عبدالله فارس القزاز .. باحث بوحدة الدراسات الإفريقي
لا تتحرك أزمات السودان والصومال خلال الأسبوع الرابع من أغسطس في مسارات منفصلة، بقدر ما تكشف عن أزمة أوسع تتعلق بقدرة الدولة على الاحتفاظ بوحدتها واحتكارها للقوة في بيئة إقليمية تتزايد فيها مراكز النفوذ والتدخلات الخارجية. ففي السودان، لا يقتصر استمرار العمليات العسكرية على محاولة حسم الحرب، وإنما يرتبط بالصراع حول الشكل الذي ستستقر عليه الدولة بعد توقف المعارك، وما إذا كانت ستعود إلى مركزية مؤسساتها أم تنتهي إلى واقع تتعدد فيه مراكز القوة والشرعية. وفي الصومال، يعكس التصعيد في بيدوا الوجه الآخر للمشكلة، حيث تتحول المنافسة على إدارة الدولة إلى ضغط عسكري يستنزف قدرة الحكومة الفيدرالية على الجمع بين تثبيت سلطتها ومواجهة حركة الشباب. وفي موازاة ذلك، يكشف التحرك المصري تجاه السودان وليبيا والقرن الأفريقي عن إدراك متزايد بأن هشاشة مؤسسات الدول المحيطة لم تعد مشكلة داخلية تخص تلك الدول وحدها، وإنما أصبحت جزءًا من معادلة الأمن القومي المصري، بما يفرض على القاهرة التعامل مع مسببات الفراغ الأمني قبل أن تتحول إلى تهديدات عابرة للحدود.
في 21 أغسطس أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان استمرار العمليات العسكرية ضد مليشا الدعم السريع، مع استبعاد التراجع عن هدف استعادة السيطرة على كامل البلاد، بالتزامن مع تحذيره من ضغوط وعقوبات دولية محتملة. وجاء ذلك في وقت تتواصل فيه العمليات على أكثر من جبهة، بما يعكس استمرار اعتماد القيادة السودانية على الخيار العسكري باعتباره الأداة الرئيسية لإعادة فرض سيطرة الدولة، في ظل عدم وصول الصراع إلى تسوية سياسية تنهي الانقسام بين طرفي الحرب. وجاء الخطاب بعد صلاة الجمعة في مدينة المنافل .
استراتيجيا : يعكس ترسخ خيار الحسم العسكري داخل حسابات القيادة السودانية، بدل الانتقال في هذه المرحلة إلى تسوية سياسية شاملة. وهذا لا يعني بالضرورة أن الجيش قادر على إنهاء الحرب عسكريًا في مدى زمني قريب، وإنما يعني أن القيادة ترى أن أي تفاوض قبل تغيير موازين القوة قد يؤدي إلى تثبيت وضع لا تعتبره مقبولًا، خصوصًا إذا انتهى إلى الاعتراف بقوة عسكرية موازية تحتفظ بمناطق نفوذها وقدرتها على التأثير في مؤسسات الدولة. ومن هذه الزاوية، يصبح استمرار العمليات العسكرية محاولة لإعادة تشكيل شروط التفاوض مستقبلًا، بحيث تدخل المؤسسة العسكرية إلى أي تسوية من موقع قوة يسمح لها بالحفاظ على وحدة الدولة ومركزية مؤسساتها، وليس باعتبارها طرفًا يفاوض على تقاسم الدولة مع قوة مسلحة غير نظامية . غير أن هذا الرهان يفترض قدرة الجيش على تحويل التفوق أو التقدم في بعض الجبهات إلى حسم استراتيجي شامل، وهو أمر يختلف تمامًا عن تحقيق مكاسب ميدانية متفرقة, فكلما طال الصراع دون إنهاء قدرة الدعم السريع على القتال، زادت احتمالات تحول الحرب إلى استنزاف طويل يستنزف الدولة نفسها بالتوازي مع استنزاف خصمها.والأكثر أهمية أن استمرار الحرب يعيد صياغة طبيعة السؤال من «من سينتصر؟» إلى «أي شكل للدولة السودانية سينتج عن الحرب؟». فكلما استمرت المواجهة واتسعت الجبهات وتعددت القوى المحلية المتحالفة مع الطرفين، أصبح خطر تحول الانقسام العسكري إلى انقسام سياسي ومؤسسي أكثر جدية. وقد تتمكن الدولة المركزية من الحفاظ على مؤسساتها الرسمية، لكن استمرار وجود مناطق واسعة خارج السيطرة الفعلية للسلطة المركزية يخلق واقعًا يمكن أن يتطور تدريجيًا إلى مراكز نفوذ مستقلة، خصوصًا إذا ارتبطت بالتمويل والسلاح والدعم الخارجي. ولذلك فإن الإشكالية الأساسية أمام الجيش لا تتمثل فقط في استعادة المدن، وإنما في القدرة على إعادة احتكار الدولة للقوة والسلاح والقرار السياسي بعد انتهاء العمليات. لأن استعادة الأرض دون إعادة بناء مؤسسات الدولة قد تنتج انتصارًا عسكريًا محدود الأثر سياسيًا.