محمود سامح همام
باحث بوحدة الدراسات الإفريقية
في ضوء سلسلة مقالات “ديناميات الجماعات المسلحة في القارة الأفريقية”، تبرز حركة 23 مارس (M23) باعتبارها إحدى أبرز الجماعات المسلحة التي فرضت نفسها على المشهد الأمني والسياسي في منطقة البحيرات العظمى وشرق أفريقيا، في ظل تداخل العوامل التاريخية والإثنية والاقتصادية مع حسابات التنافس الإقليمي والدولي. ولم تعد الحركة تمثل تحديًا أمنيًا داخليًا يقتصر على جمهورية الكونغو الديمقراطية، بل أصبحت أحد الفاعلين المؤثرين في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي، بما تحمله من تداعيات تتجاوز حدود الدولة إلى محيطها الإقليمي. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية لحركة 23 مارس، من خلال الإجابة عن عدد من التساؤلات الرئيسية، وفي مقدمتها: كيف نشأت الحركة وتطورت؟ وما أبرز محددات نشاطها وأهدافها؟ وكيف أثرت في المشهدين الإقليمي والدولي؟ وما التداعيات المستقبلية لاستمرار نشاطها على الأمن والاستقرار في منطقة البحيرات العظمى وشرق أفريقيا؟
أولا: النشأة والخلفية التاريخية لحركة 23 مارس (M23)
ترتبط نشأة حركة 23 مارس (M23) بالسياق التاريخي المعقد الذي شهدته منطقة البحيرات العظمى الأفريقية منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث أسهمت التوترات الإثنية، وضعف مؤسسات الدولة، والصراع على الموارد الطبيعية، والتنافس الإقليمي في خلق بيئة خصبة لظهور الجماعات المسلحة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. وتُعد الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994م نقطة الانطلاق الرئيسية لفهم جذور الأزمة، إذ أسفرت عن مقتل ما يقرب من 800 ألف شخص خلال مائة يوم، كما دفعت أكثر من مليوني لاجئ إلى الفرار نحو شرق الكونغو، من بينهم عناصر من الجيش الرواندي السابق وميليشيات الهوتو المتورطة في أعمال الإبادة، الأمر الذي أدى إلى انتقال الصراع عبر الحدود وتحول شرق الكونغو إلى إحدى أكثر المناطق هشاشة أمنيًا في القارة الأفريقية.
وأفضت هذه التطورات إلى اندلاع حرب الكونغو الأولى (1996م-1997م) ثم حرب الكونغو الثانية (1998م-2003م)، والتي شاركت فيها ما يقرب من تسع دول أفريقية وعشرات الجماعات المسلحة، حتى وُصفت بأنها “الحرب العالمية الأفريقية”. وأسفرت الحرب الثانية عن مقتل ما يزيد على 5.4 ملايين شخص نتيجة القتال المباشر والأمراض والمجاعة، وفق تقديرات المنظمات الدولية، بينما ظل شرق الكونغو، ولا سيما إقليما شمال كيفو وجنوب كيفو، بؤرة مستمرة لعدم الاستقرار نتيجة انتشار الجماعات المسلحة وتنافسها على مناطق النفوذ والثروات المعدنية.
وفي هذا المناخ الأمني المضطرب، برز المؤتمر الوطني للدفاع عن الشعب (CNDP) بقيادة لوران نكوندا، والذي أعلن أن هدفه يتمثل في حماية أبناء أقلية التوتسي الكونغوليين من هجمات الجماعات المسلحة، وخاصة التابعة للقوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR) التي تضم عناصر مرتبطة بالإبادة الجماعية في رواندا. وبعد سنوات من المواجهات، توصلت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية والحركة إلى اتفاق سلام في 23 مارس 2009م، نص على وقف إطلاق النار، وتحويل الحركة إلى حزب سياسي، ودمج مقاتليها داخل القوات المسلحة الكونغولية، ومنحهم عددًا من المناصب العسكرية والإدارية، فضلًا عن تسهيل عودة اللاجئين وتحقيق المصالحة المحلية.
إلا أن تنفيذ الاتفاق واجه تحديات كبيرة، إذ اتهم قادة CNDP الحكومة الكونغولية بعدم الالتزام ببنوده، خاصة فيما يتعلق بدمج المقاتلين، والاعتراف برتبهم العسكرية، وتحسين أوضاعهم، وهو ما أدى إلى تصاعد التوتر بين الطرفين. وفي 6 مايو 2012م أعلن عدد من الضباط المنشقين، يتقدمهم بوسكو نتاغاندا ثم سلطاني ماكينغا، تمردهم على الحكومة وتأسيس حركة 23 مارس (M23)، في إشارة مباشرة إلى اتفاق 23 مارس 2009م الذين اعتبروا أن الحكومة أخفقت في تنفيذه، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع المسلح.
