ولاء عبدالمرضي الحصري
كادت أن تقترب إسرائيل من موعد انتخابات الكنيست السادس والعشرين، والتي سوف تُعقد في أكتوبر 2026، والتي قد يتم تبكيرها نظرًا للتوترات السياسية الداخلية على المستوى السياسي والعسكري والمجتمعي، الجدير بالذكر أن هذه الانتخابات سوف تختلف عن سابقاتها ليس فقط في التوقيت أو موازين القوى بين الكتل السياسية، أو الأحزاب بل لكونها أول انتخابات إسرائيلية بعد أزمات كثيرة على رأسها الحرب مع إيران والتي نتج عنها اظهار واضح لمدى الاستخدامات الواسعة لأدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي والقادرة على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو يصعب تمييزها عن المحتوى الحقيقي، وهذا غير الاختراقات السيبرانية في كافة المجالات، وإن هذا التحول التقني والتكنولوجي أثار قلق خبراء القانون والديمقراطية الرقمية في إسرائيل، الذين يحذّرون من أن البنية التنظيمية والتشريعية القائمة لم تعد كافية لحماية نزاهة العملية الانتخابية.
وهو ما دفعني لمحاولة تحليل أبعاد هذا التخوف الإسرائيلي من عدة زوايا منها طبيعة التهديدات التكنولوجية الجديدة، ودور تطبيقات الدردشة في التأثير على توجيه الوعي الجمعي وخاصة في التوقيت الذي ينقسم فيه المجتمع الإسرائيل في العديد من القضايا.
أولًا: الفساد الانتخابي:
تشير الدكتورة تهيلا شفارتس ألتشولر، خبيرة الخصوصية الرقمية ومديرة برنامج الديمقراطية في عصر المعلومات التابع لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي ، إلى أن المادة 122 من قانون انتخابات الكنيست الإسرائيلي، تحذر مما يسمى بـ”الفساد الانتخابي”، لا تزال تُعدّد وسائل تأثير تقليدية كاللعنات والمقاطعات والتمائم، في حين أن أدوات التأثير الفعلية في 2026 باتت مختلفة جذريًا. فبحسب تحليلها، بات من الممكن تخيّل ناخب يتلقى يوم الاقتراع رسائل صوتية مزيّفة عبر واتساب تُحذّره من أعمال عنف عند مراكز الاقتراع، أو مقطع فيديو يبدو حقيقيًا تمامًا يُظهر رئيس لجنة الانتخابات المركزية وهو يعلن تأجيل الانتخابات، أو حتى تسجيلات مفبركة تُصوّر اختراقًا لخوادم اللجنة وتغييرًا في النتائج.
وذلك بسبب قدرة برامج الذكاء الاصطناعي على توليد عشرات النسخ المختلفة من الرسالة الواحدة بما يصعّب على أنظمة الرصد الآلي اكتشاف أي نشاط منسّق، إضافة إلى إمكانية تخصيص الرسائل بدقة عاطفية غير مسبوقة تخاطب مخاوف كل فرد وآماله على حدة.
وقد أكدت جمعية الإنترنت الإسرائيلية في أبحاثها وتقاريرها بشأن رصد المعلومات المضللة خلال المواجهات أن نحو خُمس (20%) المحتوى المضلل على وسائل التواصل الاجتماعي الموجهة من إنتاج الذكاء الاصطناعي، في حين بلغت نسبة الصور ومقاطع الفيديو المفبركة والمولدة بتقنية التزييف العميق نحو 41%، لتسليط الضوء على حجم التضليل الرقمي. كما وثّقت تحقيقات صحفية حملات تأثير محلية استهدفت الوعي الجمعي لدى الجمهور الإسرائيلي عبر صفحات نشرت محتوى مصمّمًا بدقة عبارة عن صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي لجنود ومزارعين في المستوطنات المختلفة ، وليس شرطًا أن هذه الصور من الخارج بل ربما يكون موجه من الداخل الاسرائيلي نفسه.
ثانيًا: تطبيقات الدردشة
يمثّل الانتشار الكثيف لتطبيقات الدردشة في المجتمع الإسرائيلي بُعدًا آخر ومختلف من القلق، إذ تشير دراسات إلى أن نحو 85% من الإسرائيليين استخدموا chat GPT بشكل متفاوت ولكن 76% منهم يستخدمونه بشكل يومي، وهي من أعلى معدلات الانتشار عالميًّا، وهو ما وضع تخوفًا جديدًا أن يتم استخدامه في اختيار مرشح معين.
