د/ محمد أحمد صالح
تناولت مؤخرا وسائل إعلام عربية وعبرية وغربية الممارسات الوحشية والعدوانية التي يقوم بها المستوطنون اليهود بمساندة قوات الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينينن في الضفة الغربية، من قتل وحرق وغلق الحواجز ومنع مرور السيرات والمرضى والحوامل وغير ذلك من الانتهاكات.
بعد العدوان على غزة الذي بدأ في السابع من أكتوبر 2023م، دخلت إسرائيل والمنطقة مرحلة إعادة تشكيل إستراتيجي غير مسبوقة منذ عقود. ومع تعثر تحقيق أهداف العدوان على غزة بصورة كاملة، وازدياد الضغوط الدولية، وتراجع هامش المناورة السياسية والعسكرية، برزت الضفة الغربية باعتبارها إحدى أكثر الساحات حساسية وقابلية للتصعيد.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الضفة الغربية أصبحت تمثل نقطة التقاء بين عدة مشاريع متوازية، هي مشروع بقاء حكومة بنيامين نتنياهو، ومشروع اليمين الديني القومي لإعادة رسم الخريطة الديموجرافية والجغرافية للضفة، ومشروع المقاومة الفلسطينية لتوسيع ساحات المواجهة، ومشروع الإدارة الأمريكية لمنع الانهيار الكامل للوضع الإقليمي، ومشروع الدول العربية للحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلًا.
وبالتالي فإن الضفة الغربية لم تعد مجرد جبهة أمنية، وإنما أصبحت ساحة صراع على مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وعلى شكل إسرائيل نفسها، وعلى بنية النظام الإقليمي.
البيئة الإستراتيجية الجديدة بعد العدوان على غزة
قبل السابع من أكتوبر كانت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تقوم على عدة افتراضات، منها احتواء غزة، وإدارة الصراع بدل حله، وإبقاء السلطة الفلسطينية ضعيفة ولكن قائمة، واستمرار التنسيق الأمني، وتوسيع الاستيطان بصورة تدريجية غير رسمية وغير معلنة.
لكن العدوان على غزة أحدث تغيرًا جذريًا في البيئة الأمنية، فظهرت معطيات جديدة، منها تراجع الردع الإسرائيلي، واستنزاف المؤسسة العسكرية، وضغوط أمريكية غير مسبوقة، وانقسام داخلي عميق، وأزمة ثقة بين الجيش والقيادة السياسية، وتصاعد الضغوط القانونية الدولية. كل ذلك قلص قدرة الحكومة على فتح حرب شاملة جديدة في أكثر من جبهة.
الأسباب التي جعلت الضفة الغربية الساحة الأكثر قابلية للاشتعال
من منظور استراتيجي، تختلف الضفة الغربية عن غزة في عدة عناصر، منها:
-الموقع الجغرافي: الضفة ملاصقة للمراكز السكانية الإسرائيلية، وأي اضطراب واسع يعني شلل الطرق، وتعطيل الاقتصاد، وتهديد القدس، وتهديد مطار بن جوريون بصورة غير مباشرة.
-التركيبة السكانية: يوجد في الضفة مايقرب من ثلاثة ملايين فلسطيني، ومئات آلاف المستوطنين، وآلاف الجنود، واحتكاك يومي، فأي حادث صغير يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة واسعة.
-غياب الحدود الفاصلة: في غزة توجد حدود واضحة، أما الضفة فهي عبارة عن فسيفساء من مناطق فلسطينية، ومستوطنات، وقواعد عسكرية، وطرق التفافية، ومناطق مشتركة. وهذا يجعل السيطرة الأمنية أكثر تعقيدًا.
نتنياهو بين الضرورات الأمنية ومتطلبات البقاء السياسي
ترى تحليلات سياسية متعددة أن مستقبل نتنياهو السياسي مرتبط إلى حد كبير باستمرار ائتلافه الحاكم، الذي يضم أحزابًا قومية ودينية ذات أجندات واضحة تجاه الضفة الغربية. ضمن هذا الإطار يمكن فهم عدة اتجاهات، منها التمسك بالائتلاف، وتجنب انتخابات مبكرة، والحفاظ على دعم اليمين، وتجنب الانقسام داخل الحكومة. وهذا لا يعني بالضرورة أن كل خطوة أمنية تُتخذ بدافع البقاء السياسي وحده، لكنه عامل يراه كثير من المحللين مؤثرًا في صنع القرار.
مشروع سموتريتش
يُعد سموتريتش من أبرز الداعين إلى توسيع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية. يرتكز هذا المشروع على توسيع المستوطنات، وشرعنة بؤر استيطانية كانت تُعد غير قانونية وفق القانون الإسرائيلي، ودعم المزارع الاستيطانية، وزيادة السيطرة المدنية الإسرائيلية في مناطق (ج). ويصف مؤيدوه ذلك بأنه تعزيز للوجود الإسرائيلي، بينما يرى منتقدوه أنه يقوض فرص التسوية ويزيد الاحتكاك مع الفلسطينيين.
