أ/ محمود سامح همام
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية
شهدت الآونة الأخيرة تحولاً لافتاً في الاستراتيجية الفرنسية نحو القارة الأفريقية؛ إذ سارعت باريس للاندفاع نحو شرق أفريقيا عبر جولات دبلوماسية مكثفة لتوطيد علاقاتها هناك، وذلك في محاولة جادة لتعويض التراجع الحاد وفشل تجربتها التاريخية في معظم دول غرب القارة التي ظلت تحتكر نفوذها لعقود. غير أن التمدد الفرنسي الجديد لا يقتصر على الأدوات الرسمية والواجهات التقليدية، بل يتحرك عبر معاملات وديناميات خفية تشكل تهديداً مباشراً لاستقرار أقاليم بأكملها، وفي مقدمتها السودان الذي بات ساحة تتداخل فيها المصالح والأجندات المعقدة؛ وهو ما يفرض علينا طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدور الفرنسي في الأزمة السودانية، وما وراء هذا التنسيق العابر للحدود والذي يربط بين باريس وأطراف إقليمية نافذة كالإمارات وليبيا وتشاد.
المحور الأول: اختراق ناعم ودعم عابر للحدود.. كواليس التورط الفرنسي في دعم قوات الدعم السريع
تتحرك فرنسا في إطار خطة إعادة تموضعها الإقليمي وفق ميزان متعرج؛ يوازن ظاهرياً بين إعلان الحياد السياسي ودعم الاستقرار، بينما يخفي في العُمق تورطاً غير مباشر وديناميات جيوسياسية تخدم حلفاءها وتقاطعاتها المصلحية. ويظهر هذا التناقض جلياً في التعاطي الفرنسي مع ملف قوات الدعم السريع، عبر مسارات وتفاصيل يمكن تفكيكها وفق الآتي:
1. تسريب التكنولوجيا العسكرية وتسهيل سلاسل الإمداد
تُظهر الحقائق الميدانية والتقارير الاستقصائية وجود تقنيات عسكرية فرنسية متطورة تُشغَّل في قلب المعارك لصالح قوات الدعم السريع:
• منظومة “غاليكس” الفرنسية: كشفت تحقيقات موثقة نشرتها منظمة العفو الدولية في نوفمبر 2024 عن رصد أنظمة دفاعية وهجومية حديثة فرنسية الصنع من طراز Galix، مصنعة بواسطة شركتي Lacroix Defense وKNDS France (المعروفة سابقاً بـ Nexter).
• مسار الالتفاف والتوريد: تم تركيب هذه الأنظمة الدفاعية على مدرعات مقاتلة من طراز “نمر عجبان” ، التي تُنتجها مجموعات دفاعية إقليمية حليفة لباريس (مثل مجموعة Edge الإشرافية). ودخلت هذه المدرعات المجهزة بالتقنية الفرنسية إلى ميدان القتال في الخرطوم ودارفور.
• خرق قرارات الحظر الدولي: يُمثل وصول هذه التكنولوجيا العسكرية انحرافاً صريحاً عن قرار حظر توريد الأسلحة للسودان الصادر عن مجلس الأمن الدولي (القرار 1556) وحظر الأسلحة الشامل المفرض من الاتحاد الأوروبي، مما يضع باريس تحت طائلة المساءلة لعدم تفعيلها لآليات التحكم في المستخدم النهائي (End-User Certificate).
2. التغاضي عن “قاعدة تشاد” والممرات اللوجستية
تُمثل الأراضي التشادية المرتكز الأخير والرئيسي للنفوذ العسكري الفرنسي في إفريقيا الاستوائية (عبر قواعد عسكرية فرنسية دائمية مثل قاعدة أم جراس وقواعد الخرطوم/أنجمينا التاريخية):
• تأمين الممر الخفي: رغم الانتشار الاستخباري والجوي الفرنسي الممتد على الحدود التشادية-السودانية البالغ طولها أكثر من 1,400 كيلومتر، تمر شحنات الأسلحة، المحروقات، والإمدادات اللوجستية يومياً نحو مناطق نفوذ قوات الدعم السريع في دارفور، تحت مسميات “مساعدات إنسانية” أو حركة تجارية.
