمرار الإعفاءات الواسعة النطاق. كما أظهرت استطلاعات الرأي العام تأييد نسبة كبيرة من الإسرائيليين لتجنيد الحريديم أو فرض أشكال بديلة من الخدمة الوطنية عليهم، خاصة بعد ارتفاع أعداد القتلى والجرحى في صفوف الجيش خلال الحرب. وإلى جانب ذلك مارست المحكمة العليا الإسرائيلية ضغوطًا قانونية على الحكومة من خلال مطالبتها بإيجاد إطار تشريعي جديد ينظم القضية وفق مبدأ المساواة أمام القانون، وهو ما أسهم في تعقيد الأزمة وتحويلها إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه الائتلاف الحاكم.
وعليه، لم تعد قضية تجنيد الحريديم مجرد خلاف قانوني أو ديني، بل أصبحت جزءًا من النقاش الأوسع حول مستقبل العلاقة بين الدين والدولة ومتطلبات الأمن القومي في إسرائيل. كما تحولت إلى قضية سياسية وإعلامية مركزية ترتبط بقدرة الحكومة على الاستجابة للمتغيرات الأمنية المتسارعة، وفي الوقت ذاته الحفاظ على تماسك الائتلاف الحاكم الذي يعتمد بصورة أساسية على دعم الأحزاب الحريدية.
ثالثًا: المعالجة الإعلامية الإسرائيلية لأزمة تجنيد الحريديم
حظيت أزمة تجنيد الحريديم باهتمام واسع في وسائل الإعلام الإسرائيلية، نظرًا لما تحمله من أبعاد دينية، واجتماعية، وأمنية، وسياسية متشابكة. وقد اختلفت طريقة تناول الأزمة باختلاف التوجهات الأيديولوجية للمؤسسات الإعلامية، الأمر الذي انعكس على طبيعة الأطر الإعلامية المستخدمة في عرض القضية وتفسيرها. فبينما ركزت بعض وسائل الإعلام على البعد الأمني والحاجة إلى زيادة أعداد المجندين في ظل الظروف العسكرية الراهنة، أولت وسائل أخرى اهتمامًا أكبر بالاعتبارات الدينية والسياسية المرتبطة بمكانة المجتمع الحريدي داخل الدولة الإسرائيلية.
واعتمدت وسائل الإعلام الإسرائيلية عدة أطر إعلامية في تغطية الأزمة ويأتي في مقدمتها إطار المساواة في تحمل الأعباء، الذي قدم القضية بوصفها مسألة تتعلق بتحقيق العدالة بين المواطنين الإسرائيليين في أداء الواجبات الوطنية. وقد برز هذا الإطار بصورة واضحة في تغطية الصحف ذات التوجهات الليبرالية والعلمانية التي اعتبرت أن استمرار إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون. كما ظهر الإطار الأمني الذي ركز على احتياجات الجيش الإسرائيلي المتزايدة في ظل الحرب والتهديدات الأمنية، واعتبر أن توسيع قاعدة التجنيد يمثل ضرورة استراتيجية لا يمكن تأجيلها. وفي المقابل استخدمت وسائل الإعلام المقربة من الأوساط الحريدية الإطار الديني، والثقافي الذي ينظر إلى دراسة التوراة باعتبارها قيمة عليا تسهم في حماية الهوية اليهودية للدولة، ويرى أن فرض التجنيد على طلاب المدارس الدينية يشكل تهديدًا لخصوصية المجتمع الحريدي.
