عبدالله فارس القزاز .. باحث بوحدة الدراسات الإفريقية

تأتي التطورات في بداية سبتمبر في ظل تحولات متزامنة تشهدها البيئة الإقليمية العربية والإفريقية ، تعكس إعادة ترتيب تدريجية للأدوار وموازين الحركة بين الفاعلين المحليين والدوليين، وإن اختلفت طبيعة هذه التحولات من حالة إلى أخرى. ففي السودان، تشير التطورات الميدانية إلى استمرار الضغوط على مليشيا الدعم السريع بالتزامن مع تحسن موقف القوات المسلحة في عدد من الجبهات، بما يفرض تداعيات على قدرة المليشيا على الحفاظ على تماسكها ومواصلة عمليات الحشد. وفي مصر، تعكس زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج اتجاه القاهرة نحو توسيع شراكتها مع بكين لتشمل إلى جانب التعاون الاقتصادي والاستثماري عددًا من الملفات الإقليمية، بما يعزز هامش الحركة المصرية في بيئة دولية وإقليمية متغيرة. وفي ليبيا، يكشف إعلان الطوارئ في مصراتة عن استمرار تأثير موازين القوى المحلية في تحديد مسار الترتيبات السياسية، خاصة مع ا تنفيذ اتفاق 4+4. ومن خلال تزامن هذه التطورات، تبرز أمام القاهرة مجموعة من الحسابات الجديدة المرتبطة بتغير موازين القوة، وتوسيع الشراكات، وقدرة المسارات السياسية على التعامل مع مراكز النفوذ القائمة .

في 31 أغسطس، انضمت قوة تضم نحو 200 مقاتل إلى القوات المسلحة السودانية، عقب انشقاقها عن مليشيا الدعم السريع في شمال كردفان، ووصولها إلى أم درمان بقيادة أبو بكر حمودة دحلوب، أحد مسؤولي الاستخبارات السابقين بالمليشيا. وتأتي هذه الخطوة في سياق سلسلة من الانشقاقات التي شهدتها صفوف الدعم السريع خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية وتقدم القوات المسلحة في عدد من الجبهات، بما يعكس ضغوطًا متراكمة على قدرة المليشيا على الحفاظ على قوتها البشرية وتعويض خسائرها.
استراتيجيا : تكتسب الانشقاقات المتكررة أهميتها من كونها تحدث داخل قوة تعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على الحشد المستمر، والمحافظة على شبكة واسعة من المقاتلين والقيادات المحلية. ومن خلال ذلك، فإن خروج مجموعات متتالية لا يؤدي فقط إلى تقليص العدد المتاح للقتال، بل يمتد كذلك إلى استنزاف الخبرات والعلاقات المحلية والقدرة على إعادة تشكيل الوحدات في أعقاب الخسائر. وفي هذا السياق، ومع استمرار الظاهرة، يمكن أن يتحول الانشقاق من مجرد نتيجة للضغط العسكري إلى عامل يضاعف هذا الضغط، لأن انتقال مجموعات من المقاتلين يعيد تشكيل حسابات العناصر الموجودة داخل المليشيا، ويجعل خيار الانسحاب أكثر قابلية للتكرار.
ويتضاعف أثر هذه التطورات مع استمرار تقدم القوات المسلحة، بما يؤدي إلى تضييق البيئة التي تستطيع مليشيا الدعم السريع من خلالها التجنيد والحشد وتأمين الإمدادات. ففقدان المناطق لا يقتصر على خسارة مواقع عسكرية، بل يمتد إلى فقدان مساحة جغرافية يمكن استخدامها كمصدر للمقاتلين والموارد والمعلومات والعلاقات المحلية. وفي ضوء اتساع مناطق سيطرة الجيش، تصبح عملية تعويض الخسائر أكثر صعوبة، خصوصًا إذا أصبحت القوى المحلية أقل استعدادًا للانخراط في صفوف المليشيا، نتيجة تغير تقديراتها بشأن مستقبل الحرب.ويشير اجتماع هذه العوامل إلى إمكانية تشكل دائرة من الاستنزاف المتبادل؛ إذ يؤدي الضغط العسكري إلى خسائر وانشقاقات، بينما تؤدي الانشقاقات إلى تقليص قدرة المليشيا على الحشد والتعويض، ويحد تراجع القدرة البشرية من قدرتها على الدفاع عن مناطق سيطرتها، في حين يؤدي فقدان هذه المناطق إلى مزيد من التراجع في قدرتها على التجنيد والإمداد. وإذا استمر هذا المسار لفترة طويلة، فقد تضطر المليشيا إلى تقليص انتشارها وتركيز قواتها في مناطق محددة، وهو ما يمنح القوات المسلحة فرصة أكبر لتوسيع عملياتها واستثمار نقاط الضعف داخل صفوفها.