• شراكة المصالح الدفاعية: تُقدر مبيعات السلاح والصفقات الاستثمارية والعسكرية بين باريس وحلفائها الإقليميين بمليارات اليورو (من بينها عقود تسليح بلغت زهاء 2.6 مليار يورو خلال الفترة بين 2014 و2023). هذا الاعتماد المالي والتجاري يجعل القرار السياسي الفرنسي رهيناً لعدم صدام مصالح تلك الأطراف التي تعتمد على تشاد كمنصة إسناد رئيسية لـ “الدعم السريع”.
3. الاختراق الاستخباري وغسيل النفوذ السياسي
لا يقتصر الحضور الفرنسي على الدعم التسليحي المباشر أو التغاضي اللوجستي، بل يتعداه إلى توفير “القوة الناعمة” والغطاء الدبلوماسي:
• الدبلوماسية الإنسانية الموجهة: احتضنت باريس في 15 أبريل 2024 “المؤتمر الدولي للإغاثة الإنسانية بالسودان”. وعلى الرغم من جمع المؤتمر لعهدات تمويلية تجاوزت 2 مليار يورو، إلا أن المعطيات السياسية أظهرت تهميشاً متعمداً لمؤسسات الدولة السودانية الرسمية في بورتسودان، ومحاولة لمساواة القوات المسلحة بميليشيا مسلحة، مما منح الأخيرة شرعية واقعية على طاولة المبادرات الأوروبية.
• فتح المنصات للواجهات السياسية: تُسهل أجهزة ودوائر أورو-فرنسية تحركات قيادات مستشارية وقادة سياسيين مقربين من الدعم السريع عبر عواصم أوروبية، لتسويق خطابات تبرر التحركات الميدانية للميليشيا تحت شعارات “حماية المدنيين” أو “محاربة التطرف”.
• الدعم التقني والاستخباري: تشير التقديرات الأمنية إلى وجود خدمات تتبع واستخبارات رقمية تعتمد على تقنيات اتصالات فضائية وأقمار صناعية تابعة لمؤسسات أوروبية وخاصة، تُتيح لقوات الدعم السريع الاستمرار في إدارة العمليات وتحديد التمركزات في أقاليم واسعة ككردفان ودارفور.
4. حماية شبكات الذهب والتجارة الموازية
يستند المحرك المالي للصراع السوداني إلى التدفقات غير المشروعة للثروات، وتحديداً الذهب:
• تهريب الذهب والأسواق الموازية: تسيطر قوات الدعم السريع على مناطق تنقيب رئيسية (مثل جبل عامر وبعض مناجم دارفور وجنوب كردفان)، ويتم تصدير أطنان من الذهب سنوياً -تُقدّر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات- عبر منافذ غرب إفريقيا ودول الجوار.
• التجاهل المالي الأوروبي: تُبدي المؤسسات المالية الغربية -ومنها المراقبة المصرفية الفرنسية- مرونة كبيرة تجاه شركات الواجهة (Shell Companies) وشبكات غسيل الأموال الناشطة في تجارة الذهب والموارد، طالما أن هذه السيولة تُغذي شبكات مالية وأسواق رأس مال ترتبط بشركاء باريس الاستراتيجيين.
المحور الثاني: من نكسة الساحل إلى مناورة الشرق.. دوافع التورط الفرنسي ودعمها لقوات الدعم السريع
في الوقت الراهن، تخوض فرنسا اليوم معركة إعادة رسم خارطة حضورها الجيوسياسي في القارة السمراء، بعدما تلقت سلسلة من الصدمات المتتالية في غرب إفريقيا كادت تُنهي مشروعها التاريخي الممتد لعقود. في هذا السياق، لم يكن الاندفاع الفرنسي نحو الملف السوداني وتسهيل الدعم لقوات الدعم السريع مجرد خطوة تكتيكية عابرة أو تحرك أمني محدود، بل جاء نتيجة تحولات استراتيجية عميقة ودوافع ملحة فرضتها المتغيرات الميدانية والسياسية الراهنة. تسعى باريس عبر هذه المناورة المعقدة إلى حجز موطئ قدم على خريطة الموارد والمسارات البحرية الحيوية، واستغلال هشاشة الأوضاع لتشبيك مصالحها الاقتصادية مع القوى الإقليمية النافذة. تتقاطع الحسابات الفرنسية بين الرغبة في السيطرة على التدفقات المالية وتأمين عمق استراتيجي بديل يمتد من تشاد إلى البحر الأحمر، وهو ما يمكن تفكيكه وقراءته عبر الأرقام والتفاصيل التالية:
1- تأمين شبكات الذهب والاستحواذ على عوائد الموارد الثمينة
يُشكل الذهب المحرك المالي الأول والدليل الأبرز على الدوافع الفرنسية في الوقت الراهن:
• استنزاف الموارد والأسواق الموازية: تضع باريس عينيها على مناجم التعدين الغنية في دارفور وجنوب كردفان، حيث تسيطر قوات الدعم السريع على إنتاج سنوي يُقدّر بأكثر من 50 إلى 70 طناً من الذهب بقيمة تتجاوز 3 مليارات دولار.