كما أن الإشارة إلى احتمال العقوبات تكشف عن معادلة أكثر تعقيدًا, فالقيادة السودانية تستعد لاحتمال ممارسة ضغط خارجي عليها، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة لجعل هذا الضغط سببًا لتغيير هدفها العسكري. ومن ثم، فإن العقوبات، إذا تحولت إلى واقع، قد لا تؤدي تلقائيًا إلى إنهاء الحرب، بل قد تدخل ضمن حسابات الصراع نفسها. وفي المقابل، فإن استمرار الحرب في ظل ضغوط اقتصادية وإنسانية متزايدة يضع الدولة السودانية أمام اختبار مزدوج، فهي مطالبة بالحفاظ على قدرتها العسكرية، وفي الوقت نفسه بالحفاظ على مؤسساتها وقدرتها على تقديم الخدمات واستيعاب التداعيات الإنسانية. وبالتالي، فإن الاستنزاف الطويل قد يصبح أخطر من الخسارة العسكرية المباشرة، لأنه يضعف قدرة الدولة على إعادة توحيد البلاد حتى في حال تراجع القوة العسكرية مليشا الدعم السريع .
بالنسبة لمصر، فإن استمرار الخيار العسكري يحمل نتيجة مزدوجة. فمن ناحية، فإن تمكن الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية من استعادة السيطرة على البلاد سيكون السيناريو الأكثر اتساقًا مع المصالح المصرية، لأنه يعيد إنتاج دولة واحدة يمكن التعامل معها أمنيًا وسياسيًا، ويقلل من احتمالات تحول الحدود الجنوبية إلى مساحة تتعدد فيها مراكز القوة المسلحة. ومن ناحية أخرى، فإن استمرار الحرب لفترة أطول دون حسم يرفع مخاطر عكسية، لأن طول أمد الصراع يعني استمرار ضعف الدولة السودانية وتآكل قدرتها على ضبط أراضيها، بما يفتح المجال أمام أنماط من التهديد لا تتوقف عند طرفي الحرب، وإنما تشمل انتشار السلاح والتهريب وتحرك الجماعات المسلحة عبر المناطق التي تضعف فيها سلطة الدولة.وتزداد حساسية الأمر بالنسبة لمصر لأن الخطر الحقيقي لا يرتبط فقط بموقع القتال الحالي، وإنما بإمكانية تحول الانقسام العسكري إلى بنية دائمة داخل السودان. فإذا استمر وجود قوة مسلحة كبيرة خارج السيطرة المركزية، وترافق ذلك مع مناطق نفوذ مستقرة ودعم خارجي وشبكات اقتصادية مستقلة، فقد يصبح تقسيم القرار الأمني والعسكري واقعًا طويل الأمد حتى دون إعلان تقسيم رسمي للدولة. وهذا السيناريو أكثر تعقيدًا بالنسبة للقاهرة من مجرد استمرار الحرب، لأنه يعني التعامل مستقبلًا مع بيئة جنوبية غير موحدة، يصعب معها بناء ترتيبات مستقرة لضبط الحدود ومكافحة التهريب وحماية المصالح المشتركة. ولذلك، فإن المصلحة المصرية لا تختزل في انتصار طرف على آخر، وإنما في انتهاء الحرب بطريقة تعيد احتكار الدولة السودانية للقوة وتحافظ على وحدتها الإقليمية والمؤسسية.كما أن استمرار الحرب يفرض على مصر موازنة دقيقة بين دعم مؤسسات الدولة السودانية وبين تشجيع مسار سياسي يمنع تحول الانتصار العسكري، إذا تحقق، إلى مرحلة جديدة من الصراع الداخلي. فحتى الحسم العسكري لن يكون نهاية الأزمة إذا لم يتبعه ترتيب سياسي قادر على استيعاب المكونات السودانية وإعادة بناء المؤسسات وإعادة دمج القوى المسلحة ضمن إطار الدولة. ومن ثم، فإن القاهرة ستكون معنية بألا يتحول السودان من حرب مفتوحة إلى دولة منتصرة عسكريًا لكنها منهكة ومجزأة اجتماعيًا واقتصاديًا، لأن مثل هذا الوضع سيظل ينتج تهديدات أمنية على المدى المتوسط، حتى بعد توقف المعارك الرئيسية.
