جاءت الانتخابات العامة السابعة التي جرت في إثيوبيا في الأول من يونيو لعام 2026م، لتضع الاستقرار السياسي والجاهزية الأمنية للدولة في اختبار حقيقي؛ إذ جرت العملية الانتخابية تحت وطأة مشهد شديد التعقيد، تداخلت فيه النزاعات المسلحة المستمرة مع التحديات اللوجستية والإجرائية المعقدة. وبالرغم من المساعي الرسمية لتأمين صناديق الاقتراع، فإن واقع الأرض فرض أحكامه من خلال إغلاق عدة مراكز اقتراع، وتوقف التصويت في مناطق حيوية، وانقطاع شبكات الاتصال، ما سلط الضوء على عمق الفجوة بين الوعود الحكومية المسبقة والتحديات الوجودية والأمنية التي باتت تهدد شمولية العملية الديمقراطية ومصداقيتها.
تهدف هذه الورقة إلى إبراز التناقض الواضح بين تصوير الصحف الموالية للحكومة والصحف المعارضة للمشهد الانتخابي، وإيضاح الجوانب البارزة في التغطيتين الإعلاميتين من حالة الاستقطاب وتسييس التغطية الإعلامية التي جردت الحدث الانتخابي من واقعيته وصاغته وفق أجندات حزبية. هذا التناقض كرس غياب الموضوعية والحياد عبر لجوء كل طرف إلى تأطير المشهد بما يخدم مصلحته؛ فتراوح الخطاب بين التركيز على العرس الديمقراطي والمشاركة الحاشدة في الصحف الموالية، وبين إبراز التجاوزات والتحديات الأمنية في الصحف المعارضة، ولم تكن هذه التغطية مستهدفة تنوير المتلقي، بل ركزت بالدرجة الأولى على توجيه الرأي العام وحشد الجماهير لتعزيز شرعية العملية الانتخابية أو بطلانها.
أولًا: سردية العرس الديمقراطي للشرعية الانتخابية في الصحف الموالية
أ-التلاحم الوطني وتحدي العرقلة: شعارات النصر وبناء الديمقراطية
أبرزت الصحف الموالية للحكومة مشهدية الحشود والاستقرار لإبراز نزاهة العملية الانتخابية؛ فكما وصفت صحيفة “إينا” المشهد الانتخابي بأنه نموذج للمرونة المؤسسية وتوسيع المشاركة الديمقراطية المدنية وسط إقبال شعبي كثيف ومنظم؛ حيث توافد ملايين المواطنين من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية إلى مراكز الاقتراع، بمشاركة أكثر من 54 مليون ناخب مسجل، وتنافس 42 حزباً سياسياً و80 مرشحاً مستقلاً، يمثلهم 10,934 مرشحاً (منهم 2,198 للبرلمان الاتحادي للمنافسة على 501 مقعداً، و8,736 للمجالس الإقليمية) وصورت الصحف تميز الساعات الأولى من الانتخابات بحضور لافت للشباب والنساء، الذين أقبلوا قبل شروق الشمس بكثافة للتأثير في مستقبل بلادهم، وهو ما اعتبره محللو الصحيفة مؤشراً قوياً على عمق الانخراط الديمقراطي. وتزامن هذا الإقبال الشعبي مع جهود تنظيمية مكثفة خلف الكواليس من مسؤولي الانتخابات، الذين عملوا لتجهيز مراكز الاقتراع وتأمين سلاسة التصويت بالتنسيق مع المراقبين وممثلي الأحزاب.