أفريقيا : يمثل تراجع قدرة الدعم السريع على التجنيد والحشد، إذا تحول إلى اتجاه مستمر، تطورًا يمكن أن يدعم استعادة مركزية الدولة السودانية وتقليص تعدد مراكز القوة المسلحة. وفي هذا السياق، يرتبط ذلك بالمصلحة المصرية في إنهاء حالة الانقسام الأمني التي أسهمت في إطالة أمد الحرب وإضعاف مؤسسات الدولة، لأن استمرار وجود قوة مسلحة كبيرة خارج السيطرة المؤسسية يحد من قدرة السودان على إعادة بناء منظومته الأمنية وفرض السيطرة على أراضيه وحدوده.كما أن استمرار تقدم القوات المسلحة بالتزامن مع تراجع قدرة المليشيا على الحشد قد يؤدي تدريجيًا إلى تضييق المجال الذي تتحرك فيه الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، خاصة في المناطق التي أسهم ضعف سلطة الدولة فيها في اتساع النشاط غير النظامي. وكلما تحولت المكاسب العسكرية إلى سيطرة مستقرة ومؤسسات قادرة على إدارة المناطق المستعادة، زادت فرص تحسن البيئة الأمنية المحيطة بالسودان، بما ينعكس إيجابيًا على المصالح المصرية المرتبطة بأمن الحدود واستقرار الدولة السودانية.وفي المقابل، فإن إضعاف الدعم السريع وحده لا يضمن تحقيق الاستقرار، إذ تظل طريقة إدارة مرحلة ما بعد الانشقاقات عاملًا حاسمًا في تحديد مآلاتها. فإذا جرى دمج العناصر المنسحبة داخل مؤسسات الدولة وفق ترتيبات منظمة، يمكن أن تتحول الانشقاقات إلى جزء من عملية إعادة بناء القوة النظامية. أما إذا استمر انتقال المقاتلين بين تشكيلات مسلحة متعددة دون إطار مؤسسي، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة توزيع السلاح بدلًا من إنهاء ظاهرة تعدد القوى المسلحة، وهو ما يمثل سيناريو أقل ملاءمة للأمن القومي المصري. مستقبلا : استمرار محاولات استقطاب عناصر الدعم السريع مع استمرار الضغط العسكري، وقد تتزايد وتيرة الانشقاقات إذا تزامنت الخسائر الميدانية مع تراجع قدرة المليشيا على التجنيد والإمداد. وفي هذا السياق، سيكون انتقال الانشقاقات إلى قيادات ووحدات أكبر مؤشرًا على تحولها من ظاهرة محدودة إلى عامل مؤثر في تماسك المليشيا وقدرتها على مواصلة الحرب. وإذا اجتمعت هذه التطورات مع استمرار تقدم القوات المسلحة، فقد تتزايد صعوبة المحافظة على الانتشار الواسع للدعم السريع وتعويض خسائره البشرية

في 1 سبتمبر 2026، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي الرئيس الصيني شي جين بينج في القاهرة، حيث شهدت الزيارة بحث سبل توسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والاستثماري، إلى جانب إطلاق المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، كما امتدت المباحثات إلى قضايا غزة والبحر الأحمر وأمن الملاحة وملف النيل، في إطار مواصلة تطوير الشراكة الاستراتيجية بين البلدين ، وربط مصالحها الاقتصادية بأدوارها الإقليمية.