وفي تجربة ميدانية أجرتها شركة Chatoptic حيث قامت بعمل دراسة مقارنة لـ ChatGPTو Perplexity و Google Gemini وClaude وذلك من خلال تحليل شامل، وتقييم منهجي وتصنيفي لاستجابات نماذج الذكاء الاصطناعي لاختبارات ومحفزات ذات طابع سياسي وأيديولوجي، باستخدام اختبار التصنيف السياسي لمركز بيو للأبحاث، وتقييم البوصلة السياسية، واختبار ISideWith للأحزاب السياسية، تحدد هذه الدراسة ميولًا أيديولوجية بارزة وطبيعة التحيز السياسي داخل هذه النماذج، وكشفت النتائج أن ChatGPT وClaude يميلان إلى الليبرالية، بينما يميل Perplexity إلى المحافظة، في حين يتبنى Google Gemini مواقف أكثر اعتدالًا. ويؤكد وجود هذه التحيزات على الحاجة الماسة إلى الشفافية في تطوير الذكاء الاصطناعي، وإلى دمج مجموعات بيانات تدريبية متنوعة، وإجراء عمليات تدقيق دورية، وتوعية المستخدمين للتخفيف من حدة هذه التحيزات، كما يدعو هذا التحليل إلى ممارسات أكثر فعالية وأطر عمل شاملة لتقييم التحيز السياسي في الذكاء الاصطناعي والحد من استخدامه.
وتحذّر الدكتورة تهيلا شفارتس ألتشولر من أن استخدام الجمهور تطبيقات الدردشة كرفيق للدعم العاطفي يجعل تأثيرها على سلوك الناخب أعمق من مجرد أداة معلوماتية عابرة، مشيرة إلى محاولات سابقة لـ”حقن” النماذج بمحتوى مضلل عبر إنشاء مواقع إخبارية وهمية ومنشورات على منصات التواصل الاجتماعي بهدف التأثير على استجابات النماذج تجاه الجمهور الخارجي، وهي أساليب يمكن بحسب تحذيرها، توجيهها نحو الناخب الإسرائيلي الداخلي أيضًا.
ثالثًا: الفراغ التشريعي وتأخر الاستجابة المؤسسية
يواجه المشهد السياسي في إسرائيل فراغًا تشريعيًّا واسعًا فيما يخص تنظيم المحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي والتأثير الخارجي عبر الإنترنت، وذلك على عكس قانون الخدمات الرقمية (DSA) في الاتحاد الأوروبي.
ورغم هذا الفراغ التشريعي العام، بدأت المؤسسات الإسرائيلية بخطوات تنظيمية أولية وإن كانت جزئية؛ إذ تقدّمت لجنة الانتخابات المركزية في يونيو 2026 بمقترح أمام لجنة الدستور والقانون والقضاء بالكنيست يُلزم الأحزاب والمرشحين باختيار أي محتوى انتخابي جرى إنتاجه أو تعديله جوهريًا باستخدام الذكاء الاصطناعي، دون أن يصل الأمر إلى حظر استخدام هذه الأدوات بشكل كامل، وذلك بهدف تعزيز الشفافية أكثر من كونه إجراءً رادعًا. وقد جاء هذا المقترح عقب وقائع فعلية سبقت الحملة الانتخابية، من بينها أمر اللجنة لحزب الليكود بإزالة صورة مفبركة تُظهر رئيسي وزراء سابقين وهما يحتفلان مع قادة أحزاب عربية بمناسبة اتفاق لم يكونا طرفًا فيه أصلًا.
رابعًا: قراءة تحليلية للمخاوف الإسرائيلية
يمكن قراءة هذه التخوفات الإسرائيلية المتصاعدة في ضوء ثلاث ملاحظات جوهرية:
(1) إن الانفتاح الإسرائيلي على توظيف الأدوات التكنولوجية في الحملات الانتخابية، من تجاوز الإعلام التقليدي عبر فيس بوك إلى استهداف الناخبين عبر بيانات التواصل الاجتماعي، يجعل من المتوقع أن يكرر الفاعلون السياسيون الإسرائيليون النمط ذاته مع الذكاء الاصطناعي التوليدي.
(2) هناك تناقض بنيوي بين تفاخر الخطاب الإسرائيلي بالريادة والتميز والتفرد في تقنيات الذكاء الاصطناعي من جهة، وغياب التنظيم وتقنين هذه التقنيات ذاتها في أكثر العمليات السياسية حساسية، أي الانتخابات، من جهة أخرى.
فبينما تعمل الحكومة على بلورة مركز تنسيق وطني لسياسات الذكاء الاصطناعي ومسودة قانون ينظّم قضايا التمييز الخوارزمي والمسؤولية القانونية، ظل الجزء الانتخابي تحديدًا خارج أولويات التشريع حتى وقت قريب جدًا، ولم تتحرك المؤسسات الرسمية إلا بعد وقوع حوادث فعلية لصور وفيديوهات مفبركة طالت مرشحين بعينهم.
(3) القلق الانتخابي مع سياق أوسع تناولته سرديات مختلفة حول توظيف إسرائيل للذكاء الاصطناعي في حملات الدعاية الخارجية خلال حرب غزة وإيران، حيث تم استخدام حسابات وهمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لنشر روايات مؤيدة لإسرائيل.
خاتمة
إن التخوفات الإسرائيلية من تأثير الذكاء الاصطناعي على انتخابات 2026 هي أزمة أعمق من كونها تقنية؛ فهي تعكس اختبارًا حقيقيًا لمدى بلورة الأطر القانونية والديمقراطية أمام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version