حسين محمود التلاوي
المستلخص: رصدت الصحافة الفرنسية التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة في منطقة الساحل والصحراء؛ وبوجه خاص النيجر، مع التركيز على الدور الروسي فيها. اهتمت الصحافة الفرنسية بمحاولة الانقلاب الأخيرة في النيجر وكيفية إحباط السلطات لها، فأوردت التقارير والتحليلات التي اتسعت لتشمل الأوضاع في النيجر عمومًا من حيث الوجود الروسي والثروات الطبيعية، إلى جانب الأوضاع في منطقة الساحل والصحراء ككل. وتستعرض هذه المتابعة أبرز تلك التقارير والتحليلات ارتباطًا بالأمن القومي المصري.
دعم روسي وهشاشة أمنية
البداية مع جريدة “لو فيجارو” التي قالت إن “القوات الموالية” للجنرال عبد الرحمن تياني نجحت في إحباط محاولة تمرد عسكري شهدتها العاصمة النيجرية نيامي، وأضافت الجريدة أن هذا النجاح جاء بفضل الدعم المباشر من قوات “الفيلق الأفريقي” الروسية المتمركزة هناك. وفي التفاصيل قال التقرير الفرنسي إن المواجهات تضمنت محاولات لاقتحام القصر الرئاسي والسيطرة على مقرات حيوية كالمطار والتلفزيون الرسمي، واشتباكات بالأسلحة الثقيلة أسفرت عن سقوط قتلى في صفوف المتمردين واستسلام العشرات منهم بعد استعادة السيطرة الكاملة على القاعدة الجوية الرئيسية.
وذكرت الجريدة أن هذه التطورات الأخيرة أكدت محورية الدعم الروسي للنظام الحاكم في النيجر؛ حيث يقع المقر الرئيسي لقوات “الفيلق الأفريقي” وقيادة القوة المشتركة لدول الساحل داخل القاعدة المذكورة؛ ما أسهم في الحسم السريع للمواجهة. لكن التقرير ذكر أن هذا الحدث يعكس هشاشة الوضع الأمني والسياسي في البلاد؛ لأنه الاضطراب المسلح الثالث الذي تشهده العاصمة خلال العام نفسه بعد هجمات سابقة استهدفت المنشآت الحيوية ذاتها، مضيفًا أنه يعيد إبراز حجم المعاناة الأمنية والتعقيدات التي تواجهها النيجر وجاراتها في منطقة الساحل جراء التهديدات المتصاعدة من الجماعات الإرهابية و”تغير التحالفات الدولية بالمنطقة”.
“انقسامات” داخل جيش النيجر
وفي تحليل إخباري قالت جريدة “لوموند” إن محاولة الانقلاب الفاشلة كشفت عن “هشاشة نظام المجلس العسكري”، وتصاعد الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية النيجرية، كما كشفت كذلك عن مستوى عالٍ من التخطيط والجرأة؛ فعلى الرغم من فشل المتمردين في السيطرة على القصر والإعلام، فقد استولوا لعدة ساعات على المجمع الجوي الحيوي. وفيما يخص الانقسامات، قال التحليل الإخباري إن المواجهة أحدثت ارتباكًا واسعًا ورفضًا من بعض الوحدات العسكرية المشاركة في التصدي للمتمردين؛ حيث امتنعت كتيبة كاملة عن مهاجمة القاعدة الجوية لاستعادتها؛ ما أبرز شلل هيكل القيادة واهتزاز الولاءات داخل الجيش، وفق ما ورد في الجريدة.
وأضافت “لوموند” أن الدفاع الفعلي عن رئيس المجلس العسكري الجنرال “عبد الرحمن تياني” اقتصر على عناصر الحرس الرئاسي التي يتولى رعايتها وتجهيزها منذ أن كان قائدًا لها، مشيرة إلى أن النظام لم يتمكن من حسم الموقف وإعادة السيطرة إلا بفضل التدخل المباشر والقوي لحلفائه الروس من عناصر “الفيلق الأفريقي”، الذين شاركوا بفاعلية في استعادة المطار والقاعدة الجوية. وخلصت الجريدة إلى أن هذه الأحداث تسلط الضوء على المأزق الأمني والسياسي المتفاقم في النيجر، منذ الإطاحة بالسلطة المدنية صيف عام 2023م. فبالإضافة إلى الانقسامات الداخلية داخل صفوف الجيش والمؤسسة الحاكمة، تواجه البلاد تدهورًا أمنيًّا حادًّا جراء تصاعد هجمات الجماعات المسلحة والإرهابية في عدة مناطق.