مستقبلا : السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب هو استمرار الضغط العسكري ومحاولة تحسين المواقع قبل أي تفاوض جاد، وليس الوصول السريع إلى تسوية نهائية, لأن استمرار كل طرف في الرهان على تحسين وضعه الميداني يجعل التنازل السياسي مكلفًا بالنسبة إليه. لكن مع مرور الوقت، ستصبح قدرة الجيش على تحويل العمليات إلى سيطرة مستقرة هي العامل الحاسم. فإذا تمكن من إعادة فرض سلطة مركزية واسعة، فقد يصبح الحسم العسكري مدخلًا لتسوية سياسية من موقع أقوى، أما إذا استمرت الحرب دون تغيير جوهري في ميزان القوة، في سيزداد خطر تحولها إلى استنزاف طويل يرسخ الانقسام بدل إنهائه.
أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في 23 أغسطس، اتصالًا هاتفيًا مع كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تناول تطورات الأوضاع في السودان وليبيا والقرن الأفريقي. وأكد عبد العاطي ثوابت الموقف المصري تجاه دعم وحدة السودان وسيادته ومؤسساته ورفض إنشاء كيانات موازية، إلى جانب الدفع نحو مسار سياسي سوداني شامل. وفي القرن الأفريقي، شددت القاهرة على احترام سيادة دول المنطقة ورفض التحركات الأحادية التي تهدد أمنها، مع التأكيد على دعم بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال. كما جددت مصر موقفها الداعم لوحدة ليبيا ومؤسساتها والدفع نحو انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، فيما أكد الجانبان أهمية استمرار التنسيق لدعم الحلول السياسية وتعزيز الاستقرار في القارة الأفريقية.
دبلوماسيا : لا تكمن أهمية الاتصال في مجرد بحث ثلاثة ملفات إقليمية متزامنة، وإنما في طبيعة الملفات التي اختارت القاهرة أن تضعها ضمن إطار واحد مع الجانب الأمريكي، فالسودان يمثل العمق الجنوبي المباشر لمصر، وليبيا تمثل الامتداد الاستراتيجي على حدودها الغربية، بينما يرتبط القرن الأفريقي والبحر الأحمر بأحد أهم المجالات الحيوية للأمن الإقليمي والملاحة والتجارة الدولية. ومن ثم، فإن الجمع بين هذه الملفات يعكس إدراكًا مصريًا بأن مصادر التهديد في البيئة المحيطة لم تعد تتحرك داخل حدود جغرافية منفصلة، وإنما أصبحت مترابطة عبر الحدود، والجماعات المسلحة، والتدخلات الخارجية، وأمن الممرات البحرية، وتنافس القوى الإقليمية والدولية على إعادة تشكيل موازين القوى. وفي هذا السياق، يكتسب التنسيق المصري الأمريكي أهمية تتجاوز مضمون الاتصال نفسه، بالنظر إلى ما يتيحه من مجال لتقريب الرؤى بشأن كيفية منع الأزمات القائمة من التحول إلى ترتيبات جيوسياسية أكثر صعوبة بالنسبة لمصر.