وخلال أشهر قليلة، تمكنت الحركة من تحقيق مكاسب عسكرية كبيرة، كان أبرزها السيطرة على مدينة جوما، عاصمة إقليم شمال كيفو، في 20 نوفمبر 2012م، وهو ما مثل أحد أكبر التحديات التي واجهتها الدولة الكونغولية منذ سنوات، ودفع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ودول الإقليم إلى تكثيف جهود الوساطة والضغط العسكري. وفي نوفمبر 2013م أعلنت الحركة إنهاء تمردها بعد تعرضها لهزائم عسكرية أمام الجيش الكونغولي مدعومًا بـ”لواء التدخل” التابع لبعثة الأمم المتحدة (MONUSCO)، إلا أن ذلك لم ينه وجودها بصورة كاملة، إذ عادت إلى نشاطها العسكري مجددًا اعتبارًا من أواخر 2021م، قبل أن تشهد عملياتها تصعيدًا واسعًا منذ 2022م، لتصبح مرة أخرى أحد أبرز الفاعلين المسلحين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، في ظل استمرار الخلافات الإقليمية وتزايد أهمية المنطقة بسبب احتياطياتها الضخمة من المعادن الاستراتيجية، وعلى رأسها الكولتان والكوبالت والذهب.
ثانيا: الهيكل التنظيمي والأهداف ومصادر القوة لحركة 23 مارس (M23)
منذ إعادة تمركزها عسكريًا في أواخر عام 2021م، ثم توسع عملياتها بصورة ملحوظة منذ 2022م، لم تعد حركة 23 مارس (M23) مجرد جماعة متمردة تنشط في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بل تطورت إلى تنظيم مسلح يمتلك هيكلًا عسكريًا وتنظيميًا مكّنه من إدارة مناطق واسعة وفرض سلطة أمر واقع على أجزاء من إقليمي شمال كيفو وجنوب كيفو. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الحركة أنشأت هياكل إدارية موازية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، شملت إدارات محلية وأجهزة أمنية ونقاط تحصيل للإيرادات، ما يعكس سعيها إلى تجاوز العمل العسكري التقليدي نحو ترسيخ نفوذ سياسي وإداري طويل الأمد.
ويستند الهيكل التنظيمي للحركة إلى قيادة عسكرية يقودها سلطاني ماكينغا، الذي يُعد القائد العسكري الأبرز منذ عام 2012م، بينما شهدت الحركة منذ أواخر 2023م توسعًا في إطار تحالف “تحالف نهر الكونغو” (AFC) بقيادة كورناي نانغا، الرئيس السابق للجنة الانتخابات الوطنية في الكونغو الديمقراطية، في محاولة لإضفاء بعد سياسي أوسع على الحركة وتقديمها باعتبارها مشروعًا معارضًا للحكومة المركزية، وليس مجرد تمرد عسكري ذي طابع محلي. ورغم هذا التحول، لا يزال القرار العسكري يمثل المحرك الرئيسي لنشاط الحركة، مع استمرار اعتمادها على وحدات قتالية عالية التنظيم وخبرة ميدانية اكتسبتها خلال أكثر من عقد من الصراع.
وعلى مستوى الأهداف، تؤكد الحركة في خطابها الرسمي أنها تسعى إلى حماية أبناء التوتسي الكونغوليين، وضمان عودة اللاجئين، والقضاء على تهديد القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR)، فضلًا عن المطالبة بتطبيق الاتفاقات السابقة مع الحكومة الكونغولية. إلا أن تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة تشير إلى أن الحركة وسعت أهدافها خلال الأعوام الأخيرة لتشمل إنشاء هياكل حكم موازية في شرق الكونغو، وترسيخ سيطرة طويلة الأمد على المناطق التي تستولي عليها، مع رفض الانسحاب منها قبل تحقيق مطالبها السياسية والعسكرية، وهو ما يعكس انتقالها من حركة احتجاج مسلح إلى فاعل يسعى لإعادة تشكيل موازين القوة في شرق البلاد.
