حسين محمود التلاوي
المستلخص: اهتم مجتمع البحث السياسي الإثيوبي بعدد من الملفات المهمة؛ لاسيما ملف السدود في منابع النيل، والبحر الأحمر وتيجراى، وتلقي هذه المتابعة الضوء على الاتجاهات الواردة في عدد من تلك الأوراق البحثية. تناولت الأوراق البحثية الإثيوبية مجموعة من الملفات المهمة؛ في مقدمتها السدود التي أعلنت إثيوبيا إعتزام بناءها في حوض النيل الازرق، والوصول إلى البحر الأحمر، والتوتر في إقليم تيجراي. وتلقي هذه المتابعة نظرة تفكيكية على تلك الأوراق، فتوضح الاتجاهات والآراء الواردة فيها، وما تضمنته من ثغرات منهجية وموضوعية.
ثلاثة سدود جديدة.. مزيد من المناورات الإثيوبية
نشر موقع معهد الشئون الخارجية الإثيوبي التابع لوزارة الخارجية موضوعًا بعنوان “مناورة السيادة المتتابعة” بقلم الباحثة بالمعهد “حنان حسن” تناول التصريحات الإثيوبية حول نية الدولة إقامة 3 سدود جديدة في حوض النيل الأزرق ودلالاتها على السيادة الإثيوبية وعلاقتها بمصر والسودان. تبدأ الباحثة بقولها إن تحويل إثيوبيا ما وصفته بـ”إنجاز سد النهضة” إلى نموذج تنموي مستدام عبر طرح مرحلة جديدة من مشاريع الطاقة الكهرومائية في حوض النيل الأزرق تشمل سدود “كارادوبي” و”ماندايا” و”بيكو أبو”، بهدف إضافة 5700 ميجاوات بتكلفة استثمارية تصل إلى 10.5 مليار دولار خلال 7 سنوات.
وتضيف الباحثة أن هذه الخطوة تعكس استمرارية الاستراتيجية الإثيوبية الرامية لتعزيز قدراتها الإنتاجية وتوسيع برامج الربط الكهربائي وتصدير الطاقة للقرن الإفريقي؛ ما يدعم التنمية والتحول الصناعي المحلي والإقليمي ويمنحها استقلالية استراتيجية أكبر، مشيرة إلى أن إثيوبيا تسعى من خلال ذلك إلى الاعتماد على مبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول للمياه” وتجاوز اتفاقيتي 1929م و1959م للتأكيد على الحقوق السيادية. وتقر الكاتبة بأن هذه التطورات تثير تعقيدات دبلوماسية وتحديات في حوكمة النيل؛ حيث تزيد مخاوف مصر بشأن الآثار التراكمية للبنية التحتية الإثيوبية على إدارة فترات الجفاف وتدفقات المياه لكونها دولة مصب تعتمد كليًّا على النهر، في مقابل ما تراه من أن السودان تحاول الجمع بين الرغبة في الاستفادة من تنظيم جريان النهر وتقليل الطمي والحصول على الطاقة، وبين القلق من سلامة السدود وتنسيق تشغيلها. وتختم الباحثة بالقول إن نجاحات أديس أبابا في تخفيف هذه التوترات يمكن عبر تعزيز الشفافية وتبادل المعلومات الفنية والتنسيق التشغيلي و”بناء أطر مؤسسية قادرة على إدارة المخاطر وتجنب التصعيد السياسي”.
ما سبق يتضح أن الباحثة تتبنى الاستراتيجية الإثيوبية في إدارة ملف سد النهضة بالمناورة والتلاعب بالألفاظ. ويمكن تفنيد ما ورد في الموضوع من خلال الآتي:
أولًا.. الانتقائية في القانون الدولي: يستند الموضوع إلى مبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول” من وجهة نظر إثيوبية، لكنه في المقابل يتجاهل مبدأ قانونيًّا دوليًّا لا يقل أهمية؛ وهو “عدم التسبب في ضرر جسيم لدول المصب”. وبمقتضى هذه الاستراتيجية يقدم المقال المخطط الإثيوبي بوصفه “خطوة تنموية طبيعية” و”حقًّا سياديًّا”: مع إغفال خطورة الإقدام على مشاريع عملاقة جديدة من دون الاتفاق أولًا على قواعد ملزمة لسد النهضة نفسه.