• تغذية الشركات والشبكات الحليفة الاماراتية: يرتبط الاستقرار المالي للشركاء الاستراتيجيين لباريس بانتظام تدفقات الذهب المهرب عبر تشاد وغرب إفريقيا، حيث تُسهل أجهزة الرصد الفرنسية عبور هذه الشحنات للاستفادة من السيولة النقدية وتأمين حِصص شركات التعدين الأوروبية الناشطة في الإقليم بشكل غير مباشر.
2- تعويض “الانهيار المدوّي” في غرب أفريقيا والساحل
تُمثل الأزمة السودانية لباريس فرصة استراتيجية لإعادة التموضع والتعويض عن الخسائر الجسيمة التي تكبدتها في معاقلها التقليدية:
• فقدان المرتكزات التاريخية: بعد انسحاب القوات الفرنسية وإنهاء الاتفاقيات العسكرية في مالي، بوركينا فاسو، والنيجر (حيث خسر الأسطول العسكري الفرنسي نفوذ أكثر من 4,500 جندي كانوا منتشرين ضمن عملية بارخان)، وتفكك حلف “دول الساحل” لصالح نفوذ منافس (كالروس والصينيين)، وجَدت فرنسا نفسها معزولة في غرب القارة.
• البحث عن عمق استراتيجي جديد: تسعى فرنسا للاندفاع نحو الشرق والقرن الأفريقي لتأسيس منطقة نفوذ جديدة تعوض بها انحسار الغرب الإفريقي، ويشكل السودان بمساحته البالغة 1.8 مليون كيلومتر مربع وشريطه الساحلي الممتد بطول 853 كيلومتراً على البحر الأحمر الساحة المثالية لهذه المناورة.
3- حماية خط الدفاع الأخير في تشاد
تُعد أنجمينا المرتكز الأخير للنفوذ العسكري والسياسي الفرنسي في وسط وغرب أفريقيا (حيث تتمركز القوات الفرنسية في 3 قواعد عسكرية رئيسية تضم أكثر من 1,000 جندي)، وهو ما يجعل الاستقرار السياسي للتحالف الحاكم في تشاد أولوية مطلقة لباريس:
• درء خطر امتداد الصراع: تدرك الاستخبارات الفرنسية أن مكونات الدعم السريع تشابكت اجتماعياً وعشائرياً مع النخبة الحاكمة والمكونات العسكرية في تشاد (التي تشكل أكثر من 40% من قوام بعض الوحدات الحدودية)؛ وبالتالي فإن أي صدام فرنسي مباشر مع “الدعم السريع” قد يزعزع الداخل التشادي ويهدد نظام محمد إدريس ديبي.
• تسهيل المرور لضمان الولاء: تُبدي باريس مرونة وتغاضياً تجاه استخدام الممرات التشادية (مثل مطار أم جراس الذي شهد تسجيل أكثر من 150 رحلة طيران شحن لوجستي) لتمرير الإمدادات والعتاد، كعربان لمساومة الأطراف الإقليمية والدولية المقصود بالامارات ولضمان بقاء النظام التشادي محصناً تحت المظلة الفرنسية.