أما فيما يتعلق بمصادر القوة، فإن العامل العسكري لا يمثل سوى أحد عناصر تفوق الحركة، إذ تستفيد كذلك من سيطرتها على مناطق غنية بالموارد الطبيعية، خاصة في محيط روبايا (Rubaya)، التي تضم أحد أكبر مناجم الكولتان في العالم، وهو معدن يدخل في صناعة الهواتف الذكية وأشباه الموصلات والمعدات الإلكترونية. وقدرت بعثة الأمم المتحدة في الكونغو أن الحركة تحقق ما يقارب 300 ألف دولار شهريًا من الرسوم والإيرادات المرتبطة بمنطقة روبايا وحدها، فضلًا عن العوائد غير المباشرة الناتجة عن السيطرة على طرق التجارة ونقل المعادن، بما يوفر لها موردًا ماليًا مستدامًا يعزز قدرتها على مواصلة العمليات العسكرية.
إلى جانب الموارد الاقتصادية، تظل قضية الدعم الخارجي من أكثر الملفات إثارة للجدل في الصراع. فقد وثقت تقارير متكررة لفريق خبراء الأمم المتحدة أدلة على حصول الحركة على دعم عسكري ولوجستي خارجي، كما أشارت إلى وجود عناصر وقوات أجنبية تقاتل إلى جانبها، وهو ما دفع مجلس الأمن الدولي في قراراته الأخيرة إلى الإعراب عن قلقه من استمرار هذا الدعم لما يمثله من تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي. وفي المقابل، تنفي الأطراف المتهمة تقديم أي دعم للحركة، معتبرة أن الأزمة تعود بالأساس إلى الإخفاقات الداخلية للحكومة الكونغولية في إدارة شرق البلاد.
وفي المجمل، تكشف بنية حركة 23 مارس أن استمرارها لا يرتبط فقط بامتلاكها قوة عسكرية، وإنما بقدرتها على الجمع بين التنظيم المؤسسي، والسيطرة على الموارد الاستراتيجية، والاستفادة من البيئة الأمنية الهشة في شرق الكونغو، وهو ما جعلها إحدى أكثر الجماعات المسلحة نفوذًا في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، وأحد أبرز التحديات التي تواجه الأمن والاستقرار في منطقة البحيرات العظمى.
ثالثا: الأيديولوجية والفكر السياسي لحركة 23 مارس (M23)
لا تستند حركة 23 مارس (M23) إلى أيديولوجية دينية أو عقائدية، بل تقوم أيديولوجيتها على مزيج من الهوية الإثنية والمطالب السياسية والاعتبارات الأمنية والمصالح الاقتصادية. وتقدم الحركة نفسها باعتبارها ممثلًا لأبناء التوتسي الكونغوليين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، مدعية أن هدفها يتمثل في حمايتهم من هجمات القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR)، وضمان عودة اللاجئين، وإلزام الحكومة بتنفيذ اتفاق 23 مارس 2009م. ومن هذا المنطلق، ترى الحركة أن حملها للسلاح جاء نتيجة فشل الحكومة الكونغولية في تنفيذ التزاماتها السياسية والعسكرية، خاصة فيما يتعلق بدمج المقاتلين وتحسين الأوضاع الأمنية في إقليمي شمال وجنوب كيفو.
إلا أن العديد من التقارير الدولية، وفي مقدمتها تقارير الأمم المتحدة، ترى أن أهداف الحركة تجاوزت منذ عودتها للقتال في أواخر 2021م مجرد الدفاع عن التوتسي أو المطالبة بتنفيذ الاتفاقات السابقة، لتشمل السعي إلى فرض نفوذ سياسي وعسكري طويل الأمد في شرق الكونغو. وقد عزز هذا التوجه انضمام الحركة في ديسمبر 2023م إلى تحالف نهر الكونغو (AFC) بقيادة كورناي نانغا، الرئيس السابق للجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، في محاولة لتحويل الحركة من فصيل متمرد إلى فاعل سياسي وعسكري قادر على التأثير في مستقبل الدولة الكونغولية.
وعلى الجانب الاقتصادي، تمثل الموارد الطبيعية أحد أهم مرتكزات فكر الحركة وسلوكها السياسي والعسكري. فتمتلك جمهورية الكونغو الديمقراطية ما يقرب من 70% من احتياطيات الكوبالت العالمية، المستخدم في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية. كما تضم البلاد احتياطيات ضخمة من الكولتان والذهب والقصدير والنحاس والليثيوم، وتُقدر القيمة الإجمالية للثروات المعدنية الكونغولية بأكثر من 24 تريليون دولار وفق تقديرات دولية متداولة. وتتركز نسبة كبيرة من هذه الموارد في شرق البلاد، ولا سيما في إقليمي شمال كيفو وجنوب كيفو اللذين يمثلان المجال الجغرافي الرئيسي لنشاط حركة M23.