وكما ذكرت الصحيفة، فإن هذا الزخم الانتخابي لم يقتصر على أحياء العاصمة أديس أبابا فحسب، بل امتد ليشمل مختلف الولايات الإقليمية والمدن الكبرى مثل بحر دار وأداما وهرر وهواسا؛ ما عكس- حسبما أفادت الصحيفة- لوحة وطنية موحدة أظهرت التزاماً مدنياً واسعاً، ورغبة شعبية عارمة في ممارسة الحق الدستوري للمساهمة في رسم مستقبل البلاد. وأوضحت الصحف أن الأرقام القياسية للمشاركة الوطنية تعكس التزام المواطنين الراسخ بالشرعية الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع، وتُجسّد تأكيداً واضحاً على أن الشرعية السياسية يجب أن تستمد من رضا المحكومين، رافضةً فكرة إمكانية الوصول إلى السلطة بالترهيب أو العنف.
وفي سياق متصل، أكدت صحيفة “أديس زمنا” (2 يونيو) التلاحم الوطني للشعب الإثيوبي وتلبيته المستمرة لنداءات وطنه عبر التاريخ، متمثلاً ذلك في الإقبال التاريخي للناخبين من أجل بناء ديمقراطية حقيقية تقوم على الشفافية والدستورية، واختتمت الصحيفة تقريرها بتوجيه الشكر والامتنان للشعب والأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام وكل من أسهم في تحقيق هذا النصر الوطني.
ب-إشادات الخبراء والمحللين: التوظيف النخبوي لدعم الرواية الرسمية
تداولت الصحف الموالية إشادات الخبراء والمحللين بسلاسة العملية الانتخابية وتنظيمها، معربين عن ثقتهم بوعي المجتمع وأهمية احترام القواعد الديمقراطية. وقد تمحورت أحاديثهم حول النمو الاقتصادي وفرص العمل وتحسين قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، مؤكدين ضرورة حماية المسار الانتخابي الذي اتضح من خلال المشاركة السلمية والمسؤولة.
وفي الإطار نفسه، تناولت الصحف إشادة بعثتي الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد) بنجاح الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا لعام 2026م، واعتبرتاها علامة فارقة في مسيرة التطور الديمقراطي والانتخابي للبلاد؛ حيث أكد رئيس بعثة الاتحاد الأفريقي، الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا، أن العملية جرت في إطار قانوني ومؤسسي داعم، مبرزاً دور التكنولوجيا في زيادة تسجيل الناخبين، ومعرباً عن أمله في أن تقود إثيوبيا القارة نحو ديمقراطية مستقلة. ومن جانب آخر، هنأت رئيسة بعثة إيجاد، نائبة رئيس أوغندا السابقة سبيسيوسا كازيبوي، الشعب والحكومة والمجلس الوطني للانتخابات على سير العملية الانتخابية بشكل سلمي ومنظم، مشيدة بالإصلاحات الجوهرية التي تعكس التزاماً وطنياً بالاستقرار والحكم الدستوري، ومؤكدةً استمرار دعم المنظمة لجهود تعزيز الديمقراطية في إثيوبيا.
وأبرزت صحيفة “أديس زمنا” في مقال آخر (4 يونيو) الرضا الرسمي والتقدير البالغ للقاء القيادة الإثيوبية بالرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا وفريقه؛ حيث نقلت الصحيفة مشاعر الامتنان لبعثة الاتحاد الأفريقي لمراقبة الانتخابات المكونة من 73 عضواً على خدمتها ومساهمتها في عملية بناء الديمقراطية الإثيوبية.
وأشارت الصحيفة إلى أن المؤسسات الأفريقية تؤدي دوراً محورياً في ضمان أن تكون العمليات الديمقراطية راسخة في السياق والخبرة الإقليمية. وفي المقابل ثمنت الدولة الجهود الدؤوبة لمراقبي الانتخابات الذين نشروا فرقاً في جميع أنحاء البلاد لدعم العملية الانتخابية، في انتظار ما ستسفر عنه النتائج والتقرير النهائي للبعثة.
