د/ محمد أحمد صالح
لا تعكس الأزمة الحالية داخل حزب الليكود خلافاً عادياً حول توزيع المقاعد أو ترتيب المرشحين، وإنما تمثل لحظة مفصلية في تاريخ الحزب قد تعيد تعريف بنيته السياسية بالكامل. فمنذ تأسيسه عام 1973م نجح الليكود في تجاوز انشقاقات عديدة، لكن جميعها كانت تدور حول السياسات أو القيادة، بينما تدور الأزمة الحالية حول طبيعة الحزب ذاته.
لقد أصبح السؤال المركزي داخل الليكود: هل يبقى الليكود حزباً جماهيرياً تحكمه المؤسسات والانتخابات الداخلية، أم يتحول إلى حزب يعتمد على الشخصنة التي تتمحور كل آلياته حول بقاء بنيامين نتنياهو؟
وتكشف التقارير المنشورة في وسائل إعلامية إسرائيلية خلال الفترة بين 8 -10 مايو 2026م أن الحزب يواجه لأول مرة منذ سنوات طويلة تداخل ثلاث أزمات في آنٍ واحد: أزمة قيادة، وأزمة تنظيم، وأزمة شرعية انتخابية. هذا التزامن هو ما يجعل المرحلة الحالية أكثر خطورة من كل الأزمات السابقة.
جذور الأزمة البنيوية
رغم أن وسائل الإعلام ركزت على مطلب نتنياهو بالحصول على “مقاعد مضمونة”، فإن القضية أعمق بكثير. فالليكود يقوم تاريخياً على ثلاثة أعمدة: الانتخابات التمهيدية، ونفوذ الفروع المحلية، والشرعية التنظيمية. لكن منذ أكثر من عقد بدأ ميزان القوة ينتقل تدريجياً نحو الزعيم.
فكل انتخابات جديدة عززت ظاهرة الليكود يعني نتنياهو، بدلاً من نتنياهو يعني رئيس الليكود. هذا التحول أنتج ما يسميه علماء السياسة “Personalization of Political Parties شخصنة الحياة الحزبية”، أي انتقال الحزب من مؤسسة إلى أداة شخصية. واليوم وصلت هذه العملية إلى ذروتها.
معركة المقاعد ليست معركة مقاعد
تحاول بعض التحليلات اختزال الأزمة في رغبة نتنياهو بإدخال شخصيات جديدة مثل: لواء احتياط ومنسق شؤون الأسرى والمفقودين جال هيرش، والناشط الإعلامي الاجتماعي يوسف حداد من فلسطيني الداخل، ولواء احتياط وقائد سلطة الإطفاء والإنقاذ سابقا ديدي سيمحي، والناشطة المجتمعية إيريس حاييم، والإعلامي والمحلل السياسي يعقوب باردوجو. لكن هذه الأسماء ليست هي المشكلة، بل المشكلة تكمن في الطريقة.
فالوزراء وأعضاء الكنيست يقولون: إذا كانوا يستحقون دخول الكنيست، فليدخلوا عبر الانتخابات التمهيدية. أما نتنياهو فيرى أن الانتخابات الداخلية أصبحت عبئاً يمنعه من تشكيل قائمة تنافسية.
وهنا يصطدم مبدآن متناقضان: منطق الحزب الذي يرى أن الشرعية تأتي من أعضاء الليكود، ومنطق نتنياهو الذي يرى أن الشرعية تأتي من الفوز بالانتخابات العامة. وهذا هو جوهر الصدام الحقيقي.
نتنياهو وتغيير القائمة
تكشف وسائل إعلامية أن استطلاعات الليكود الداخلية توصلت إلى نتيجة خطيرة مفادها أن هناك عددا من أعضاء الكنيست أصبحوا يمثلون “عبئاً انتخابياً”، بمعنى أن وجودهم يخسر الحزب أصواتاً. وتشير التقارير إلى أسماء عديدة ترى بيئة نتنياهو أنها تستنزف الحزب انتخابياً. (אבי סולומון, הסקר שחושף סדקים בליכוד: שאלת השריונים של נתניהו – והסוגיה הכי נפיצה, 12.5.2026 (https://news.walla.co.il/item/3837448?utm_source=chatgpt.com)
في المقابل يريد إدخال شخصيات تمتلك رصيداً أمنياً، وحضوراً إعلامياً، وتعاطفاً شعبياً، وقدرة على جذب الشباب. أي أن نتنياهو يحاول بناء قائمة تشبه إسرائيل ما بعد 7 أكتوبر، وليس إسرائيل قبلها.
