محمود سامح همام
في ظل التحركات الفرنسية المتسارعة لإعادة تموضع باريس داخل القارة الإفريقية، تأتي جولة الرئيس إيمانويل ماكرون في شرق إفريقيا كجزء من محاولة فرنسية لإعادة بناء النفوذ السياسي والدبلوماسي في واحدة من أكثر المناطق الإفريقية أهميةً من الناحية الجيوسياسية. وتكتسب الزيارة دلالات خاصة مع اختيار مصر كنقطة انطلاق للجولة، حيث التقى الرئيس عبدالفتاح السيسي في مدينة الإسكندرية، بالتزامن مع افتتاح الحرم الجديد لجامعة سنجور التابعة للفرنكفونية، في خطوة تعكس سعي باريس لتعزيز أدوات القوة الناعمة داخل إفريقيا، وربط النفوذ الثقافي بالتواجد السياسي والاقتصادي، وفي هذا السياق تحمل الجولة دلالات جيوسياسية واستراتيجية مهمة بشأن مستقبل الدور الفرنسي وعلاقته بدول المنطقة.
القاهرة نقطة انطلاق الجولة في أفريقيا
أولًا – إدراك باريس لمكانة مصر كقوة إقليمية محورية: يعكس اختيار باريس للقاهرة كنقطة انطلاق لجولة الرئيس الفرنسي ماكرون في إفريقيا إدراكًا فرنسيًا متزايدًا لمكانة مصر كقوة إقليمية محورية وزعيمة مؤثرة في القارة الإفريقية والشرق الأوسط. وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال الزيارات المتكررة لماكرون إلى مصر، والتي بلغت ثمان زيارات خلال الفترة من 2017م إلى 2026م، كان أبرزها زيارته إلى مدينة العريش خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، في دلالة على تقدير باريس للدور المصري في إدارة الأزمة واحتواء تداعياتها الإقليمية. كما عززت مشاركة الرئيس الفرنسي في قمة شرم الشيخ للسلام المنعقدة في أكتوبر 2025م بين إسرائيل وفلسطين من قناعة باريس بأهمية الدور المصري باعتباره أحد المرتكزات الرئيسية للاستقرار والتوازن الإقليمي.
ثانيا – الأهمية الجيوسياسية لموقع مصر في معادلات البحر الأحمر وشرق إفريقيا: تدرك باريس الأهمية الجيوسياسية المتزايدة لمصر في معادلات البحر الأحمر وشرق إفريقيا، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها الممرات البحرية العالمية وتأثيرها المباشر على أمن الملاحة الدولية وحركة التجارة العالمية. وتمثل قناة السويس أحد أهم الممرات الاستراتيجية عالميًا، باعتبارها حلقة الوصل الرئيسية بين البحرين الأحمر والمتوسط، وهو ما يمنح القاهرة ثقلًا استراتيجيًا في إدارة التوازنات المرتبطة بالطاقة والتجارة الدولية. وفي هذا السياق، تنظر فرنسا إلى مصر كشريك محوري قادر على دعم استقرار خطوط الملاحة الدولية، خصوصًا مع تصاعد الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، الأمر الذي يدفع باريس إلى تعزيز التنسيق مع القاهرة ضمن رؤية أوسع لإعادة تموضعها في شرق القارة الإفريقية.
ثالثًا – توسيع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية بين باريس والقاهرة: يمثل البعد الاقتصادي أحد أبرز دوافع التقارب الفرنسي-المصري، إذ تسعى باريس إلى تعزيز حضورها الاقتصادي داخل السوق المصرية باعتبارها إحدى أكبر الأسواق في إفريقيا والشرق الأوسط. وشهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين مصر وفرنسا نحو 3 مليارات يورو خلال عام 2025م، إلى جانب تنامي الاستثمارات الفرنسية في قطاعات النقل والطاقة والبنية التحتية والاتصالات. كما تنظر فرنسا إلى مصر باعتبارها بوابة اقتصادية للتوسع نحو الأسواق الإفريقية، خاصة مع تنامي المشروعات الإقليمية المرتبطة بالطاقة واللوجستيات والتجارة العابرة للحدود، بما يعزز من فرص الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين داخل القارة الإفريقية.
دلالات التحول الفرنسي نحو شرق إفريقيا والقرن الإفريقي وجولات الرئيس فى المنطقة
يعكس اختيار فرنسا لمنطقة شرق إفريقيا والقرن الإفريقي كمحور رئيسي لجولات الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون داخل القارة، محاولة لإعادة التموضع الجيوسياسي بعد التراجع الواضح للنفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل خلال الفترة بين ٢٠٢١م و٢٠٢٣م، في ظل انسحابات متتالية أعقبت تحولات سياسية وأمنية في دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ما دفع باريس إلى البحث عن مسارات نفوذ جديدة أكثر استقرارًا وأقل رفضًا شعبيًا، مع تركيز أكبر على شرق القارة والبحر الأحمر باعتبارهما فضاءً أكثر ارتباطًا بالتنافس الدولي والممرات الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، حملت زيارة كينيا دلالات سياسية مهمة، إذ تُعد المرة الأولى التي تعقد فيها باريس قمة فرنسية-إفريقية بهذا المستوى، لاسيما وأن كينيا دولة ناطقة بالإنجليزية وخارج المجال الفرنكوفوني التقليدي، ما يعكس توجه باريس لكسر حدود نفوذها اللغوي والاستعماري السابق والانفتاح على شرق إفريقيا ذات الإرث البريطاني. كما تعكس الزيارة سعي فرنسا إلى بناء شراكات اقتصادية وأمنية جديدة في منطقة تشهد تنافسًا حادًا بين القوى الدولية، إلى جانب محاولة تعزيز الحضور الفرنسي داخل الاقتصادات الصاعدة في شرق القارة.
أما محطة اثيوبيا، فتكتسب أهمية خاصة لكونها تحتضن مقر الاتحاد الإفريقى في العاصمة اديس بابا، وهو ما يمنحها وزنًا مؤسسيًا داخل النظام الإقليمي الإفريقي، وتسعى باريس من خلال هذه المحطة إلى تحقيق هدفين رئيسيين من الاتحاد الافريقي:
أولًا: تعزيز القرب من المؤسسات القارية لصنع القرار داخل إفريقيا، ما يتيح لها تأثيرًا أوسع في السياسات الإقليمية.
ثانيًا: توسيع حضورها في ملفات الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بما ينسجم مع استراتيجيتها لإعادة بناء نفوذها في القارة عبر القنوات الدبلوماسية والمؤسسية بدلًا من الأدوات التقليدية.
ختاما
تعكس جولة الرئيس الفرنسي ماكرون في إفريقيا تحولًا واضحًا في الرؤية الفرنسية تجاه القارة، من الاعتماد على النفوذ التقليدي في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل إلى إعادة التموضع في شرق القارة والقرن الإفريقي باعتبارهما فضاءً أكثر ارتباطًا بالممرات الاستراتيجية والتنافس الدولي. وتكشف محطات الجولة، من مصر إلى كينيا واثيوبيا، عن سعي باريس لإعادة بناء حضورها عبر أدوات القوة الناعمة والشراكات الاقتصادية والتقارب مع المؤسسات الإقليمية، في ظل تراجع نسبي لنفوذها التاريخي وصعود قوى دولية منافسة داخل القارة. ومن ثم، فإن هذه الجولة لا تعكس مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل تمثل مؤشرًا على محاولة فرنسية لإعادة صياغة دورها ومكانتها داخل إفريقيا وفق معادلات جيوسياسية جديدة أكثر تعقيدًا وتنافسية.

اترك تعليقاً
