تأتي هذه الورقة لتلقي الضوء – من خلال الصحف ووسائل الإعلام الإثيوبية في منتصف إبريل الحالي –

على المشهد الإثيوبي الراهن الذي يمر بأزمات هيكلية عاصفة وتجاذبات إقليمية متسارعة؛ ففي الشأن الداخلي، تتصاعد حالة الاحتقان الاجتماعي عقب إختطاف رئيس تحرير أحد أشهر المنصات المعارضة للحكومة، بالتوازي مع أزمات اقتصادية خانقة تجسدت في تراجع البر الإثيوبي لأدنى مستوياته عالمياً وتوغل اقتصاد الظل الذي استنزف الموارد القومية، مما دفع الحكومة لفرض إجراءات تقشفية طالت قطاع التعليم. وعلى الصعيد الأمني، تبرز تحديات الانقسام في تيجراي والانفلات في أوروميا كعقبات أمام الاستقرار. أما خارجياً، فترصد الورقة التحولات الاستراتيجية في القرن الأفريقي، بدءاً من التقارب المصري الإريتري، وصولاً إلى أزمة السيادة الصومالية التي اصطدمت بطموحات إثيوبيا البحرية ومواقف أرض الصومال المثيرة للجدل دولياً.

اولًا: على المستوى الداخلي

  • اجتماعيًا

لغز اختطاف رئيس تحرير أديس ستاندرد يشعل الغضب

سادت حالة من الصدمة والقلق الأوساط الحقوقية والإعلامية في إثيوبيا في منتصف الشهر الحالي عقب اختطاف “مليون بيني”، رئيس تحرير صحيفة “أديس ستاندرد”، من مقر عمله في منتصف أبريل 2026 على يد مسلحين مجهولين بملابس مدنية. والجدير بالذكر أن صحيفة “أديس ستاندرد” (Addis Standard)  تعد واحدة من أبرز القلاع الصحفية المستقلة في إثيوبيا والقرن الأفريقي، حيث استطاعت منذ تأسيسها عام 2011 أن تحجز مكانة رفيعة كمنبر نقدي وجريء يتناول القضايا السياسية والاجتماعية الشائكة، خاصة في ملفات حقوق الإنسان، والنزاعات العرقية، والتحولات الديمقراطية، مما جعلها مرجعاً موثوقاً لوكالات الأنباء الدولية.  ولا يعد استهداف هذه المؤسسة أو التضييق على كوادرها مجرد اعتداء على وسيلة إعلامية، بل هو محاولة لكسر إحدى أهم الأدوات التي تضمن الشفافية والمساءلة في المجتمع الإثيوبي. وفي ظل نفي قاطع من الشرطة الفيدرالية والمحلية بوجوده لديهم، ووسط توثيق كاميرات المراقبة لعملية اقتياده لجهة مجهولة، وصفت رابطة الإعلاميين الإثيوبيين ودار “جاكين للنشر” الحادثة بأنها انتهاك صارخ للدستور وترهيب ممنهج يهدد ما تبقى من آمال ديمقراطية. ويأتي هذا التصعيد الأمني المريب بعد شهرين فقط من سحب ترخيص الصحيفة بدعوى المساس بالمصلحة الوطنية، مما يضع السلطات أمام اتهامات مباشرة بالمسؤولية عن سلامته، وسط مخاوف متزايدة من تكرار سيناريوهات الاختفاء القسري للصحفيين في البلاد. وقد طالبت الصحيفة في مقال بتاريخ  (18 إبريل) بإجراء تحقيق عاجل، ودعت إلى إطلاق سراحه فورًا.