ما بعد 7 أكتوبر غيّر قواعد اللعبة
قبل الحرب كانت أولويات الناخب الإسرائيلي تتركز حول الاقتصاد، والقضاء، والهوية، والدين. أما بعد الحرب فأصبحت الأولوية تتركز حول الأمن، والقيادة، والكفاءة، والثقة. ولهذا يحاول نتنياهو إعادة تصميم الليكود وفق هذه البيئة الجديدة. فوجود قادة عسكريين، وعائلات قتلى، وشخصيات أمنية، ومؤثرين على شبكات التواصل ليس صدفة، بل هو إعادة إنتاج للهوية الانتخابية للحزب.
التآكل الشعبي أخطر مما يبدو
تكشف وسائل إعلامية رقماً شديد الدلالة. 58% فقط من مصوتي الليكود عام 2022م يؤكدون أنهم سيصوتون له مجدداً. أي أن الحزب خسر فعلياً ثقة حوالي 42% من قاعدته الانتخابية. وهذه ليست خسارة عادية، بل تعني أن الحزب لم يعد يحتكر اليمين الإسرائيلي، وأصبح ينافس داخل معسكره. (דני קושמרו וערן ואקנין. הסקר שחושף: רק 58% בטוחים שיצביעו שוב לליכוד, 08.05.26 (https://www.mako.co.il/news-politics/2026_q2/Article-9fd5e990a470e91026.htm?utm _source=chatgpt.com)
اتجاهات النزيف
يتجه الناخبون إلى نفتالي بينيت، وجادي آيزنكوت، وإسرائيل بيتنا، وعوتسما يهوديت. وهذا يعني أن الليكود يخسر نحو الوسط، ونحو اليمين المتطرف في الوقت نفسه. وهذا أخطر أنواع النزيف.
أزمة الثقة داخل الحزب
تكشف وسائل إعلامية أن المشكلة لم تعد بين نتنياهو والمعارضة، بل أصبحت بين نتنياهو ونوابه. فالوزراء يخشون خسارة مواقعهم، وإلغاء الانتخابات الداخلية، وتعيين شخصيات من خارج الحزب، وتقليص الدوائر التنظيمية. أما النشطاء فيخشون شيئاً أكبر، وهو أن يصبح الطريق إلى الكنيست مغلقاً، وبذلك يفقد آلاف النشطاء سبب نشاطهم التنظيمي.
السيناريو الأخطر… إعادة إنتاج تجربة شارون
للمرة الأولى يعود اسم أريئيل شارون (1928م-2014م) بقوة داخل نقاشات الليكود. ففي عام 2005م خرج شارون من الحزب وأسس حزب “كاديما”. واليوم يتحدث بعض المقربين من نتنياهو عن احتمال مشابه. ورغم أن هذا السيناريو لا يزال منخفض الاحتمال، فإن مجرد تداوله يعكس عمق الأزمة.
لكن ثمة فارقاً مهماً: شارون خرج وهو في ذروة شعبيته، أما نتنياهو فيواجه محاكمات، وتداعيات حرب، واستقطاباً مجتمعياً، وتراجعاً نسبياً في الثقة. لذلك فإن إعادة تجربة كاديما ليست مضمونة النتائج.
احتمال انشقاق الليكود
في حال خروج نتنياهو وتأسيس حزب جديد، يمكن تصور ثلاثة مستويات من الانقسام:
المستوى الأول.. انشقاق قيادي: ينتقل عدد محدود من الوزراء.
المستوى الثاني.. انشقاق تنظيمي: تنتقل شخصيات محلية ورؤساء فروع.
المستوى الثالث.. انشقاق انتخابي: تنقسم القاعدة الشعبية، وهذا هو الأخطر.
رفض كثيرين الانشقاق
يحمل تصريح إيلي أوحانا، الذي يتمتع بشعبية في أوساط اليمين الإسرائيلي، دلالة مهمة، فهو قال أنا مع الليكود قبل نتنياهو. وهذا يعكس وجود تيار يرى أن الحزب أكبر من زعيمه. وهذه الظاهرة لم تكن واضحة قبل سنوات، أي أن جزءاً من القاعدة بدأ يميز بين الولاء لنتنياهو والولاء لليكود. وهذا تطور سياسي مهم.