ثانيًا: سردية التشكيك ونزع الشرعية في صحافة المعارضة
أ-تضييق إعلامي لصحف المعارضة خلال تغطيتها الانتخابية
في سياق آليات نزع الشرعية وتفنيد نزاهة العملية الانتخابية، يأتي التضييق على المنصات المستقلة كأداة رئيسة لتأكيد سردية التشكيك؛ حيث شكّل إعلان صحيفة “أديس ستاندرد” (Addis Standard) – إحدى أبرز المنصات الإعلامية المستقلة المتحدثة بأكثر من لغة في إثيوبيا- عن إلغاء تغطيتها الميدانية للانتخابات، مؤشرًا عميقًا على تراجع البيئة الديمقراطية. إن هذا البيان الذي نشرته الصحيفة (1 يونيو) لم يكن مجرد اعتذار روتيني للقراء- كما بدا من وصفها- بل أكد الأجواء الانتخابية التي افتقرت إليها البيئة الآمنة والمفتوحة للتنافس، وتستخدمه كدليل دامغ يعزز من سرديتها القائمة على “التشكيك والمقاطعة” ونزع الشرعية عن العملية الانتخابية برمتها.
وجاء بيان الصحيفة اضطراريًا ليكشف عن حجم الضغوط الممنهجة؛ إذ أوضحت أن قرار الإلغاء جاء بعد قيام هيئة الإعلام الإثيوبية بسحب شهادة تسجيل الصحيفة، ما ترتب عليه رفض المجلس الوطني للانتخابات منح بطاقات الاعتماد لطاقمها من الصحفيين والمصورين. واعتبرت الصحيفة هذا الإجراء جزءًا من استهداف مؤسسي مستمر لتقييد عملها، معربةً عن أسفها لحرمان الجمهور من تغطية مستقلة وموثوقة، مستحضرةً نجاح تغطيتها الميدانية الواسعة في انتخابات عام 2021م كدليل على التزامها المهني.
والجدير بالذكر أن غياب منصة بحجم “أديس ستاندرد” عن الميدان يحمل دلالات سياسية وأمنية بالغة الأهمية، منها تراجع الشفافية، وانفراد الرواية الرسمية لتسيد الرواية الإعلامية الحكومية أو الموالية لها، كذلك غياب الرقابة المستقلة التي تمثل “عين الجمهور” لتوثيق التجاوزات والثغرات، ما يضعف تلقائيًا من مصداقية النتائج النهائية أمام المجتمعين المحلي والدولي.
ب- تحديات أمنية ولوجستية تعصف بنزاهة الانتخابات
أظهر المشهد الانتخابي عمق الأزمة المؤسسية وتصاعد التحديات الأمنية واللوجستية؛ فوفقاً لقراءات صحيفة “ذا ريبورتر” لعدد من المقالات ( 30 مايو و2 يونيو)، والإحاطة الإعلامية التي قدمتها رئيسة المجلس الوطني للانتخابات (NEBE)ميلاتورك هايلو، من مركز المراقبة بالعاصمة أديس أبابا، تجلت فجوة حادة بين الأرقام القياسية للمسجلين والوعود الرسمية وبين واقع الأرض المأزوم. وتجسد هذا الخلل الميداني في حرمان أعداد غير محددة من الناخبين من الإدلاء بأصواتهم بسبب التحديات الأمنية؛ إذ لم يتمكن 143 مركز اقتراع على الأقل في إقليمي أمهرة وأوروميا من فتح أبوابه، في حين أُجبرت مراكز أخرى على الإغلاق المبكر، وتم تعليق التصويت تماماً في مناطق حيوية مثل (كيرسا، وكوتابير، وجيلولوبا، وجوشاشي)، إلى جانب عزل واستبعاد دوائر كاملة كما في إقليم تيجراي، وانقطاع شبكات الاتصال في بني شنقول-جوموز وجنوب غرب البلاد. ويرسخ هذا المشهد حقيقة أن النزاعات المسلحة والترهيب يظلان العائق الأبرز أمام الديمقراطية، ممّا يعزز سردية المعارضة القائمة على المقاطعة والتشكيك في شرعية انتخابات تفتقر للنزاهة والاستقرار.