وتبرز الفروق بوضوح بين الإعلام العلماني والإعلام الديني في طريقة معالجة الأزمة؛ فقد ركزت صحف مثل: “هآرتس” و”يديعوت أحرونوت” على تداعيات الإعفاءات العسكرية على مبدأ المساواة وعلى العبء الذي يتحمله جنود الخدمة النظامية والاحتياط. كما سلطت الضوء على الانتقادات الموجهة للأحزاب الحريدية وعلى الخلافات داخل الائتلاف الحاكم بشأن التشريعات المتعلقة بالتجنيد. أما الصحافة الحريدية، وعلى رأسها “يتد نئمان ” יתד נאמן” و”هموديع” ” המודיע “، فقد قدمت الأزمة من منظور مختلف، إذ ركزت على حماية نمط الحياة الحريدي واستقلال المؤسسات الدينية، وصورت محاولات فرض التجنيد باعتبارها استهدافًا للهوية الدينية ولحق طلاب المعاهد الدينية في مواصلة دراستهم التوراتية. كما اتهمت بعض المنابر الحريدية وسائل الإعلام العلمانية بتبني خطاب تحريضي ضد المجتمع الحريدي
أما على مستوى الخطابات الإعلامية، فقد ركزت التغطية على عدد من القضايا الرئيسية. أولها قضية المساواة في الخدمة العسكرية، التي تحولت إلى محور أساسي في النقاش العام، خاصة في ظل استمرار الحرب. وثانيها قضية العلاقة بين الدين والدولة، حيث أعادت الأزمة طرح التساؤلات المتعلقة بحدود النفوذ الديني في المجال العام الإسرائيلي. وثالثها قضية استقرار الائتلاف الحاكم، إذ تناولت وسائل الإعلام بشكل مكثف الخلافات بين الأحزاب الحريدية وبقية مكونات الحكومة، وربطت مستقبل الحكومة بقدرتها على التوصل إلى تسوية بشأن قانون التجنيد. كما ركزت بعض التغطيات على التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على استمرار إعفاء نسبة كبيرة من الحريديم من الخدمة العسكرية وسوق العمل، باعتبارها قضية تمس مستقبل الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليين.
وتكشف هذه الأنماط المختلفة من التغطية الإعلامية أن أزمة تجنيد الحريديم لم تعد تُعرض باعتبارها قضية قانونية أو دينية فحسب، بل تحولت إلى ساحة للصراع بين رؤى متباينة حول هوية الدولة الإسرائيلية، وطبيعة العلاقة بين الدين والمؤسسة العسكرية. ومن ثم لعب الإعلام الإسرائيلي دورًا رئيسيًا في تشكيل السرديات المتنافسة حول الأزمة وفي التأثير على اتجاهات الرأي العام تجاهها.
رابعًا: صورة الحريديم في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي
تُعد صورة الحريديم في وسائل الإعلام الإسرائيلية انعكاسًا لحالة الاستقطاب المجتمعي والسياسي التي تشهدها إسرائيل منذ عقود، إلا أن أزمة التجنيد الأخيرة أسهمت في زيادة حدة هذا الاستقطاب؛ فقد قدمت العديد من وسائل الإعلام العلمانية الحريديم باعتبارهم فئة تحظى بامتيازات استثنائية لا يتمتع بها بقية المواطنين، خاصة فيما يتعلق بالإعفاء من الخدمة العسكرية. وبرزت في التغطيات الصحفية مفردات مرتبطة بعدم المساواة، والتهرب من تحمل المسؤولية الوطنية، حيث جرى تصوير الأزمة بوصفها صراعًا بين متطلبات الأمن القومي، والاعتبارات الدينية الخاصة بالمجتمع الحريدي. وفي المقابل سعت وسائل الإعلام الحريدية إلى تقديم صورة مغايرة تؤكد أن الحريديم يسهمون في حماية الهوية اليهودية للدولة من خلال التفرغ لدراسة التوراة، وترفض وصفهم بأنهم عبء على المجتمع الإسرائيلي
كما احتل خطاب المسؤولية الوطنية والمواطنة مكانة مركزية في المعالجة الإعلامية للأزمة. فقد ركزت وسائل الإعلام العلمانية على مفهوم «المواطنة المتساوية»، مؤكدة أن الخدمة العسكرية تمثل أحد أهم مظاهر الانتماء للدولة، والمشاركة في الدفاع عنها. وفي هذا السياق جرى الربط بين التجنيد وبين قيم التضامن الاجتماعي والعدالة في توزيع الأعباء الوطنية، خصوصًا في ظل الحرب والظروف الأمنية الراهنة. أما الخطاب الحريدي فقد انطلق من مفهوم مختلف للمواطنة، يقوم على اعتبار الحفاظ على التراث الديني والدراسة التوراتية مساهمة وطنية لا تقل أهمية عن الخدمة العسكرية، وهو ما أدى إلى ظهور رؤيتين متعارضتين حول معنى الواجب الوطني وحدود الالتزام تجاه الدولة
وقد لعبت التغطية الإعلامية دورًا مهمًا في تشكيل اتجاهات الرأي العام تجاه الأزمة. فمع تزايد التركيز الإعلامي على الخسائر البشرية التي تكبدها الجيش خلال الحرب، ارتفعت الأصوات المطالبة بتوسيع نطاق التجنيد ليشمل الحريديم، كما ساهمت وسائل الإعلام في تعزيز الضغوط الشعبية على صناع القرار من خلال إبراز الفجوة القائمة بين المجتمع الحريدي وبقية فئات المجتمع الإسرائيلي فيما يتعلق بالخدمة العسكرية. وفي الوقت نفسه أدت التغطيات الإعلامية المتباينة إلى تعميق الانقسام بين التيارات العلمانية والدينية، حيث باتت الأزمة تمثل رمزًا للخلاف الأوسع حول طبيعة الدولة الإسرائيلية والعلاقة بين الدين والدولة. ومن ثم لم يقتصر دور الإعلام على نقل الأحداث، بل أصبح فاعلًا رئيسيًا في تشكيل السرديات العامة المرتبطة بالقضية والتأثير في مسار النقاش السياسي حولها.