  • اقتصاديًا
  • تصنيف البر الإثيوبي ضمن أضعف العملات أداءً في العالم

في إطار  تزايد المخاوف من العواقب الوخيمة لعدم استقرار العملة، حيث باتت التقلبات السعرية المتلاحقة تمثل طرداً قسرياً للاستثمارات الأجنبية الباحثة عن الأمان الربحي. وبالتوازي مع ذلك، نشرت صحيفة أديس ستاندر في نسختها الأمهرية الصادرة بتاريخ (11 إبريل) خبرًا موسعًا حول  استيائها من تصنيف البر الإثيوبي ضمن أسوأ العملات أداءً في العالم، وقد أشارت الصحيفة أيضًا إلى تصنيف جنيه الجنوب السوداني؛ حيث فقد كل منهما أكثر من 10% من قيمتهما بحلول عام 2025م. وأشارت الصحيفة إلى أنه في ظلّ سعي إثيوبيا الحثيث لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وسط عملية معقدة لإعادة هيكلة ديونها، سُجّل البر كثالث أضعف عملة، وقد انخفض سعر صرف البر بنسبة 18% من قيمته السنوية مقابل الدولار الأمريكي، نتيجةً لنقص الدولار وارتفاع التضخم وتراجع ثقة المستثمرين الأجانب. بينما انخفض مجمل سعر صرف الجنيه السوداني بنسبة 15%. وأرجع البنك الدولي انخفاض قيمة الجنيه السوداني إلى تعطل صادرات النفط في جوبا وفارق الأسعار في السوق السوداء.

  • اقتصاد الظل يهدد الصادرات والواردات الإثيوبية

تناولت صحيفة “ذا ريبورتر” في عددها الأمهري الصادر بتاريخ (12 أبريل) خبرًا حول مساءلة لجنة الجمارك الإثيوبية أمام البرلمان التي كشفت عن استفحال ظاهرة التهريب التي بلغت قيمتها 74 مليار بر خلال السنوات الثماني الماضية، وهو ما دفع الحكومة لاقتراح تعديلات تشريعية لمواجهة هذا التهديد الاقتصادي. تضمن مشروع القانون الجديد إجراءات صارمة، أبرزها مصادرة المركبات المستخدمة في التهريب، وهو البند الذي أثار جدلاً برلمانياً حول دستوريته ومدى مساسه بحقوق الملكية، خاصة في حالات سوء سلوك السائقين دون علم الملاك. كما أبدى البرلمانيون تحفظهم على إطالة مدد التخليص الجمركي، مطالبين بتفسيرات لتعارض ذلك مع التحول الرقمي، فضلاً عن انتقاد مقترح تخصيص عوائد بيع المصادرات لبناء قدرات اللجنة بعيداً عن الميزانية العامة للدولة، مما يضع التعديلات الجديدة في مواجهة بين ضرورة الحسم الأمني وتحديات العدالة وكفاءة الخدمة.

  • ضغوط اقتصادية تدفع الحكومة لاتخاذ قرارات تقشفية في قطاع التعليم

أشارت صحيفة “ذا ريبورتر” بتاريخ (19 أبريل) إلى حالة الاستياء التي ذاعت في الأوساط الأكاديمية إثر إعلان وزير التعليم الإثيوبي برهانو نيغا، عن قرارات تقشفية وصفت بالصارمة تجاه أعضاء هيئة التدريس في الجامعات. وتجلى هذا الاستياء في طبيعة الخيارات التي طرحتها الوزارة أمام البرلمان، والتي ألزمت الأساتذة في التخصصات غير الجاذبة بالانتقال القسري إلى مجالات أخرى أو مواجهة الاستغناء، بذريعة وقف هدر الموارد المالية. وما زاد من حدة الانتقادات هو تحميل الكوادر الأكاديمية تبعات الضغوط الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