4- الحفاظ على المكتسبات مع الشركاء الماليين الإقليميين
ترتبط باريس بروابط اقتصادية واستثمارية ضخمة مع الامارات كقوة فاعلة وممولة في الملف السوداني:
• عقود التسليح والاستثمارات: ترغب فرنسا في حماية صفقات السلاح الضخمة والشراكات الاستثمارية التي تتجاوز قيمتها 15 مليار يورو مع ابوظبي وحلفائها الإقليميين، مما يدفعها لمسايرة أجنداتها الميدانية في السودان بدلاً من مواجهتها أو فرض عقوبات جادة.
• سياسة “توزيع الأدوار”: تتيح باريس لحلفائها إدارة الخطوط اللوجستية والملايين عبر شبكات موالية، مقابل الحصول على امتيازات اقتصادية وتأمين موطئ قدم لها في ترتيبات المنطقة بعد الحرب.
5- حجز مقعد على خطوط موانئ البحر الأحمر وتجارة الموارد
تتدافع القوى الدولية للحصول على نفوذ دائم على الشريط الساحلي الممتد على البحر الأحمر والذي يمر عبره نحو 12% من حجم التجارة العالمية:
• مواجهة النفوذ المنافس: تشتد مخاوف فرنسا وحلفائها من تمكن الجيش السوداني -في حال تحقيقه حسماً كاملاً- من منح القواعد والتسهيلات البحرية لقوى منافسة (مثل روسيا أو إيران) على الساحل السوداني.
• السيطرة على الممرات المائية: تسعى باريس إلى ضمان وجود سلطة حليفة أو ضعيفة في الخرطوم تمكنها من الضغط لحجز امتيازات إدارة الموانئ اللوجستية والمناطق الاقتصادية الخاصة بالبحر الأحمر.
6- توظيف “الغطاء الدبلوماسي” لمنع حسم الصراع لصالح الدولة الرسمية
تعتمد باريس استراتيجية الدبلوماسية المزدوجة لإبقاء جميع الأوراق بيدها:
• فرملة شرعية بورتسودان: عبر المبادرات الإنسانية ومؤتمرات باريس للدعم الإنساني (مثل المؤتمر الذي جمع تعهدات بـ 2.1 مليار يورو)، تروج باريس لمعادلة تضع القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع على مسافة واحدة متساوية، لمنع الانفراد بالقرار وإبقاء ملف السودان خاضعاً للتفاوض الدولي تحت رعاية أوروبية-فرنسية.
• منع الحسم العسكري: يهدف الدعم الضمني وغير المباشر لقوات الدعم السريع إلى استنزاف القوة العسكرية للجيش السوداني وإجباره على قبول تسوية سياسية تُعيد إنتاج القوى والحلفاء المقربين من باريس في السلطة القادمة.
تتداخل هذه الدوافع لتعكس تحولاً براغماتياً صريحاً في السياسة الفرنسية؛ حيث تُضحّي باريس باستقرار السودان ووحدته الوطنية في سبيل استعادة هيبتها الجيوسياسية المفقودة، وتأمين تحالفاتها المالية الكبرى، وتشييد جدار حماية لنفوذها الأخير في وسط أفريقيا.
ختامًا، تُعبر الديناميات المعقدة للملف السوداني عن تحول لافت في أدوات السلوك الخارجي الفرنسي، قائم على توظيف التقاطعات المالية والجيوسياسية بحسابات براغماتية صارمة؛ حيث تتلاقى أهداف باريس في تعويض انحسار نفوذها بغرب القارة مع أجندات التمدد والاستثمار الإقليمي التي تقودها دولة الإمارات عبر شبكة حلفائها. وإن هذا التنسيق، المرتكز على مقايضة “المال بالنفوذ” وتوفير غطاء وسيولة للمكونات المسلحة، يقدم نموذجاً خطيراً لرهن استقرار الأقاليم بحسابات الربح والنفوذ الخارجي. وفي النهاية، تؤكد معطيات الواقع أن المقاربات الساعية لتغليب المصالح الاقتصادية وتغذية المحاور الموازية على حساب سيادة السودان ومؤسساته الوطنية، لن تقود إلا إلى تقويض الأمن القومي الإقليمي وتعميق حالة التفكك الممتد، مما يفرض كلفة باهظة ستطال كافة القوى المشاركة في هذه التوازنات الهشة.