الليثيوم وتمويل الجماعات الإرهابية
وحول ثروات النيجر، نشرت “لوموند” حوارًا مع “برادلي مورتين” الباحث في قسم دراسات الحرب بجامعة “كينجز كوليدج” في لندن عن الليثيوم في النيجر. في المقدمة قالت الجريدة إن طفرة ازدهار الليثيوم في إفريقيا لا تقتصر على الدول فحسب؛ إذ تستولي عدة جماعات مسلحة في منطقة الساحل على هذه الثروة التي أصبحت عنصرًا رئيسيًّا في التحول العالمي للطاقة. وأضافت أن الليثيوم، الذي يطلق عليه اسم “الذهب الأبيض”، عنصر لا غنى عنه في صناعة البطاريات، ويُصنف ضمن نحو ثلاثين معدناً تُعرف بـ”المعادن الحرجة”، مشيرة إلى أنه على الرغم من أن أفريقيا لا تنتج سوى نحو 15% من الليثيوم على مستوى العالم، فقد شهدت القارة عام 2025م أعلى نسبة زيادة في إنتاجه، وتجاوزت 44%.
ووفق الجريدة الفرنسية، عمل “برادلي مورتين” على دراسة ظروف الاستخراج التقليدي (الحرفي) لهذا الخام في منطقة الساحل؛ وهي واحدة من المناطق الرئيسية الثلاثة للتعدين في القارة، إلى جانب منطقة البحيرات الكبرى والجنوب الأفريقي. ويوضح الباحث السياسي أن جزءًا من الليثيوم الذي يخرج من المنطقة يأتي من مناطق تخضع لسلطة جماعات إرهابية؛ مثل “بوكو حرام” و”تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا”، أو عبر العديد من عصابات قطاع الطرق في نيجيريا، موضحًا أن هذه الثروة يمكن أن تتحول إلى قناة جديدة لتمويل الإرهاب.
اتهامات لفرنسا بسرقة اليورانيوم
وألقت جريدة “لوفيجارو” الضوء على الخلاف المتصاعد بين فرنسا والنيجر حول استغلال ثروة النيجر من اليورانيوم؛ فتقول الجريدة إن العلاقة بين البلدين تشهد توترًا حادًّا على خلفية استغلال ثروة اليورانيوم؛ حيث وجهت السلطات النيجرية اتهامات مباشرة للحكومة الفرنسية خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة بتعمد إدخال البلاد في نزاعات قضائية وطويلة الأمد بهدف تعطيل عمليات إنتاج وخام اليورانيوم وبيعه. ويوضح تقرير الجريدة خلفيات التصعيد، فيقول إنه جاء عقب إقدام المجلس العسكري الحاكم في نيامي على تأميم شركة “سوماير” التابعة لمجموعة “أورانو” الفرنسية في إطار فرض السيادة الوطنية على الموارد الطبيعية؛ ما دفع المجموعة الفرنسية لاستصدار قرار تحكيمي مؤقت من المركز الدولي لتسوية نزاعات الاستثمار لصالحها يمنع النيجر من التصرف في مخزون الخام.
ويؤكد التقرير أن هذه المواجهة القضائية والسياسية تعكس عمق القطيعة بين النظام العسكري الحاكم في النيجر والقوة الاستعمارية السابقة؛ إذ يرى المسؤولون في نيامي أن العقود الخمسة الماضية من استغلال اليورانيوم جلبت لفرنسا الازدهار والنفوذ، ولم تعد على الشعب النيجري سوى بالتلوث والفقر والاضطرابات. وفي مقابل الاستمرار في رفض القرارات الدولية التي تمس ملكية الموارد الوطنية، تتجه سلطات النيجر إلى إعادة رسم تحالفاتها الدولية، عبر تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع شركاء جدد، في مقدمتهم روسيا وإيران لتمكين البلاد من استغلال ثرواتها بشكل مستقل.