خامسًا: انعكاسات الأزمة على استقرار الائتلاف الحاكم
أصبحت أزمة تجنيد الحريديم واحدة من أخطر التحديات التي تواجه الائتلاف الحاكم في إسرائيل، نظرًا لارتباطها المباشر بالتوازنات السياسية داخل الحكومة؛ فمنذ تشكيل حكومة “بنيامين نتنياهو” الحالية، شكلت الأحزاب الحريدية أحد الأعمدة الأساسية للائتلاف، الأمر الذي منحها قدرة كبيرة على التأثير في القرارات المتعلقة بقانون التجنيد. ومع تصاعد الضغوط الأمنية والقضائية لتوسيع نطاق التجنيد، برزت خلافات واضحة بين مكونات الحكومة بشأن كيفية التعامل مع الأزمة، وهو ما انعكس بصورة متكررة في المناقشات البرلمانية والتصريحات السياسية والإعلامية
وتتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في الموقف من التشريعات المقترحة لتنظيم تجنيد الحريديم. فبينما تدعم الأحزاب الحريدية سن قانون يضمن استمرار الإعفاءات أو يحد من نطاق التجنيد الإجباري، ترى أطراف أخرى داخل الائتلاف وخارجه أن الوضع الأمني الحالي يفرض تطبيق مبدأ المساواة في الخدمة العسكرية على جميع المواطنين. وقد دفعت هذه التباينات الأحزاب الحريدية إلى التهديد المتكرر بالانسحاب من الحكومة إذا جرى فرض تشريعات لا تتوافق مع مطالبها، في حين تعرض نتنياهو لضغوط متزايدة من المؤسسة العسكرية، والمعارضة، والرأي العام لإقرار إصلاحات جوهرية في نظام التجنيد.
كما أثارت قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية المتعلقة بوجوب تجنيد الحريديم وإيقاف بعض أشكال الدعم الحكومي للمعاهد الدينية ضغوطًا إضافية على الحكومة، حيث وجدت نفسها بين التزاماتها القانونية من جهة، وضرورة الحفاظ على تماسك الائتلاف من جهة أخرى. وقد أدى ذلك إلى تحويل أزمة التجنيد من قضية اجتماعية أو دينية إلى أزمة سياسية تهدد استقرار الحكومة ذاتها، خاصة مع تزايد الحديث عن إمكانية تفكك الائتلاف أو التوجه نحو انتخابات مبكرة إذا فشلت الأطراف المختلفة في التوصل إلى صيغة توافقية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن أزمة تجنيد الحريديم أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة الإسرائيلية على إدارة التناقضات بين متطلبات الأمن القومي، والاعتبارات الدينية، والسياسية، كما تكشف الأزمة عن حجم النفوذ الذي تتمتع به الأحزاب الحريدية داخل النظام السياسي الإسرائيلي، وعن مدى تأثير القضايا الدينية في استقرار الحكومات وصنع القرار السياسي في إسرائيل.
سادسًا: دور الإعلام في تشكيل السردية السياسية للأزمة
لم يقتصر دور وسائل الإعلام الإسرائيلية في أزمة تجنيد الحريديم على نقل الأحداث، وتغطية التطورات السياسية، والقانونية، بل تجاوز ذلك إلى المساهمة في تشكيل السردية العامة للأزمة وتحديد الأطر التي يتم من خلالها فهمها وتفسيرها؛ فقد أصبحت وسائل الإعلام ساحة مركزية للصراع بين القوى السياسية المختلفة، حيث سعى كل طرف إلى توظيف القضية بما يخدم مصالحه وأهدافه الحزبية، سواء من خلال التأكيد على ضرورة تحقيق المساواة في الخدمة العسكرية أو من خلال الدفاع عن خصوصية المجتمع الحريدي وحقه في الحفاظ على نمط حياته الديني.
