د/ محمد أحمد صالح
مقدمة
منذ توقيع معاهدة السلام عام 1979م، انتقلت العلاقات المصرية الإسرائيلية من مرحلة الحرب المباشرة إلى مرحلة السلام الرسمي مع استمرار الحذر الاستراتيجي المتبادل. ورغم أن الاتفاقية أنهت الصراع العسكري بين الدولتين، فإنها لم تُلغِ الاعتبارات الجيوسياسية التي تجعل كل طرف يراقب تطورات الطرف الآخر، خصوصًا في ما يتعلق ببناء القوة العسكرية، والتموضع الإقليمي، والعلاقات الدولية.
منذ عام 2014م، شهدت مصر توسعًا ملحوظًا في برامج تحديث القوات المسلحة، وتنويعًا لمصادر التسليح، وتطويرًا للبنية التحتية العسكرية، إلى جانب تحركات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية مع شركاء متنوعين. وقد أثارت هذه التطورات نقاشات في أوساط بحثية إسرائيلية حول آثارها على ميزان القوى الإقليمي.
تهدف هذه الورقة إلى استعراض هذه النقاشات، وتحليل كيفية نظر الباحثين الإسرائيليين إلى هذه التحولات، مع التمييز بين المواقف الرسمية، والتحليلات الأكاديمية، والآراء الشخصية.
العقيدة الأمنية الإسرائيلية ونظرتها إلى البيئة الإقليمية
تعتمد العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة على مجموعة من المبادئ، منها السعي إلى الحفاظ على تفوق عسكري نوعي، والإنذار المبكر، والقدرة على نقل المعركة خارج حدودها، ومنع ظهور تهديدات إقليمية كبيرة. وفي هذا السياق، تُراقب إسرائيل تطور قدرات الدول المحيطة بها، بما فيها الدول التي ترتبط معها باتفاقيات سلام.
هذا لا يعني أن كل تطوير عسكري لدولة مجاورة يُفسَّر باعتباره استعدادًا للحرب، لكنه يُدرج ضمن عملية تقييم مستمرة للمخاطر والقدرات.
تحديث الجيش المصري والترقب الإسرائيلي
يرى عدد من الباحثين أن تحديث الجيش المصري يمثل أحد أبرز التحولات العسكرية في المنطقة خلال العقد الأخير، وذلك لعدة أسباب، منها تنويع مصادر التسليح وعدم الاعتماد على مورد واحد، وتطوير القوات البحرية والجوية والدفاع الجوي، وإنشاء قواعد عسكرية جديدة وتحسين البنية اللوجستية، وتوسيع نطاق التدريبات والمناورات مع دول متعددة، والاستثمار في التصنيع العسكري المحلي بدرجات متفاوتة.
وتُناقش هذه العناصر في الدراسات البحثية باعتبارها عوامل تعزز قدرة مصر على حماية مصالحها في مسارح عمليات متعددة، مثل البحرين الأحمر والمتوسط، وحدودها الغربية والجنوبية.
تنويع العلاقات العسكرية
من السمات البارزة للسياسة المصرية خلال السنوات الأخيرة تنويع الشراكات العسكرية مع عدد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وروسيا، والصين، إضافة إلى تدريبات مشتركة مع دول عربية وإفريقية وأوروبية. ويُفسَّر هذا التوجه في كثير من الدراسات على أنه محاولة لزيادة هامش الاستقلال في القرار العسكري، وتقليل الاعتماد على مورد واحد، مع الاستفادة من خبرات متنوعة في مجالات التدريب والتسليح.
قراءة إسرائيل لهذه التحركات
تظهر في الدراسات الإسرائيلية عدة اتجاهات تحليلية، من أبرزها:
-اتجاه يؤكد أن معاهدة السلام ما زالت ركيزة أساسية للاستقرار، وأن التنسيق الأمني في بعض الملفات مستمر.
-اتجاه يرى أن أي زيادة كبيرة في القدرات العسكرية لدول المنطقة تستحق المتابعة، حتى في ظل غياب مؤشرات على نية عدائية.
-اتجاه يركز على أهمية فهم دوافع مصر الإقليمية، مثل حماية الملاحة، وتأمين الحدود، وإدارة الأزمات في الجوار.
ولا يعني وجود هذه الاتجاهات أن هناك إجماعًا أو سياسة رسمية تدعو إلى مواجهة عسكرية، بل يعكس اختلافًا في تقييم المخاطر والسيناريوهات المستقبلية.
المناورات العسكرية والشراكات الدولية
تشارك مصر في تدريبات ومناورات مع عدد كبير من الدول، بما في ذلك دول عربية، وأوروبية، وآسيوية. ويرى بعض المحللين أن هذا يعكس رغبة في تطوير الجاهزية التشغيلية، واكتساب خبرات متنوعة، وتعزيز التعاون العسكري.
ومن منظور استراتيجي، تتابع الدول عادةً مثل هذه الأنشطة لفهم طبيعة التطور في العقيدة القتالية والقدرات اللوجستية، دون أن يعني ذلك بالضرورة تفسيرها كإعداد لحرب.
البعد الاقتصادي والدبلوماسي
إلى جانب التحديث العسكري، توسعت مصر في علاقاتها الاقتصادية مع شركاء متعددين، وشاركت في أطر تعاون إقليمية ودولية مختلفة. ويُنظر إلى هذا التنوع في العلاقات باعتباره جزءًا من سياسة تهدف إلى زيادة هامش الحركة في السياسة الخارجية.
سيناريوهات مستقبلية حتى 2040م
تتناول بعض مراكز الدراسات سيناريوهات افتراضية لمستقبل المنطقة، مثل استمرار الاستقرار والتعاون في إطار اتفاقية السلام، وزيادة المنافسة الإقليمية مع بقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتغيرات في البيئة الإقليمية قد تفرض إعادة تقييم للسياسات الأمنية.
هذه السيناريوهات هي أدوات تحليلية وليست توقعات مؤكدة، وتُستخدم لاختبار جاهزية صانعي القرار للاحتمالات المختلفة.
ختاما
تشير الدراسات المتاحة إلى أن إسرائيل تتابع باهتمام تطور القدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية المصرية، كما تتابع تطورات دول أخرى في المنطقة. وفي المقابل، تُعد مصر من الدول التي تسعى إلى تنويع علاقاتها وبناء قدراتها بما يتوافق مع رؤيتها لمصالحها وأمنها القومي.
ومن المهم التمييز بين وجود متابعة استخباراتية وتحليلية، وهو أمر طبيعي بين الدول، ووجود نقاشات بحثية حول سيناريوهات مستقبلية، والادعاءات بوجود خطط أو قرارات حتمية لمهاجمة دولة أخرى، وهي أمور لا يمكن الجزم بها دون أدلة موثقة.