استراتيجيا : تعكس الزيارة انتقال العلاقات المصرية الصينية من نموذج يقوم بشكل أساسي على توسيع الاستثمارات إلى ترابط أوسع يجمع بين الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة. فالتوسع في المنطقة الصناعية بقناة السويس لا يمثل مجرد زيادة في حجم الاستثمارات الصينية، وإنما يعمق ارتباط المصالح الصينية بالموقع الجغرافي لمصر وبالبنية اللوجستية المرتبطة بالقناة. ومع توسع المصالح الصينية في مجالات الصناعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا داخل مصر، تزداد أهمية استقرار البيئة المصرية بالنسبة لبكين، وهو ما يوفر للقاهرة عنصرًا إضافيًا في بناء علاقاتها مع قوة دولية كبرى. وفي المقابل، تستفيد الصين من موقع مصر كبوابة تربط الأسواق الآسيوية والأوروبية والأفريقية، بما يجعل الشراكة قائمة على مصالح متبادلة، وليست مجرد تعاون اقتصادي ثنائي.ويأخذ البعد السياسي للعلاقات دلالة أوسع مع دخول البحر الأحمر وغزة والأمن الإقليمي ضمن نطاق التشاور، بما ينقل العلاقة من التركيز على المصالح الثنائية إلى تقاطع المصالح في البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر. فالصين لديها مصالح مباشرة في استمرار حركة التجارة وتأمين الممرات البحرية، بينما ترتبط مصر بصورة مباشرة باستقرار البحر الأحمر وقناة السويس وتطورات الشرق الأوسط. ولا يعني هذا التقاطع تطابق الرؤى بين البلدين، لكنه يتيح للقاهرة قناة إضافية للحوار مع قوة تمتلك أدوات سياسية واقتصادية واسعة. وتبرز قيمة هذه القناة بصورة أكبر مع تعدد الأطراف الدولية المتنافسة على التأثير في المنطقة، إذ تستطيع مصر توظيف تعدد الشراكات للحفاظ على هامش أوسع للمناورة، بدلًا من الاعتماد على مركز قوة دولي واحد.أما إدراج الأمن المائي وملف النيل ضمن المشاورات، فيمنح العلاقة بعدًا استراتيجيًا حساسًا بالنسبة لقاهؤةة، دون أن يعني ذلك تحول الصين إلى طرف مباشر في الخلاف المصري الإثيوبي. فمن خلال هذا المسار، تستطيع القاهرة الاستفادة من الوزن الاقتصادي والسياسي الصيني لدعم مبادئ القانون الدولي وعدم الإضرار، بينما تظل بكين حريصة في الوقت ذاته على علاقاتها الواسعة مع إثيوبيا ودول حوض النيل. وعليه، فإن القيمة الحقيقية للموقف الصيني تتمثل في توسيع البيئة الدبلوماسية المحيطة بملف النيل، وليس في انتظار اصطفاف صيني كامل مع الموقف المصري.
مصريا : يوفر تعميق الشراكة مع الصين لمصر قدرة أكبر على تنويع مصادر القوة والعلاقات الدولية، وهو ما يكتسب أهمية في بيئة إقليمية تتداخل فيها المنافسة بين القوى الكبرى مع أزمات الشرق الأوسط وأفريقيا. فوجود علاقة استراتيجية متنامية مع بكين يمنح القاهرة خيارات اقتصادية وسياسية وتكنولوجية إضافية، ويحد من مخاطر الاعتماد المفرط على شريك دولي واحد. غير أن قيمة هذا التنويع تظل مرتبطة بكيفية إدارته، اي يتطلب إدارة دقيقة للعلاقات المصرية مع الصين والولايات المتحدة وأوروبا ، بما يحافظ على استقلال القرار المصري ويمنع تحول القاهرة إلى طرف في الاستقطاب بين القوى الكبرى.وتظهر أهمية الشراكة الصينية بالنسبة للأمن القومي المصري بصورة خاصة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع المصالح المصرية والصينية في استقرار الملاحة ومواجهة التهديدات التي يمكن أن تؤثر في حركة التجارة. وفي هذا الإطار، تمثل المحادثات الصينية–الصومالية في 2 أغسطس بشأن التعاون الدفاعي والأمني عاملًا يمكن أخذه في الاعتبار عند تقييم الدور الصيني المتزايد في القرن الأفريقي. وإذا تطورت العلاقات الصينية مع الصومال في المجال الأمني، فقد تمتلك مصر فرصة لتعزيز التشاور مع بكين ومقديشو بشأن استقرار المنطقة ومواجهة الجماعات المسلحة ” حركة الشباب” وحماية أمن الملاحة .كما أن اتساع المصالح الصينية في قناة السويس ومناطق الصناعة والطاقة يخلق تقاطعًا بين أمن الاقتصاد المصري والمصالح الصينية، فاستقرار قناة السويس والبحر الأحمر لا يمثل مصلحة مصرية فقط، وإنما يرتبط كذلك بحسابات التجارة الصينية مع أوروبا وأفريقيا. ومن خلال هذا التقاطع، يمكن للقاهرة توظيف المصالح المشتركة في تعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي ودعم الاستقرار الإقليمي، فالصين قد تتعاون مع القاهرة عندما تتطابق مصالح الطرفين، لكنها لن تحل محل الأدوات العسكرية والدبلوماسية الغير تقليدية المصرية في حماية الأمن القومي.