حظر وسائل إعلام فرنسية
وفي مثال آخر على توتر العلاقات بين النيجر وفرنسا، ذكرت “لوفيجارو” أن المجلس العسكري الحاكم في النيجر قرر تعليق عمل تسع وسائل إعلام فرنسية بارزة بصورة فورية، شملت قنوات عامة وإخبارية ووكالات ومواقع صحفية، بدعوى نشرها المتكرر لمواد “تهدد الاستقرار الداخلي والوحدة الوطنية وتضر بمؤسسات الدولة”. ويشمل هذا الحظر منصات البث الفضائي والأرضي والمواقع والتطبيقات الرقمية عبر كامل أراضي النيجر. وأشارت الجريدة إلى أن هذه الخطوة تأتي استكمالًا لتوجه سلطات النيجر المناهض للنفوذ الغربي، والفرنسي على وجه الخصوص، منذ انقلاب 2023م، كما أنها تترافق مع إجراءات مماثلة اتخذتها بوركينا فاسو، العضو في تحالف دولي الساحل مع النيجر ومالي، ضد الإعلام الفرنسي، مضيفة أن هذه الخطوات تأتي قبيل انعقاد قمة مرتقبة في كينيا بين فرنسا وعدة دول إفريقية.
تقارب بين مالي والجزائر بدعم روسي
وحول عودة العلاقات بين الجزائر ومالي، نشرت جريدة “لوموند” تقريرًا قالت فيه إن الجزائر ومالي أعلنتا عن انفراجة في علاقاتهما الدبلوماسية بعد 15 شهرًا من التوتر والقطيعة؛ حيث اتفق الجانبان على إعادة فتح مجالاتهما الجوية وتبادل إعادة السفراء، مشيرة إلى أن قرار فتح الأجواء دخل حيز التنفيذ فورًا ليشمل جميع الرحلات المدنية والعسكرية، بالتزامن مع إعلان استئناف السفير الجزائري كمال رطيب لمهامه في باماكو بعد استدعائه السابق على خلفية إسقاط طائرة مسيرة مالية قرب الحدود المشتركة في ربيع عام 2025م.
وأوضحت الجريدة خلفيات الأزمة، فأشارت إلى أن التوتر الدبلوماسي تصاعد بين مالي والجزائر منذ وصول المجلس العسكري المالي إلى السلطة إثر انقلابين في عامي 2020م و2021م؛ حيث وجهت السلطات الجديدة في مالي اتهامات للجزائر بالتدخل في شئونها الداخلية، علمًا بأن الجزائر لعبت دورًا محوريًّا في مفاوضات اتفاق السلام لعام 2015م بين باماكو والجماعات المسلحة شمال مالي. وأضافت الجريدة أن الخلاف تفاقم بين البلدين في ربيع عام 2025م بعد إسقاط الجزائر طائرة مسيرة عسكرية مالية بالقرب من الحدود المشتركة بينهما؛ حيث أكدت الجزائر أن الطائرة انتهكت مجالها الجوي، وفي المقابل شددت مالي على أن الطائرة كانت داخل أراضيها. وفي تحليل إخباري في الجريدة نفسها، قال الكاتب “بنيامين روجه” إن مالي والجزائر أنهيتا، في 10 يوليو، أزمة دبلوماسية استمرت 15 شهرًا، مشيرًا إلى أن هذا التقارب شجعته روسيا وأسهمت فيه وساطة النيجر.
ويضيف الكاتب أن التوترات شديدة الغاية لدرجة أن القليلين فقط توقعوا مثل هذا التقارب؛ فبعد أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، أعلنت الجزائر ومالي عن إعادة فتح أجواء كل منهما أمام الأخرى وعودة سفيريهما إلى الجزائر وباماكو. ووفق الكاتب، فقد حظي هذا الانفراج المفاجئ بين الجارين بدعم وتشجيع من روسيا الحليف المشترك والنافذ للبلدين، بحسب ما أفادت به مصادر متطابقة. ويوضح التحليل الإخباري أن روسيا كان لها مصلحة في خفض التصعيد بين المجلس العسكري بزعامة الجنرال “أسيمي جويتا”، الذي تحميه روسيا بنحو 2500 جندي من قوات “الفيلق الأفريقي” في مالي، والجزائر أحد أهم شركاء روسيا وزبائنها العسكريين في أفريقيا. وينقل الكاتب عمن وصفه بأنه “مصدر ماليّ مطلع على المباحثات” أن في يونيو 2025م، شجع الرئيسُ الروسي “فلاديمير بوتين” قائدَ المجلس العسكري المالي على إعادة إحياء العلاقات مع الجزائر، أثناء لقاء في الكرملين بين الجانبين.