وفي إطار الصراع الحزبي، استُخدمت أزمة التجنيد باعتبارها أداة سياسية لتبادل الاتهامات بين الأحزاب المختلفة؛ فقد ركزت أحزاب المعارضة على تحميل الحكومة مسؤولية استمرار الإعفاءات العسكرية، معتبرة أن اعتمادها على الأحزاب الحريدية يدفعها إلى تقديم تنازلات تمس بمبدأ المساواة أمام القانون. وفي المقابل، سعت الأحزاب الحريدية إلى تصوير الضغوط الرامية إلى توسيع نطاق التجنيد باعتبارها محاولة لاستهداف المجتمع الحريدي وفرض أنماط حياة لا تتوافق مع قيمه الدينية. وقد انعكس هذا التنافس السياسي بصورة واضحة في التغطيات الإعلامية التي تبنت في كثير من الأحيان مواقف تتوافق مع التوجهات الأيديولوجية للجهات السياسية القريبة منها.
كما تكشف الأزمة عن العلاقة الوثيقة بين التغطية الإعلامية وصنع القرار السياسي في إسرائيل. فمع تصاعد الاهتمام الإعلامي بقضية التجنيد، ازدادت الضغوط على صناع القرار لاتخاذ مواقف واضحة تجاهها. وقد ساهمت التغطيات المكثفة للتحديات التي تواجه الجيش الإسرائيلي خلال الحرب في تعزيز الدعوات إلى توسيع قاعدة التجنيد، في حين دفعت التغطيات التي ركزت على مخاوف المجتمع الحريدي الحكومة إلى البحث عن صيغ تسوية تقلل من احتمالات الصدام مع الأحزاب الدينية. ومن ثم، أصبح الإعلام أحد العوامل المؤثرة في البيئة السياسية التي تُصنع في إطارها القرارات المتعلقة بالأزمة.
أما على مستوى الرأي العام، فقد لعب الإعلام دورًا بارزًا في تشكيل اتجاهات الجمهور الإسرائيلي تجاه قضية التجنيد. إذ ساهم التركيز الإعلامي المستمر على مفهوم «المساواة في تحمل الأعباء» في تعزيز المطالب الشعبية بدمج الحريديم في الخدمة العسكرية، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية، وارتفاع أعداد جنود الاحتياط المشاركين فيها. وفي الوقت نفسه عززت وسائل الإعلام الحريدية من تماسك جمهورها من خلال تقديم خطاب يؤكد أهمية الدراسة الدينية ويرفض محاولات المساس باستقلال المجتمع الحريدي. ونتيجة لذلك، أصبحت وسائل الإعلام أحد أهم الفاعلين في إنتاج وإعادة إنتاج الانقسامات المجتمعية والسياسية المرتبطة بالأزمة.
وبالتالي فإن دراسة المعالجة الإعلامية لأزمة تجنيد الحريديم تكشف أن الإعلام لم يكن مجرد ناقل للأحداث، بل كان طرفًا مؤثرًا في تشكيل السرديات السياسية والاجتماعية المحيطة بالأزمة، وفي توجيه النقاش العام بشأنها، وفي التأثير بصورة غير مباشرة على عملية صنع القرار السياسي في إسرائيل.
سابعًا: السيناريوهات المستقبلية للأزمة
في ضوء استمرار الخلافات السياسية والقانونية بشأن تجنيد الحريديم، تبدو الأزمة مفتوحة على عدة سيناريوهات محتملة، يتوقف تحقق أي منها على طبيعة التوازنات السياسية داخل الحكومة الإسرائيلية، وعلى حجم الضغوط التي تمارسها المؤسسة العسكرية والمحكمة العليا والرأي العام.
يتمثل السيناريو الأول في إقرار قانون جديد للتجنيد يهدف إلى تنظيم وضع الحريديم بصورة أكثر استقرارًا. وقد تسعى الحكومة إلى تبني صيغة وسطية تجمع بين زيادة أعداد المجندين تدريجيًا ومنح بعض الاستثناءات لطلاب المعاهد الدينية. ويُنظر إلى هذا السيناريو باعتباره الخيار الأكثر قدرة على تحقيق توازن نسبي بين متطلبات الأمن القومي ومطالب الأحزاب الحريدية، إلا أن نجاحه يتوقف على قدرة الحكومة على تجاوز الخلافات السياسية الحادة المحيطة بالقضية.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار التسويات المؤقتة التي اعتمدتها الحكومات الإسرائيلية خلال السنوات الماضية. ويقوم هذا السيناريو على تأجيل الحسم النهائي للأزمة من خلال ترتيبات انتقالية أو قرارات مؤقتة تسمح باستمرار الوضع القائم لفترة محددة. ورغم أن هذا الخيار قد يساهم في تجنب انهيار الحكومة على المدى القصير، فإنه لا يعالج الأسباب الجوهرية للأزمة، كما أنه يترك الباب مفتوحًا أمام تجدد الخلافات السياسية والقانونية في المستقبل.