وبالتي : قد تستمرار تعميق العلاقات المصرية الصينية خلال المرحلة المقبلة، مع توسع التعاون في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والاستثمار، بالتوازي مع زيادة التشاور حول البحر الأحمر والقرن الأفريقي والقضايا الإقليمية. و ستتحدد القيمة الاستراتيجية للشراكة بقدرة القاهرة على تحويل الحضور الاقتصادي الصيني إلى نقل للتكنولوجيا وقدرات إنتاجية ونفوذ سياسي قابل للاستخدام، وربط ذلك بشبكة علاقاتها مع دول المنطقة. وفي حال نجحت مصر في الجمع بين موقعها في قناة السويس وعلاقاتها المتنامية مع بكين وصلاتها بدول القرن الأفريقي، فقد تتحول الشراكة الصينية إلى أداة إضافية لتعزيز الموقع المصري في البيئة الإقليمية، دون أن تصل بالضرورة إلى مستوى التحالف الأمني أو العسكري.

في 2 سبتمبر، وبحسب ما نشرته منصات إخبارية ليبية، أعلنت القيادة العسكرية في مصراتة حالة الطوارئ، وشكلت غرفة عمليات تضم قادة المحاور واتحاد الثوار، مع دعوة التشكيلات المسلحة في المدينة إلى الالتحاق بها، وذلك بعد أيام من توقيع اتفاق 4+4 . ويأتي هذا التحرك على خلفية مطالبة القوى السياسية والعسكرية في مصراتة بتحديد مواقفها من الاتفاق الذي يضع مسارًا للانتخابات وتوحيد السلطة والمؤسسات. وفي هذا السياق، يعكس التحرك انتقال الخلاف حول الاتفاق من نطاق سياسي إلى مستوى أمني وعسكري داخل إحدى أهم مراكز القوة في غرب ليبيا.
دلالات التصعيد : تكمن خطورة التطور في أن مصراتة لا تتعامل مع اتفاق 4+4 باعتباره مجرد ترتيبات سياسية، وإنما يظهر أن جزءًا من بنيتها العسكرية ينظر إليه باعتباره تغييرًا محتملًا في قواعد توزيع السلطة والنفوذ خلال المرحلة المقبلة. فالمدينة تمتلك كتلة عسكرية وسياسية مؤثرة في غرب ليبيا، ومن ثم فإن إعلان الطوارئ وتشكيل غرفة عمليات لا يمكن قراءته فقط باعتباره إجراءً احترازيًا، بل يمثل رسالة مفادها أن تمرير الترتيبات السياسية الجديدة يحتاج إلى قبول القوى المسلحة التي تمتلك القدرة على التأثير في تنفيذها. وهنا تبرز المشكلة الأساسية في المسار الليبي , إذ تستطيع الاتفاقات السياسية تحديد قواعد الانتخابات والسلطة، لكنها تظل محدودة التأثير إذا لم تستطع إنتاج بيئة أمنية تقبل نتائجها.وتأخذ هذه التطورات دلالة أكبر بالنظر إلى توقيتها الذي جاء بعد توقيع اتفاق 4+4 مباشرة، في وقت يستهدف فيه الاتفاق إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وتوفير إطار للوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرًا، إلى جانب الدفع نحو سلطة تنفيذية موحدة. وبناءً على ذلك، فإن رد فعل مصراتة يضع المرحلة التنفيذية للاتفاق أمام اختبار مبكر, فإذا اتسعت المعارضة المسلحة له، فقد يتحول الاتفاق من أداة لتقليل الانقسام إلى عامل جديد لإعادة الاصطفاف بين القوى العسكرية. ولا يتمثل الخطر هنا بالضرورة في اندلاع مواجهة فورية، وإنما في أن تبدأ التشكيلات المسلحة بإعادة تموضعها استعدادًا لما قد ينتج عن العملية السياسية، وهو ما يرفع مستوى عدم الثقة ويصعب الوصول إلى ترتيبات مشتركة حول السلطة والانتخابات.وتبرز دلالة أخرى في الدعوة إلى انضمام كتائب المدينة إلى غرفة عمليات واحدة؛ فإذا استجابت لها تشكيلات رئيسية، فقد يعني ذلك محاولة تجميع القوة العسكرية في مصراتة تحت مظلة تنسيق واحدة، بدل بقاء المواقف موزعة بين الكتائب. وهذا يمنح المدينة قدرة أكبر على التفاوض من موقع القوة، لكنه في الوقت ذاته يعيد إنتاج المشكلة التي تحاول العملية السياسية تجاوزها، والمتمثلة في امتلاك مراكز محلية مسلحة القدرة على التأثير في القرار الوطني. وفي المقابل، فإن توحيد الموقف العسكري داخل مصراتة لا يعني بالضرورة اتجاهها نحو المواجهة، فقد يكون الهدف رفع القدرة التفاوضية ومنع فرض ترتيبات سياسية تعتبرها بعض القوى غير متوازنة. ومن ثم، فإن التطور يمثل حتى الآن تصعيدًا في أدوات الضغط، وليس دليلًا على قرار بالذهاب إلى صدام عسكري.