ملاحظات على التغطية الفرنسية
يظهر من التغطية الصحفية الفرنسية للأوضاع في منطقة الساحل والصحراء أن الفرنسيين غير راضين عن نجاح النيجر في إفشال الانقلاب؛ حيث اتسمت التغطية بتركيز كبير على ضعف جيش النيجر وتعاظم دور روسيا في الإقليم. كذلك يظهر أن التقارب بين مالي والجزائر بعد القطيعة التي استمرت أكثر من عام وربع لم يلق قبولًا لدى الفرنسيين؛ وهو ما يظهر في التركيز على الدور الروسي في تحقيق المصالحة. من المفهوم ألا يشعر الفرنسيون بالرضا عن دول الساحل والصحراء؛ وبوجه خاص النيجر وبوركينا فاسو ومالي؛ لأن هذه الدول تبنت سياسات متشددة تجاه فرنسا، المستعمر السابق للمنطقة وصاحبة النفوذ التاريخي فيها، وأنهت وجودها العسكري في البلاد.
لكن من زاوية الأمن القومي المصري، تمثل هذه التطورات السياسية والميدانية خطوات إيجابية نحو استقرار المنطقة؛ وهو ما يمكن إيجازه فيما يلي:
أ- ينعكس التفاهم بين الجزائر ومالي على الميدان في صورة توقف المواجهات العسكرية بين جبهة تحرير أزواد والدولة المالية، بعد استعادة مسار الوساطة الجزائري بين الجانبين؛ ما يمهد إلى اتفاق تسوية أو إحياء اتفاق الجزائر الذي وقعه الجانبان عام 2015م.
ب- يؤدي هذا إلى قطع الطريق على جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم القاعدة التي استغلت الصراع بين الدولة المالية وجبهة أزواد لتتحالف مع الجبهة وتوسع مناطق سيطرتها في مالي. تثبيت الوضع وتجميد القتال ليس في مصلحة الجماعة الإرهابية، وإن استمر تحالفها مع جبهة أزواد.
جـ- يسهم نجاح قوات النيجر في التصدي لمحاولة الانقلاب والهجوم على المطار قبل أشهر في تعزيز قدرات الجيش النيجري على التصدي للجماعات الإرهابية في المنطقة ومع الإقرار بأن هذه النجاحات جاءت بدعم من قوات “الفيلق الإفريقي” الروسي، فإنها تعني أن التعاون يؤتي ثماره في التصدي للجماعات الإرهابية.
د- تلتقي هذه الجهود الجارية في الجناح الغربي والأوسط من منطقة الساحل مع الجهود التي تبذلها مصر في الجناح الشرقي من خلال مشروعات تنموية في تشاد؛ أبرزها مشروع الطريق الدولي بين البلدين عبر ليبيا؛ وهي المشروعات التي من شأنها قطع الطريق على شبكات التهريب وانتقال الأفراد والسلاح في منطقة الساحل وصولًا إلى السودان، إلى جانب تقديم بدائل إلى أهل المنطقة عن الأنشطة غير المشروعة. ويضاف إلى هذه الجهود المصرية في الشرق ما يجري من تعاون بين مصر ودول المنطقة عمومًا لتعزيز قدرات تلك الدول في مكافحة الإرهاب وبناء الكوادر البشرية في مختلف المجالات عبر البعثات والتدريب. ومن شأن كل هذه الجهود أن تضع منطقة الساحل والصحراء على طريق الاستقرار النسبي؛ بما يمهد إلى تحقيق الاستقرار الدائم، ولو على المدى الطويل.
أحدث المنشورات
- إفريقيا في مرآة الأمن القومي المصري (قراءة أسبوعية)
- البحر الأحمر و قناة السويس التحولات الإستراتيجية و السياسية و أثرها في أمن الممرات البحرية الدولية
- سلاح الجغرافيا: الممرات المائية من شرايين تجارة إلى قنابل ردع موقوتة.
- صحافة فرنسية: “يد روسية” في إحباط انقلاب النيجر ومصالحة مالي والجزائر
- خطط إثيوبيا في منابع النيل والبحر الأحمر بين “أحلام النفوذ” وتحديات الواقع
- الجنرال المتدين وصراع ما بعد نتنياهو.. عوفر فينتر وإعادة تعريف اليمين الإسرائيلي
- من “الخزينة الفارغة” إلى “اقتصاد الردع المحدود”: أزمة تمويل تهدد استدامة نموذج الحرب الإسرائيلي متعدد الجبهات
- سارة نتنياهو تدخل معركة الانتخابات ضد يائير جولان من بوابة 7 أكتوبر معركة الرواية والمسؤولية وإعادة توزيع اتهامات الفشل داخل إسرائيل
السبت, 5 سبتمبر