أما السيناريو الثالث فيرتبط باحتمال تفكك الائتلاف الحاكم أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة. ويُعد هذا السيناريو واردًا في حال فشل الحكومة في التوصل إلى صيغة توافقية بشأن قانون التجنيد، أو إذا شعرت الأحزاب الحريدية بأن مصالحها الأساسية أصبحت مهددة. وقد يؤدي انسحاب أحد الأحزاب الحريدية من الحكومة إلى فقدان الائتلاف لأغلبيته البرلمانية، الأمر الذي قد يدفع نحو إعادة تشكيل الحكومة أو التوجه إلى انتخابات جديدة. كما أن استمرار الضغوط القضائية والشعبية قد يزيد من صعوبة الحفاظ على التوازنات الحالية داخل الائتلاف.
وتشير المعطيات الراهنة إلى أن أزمة تجنيد الحريديم ستظل واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في مستقبل النظام السياسي الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة؛ فالأزمة لا تتعلق فقط بمسألة التجنيد العسكري، بل تمس قضايا أعمق تتصل بطبيعة الدولة الإسرائيلية، وحدود العلاقة بين الدين والسياسة، ومستقبل التوازنات الحزبية داخل إسرائيل. ومن ثم، فإن مسار هذه الأزمة سيظل عاملًا حاسمًا في تحديد استقرار الحكومات الإسرائيلية واتجاهات النقاش العام في السنوات القادمة.
نماذج استشهادات من الصحافة والمراكز البحثية العبرية:
1-حول البعد الأمني والحاجة إلى تجنيد الحريديم:
أشارت صحيفة “يسرائيل هيوم””ישראל היום” إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى أن الحرب الحالية فرضت حاجة متزايدة إلى توسيع قاعدة التجنيد، وأن المقترحات الحكومية المتعلقة بقانون التجنيد يجب أن تراعي الاحتياجات الأمنية للجيش. وجاء في تقرير الصحيفة: “חוק הפטור לא מספק צרכים ביטחוניים” “قانون الإعفاء لا يلبي الاحتياجات الأمنية” .
2-حول الأزمة السياسية داخل الائتلاف:
وصفت صحيفة “يسرائيل هيوم” الخلافات بشأن قانون التجنيد بأنها “أزمة ائتلافية”، مؤكدة أن الخلافات بين الأحزاب الحريدية وبقية شركاء الحكومة أدت إلى تأجيل مناقشات حكومية متكررة بشأن مشروع القانون.
3- حول تدخل المحكمة العليا
أكدت دراسة صادرة عن “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” “המכון הישראלי לדמוקרטיה” أن المحكمة العليا الإسرائيلية ناقشت بصورة موسعة قضية تجنيد طلاب المدارس الدينية في ظل غياب إطار قانوني ينظم إعفاءهم من الخدمة العسكرية.
ومن نص الدراسة: “דיון היסטורי בסוגיית גיוס בני הישיבות” “نقاش تاريخي حول قضية تجنيد طلاب المعاهد الدينية”.
4- حول الضغوط القانونية على الحكومة:
ذكرت صحيفة “يسرائيل هيوم” أن المحكمة العليا طالبت الحكومة بتوضيح أسباب استمرار عدم تجنيد الحريديم، وأشارت إلى أن عدم تقديم مبررات قانونية قد يفرض على الدولة الشروع في عملية التجنيد.
5- حول تطبيق التجنيد عمليًا:
أوردت صحيفة “يسرائيل هيوم ” أن وزير الدفاع الإسرائيلي “يوآف جالانت ” صادق على إرسال أوامر تجنيد لآلاف الشبان الحريديم ضمن خطة تهدف إلى زيادة أعداد المجندين من المجتمع الحريدي.