وفي هذا السياق، يمكننا القول أن أيديولوجية الحركة تتسم بطابع براجماتي نفعي أكثر من كونها أيديولوجية عقائدية، حيث توظف خطاب المظلومية الإثنية والمطالب السياسية لتحقيق أهداف تتداخل فيها اعتبارات النفوذ العسكري والسيطرة على الموارد الاستراتيجية. لذلك، لا يمكن فهم تحركات الحركة بمعزل عن التنافس على الثروات المعدنية الهائلة في شرق الكونغو، والتي تعد أحد أهم دوافع الصراع في منطقة البحيرات العظمى منذ أكثر من ثلاثة عقود، وأسهمت في استمرار النزاعات المسلحة رغم توقيع العديد من اتفاقات السلام منذ نهاية حرب الكونغو الثانية عام 2003م.
رابعا: النشاط الجغرافي والتطورات الميدانية لحركة 23 مارس (M23)
يتركز النشاط العسكري لحركة 23 مارس (M23) بصورة رئيسية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ولا سيما في إقليمي شمال كيفو وجنوب كيفو، اللذين يتشاركان حدودًا مباشرة مع رواندا وأوغندا وبوروندي، وهو ما يمنح الحركة أهمية جيوسياسية تتجاوز حدود الكونغو. وتمكنت الحركة منذ عودتها إلى القتال في أواخر 2021م من توسيع نطاق سيطرتها تدريجيًا، لتفرض نفوذها على عدد من المدن والبلدات والمحاور الاستراتيجية، أبرزها جوما وبوكافو والمناطق المحيطة بهما، إلى جانب أجزاء من مقاطعات ماسيسي، روتشورو، لوبيرو، واليكالي وكاليهي، لتصبح أحد أبرز الفاعلين المسلحين في منطقة البحيرات العظمى.
ورغم أن النشاط العسكري للحركة يتركز داخل الأراضي الكونغولية، فإن تأثيرها يمتد إلى دول الجوار، خاصة رواندا وأوغندا وبوروندي، نظرًا لطبيعة الصراع العابرة للحدود، وتشابك الروابط الإثنية والاقتصادية والأمنية بين هذه الدول وشرق الكونغو. كما أدى استمرار نشاط الحركة إلى تصاعد التوترات الإقليمية، وإعادة طرح ملف الأمن في منطقة البحيرات العظمى على أجندة مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي، فضلًا عن دفع عدد من القوى الدولية إلى فرض عقوبات على قيادات مرتبطة بالحركة وشبكات تمويلها.
وعلى صعيد أحدث التطورات، واصلت الحركة خلال يونيو ويوليو 2026م تعزيز مواقعها العسكرية في أجزاء من شمال كيفو وجنوب كيفو، خاصة في مناطق لوبيرو، واليكالي، ماسيسي، وكاليهي، مع استمرار الاشتباكات ضد الجيش الكونغولي والقوات المحلية المتحالفة معه، بالتزامن مع اتهامات أممية باستمرار سيطرة الحركة على مساحات واسعة من شرق الكونغو واستغلالها للموارد المعدنية في المناطق الخاضعة لنفوذها. كما فرض مجلس الأمن الدولي في 17 يوليو 2026م عقوبات جديدة على قيادات مرتبطة بتحالف AFC/M23 في إطار مساعيه للحد من استمرار النزاع وتعطيل مصادر تمويل الجماعات المسلحة في شرق الكونغو.
خامسا: الأبعاد الإقليمية والدولية لحركة 23 مارس (M23)
لم يعد نشاط حركة 23 مارس (M23) يقتصر على كونه تمردًا داخليًا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بل تحول إلى أزمة إقليمية ذات أبعاد دولية معقدة، نظرًا لوقوع مناطق نشاطها في قلب منطقة البحيرات العظمى، التي تضم الكونغو الديمقراطية ورواندا وأوغندا وبوروندي، فضلًا عن ارتباطها بدول مجموعة شرق أفريقيا (EAC) ومجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (SADC). وقد أدى تصاعد نشاط الحركة منذ 2022م إلى توتر غير مسبوق في العلاقات بين كينشاسا وكيجالي، حيث تتهم الحكومة الكونغولية رواندا بدعم الحركة عسكريًا ولوجستيًا، بينما تنفي رواندا هذه الاتهامات وتتهم الكونغو بالتعاون مع القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR)، وهو ما جعل الأزمة أحد أبرز ملفات الأمن الإقليمي في أفريقيا.