ويظهر السودان في مقدمة هذه المعادلة باعتباره الملف الأكثر حساسية بالنسبة للقاهرة، ليس فقط بفعل الجوار الجغرافي، وإنما لأن استمرار الحرب مع احتمالات تفكك مؤسسات الدولة أو ظهور كيانات موازية قد يحول الأزمة السودانية من صراع داخلي إلى أزمة إقليمية ممتدة. ولذلك، فإن تأكيد مصر على وحدة السودان وسيادته والحفاظ على مؤسساته لا يمثل موقفًا سياسيًا تقليديًا، وإنما يرتبط بحساب أساسي في منظومة الأمن القومي المصري، مفاده أن الحفاظ على وجود دولة سودانية واحدة قادرة على إدارة أراضيها وحدودها ومؤسساتها يمثل خط دفاع متقدمًا عن الأمن المصري نفسه. وكلما طال أمد الانقسام العسكري والسياسي، تزايدت احتمالات اتساع مساحات الفراغ الأمني، ونمو شبكات التهريب والجماعات المسلحة، وتداخل المصالح الخارجية داخل السودان، بما يجعل السيطرة على تداعيات الأزمة أكثر تعقيدًا. ومن هنا يمكن فهم تشديد القاهرة على رفض الكيانات الموازية بالتوازي مع الدفع نحو مسار سياسي سوداني؛ فالمسألة بالنسبة لمصر لا تتعلق فقط بإنهاء القتال، وإنما بمنع أن تكون نتيجة الصراع إعادة إنتاج الدولة السودانية في صورة منقسمة أو متعددة مراكز الشرعية والقوة.أما التحرك المصري في القرن الأفريقي، فيحمل دلالة مختلفة لكنها تتصل بالمصلحة نفسها؛ إذ إن تأكيد القاهرة على رفض التحركات الأحادية لفرض النفاذ البحري بالقوة يعكس اهتمامًا بمنع نشوء ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي خارج قواعد القانون الدولي وتوازنات الأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، تأتي الإشارة إلى مشاركة مصر في بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال باعتبارها جزءًا من مقاربة أوسع لا تقتصر على مكافحة الإرهاب داخل الصومال، وإنما تستهدف الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في منطقة ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر. فضعف الدولة الصومالية أو تراجع قدرة مؤسساتها الأمنية قد يوفر بيئة أكثر ملاءمة لنشاط التنظيمات المسلحة، بينما يؤدي تعدد الترتيبات الأمنية والعسكرية والتنافس على النفاذ البحري إلى زيادة هشاشة المنطقة. ومن ثم، فإن دعم مصر للبعثة الأفريقية يحمل بعدًا وقائيًا بالنسبة للأمن الإقليمي، لأنه يستهدف معالجة أحد مصادر عدم الاستقرار قبل أن تتحول انعكاساته إلى تهديدات أكثر مباشرة للملاحة والمصالح المصرية.وفي ليبيا، يتكامل هذا المسار مع الموقف المصري من السودان والقرن الأفريقي عند نقطة مركزية تتمثل في رفض تفكك مؤسسات الدولة باعتباره مصدرًا دائمًا لإعادة إنتاج الأزمات الأمنية. فالقاهرة لا تربط استقرار ليبيا بمجرد إجراء الانتخابات، وإنما بتوحيد مؤسساتها الوطنية وقدرتها على ممارسة وظائف الدولة، وفي مقدمتها المؤسسات الأمنية والعسكرية. وتكتسب الإشارة الأمريكية إلى تقدير الجهود المصرية الرامية إلى توحيد المؤسسات الليبية أهمية بالنظر إلى ما تعكسه من وجود مساحة تقاطع مع واشنطن بشأن أحد العناصر التي تعتبرها القاهرة ضرورية لإنهاء الانقسام. غير أن ذلك لا يعني أن الطريق إلى التسوية أصبح قريبًا؛ إذ يظل التحدي الحقيقي في تحويل التوافق السياسي حول وحدة الدولة والمؤسسات إلى ترتيبات عملية تتعلق بتوزيع السلطة والموارد والقيادة والسيطرة، وهي ملفات ما زالت تمثل جوهر الأزمة الليبية.