خاتمة:
تكشف أزمة تجنيد الحريديم عن كونها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في المجتمع الإسرائيلي، نظرًا لتداخل أبعادها الدينية، والسياسية، والأمنية، والاجتماعية. فعلى الرغم من أن جذور الأزمة تعود إلى الترتيبات التي أُقرت في السنوات الأولى لقيام إسرائيل، فإن المتغيرات الأمنية الراهنة، ولا سيما في أعقاب حرب السابع من أكتوبر 2023، أعادت القضية إلى صدارة المشهد العام، ودفعت نحو إعادة النظر في التوازن القائم بين متطلبات الأمن القومي والاعتبارات الدينية الخاصة بالمجتمع الحريدي.
وقد أظهر المقال أن وسائل الإعلام الإسرائيلية لم تكتفِ بتغطية الأزمة ونقل تطوراتها، بل لعبت دورًا فاعلًا في صياغة السرديات السياسية، والاجتماعية المرتبطة بها، من خلال توظيف أطر إعلامية متنوعة ركزت على مفاهيم المساواة في تحمل الأعباء، والمسؤولية الوطنية، والعلاقة بين الدين والدولة، كما كشفت المعالجة الإعلامية عن وجود تباينات واضحة بين الإعلام العلماني، والإعلام الديني في تفسير الأزمة ، وتقديم أطرافها للرأي العام الأمر الذي أسهم في تعزيز حالة الاستقطاب المجتمعي والسياسي داخل إسرائيل.
كما بين المقال أن أزمة التجنيد تحولت من قضية دينية، وقانونية إلى تحدٍ سياسي يهدد استقرار الائتلاف الحاكم، في ظل تضارب المصالح بين الأحزاب الحريدية من جهة، والمؤسسة العسكرية والقضائية وقطاعات واسعة من الرأي العام من جهة أخرى. وقد انعكس ذلك في تصاعد الخلافات داخل الحكومة بشأن مستقبل التشريعات المتعلقة بالتجنيد، وفي تزايد الضغوط على صناع القرار لإيجاد تسوية قادرة على تحقيق قدر من التوازن بين الاعتبارات المتعارضة.
وبالتالي يبدو أن مستقبل الأزمة سيظل مرتبطًا بقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على التوصل إلى صيغة توافقية تضمن تلبية الاحتياجات الأمنية المتزايدة للدولة دون الإخلال بالتوازنات السياسية والدينية القائمة. ومن ثم، فإن أزمة تجنيد الحريديم لا تمثل مجرد خلاف حول الخدمة العسكرية، بل تعكس إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة الإسرائيلية وحدود العلاقة بين الدين والسياسة، وهي إشكالية مرشحة للاستمرار بوصفها أحد أبرز التحديات التي ستواجه إسرائيل خلال السنوات المقبلة.
المراجع:
– חוק הפטור לא מספק צרכים ביטחוניים, ישראל היום,2024
– רביצקי־טור־פז, שלומית. “הדיון בהרכב מורחב בבג״ץ על גיוס החרדים”. המכון הישראלי לדמוקרטיה, 2024.
– ישראל היום. “בג״ץ: על הממשלה להסביר מדוע לא תפעל לגיוס חרדים”, 26.2.2024.
-ישראל היום. “משבר חוק הגיוס: הממשלה דחתה את הדיון באישור הטיוטה”, 26.3.2024.
– ישראל היום. “גלנט אישר: אלף צווי גיוס ראשונים לצעירים חרדים”, 18.7.2024.
– המכון הישראלי לדמוקרטיה. “גיוס חרדים והשלכותיו על החברה והפוליטיקה בישראל”, 2024.
-החברה החרדית: מקורות, מגמות ותהליכים ירושלים, מכון ירושלים לחקר ישראל، 1991.
-המכון הישראלי לדמוקרטיה, ירושלים, 2025.
-דוח הוועדה לקידום השוויון, בנטל ממשלת ישראל، 2012.
-בג”ץ רובינשטיין, נ’ שר הביטחון פסקי דין של בית המשפט העליון, 1998.
-גיוס בני הישיבות לצה”ל: סקירה היסטורית ומשפטית, מרכז המחקר והמידע של הכנסת، 2024.
-גיוס חרדים לצה”ל: בין צורכי הביטחון לאתגר החברתי, המכון הישראלי לדמוקרטיה، 2024.
-משבר גיוס החרדים והשלכותיו על הקואליציה, ישראל היום, 2024
-האם ניתן לגייס את החרדים? האתגר הגדול של ממשלת נתניהו, הארץ
-שוויון בנטל בעידן המלחמה, ידיעות אחרונות, 2025
-ההשלכות הכלכליות והפוליטיות של אי גיוס החרדים, גלובס,2024
-המכון הישראלי לדמוקרטיה، 2024.