ثانيًا.. التقليل من المخاطر على الأمن المائي: يكرر المقال المقولة الإثيوبية التقليدية بأن سدود توليد الكهرباء لا “تستهلك”، المياه متجاهلًا الواقع المتمثل في أن ملء خزانات ضخمة جديدة، وتبخر كميات هائلة منها، وحجز المياه أثناء فترات الجفاف الممتد، يشكل خفضًا فعليًّا ومباشرًا للإيراد المائي الواصل لمصر والسودان. وعلى الرغم من إقرار الباحثة بوجود مخاوف لدى مصر بشأن “الأثر التراكمي” للسدود، فإنها لا تقدم حلًا عمليًّا سوى “تبادل البيانات”، في افتراض أن تبادل المعلومات كافٍ لإلغاء المخاطر الأمنية والمائية لدولة تعتمد بنسبة تزيد عن 95% على نهر النيل.
ثالثًا.. سياسة “فرِّق تسُد” مع السودان: يتبنى الموضوع لهجة تصالحية مع السودان؛ حيث يصور السودان طرفًا يمكن كسبه بسهولة عبر الفوائد التقنية (تنظيم التدفق، وتقليل الطمي، وشراء الكهرباء)، مقللاً من حجم قلق الخرطوم الحقيقي والمستمر بشأن سلامة السد الاثيوبي، وتشغيل السدود السودانية (مثل الروصيرص)، وآليات التشغيل المشترك؛ وهي الأمور التي من دونها تتضاعف المخاطر الكارثية على الأراضي السودانية التي ظهرت بالفعل في فتح إثيوبيا بعض بوابات السد جزئيًّا العام الماضي ما تسبب في فيضانات بالسودان. لكن الهدف من الإشارة إلى “المرونة” السودانية واضح؛ وهو عزل السودان عن مصر، واستغلال أي موقف لين سوداني على أنه دليل على أن موقف مصر “متشدد بلا داعٍ”.
رابعًا.. تمويل غائب وفوائد “صعبة المنال”: يتحدث الموضوع ببساطة عن تكلفة تبلغ 10.5 مليار دولار لبناء السدود الثلاثة خلال 7 سنوات؛ وكأنه مبلغ في المتناول، متجاهلًا التحديات المالية الجسيمة التي تواجه إثيوبيا، وصعوبة الحصول على تمويل دولي لمشاريع مائية على نهر دولي مشترَك دون اتفاق مع دول المصب؛ وبوجه خاص بعد الخلاف الحاد الذي تفجر حول سد النهضة.
كذلك يرى الموضوع أن تصدير الكهرباء سيحقق نفوذًا واستقرارًا لإثيوبيا، في إغفال متعمد لقضية أن أسواق الطاقة الإقليمية تتطلب استقرارًا سياسيًّا وأمنيًّا، وثقة متبادلة بين الدول؛ وهي عوامل تغيب عن إثيوبيا في الداخل وبينها وبين دول القرن الإفريقي المستهدفة بتصدير الكهرباء.
البحر الأحمر وأخطاء إثيوبيا الإقليمية
وفي ملف الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر ورد، في موقع المعهد نفسه، موضوع بعنوان “تأمين مستقبل إثيوبيا المائي بالوصول إلى البحر الأحمر” تناولت فيه الباحثة ذاتها ملف البحر الأحمر وارتباطه بانخفاض التوتر في مضيق هرمز وكيفية تأمين الوصول الإثيوبي إليه. وفي التفاصيل، أوردت الباحثة رؤية استراتيجية تسعى لإعادة تأطير طموحات إثيوبيا البحرية بوصفها ضرورة لحماية أمنها القومي واقتصادها المعتمد بشكل شبه كامل على منفذ جيبوتي، مستعرضًة الفجوة بين التأثر الكبير لتجارة إثيوبيا بالاضطرابات البحرية في مقابل ضآلة نفوذها المؤسسي في القرارات الأمنية للمنطقة.
وتدعو الورقة إلى معالجة هذا الانكشاف عبر تنويع الممرات المائية والاستثمار في موانئ بديلة؛ مثل ميناء بربرة الإريتري، بالتوازي مع تطوير أدوات تحوط مالية والتنسيق مع الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية لتأسيس آليات تشاور تُشرك الدول الحبيسة، بهدف تحويل الملف البحري من مجرد ترتيبات لوجستية إلى منظومة متكاملة تحقق المرونة الاقتصادية والاستقلالية الاستراتيجية لأديس أبابا.