مصريا :تتمثل الأهمية الأساسية لهذا المسار بالنسبة للأمن القومي المصري في أنه يمنح القاهرة فرصة للتعامل مع ثلاثة مصادر ضغط إقليمي ضمن تصور واحد، بدلًا من إدارتها باعتبارها أزمات منفصلة. ففي السودان، يمثل الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها وتقليص احتمالات ظهور سلطات موازية عاملًا مباشرًا في حماية الحدود الجنوبية ومنع تحول المنطقة الحدودية إلى مجال مفتوح أمام الجماعات المسلحة وحركة السلاح. وفي ليبيا، فإن توحيد مؤسسات الدولة ووجود سلطة قادرة على ضبط الأراضي والحدود الغربية يقللان من مخاطر استمرار الفراغ الأمني بالقرب من الحدود المصرية. أما في القرن الأفريقي، فإن دعم استقرار الصومال والحفاظ على فاعلية البعثة الأفريقية يرتبطان بأمن البحر الأحمر والحد من قدرة التنظيمات الإرهابية على استغلال هشاشة الدولة، بما يعني أن الملفات الثلاثة، رغم اختلاف طبيعتها، تتقاطع عند هدف مصري واحد يتمثل في تقليل مساحات الفراغ الأمني المحيطة بالدولة المصرية.كما أن وجود قناة تنسيق مباشرة مع واشنطن بشأن هذه الملفات يمكن أن يمنح مصر هامشًا أكبر للتأثير في مسارات الأزمات، خصوصًا أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات سياسية ودبلوماسية واقتصادية يمكن أن تؤثر في حسابات الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في السودان وليبيا والقرن الأفريقي. غير أن قيمة هذا التنسيق ستتوقف على مدى تحوله من مجرد تبادل للمواقف إلى تفاهمات عملية حول القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها منع تفكك السودان، ودعم المؤسسات الليبية، وتعزيز قدرة بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، والتعامل مع الترتيبات الأمنية والبحرية في القرن الأفريقي. فإذا تحقق ذلك، يمكن أن يصبح التنسيق المصري الأمريكي أحد أدوات دعم الاستقرار في المحيط الاستراتيجي لمصر، أما إذا ظل في حدود الاتصالات السياسية، فسيبقى تأثيره محدودًا مقارنة بحجم التحديات الميدانية .
بالتالي تستمر القاهرة في توسيع التنسيق مع واشنطن بشأن هذه الملفات، إلا أن الأهمية الحقيقية لهذا المسار ستتحدد بمدى قدرة الطرفين على التأثير في سلوك الأطراف المحلية والإقليمية، وليس بمجرد استمرار الاتصالات. ففي السودان، سيظل السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لمصر هو تحول الحرب إلى انقسام مؤسسي دائم؛ وفي ليبيا، سيبقى الخطر الرئيسي في استمرار تعدد مراكز القوة وتعثر توحيد المؤسسات؛ بينما يمثل استمرار هشاشة الوضع الأمني في القرن الأفريقي، إلى جانب التنافس على النفاذ البحري، عامل ضغط إضافيًا على أمن البحر الأحمر. ولذلك، فإن المصلحة المصرية ستتجه إلى منع هذه الملفات من التطور بصورة منفصلة إلى أزمات استراتيجية متزامنة، والحفاظ في الوقت ذاته على أدوات دبلوماسية وإقليمية تسمح للقاهرة بالتأثير في مساراتها قبل أن تتقاطع تداعياتها بصورة أكثر مباشرة مع الأمن القومي المصري.
دفعت الحكومة الفيدرالية الصومالية بوحدات من قوة داناب إلى بيدوا ومحيطها لتعزيز الوجود الأمني، في أعقاب تصاعد التوتر مع القوات المرتبطة بالرئيس السابق لولاية جنوب غرب الصومال عبد العزيز لفتاغارين، وبعد اشتباكات عنيفة شهدتها المدينة في 17 أغسطس. ويتزامن ذلك مع استمرار تهديد حركة الشباب، بما يجعل بيدوا نقطة تقاطع بين الصراع على سلطة الدولة والتحديات الأمنية التي تواجهها الحكومة الفيدرالية.