كماشة الضغط على السلطة الفلسطينية
وفق كثير من التحليلات، يمكن النظر إلى السياسة الإسرائيلية تجاه السلطة الفلسطينية باعتبارها تجمع بين مسارين:
-المسار الاقتصادي: يتضمن إجراءات مثل حجز أو تأخير تحويل بعض أموال المقاصة، وقيود على الحركة والتجارة، وضغوط مالية على المؤسسات. ويهدف، بحسب منتقديه، إلى تقليص قدرة السلطة على أداء وظائفها، بينما تبرره الحكومة الإسرائيلية باعتبارات أمنية وسياسية.
-المسار الميداني: يشمل توسيع النشاط الاستيطاني، وتكثيف الاقتحامات، وزيادة الاحتكاك في مناطق التماس، وتغيير الوقائع على الأرض.
المزارع الاستيطانية أداة لتغيير الواقع
يرى عدد من الباحثين أن المزارع الاستيطانية تؤدي دورًا يتجاوز النشاط الزراعي، إذ تُستخدم أحيانًا لتوسيع السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، خصوصًا في مناطق (ج). ويشير منتقدو هذه السياسة إلى أنها قد تسهم في تضييق المجال الحيوي للتجمعات الفلسطينية، وزيادة الاحتكاك بين السكان، وتعقيد إمكانية قيام تواصل جغرافي فلسطيني.
التصعيد في الضفة الغربية بين إضعاف السلطة وتقوية الفصائل المسلحة
من أبرز المفارقات التي يناقشها المتابعون للشأن الفلسطيني أن إضعاف مؤسسات السلطة الفلسطينية قد يخلق فراغًا تستفيد منه جماعات مسلحة، وهو ما قد يزيد من عدم الاستقرار في الضفة الغربية بدلًا من تقليله.
هذه فرضية يطرحها عدد من المحللين، بينما ترى أطراف إسرائيلية أن الضغط على السلطة ضروري لإحداث تغييرات في بنيتها وسياساتها.
الدور الأمريكي
تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا على الحكومة الإسرائيلية في ملفات متعددة، منها الحد من توسع الاستيطان، وتجنب انهيار السلطة الفلسطينية، ومنع اتساع الحرب إقليميًا، والحفاظ على إمكانية تسوية سياسية مستقبلية. ومع ذلك، يختلف تقدير مدى تأثير هذه الضغوط على القرارات الإسرائيلية النهائية.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول – احتواء هش: استمرار الاقتحامات والتوتر، وبقاء السلطة الفلسطينية، وتوسع استيطاني تدريجي، وغياب مواجهة شاملة.
السيناريو الثاني – انتفاضة واسعة: تصاعد العمليات والهجمات، وانتشار المواجهات في معظم مدن الضفة، وضغوط أمنية كبيرة على إسرائيل والسلطة.
السيناريو الثالث – انهيار مؤسسات السلطة: تراجع قدرتها على أداء وظائفها، وفراغ أمني وإداري، وتدخلات إسرائيلية أوسع لإدارة بعض المناطق.
السيناريو الرابع – مسار سياسي جديد: ضغوط دولية متزايدة، وخطوات لإعادة بناء السلطة وإصلاحها، ومفاوضات أو ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، وهو السيناريو الأقل ترجيحًا في المدى القريب وفق كثير من التقديرات.
ختاما
تشير التطورات إلى أن الضفة الغربية ستظل إحدى أكثر الساحات حساسية في المرحلة المقبلة، ليس فقط بسبب الاحتكاك الميداني، بل لأنها تمثل نقطة تقاطع لمشاريع سياسية وأمنية متعارضة. ومع استمرار العدوان على غزة وتباين أولويات الأطراف المختلفة، ستبقى احتمالات التصعيد أو الاحتواء مرتبطة بعوامل داخلية إسرائيلية وفلسطينية، وبالدور الذي ستلعبه الولايات المتحدة والقوى الإقليمية في إدارة الأزمة.
وبالنظر إلى تعقيد المشهد، فإن أي تحليل استراتيجي ينبغي أن يميز بين ما هو موثق وما هو تقدير أو فرضية، وأن يضع في الاعتبار وجود تفسيرات متباينة لدوافع وسياسات مختلف الأطراف.
أحدث المنشورات
- الضفة الغربية وحسابات حكومة نتنياهو: التحولات الإستراتيجية وتشابك الصراع والتصعيد
- خطاب النخبة الأمنية الإسرائيلية إلى ترامب: إرهاب المستوطنين، وانقسام الدولة، ومستقبل الضفة الغربية في ظل الضغوط الأمريكية
- تصريحات جيه دي فانس وتحولات الخطاب الأمريكي بشأن إسرائيل: السياق والدلالات
- مظاهر الانقسام بين مؤسسات القيادة في إيران وأثرها على صناعة القرار الاستراتيجي
- إفريقيا في مرآة الأمن القومي المصري (قراءة أسبوعية)
- إثيوبيا وتيجراي مواجهة بعيدًا عن الميدان
- صحافة فرنسية: قاعدة “فضائية” تركيا في الصومال، وتداعي القطاع الصحي بالسودان
- إثيوبيا من الداخل: بروباجندا تنموية ومكاسب “لا تتجاوز الصورة”
السبت, 1 أغسطس