جـ- أمنيًا

1-تداعيات قرار تمديد آبي أحمد لولاية الإدارة المؤقتة لإقليم تيجراى

إهتمت مختلف الصحف بقرار رئيس الوزراء الإثيوبي بتمديد ولاية الفريق “تاديسي ويريدي” على رأس الإدارة المؤقتة في تيجراي وإعتبرته خطوة مثيرة للجدل، تحمل في طياتها تداعيات استراتيجية قد تعيد تشكيل المشهد السياسي في الإقليم والبلاد ككل. وشرخ حاد داخل النخبة السياسية في الإقليم؛ فبينما يسعى “تاديسي” للحفاظ على التوافق مع أديس أبابا لتجنب الحرب، ترى جبهة تحرير تيجراي في هذا القرار تجاوزاً لشرعيتها ومحاولة من آبي أحمد لفرض قيادات موالية له بعيداً عن الهياكل التقليدية للجبهة. وتداولت الصحف والمواقع الإعلامية  التطورات الأخيرة في إقليم تيجراي مثل صحيفة “ذا ريبورتر” التي رأت في عددها الأمهري الصادر بتاريخ (19 أبريل) أنها عكست أزمة سياسية عميقة تنذر بتجدد الصراع، وأثارت مخاوف واسعة من سعي الجبهة لتفكيك الإدارة المؤقتة والعودة لهياكل الحكم ما قبل الحرب، في خطوة وصفتها المعارضة المحلية بأنها تحدٍ صارخ للحكومة الفيدرالية. ويرى مراقبون للصحيفة أن الجبهة قد تلجأ لاستخدام القواعد الشعبية كغطاء للمطالبة بحل الإدارة الحالية.

في المقابل تناولت صحيفة أديس ستاندر بتاريخ (13 إبريل) في خبر تحليلي لها عن تدعيات ذلك القرار الذي رأت أنه قد أبرز فجوة حادة في الرؤى بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيجراي؛ حيث أكد رئيس الوزراء أن القرار يستند إلى تشريعات دستورية سُنّت خصيصاً بعد اتفاق بريتوريا. في المقابل، رفضت الجبهة هذا التوجه واعتبرته إجراءً أحادياً ينتهك روح الاتفاقية القائمة على التوافق السياسي، مشيرةً إلى أن تجاوز الحوار المباشر واعتماد الأطر القانونية المحلية بدلاً من الترتيبات التفاوضية يقوض مسار السلام، وهو ما يضع موقف آبي أحمد في مواجهة مباشرة مع مطالب الجبهة بالشراكة السياسية.

2-إدارة تيجراي تنفي مزاعم الانقلاب وتؤكد تماسك جبهتها الداخلية

تناولت صحيفة أديس ستاندر بتاريخ (13 إبريل) نفي الإدارة المؤقتة في إقليم تيجراي بشكل قاطع صحة وثيقة متداولة تزعم فرض قيود على تحركات القوات ووجود انقسامات عسكرية داخلية، واصفةً إياها بالرسالة المفبركة والمضللة التي تهدف إلى إثارة الفتنة ونشر الفوضى. وأكد مكتب السلام والأمن بالإقليم أن ما ورد في تلك الوثيقة حول التحضير لانقلاب أو صدور أوامر عسكرية رادعة ضد قادة الحزب هو عمل احتيالي لا يمت للواقع بصلة. ويأتي هذا التكذيب الرسمي ليعكس حالة التحفز الأمني والسياسي في الإقليم، خاصة مع تصاعد حدة الخلافات بين الإدارة المؤقتة وجبهة تحرير تيجراي حول شرعية تمديد الولاية ومسار تنفيذ اتفاقية بريتوريا.

3 انهيار أمني في قلب أوروميا

تداولت صحيفة أديس ستاندر (16 إبريل) حالة الرعب والانهيار الأمني التي تعيشها بلدة أمبو في إقليم أوروميا، حيث يشتكي السكان من سيطرة عصابة إجرامية منظمة على المدينة لمدة عامين. وتفيد التقارير بارتكاب الجماعة انتهاكات جسيمة تشمل القتل، والاعتداءات العلنية، والاختطاف مقابل فدية، والنهب، وسط اتهامات بتواطؤ بعض أجهزة إنفاذ القانون المحلية؛ مما دفع الأهالي للعيش في خوف شديد وعزلة قسرية نتيجة غياب المحاسبة وتفشي الإفلات من العقاب.