استراتيجيا:تكشف التطورات في بيدوا أن المشكلة التي تواجه الحكومة الفيدرالية الصومالية لا تتعلق فقط بامتلاكها القدرة العسكرية على السيطرة على المدن، وإنما بقدرتها على تحويل السيطرة الميدانية إلى نفوذ سياسي وأمني مستقر. فعودة التوتر بعد انتقال المدينة إلى سيطرة القوات الفيدرالية في مارس تشير إلى أن حسم السيطرة على الأرض لم يؤدِ تلقائيًا إلى إنهاء الصراع على شرعية إدارة جنوب غرب الصومال، وهو ما يجعل القوة العسكرية أداة لإدارة أزمة سياسية مستمرة، وليس مجرد وسيلة لمواجهة تهديد أمني خارجي.وتزداد خطورة هذه المعادلة لأن الحكومة الفيدرالية تحتاج في الوقت نفسه إلى توجيه قدراتها نحو حركة الشباب. ومن ثم، فإن استمرار التوتر مع القوى المحلية يفرض على مقديشو توزيع قدراتها بين تثبيت سلطتها السياسية والأمنية داخل الاقليم وبين مكافحة التنظيمات المسلحة، وهو ما قد يحد من قدرتها على تركيز الموارد في مواجهة التهديد الأكثر استمرارية. وفي هذا السياق، تكشف أزمة بيدوا أن بناء الدولة ومكافحة الإرهاب مساران مترابطان، فكلما بقيت مؤسسات الدولة محل منافسة مسلحة، ظلت قدرة الحكومة على بناء استراتيجية أمنية موحدة محدودة.كما أن اللجوء إلى قوة داناب ذات القدرات القتالية المتقدمة يحمل دلالة تتجاوز تعزيز الأمن الآني، لأنه يعكس اعتماد الحكومة على وحدات عسكرية قادرة على التدخل السريع لحماية مراكز السلطة ومواجهة التهديدات المسلحة. غير أن الاستخدام المتكرر للقوة في إدارة الخلافات السياسية يطرح إشكالية مختلفة، فإذا لم يصاحبه توافق سياسي بين مقديشو والولايات، فقد تصبح زيادة القدرات العسكرية عاملًا لإدارة الصراع بدل أن تكون جزءًا من بناء مؤسسة عسكرية وطنية جامعة. ومن ثم، فإن نجاح الحكومة لن يقاس فقط بقدرتها على إبقاء بيدوا تحت سيطرتها، وإنما بقدرتها على منع تحول التنافس السياسي إلى نمط دائم من التعبئة العسكرية.
مصريا :يمتد تأثير التطور على الأمن القومي المصري من خلال موقع الصومال داخل منظومة أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فاستمرار الصراع على السلطة داخل الولايات الفيدرالية يضعف قدرة الدولة الصومالية على توحيد مواردها الأمنية، ويمنح الجماعات المسلحة بيئة أكثر ملاءمة للاستفادة من الانقسامات السياسية. وكلما ازدادت قدرة الحكومة على تثبيت سلطة المؤسسات الوطنية، تقلصت المساحات التي يمكن أن تتحول إلى بؤر لعدم الاستقرار والتهديدات العابرة للحدود.كما أن التطور يمثل اختبارًا لمسار بناء المؤسسة العسكرية الصومالية الذي تدعمه أطراف إقليمية ودولية، لأن فعالية هذا المسار لا تعتمد فقط على تدريب وتسليح القوات، وإنما على وجود قرار سياسي موحد يحدد استخدامها. فإذا نجحت مقديشو في ترسيخ سلطة الدولة مع احتواء الخلافات مع الولايات، فإن القوات الوطنية يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى أداة لتثبيت الدولة ومكافحة الإرهاب. أما إذا استمر استخدامها في مواجهة الخصوم السياسيين المحليين، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الاستقطاب وإضعاف الهدف الأساسي المتمثل في بناء مؤسسة عسكرية وطنية قادرة على تحمل المسؤولية الأمنية.وبالنسبة لمصر، فإن استقرار هذا المسار يكتسب أهمية إضافية بسبب انعكاساته على أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فالمشكلة لا تتمثل في اضطراب بيدوا باعتباره حدثًا محليًا، وإنما في احتمال تحول الانقسامات السياسية المسلحة إلى نمط مستدام يضعف الدولة الصومالية ويعقد جهود مكافحة الإرهاب. ولذلك، فإن المصلحة المصرية تتجه نحو دعم بناء مؤسسات صومالية موحدة قادرة على احتكار القرار الأمني، وليس فقط دعم قدرتها على تحقيق مكاسب عسكرية مؤقتة.
مستقبلا : استمرار تعزيز الوجود الأمني الفيدرالي في بيدوا طالما بقي الخلاف السياسي مع معسكر لفتاغارين دون تسوية، لكن زيادة القوات لن تكون كافية وحدها لإنهاء الأزمة. فالسيناريو الأكثر استقرارًا يتمثل في انتقال الحكومة من تثبيت السيطرة العسكرية إلى معالجة جذور الخلاف السياسي مع القوى المحلية، بما يمنع تكرار الاشتباكات ويتيح توجيه الموارد الأمنية بصورة أكبر إلى مواجهة حركة الشباب. أما استمرار المواجهة السياسية المسلحة، فسوف يبقي بيدوا نقطة ضغط على الحكومة ويزيد احتمالات استنزاف قدراتها الأمنية.