جـ-حركة فانو الأمهرية تنتقد بعثات المراقبة الدولية وتطعن في شرعية الانتخابات
وسط تدهور أمني حاد وتراجع للمشاركة الشعبية في أقاليم عدة، واجهت الانتخابات الإثيوبية أزمة شرعية عميقة عززتها اتهامات حركة فانو للمجتمع الدولي بشرعنة عملية انتخابات معيبة؛ حيث نشرت صحيفة أديس ستاندرد (5 يونيو) تقريرًا يوضح انتقاد حركة فانو الوطنية الأمهرية للتقييمات الأولية الإيجابية الصادرة عن الاتحاد الأفريقي ومنظمة إيجاد ومراقبين دوليين آخرين بشأن تقييماتهم الأولية للانتخابات الإثيوبية؛ حيث اعتبرت الحركة في رسالة وجهتها لجهات دولية أن هذه التقييمات تضفي شرعية زائفة على عملية انتخابية وصفتها بالمعيبة؛ مشيرةً إلى غياب المعايير الديمقراطية واستمرار النزاعات المسلحة والقيود السياسية، وتوقف التصويت في أجزاء واسعة لا سيما إقليم أمهرة. علاوة على أن مراكز الاقتراع الأخرى افتقرت إلى المعايير الديمقراطية ولا ينبغي اعتبارها ممثلة للواقع السياسي في البلاد. وأعربت الرسالة التي وقعها رئيس حركة فانو الوطنية الأمهرية عن قلق بالغ إزاء ما وصفه بتأييد لعملية انتخابية تبعد كثيراً عن المعايير الديمقراطية المنصوص عليها في المبادئ الحاكمة للاتحاد الأفريقي نفسه. وحذرت الحركة من أن تأييد انتخابات لا تلبي المعايير الديمقراطية يمكن أن يضعف الثقة في المؤسسات القارية ويقوض المبادئ المنصوص عليها في الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم. ودعت حركة فانو الوطنية الأمهرية الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد)، والمجتمع الدولي الأوسع إلى إجراء ما وصفته بمراجعة أكثر شمولاً للبيئة الانتخابية في إثيوبيا، وتقييم العملية بناءً على المعايير الكاملة الواردة في الميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم. وقد جاء هذا الانتقاد من قبل حركة فانو عقب صدور التقييمات الأولية لبعثتي الاتحاد الأفريقي و(إيجاد) ووصفهما للانتخابات بالسلمية إجمالاً، وأشادتهما بالإصلاحات الرقمية واللوجستية، بالرغم من الإقرار بتعذر التصويت في إقليمي تيجراي وأمهرة لمخاوف أمنية.
ختامًا
اتضح من التغطية الإعلامية للانتخابات الإثيوبية لعام 2026م، أنها لم تكن مجرد مرآة ناقلة للحدث، بل تحولت إلى أداة اشتباك سياسي وإيديولوجي عكست عمق الاستقطاب المؤسسي الذي يجتاح المشهد السياسي. لقد كشفت الورقة كيف جُرّدت الانتخابات من واقعيتها الميدانية؛ لتُصاغ ضمن روايتين متناقضتين: رواية السلطة والإعلام الموالي المتمسك بمظاهر العرس الديمقراطي والتمكين الرقمي والتزكيات الإقليمية، ورواية صحافة المعارضة والقوى البديلة المستندة إلى وقائع التضييق الإعلامي والأمني، وإغلاق الصناديق ومراكز الاقتراع، ووصف العملية الانتخابية بالمعيبة وغير النزيهة، ما أسهم في تعميق فجوة الثقة وتكريس الانقسام؛ ليؤكد أن أزمة الانتخابات في إثيوبيا تتجاوز العقبات اللوجستية أو أرقام المسجلين، لتتحول إلى أزمة شرعية حادة تحت وطأة السلاح والاستقطاب العرقي، ما يجعل من النزاهة الإعلامية والحياد المؤسسي الخطوة المؤجلة نحو الحوار الوطني الشامل أو تحقيق الاستقرار المستدام.

اترك تعليقاً