ثانيًا: على المستوى الخارجي

  • تعزيز الروابط المصرية الإريترية في القرن الأفريقي

تعد العلاقات المصرية الإريترية نموذجاً فريداً للتحالفات الاستراتيجية التي تفرضها الجغرافيا السياسية وتحديات الأمن القومي المشترك في منطقة القرن الأفريقي.  وتشهد تلك العلاقات الفترة الحالية طفرة غير مسبوقة مدفوعة بتوافق الرؤى بين القاهرة وأسمرة حيال ملفات حيوية، وفي سياق هذا أشارت صحيفة أديس ستاندر على موقعها على الفيس بوك بتاريخ (15 إبريل)  إلى المباحثات رفيعة المستوى التي أجريت في القاهرة وجمعت مسؤولين مصريين بوفد إرتري يقوده رئيس الشؤون الاقتصادية ووزير التجارة والصناعة. وتركزت النقاشات المستفيضة على توسيع آفاق التعاون في مجالات التجارة والاستثمار، تفعيلاً للتفاهمات التي تمت بين الرئيسين السيسي وأفورقي في قمة أكتوبر الماضي. وتأتي هذه التحركات لتعزز التوافق السياسي بين البلدين، خاصة فيما يتعلق بأمن ممر البحر الأحمر والتحولات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي.

  • أرض الصومال تتمسك بسيادتها وترفض التنديد الدولي باعتراف إسرائيل

تداولت صحيفة أديس استاندر في عدد من الأخبار بنسختيها الأمهرية والإنجليزية بتاريخ (18 – 19 إبريل) أخباراً حول احتدام الصراع الدبلوماسي بين حكومة أرض الصومال والحكومة الفيدرالية الصومالية، إثر اعتراف إسرائيل رسمياً بأرض الصومال وتعيين ممثل دبلوماسي لها، وقد أثار هذا القرار إدانة جماعية من 12  دولة (أبرزها مصر والسعودية وتركيا)، حيث اعتبروه انتهاكاً صارخاً لسيادة الصومال. كذلك أدانت مقديشو هذه الخطوة باعتبارها انتهاكاً صارخاً للسيادة الصومالية ووحدة أراضيها وتهديداً للاستقرار الإقليمي. في المقابل دافعت صوماليلاند عن الخطوة باعتبارها ممارسة لسيادتها في إدارة شؤونها الخارجية وتعزيز علاقاتها المؤسسية مع إسرائيل، رافضةً موقف الصومال لعدم امتلاكها أي صفة قانونية تخوّلها التعليق على علاقاتها الثنائية أو التدخل فيها، مشددة على أن اعتراف إسرائيل يمثل حقيقة قانونية تعكس سجلها في الحوكمة والأمن.

3-طموح إثيوبيا البحري وأزمة السيادة الصومالية

حللت صحيفة أديس ستاندرد في مقال موسع بتاريخ (14  أبريل) التحول الجيوسياسي المتسارع في القرن الأفريقي، معتبرة إياه الشرارة المحتملة للمواجهة القادمة بين القوى العظمى بدلاً من منطقة الخليج. وقد رأت أن  هذا التوتر ينبع من سعي إثيوبيا — أكبر دولة حبيسة في العالم — لكسر سجنها الجغرافي عبر مذكرة تفاهم مع صوماليلاند، وهي الخطوة التي أثارت غضب الصومال وعمقت النزاعات الإقليمية؛ واعتبرته مصر تهديداً استراتيجياً جديداً يُضاف لأزمة السد. وانقسمت – في ظل هذا المشهد – مواقف القوى الإقليمية، فبينما أبدت الإمارات انفتاحاً على طموحات إثيوبيا لما توفره من فرص لوجيستية، عززت السعودية تنسيقها مع مصر للحفاظ على استقرار البحر الأحمر، مما يُنذر بتحويل المنطقة إلى ساحة صراع وتنافس إقليمي للسيطرة على الممرات المائية الحيوية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version