أزمة خلافة مؤجلة
منذ أكثر من خمسة عشر عاماً لم ينجح الليكود في إنتاج وريث حقيقي لنتنياهو، ويرجع ذلك إلى أنه اعتمد سياسة تقوم على احتواء المنافسين، ومنع بروز زعامات بديلة، وإدارة التوازنات الشخصية. لكن هذه السياسة أنتجت مشكلة بنيوية. فالحزب يمتلك زعيماً قوياً، ولا يمتلك خليفة واضحاً.
الصراع الحقيقي.. بين الحزب والزعيم
يمكن اختزال الأزمة كلها في سؤال واحد: من يملك الليكود؟ هل: أعضاء الحزب؟ أم رئيس الحزب؟ هذه هي المعركة الفعلية، وليس عدد المقاعد المضمونة.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول.. احتواء الأزمة: احتمال تحققه 45%. يتراجع نتنياهو عن طلبه بالحصول على عدد كبير من المقاعد المضمونة، ويتم التوصل إلى تسوية داخلية، وتجرى الانتخابات التمهيدية، ويبقى الحزب موحداً.
السيناريو الثاني.. انشقاق محدود: احتمال تحققه 30%. يغادر عدد من الشخصيات، وتتشكل قائمة صغيرة، لكن الليكود يبقى القوة الرئيسية في اليمين.
السيناريو الثالث.. انشقاق واسع: احتمال تحققه 15%. يؤسس نتنياهو حزباً جديداً، وتنقسم قواعد اليمين، وتدخل إسرائيل مرحلة إعادة تشكيل كاملة للخريطة الحزبية.
السيناريو الرابع.. انهيار تدريجي دون انشقاق: احتمال تحققه 10%. يبقى الحزب موحداً شكلياً، لكن الصراعات الداخلية تتفاقم، وتتراجع قدرته التنظيمية والانتخابية تدريجياً.
مؤشرات يجب مراقبتها
لرصد اتجاه الأزمة خلال الأشهر المقبلة، ينبغي متابعة مجموعة من المؤشرات، منها عدد المقاعد المضمونة التي سيطالب بها نتنياهو فعلياً، ونتائج اجتماعات محكمة الليكود ومؤتمر الحركة، وشكل الانتخابات التمهيدية ومدى التزام القيادة بنتائجها، ومواقف الوزراء والنواب الذين قد يتراجع ترتيبهم في القائمة، وحجم مشاركة القواعد الحزبية في الانتخابات الداخلية، واستطلاعات الرأي داخل جمهور اليمين، ولا سيما بين مصوتي الليكود لعام 2022م، وأي تحركات علنية أو غير معلنة نحو إنشاء إطار سياسي جديد بقيادة نتنياهو أو شخصيات مقربة منه، ومدى نجاح الشخصيات الجديدة المقترحة في جذب شرائح الشباب والناخبين المترددين.
ختاما
تشير المعطيات الحالية إلى أن الليكود لا يواجه أزمة تنظيمية عابرة، بل يمر بمرحلة إعادة تعريف لهويته السياسية. فالمواجهة الدائرة ليست بين تيارين أيديولوجيين متنافسين، وإنما بين نموذجين مختلفين لإدارة الحزب: نموذج الحزب المؤسسي القائم على الانتخابات الداخلية، ونموذج القيادة الشخصية التي تمنح الأولوية للفعالية الانتخابية وتركيز القرار.
وفي المدى القريب، يُرجح أن ينجح نتنياهو في احتواء جانب من الخلاف عبر تسويات داخلية، مستفيداً من مكانته التاريخية وقدرته على إدارة التوازنات. إلا أن الأسباب العميقة للأزمة- ومنها تآكل الثقة داخل القاعدة، وغياب آلية واضحة لتجديد النخب، وتأجيل مسألة الخلافة، والتنافس المتزايد داخل معسكر اليمين- ستظل قائمة، ما يجعل احتمال عودة الصراع مرتفعاً مع كل استحقاق انتخابي أو تنظيمي.
وعليه، فإن مستقبل الليكود لن يتحدد فقط بنتائج الانتخابات المقبلة، بل بقدرته على الإجابة عن سؤال وجودي: هل يستطيع الحزب إعادة بناء مؤسساته وتجديد شرعيته الداخلية مع الحفاظ على وحدة صفه، أم أن استمرار شخصنة القرار سيقود تدريجياً إلى انقسامات تُضعف الحزب حتى وإن لم تؤدِ إلى انشقاق رسمي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل الليكود، بل أيضاً شكل معسكر اليمين الإسرائيلي والتوازنات السياسية في إسرائيل خلال السنوات القادمة.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version