في مسعى الموضوع نحو طرح وجهة النظر الإثيوبية في ملف الوصول إلى البحر الأحمر، تتجاهل الورقة البحثية مجموعة من الأخطاء الإقليمية لأديس أبابا أدت إلى جعل مسألة دخولها في منظومة البحر الاحمر عسيرة للغاية، ولو بصفة مراقب؛ وهو ما يظهر في التالي:
أولًا.. غياب المرونة الإثيوبية في الملفات الإقليمية: في ملف البحر الأحمر تطالب إثيوبيا بما ترفضه في ملف سد النهضة؛ فعلى الرغم من أنها دولة حبيسة، تطالب إثيوبيا بالمشاركة في صياغة استراتيجية البحر الأحمر بداعي وجود مصالح لها. في المقابل ترفض طلب مصر تشكيل لجنة مشتركة لإدارة سد النهضة وتشغيله على الرغم من المصلحة المصرية المباشرة في ذلك.
ثانيًا.. الأخطاء السياسية الإقليمية: على الرغم من احتياج إثيوبيا إلى دول القرن الإفريقي في العديد من الملفات، استمرت إثيوبيا في سياسة التصعيد وإثارة التوتر بما عاد عليها في النهاية بالسلب في ملف الوصول إلى منفذ مائي؛ فإطلاق التهديدات ضد إريتريا لا يخدم الرغبة الإثيوبية في استغلال ميناء عصب الإريتري، كما أن مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع إقليم أرض الصومال الانفصالي أثارت غضب الصومال؛ ما يجعل محاولة إطلاق أية محادثات إثيوبية مع الصومال للوصول إلى منفذ مائي عسيرة للغاية.
ثالثًا.. تجاهل القانون الدولي: يركز الموضوع على حق الدولة الحبيسة في حماية اقتصادها، متغافلًا عن أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) تُعطي الدول الحبيسة حق ترانزيت التجارة بالاتفاق والتراضي مع دول الممر، ولا تعطيها أي حق سيادي في إنشاء موانئ أو قواعد عسكرية في أراضي غيرها؛ وهو الحق الذي تطالب به إثيوبيا؛ ما يجعل الاستجابة لمطالبها هذه عسيرة للغاية. كما لا توضح الباحثة كيف يمكن لدولة غير مطلة على البحر أن تشارك في الترتيبات الأمنية البحرية للأساطيل والمضايق الدولية دون أن يثير ذلك مخاوف مشروعة لدى الدول المشاطئة التي من المفترض أن تتيح لإثيوبيا دخولًا عسكريًّا غير مبرر في مياهها الإقليمية.
رابعًا.. تجاهل التكلفة المالية: يقدم التحليل خيارات عدة للوصول الاثيوبي إلى المنفذ المائي، لكنه يتجاهل التكلفة المالية الباهظة لتطوير البنية التحتية البرية (الطرق وخطوط السكك الحديدية) واللوجستية للربط بين تلك الموانئ والداخل الإثيوبي، فضلًا عن ضرورة توفير الاستقرار السياسي والأمني في المناطق التي تمر بها خطوط الربط؛ وهو الاستقرار الذي تفتقر إليه إثيوبيا حاليًّا.
تيجراي.. استهداف تقسيم مجتمع الإقليم
نشر معهد الشئون الخارجية موضوعًا بعنوان “اقتصاد الحصار”، تناول فيه الباحث في المعهد “كوشيم سيليشي” الاستراتيجية التي يرى أن جبهة تحرير شعب تيجراي تتبعها في إدارتها للصراع مع الدولة الإثيوبية. يقول الباحث إن جبهة تحرير شعب تيجراي تتبع ما سمَّاها سياسة “اقتصاد الحصار” و”التأهب العسكري المستمر” بهدف الحفاظ على بقاء قيادتها في السلطة بعد قرار الحكومة الفيدرالية شطبها من الأحزاب السياسية. ويستمر الباحث في تصوره بتحديد آليات تطبيق الجبهة لسياستها المفترضة تلك؛ فيقول إنها تعتمد على تصنيع أزمات وهمية والتجنيد القسري لشباب الإقليم وفق ما ورد في تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش، وفرض العزلة على الرافضين الانصياع لسياستها. ويضيف الموضوع أن الجبهة تفرض سياستها هذه بدعم وتوجيه من أطراف خارجية مثل إريتريا لإبقاء الشمال الإثيوبي في حالة اضطراب.