بالنسبة لمصر : ، تكتسب التطورات في مصراتة أهمية بالنظر إلى موقع المدينة ودورها العسكري والسياسي داخل غرب ليبيا، ولأن أي انتقال من الخلاف السياسي إلى إعادة تعبئة عسكرية يمكن أن يعطل المسار الذي يفترض أن يقود إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام. وكلما أصبحت الترتيبات السياسية مرتبطة بمواقف التشكيلات المسلحة، زادت صعوبة الوصول إلى دولة ليبية قادرة على احتكار أدوات القوة، وهو ما يمثل تحديًا للاستقرار طويل المدى في ليبيا.كما أن نجاح القوى المسلحة في تحويل اعتراضها السياسي إلى تعبئة ميدانية منظمة قد يشجع مراكز قوة أخرى على التعامل مع العملية السياسية بالمنطق نفسه، بما يؤدي إلى تحول الانتخابات من آلية لحسم التنافس السياسي إلى مرحلة جديدة لإعادة توزيع القوة العسكرية. وقد يترتب على ذلك إطالة المرحلة الانتقالية وزيادة احتمالات ظهور ترتيبات أمنية متنافسة، بما ينعكس على استقرار ليبيا وعلى البيئة الأمنية الممتدة باتجاه الحدود المصرية. ولذلك، فإن أهمية مصراتة بالنسبة لمصر لا ترتبط بالمدينة منفردة، وإنما بقدرتها على التأثير في توازنات غرب ليبيا.وفي المقابل، فإن احتواء التصعيد في مصراتة يمثل فرصة للحفاظ على المسار السياسي دون السماح بتحوله إلى صراع عسكري جديد. فالاستقرار الليبي الأكثر ملاءمة للمصالح المصرية هو الذي يؤدي إلى توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية تدريجيًا تحت سلطة الدولة، وليس مجرد نقل التفاهمات بين النخب السياسية مع بقاء مراكز القوة المسلحة مستقلة. ومن ثم، فإن نجاح اتفاق 4+4 سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرته على استيعاب القوى المحلية المؤثرة، ومنها مصراتة، بدل دفعها إلى تشكيل اصطفافات عسكرية مضادة للمسار السياسي.

بالتالي يبقي السيناريو الأقرب هو استمرار الضغط السياسي والعسكري من مصراتة بهدف التأثير في كيفية تنفيذ اتفاق 4+4، مع بقاء احتمال التصعيد الميداني قائمًا إذا توسعت التعبئة داخل المدينة أو ظهرت تحركات عسكرية مقابلة. أما تحول حالة الطوارئ إلى مواجهة واسعة، فسيتوقف على موقف التشكيلات الرئيسية في مصراتة، ورد فعل القوى العسكرية والسياسية في طرابلس، وقدرة بعثة الأمم المتحدة والأطراف الليبية على إدارة الخلاف حول تنفيذ الاتفاق. وإذا نجح المسار في استيعاب اعتراضات مصراتة، فقد تتحول حالة الاستنفار إلى ورقة تفاوضية؛ أما إذا فشل الاحتواء، فقد يصبح الاتفاق نفسه نقطة بداية لاصطفاف عسكري جديد في غرب ليبيا.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version