وعلى الصعيد الدولي، أصبحت حركة M23 محل اهتمام متزايد من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خاصة بعد توسع سيطرتها على مناطق استراتيجية غنية بالمعادن الحيوية. وقد فرضت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال عامي 2024م و2025م عقوبات على عدد من قادة الحركة وشخصيات متهمة بدعمها، كما أدان مجلس الأمن الدولي مرارًا استمرار العمليات العسكرية في شرق الكونغو، مطالبًا بوقف الدعم الخارجي للجماعات المسلحة واحترام سيادة جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وتكتسب هذه الأزمة أهمية دولية متزايدة في ظل امتلاك جمهورية الكونغو الديمقراطية احتياطيات ضخمة من المعادن التى تمثل ركيزة أساسية في صناعة الإلكترونيات المتقدمة. ومن ثم، لم يعد الصراع مرتبطًا فقط بالاعتبارات الأمنية أو الإثنية، بل أصبح جزءًا من المنافسة الدولية على تأمين سلاسل إمداد المعادن الاستراتيجية، الأمر الذي منح حركة 23 مارس أهمية تتجاوز حدود شرق الكونغو لتصبح أحد العوامل المؤثرة في معادلات التنافس الجيوسياسي داخل القارة الأفريقية.
سادسا: الرؤية المصرية وآفاق التعامل مع حركة 23 مارس (M23)
من منظور الأمن القومي المصري، تمثل أزمة حركة 23 مارس (M23) أحد مظاهر التحديات الأمنية المتصاعدة في أفريقيا، والتي لم تعد تقتصر آثارها على جمهورية الكونغو الديمقراطية، بل تمتد إلى استقرار إقليم البحيرات العظمى وشرق القارة، بما ينعكس على جهود التنمية والتكامل الأفريقي. ومن ثم، فإن التعامل مع الحركة لا ينبغي أن يقتصر على المقاربة العسكرية، وإنما يتطلب استراتيجية شاملة تجمع بين تعزيز مؤسسات الدولة، وتجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة، وإحكام الرقابة على تجارة المعادن غير المشروعة، وتفعيل دور المنظمات الإقليمية، وفي مقدمتها الاتحاد الأفريقي، بما يسهم في معالجة الأسباب البنيوية لاستمرار الصراع.
وفي هذا الإطار، تمتلك مصر رصيدًا مؤسسيًا وخبرة تراكمية في مكافحة الإرهاب والتطرف، اكتسبتها عبر عقود من مواجهة التنظيمات الإرهابية المسلحة، إلى جانب امتلاكها قوات مسلحة تُعد من بين الأكبر والأكثر تطورًا في القارة الأفريقية، وخبرات معترف بها في مجالات التدريب، والتخطيط، وتأمين الحدود، والتعامل مع التهديدات غير التقليدية. ويمكن للقاهرة، في إطار احترام سيادة جمهورية الكونغو الديمقراطية وبناءً على طلب حكومتها، أن توسع برامج تدريب وتأهيل الكوادر العسكرية والأمنية الكونغولية، وتبادل الخبرات في مكافحة الجماعات المسلحة، ودعم بناء القدرات المؤسسية، بما يعزز قدرة الدولة الكونغولية على استعادة السيطرة على أراضيها ومواجهة التهديدات الأمنية.
كما تستطيع مصر توظيف مكانتها داخل الاتحاد الأفريقي وعلاقاتها المتنامية مع دول القارة لدعم المسارات السياسية والدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمة، وتعزيز التنسيق بين الآليات الأفريقية المعنية بالسلم والأمن، فضلًا عن دعم جهود إعادة الإعمار والتنمية في المناطق المتضررة من النزاع. وتنسجم هذه المقاربة مع السياسة المصرية القائمة على دعم مؤسسات الدولة الوطنية، ورفض انتشار الجماعات المسلحة، وترسيخ مبدأ “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية”، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.
وفي ضوء ذلك، فإن نجاح جمهورية الكونغو الديمقراطية في الحد من نشاط حركة 23 مارس لن يعتمد على الحسم العسكري وحده، وإنما على تكامل الجهود الأمنية والسياسية والاقتصادية والإقليمية. وفي هذا السياق، يمكن لمصر أن تمثل شريكًا أفريقيًا فاعلًا في دعم قدرات الدولة الكونغولية ونقل الخبرات وبناء المؤسسات، بما يعزز الاستقرار في منطقة البحيرات العظمى، ويخدم في الوقت ذاته الأمن الجماعي للقارة الأفريقية والمصالح الاستراتيجية المصرية.