وينتقل الباحث إلى الدفاع عن الدولة الإثيوبية فيقول إن الدولة تعمل على تطبيق اتفاق “بريتوريا”؛ حيث تسعى من خلاله وعبر المسار الدستوري إلى المضي نحو فرص الاندماج والحل السلمي، ويرى أن الجبهة فضّلت، في المقابل، خيار المواجهة والانسحاب من العملية السياسية لتعطيل الإعمار والتنمية. وينتهي الموضوع بالقول إلى أن الحكومة الفيدرالية باتت تعتمد استراتيجية لعزل العناصر المسلحة وتقديم المساعدات للمواطنين مباشرة، مع الإبقاء على أبواب المشاركة السياسية القانونية مفتوحة أمام ما وصفها بـ”كل القوى الملتزمة بالدستور في تيجراي”.
ادعاءات بلا أدلة وتجاهل لوقائع
كما جرت العادة مع الأوراق البحثية الإثيوبية، لا تتبع هذه الورقة المنهج الموضوعي في قراءة الموقف، وتتبنى “سياسة دفاعية” بدفاع عن الدولة الإثيوبية ينبني على تجاهل الوقائع الفعلية؛ وهو ما يظهر في:
أولًا.. حصر مشكلات تيجراي في الجبهة: يسعى الموضوع إلى حصر مشكلات تيجراي في جبهة تحرير شعب تيجراي فقط دون تحميل الدولة الإثيوبية أية مسئولية عن الصراع فيما يخص التهميش، وعدم حسم النزاعات الحدودية الداخلية بين الأقاليم، وتجاهل مخاوف أبناء الإقليم وهواجسهم فيما يخص قضايا الهوية والاندماج في مجتمع إثيوبي قوي بتنوعه لا ضعيف بصراعاته الداخلية. ولا يناقش الموضوع أيضًا مسئولية الحكومة عن تفجر الحرب الأخيرة؛ فلا يناقش تسلسل الأحداث الذي سبق الهجوم، والصراع بين الحكومة الفيدرالية وحكومة تيجراي، وتأجيل الانتخابات، والخلاف حول الشرعية الدستورية، والعلاقة مع الجيش الفيدرالي؛ وهي الملفات التي أفضت في نهاية المطاف إلى الحرب. كما يتجاهل الكاتب وجود حاضنة اجتماعية للجبهة في الإقليم من خلال محاولة تصويره الإقليم وكأنه “مختطف” من الجبهة؛ وهو ما يأتي في سياق استراتيجية حكومية تهدف إلى اللعب على وتر الانقسامات في النخبة السياسية والمجتمع في الإقليم.
ثانيًا.. الادعاء بالتبعية الكاملة لإريتريا: يرى الكاتب أن الجبهة سلمت أمرها كاملًا لإريتريا في تجاهل لحقيقة أن الطرفين كانا في خندق العداوة في الحرب الأخيرة بين عامي 2020م و2022م؛ ما يعني أن أية تفاهمات جارية لا تزيد عن تفاهمات مصلحة مرحلية لا تصل إلى درجة تبعية الجبهة لإريتريا التي لم تدخل الحرب إلا بطلب من إثيوبيا نفسها.
ثالثًا.. الانتقائية حسب المصلحة: يشير الكاتب إلى ما ورد في تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش من اتهامات بالتجنيد القسري لجبهة تيجراي من دون الإشارة إلى ما ورد في تقارير المنظمة نفسها من اتهامات للقوات الفيدرالية بارتكاب انتهاكات حقوقية خلال الحرب الأخيرة.
رابعًا.. غياب الأدلة على مشروعات التنمية: يفتقر الموضوع إلى أرقام أو بيانات دقيقة حول معدلات النمو والإعمار الحكومية في الإقليم، وحجم المساعدات التي تسببت جبهة تيجراي في حجبها عن الإقليم، على الرغم من استخدام الكاتب لغة التقارير في إشارته إلى تقرير هيومان رايتس ووتش؛ ما يجعل طرح الباحث دفاعيًّا.
الخاتمة
يظهر العرض التحليلي أن المجتمع البحثي الإثيوبي أيقن من أن بلاده انكشفت على المستوى الاقتصادي والأمني الداخلي، وأن الأزمات العالمية وتوازنات السياسة الدولية كشفت هشاشة قدرة إثيوبيا على التصدي لتحديات الداخل وعلى دفع فاتورة سياستها الإقليمية؛ ما دفع الدولة إلى اتباع الاستراتيجية المألوفة من تبني “خطاب السيادة” و”الاستهداف من الخارج” لتبرير الإخفاقات وحشد تأييد مفقود، لكن في غياب أسس حقيقية ورغبة صادقة يمكن استغلالها في بناء مشروع تنموي جامع يواجه تحديات الداخل ويستفيد من إمكانياته، ويتوقف عن استفزاز الخارج ويتكامل معه.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version