“المحور السني الجديد”: بين المزاعم الإسرائيلية والتوازنات الإقليمية

د/محمد أحمد صالح

المستخلص  

أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرا عن مخاوف بلاده من تشكيل “محور سني” قد يستهدف إسرائيل في المستقبل، بعدما نجحت إسرائيل في ضرب إيران وأذرعها في المنطقة، والذين شكلوا “المحور الشيعي” الذي استهدفها تحت مسمى “محور المقاومة”.

تتناول هذه الورقة ما يُعرف بـ”المحور السني الجديد” بوصفه توصيفًا تحليليًا متداولًا في الأدبيات السياسية المعاصرة في إسرائيل، فتسعى إلى تفكيك بنية مفاهيمه وتحليل دلالاته الجيوسياسية. تعتمد الدراسة على منهج تحليلي-مقارن ضمن إطار نظري مستند إلى الواقعية السياسية ونظرية توازن القوى، مع توظيف تحليل السيناريوهات لاستشراف مستقبل تقارب دول مايسمى بـ”الحلف السني”.

تخلص الورقة إلى أن ما يُسمّى “المحور السني” لا يمثل تحالفًا مؤسسيًا، بل شبكة مرنة من المصالح الإقليمية، تعكس تحوّل النظام الإقليمي من نموذج المحاور الصلبة إلى نموذج الشبكات المتغيرة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار والتنافس الإقليمي.

المقدمة

شهد الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين تحولات بنيوية عميقة، تمثلت في تراجع أنماط التحالفات التقليدية وصعود أشكال أكثر مرونة من التنسيق الإقليمي. وفي هذا السياق، برز مصطلح “المحور السني الجديد” في الخطاب الإعلامي والتحليلي في إسرائيل، بوصفه إطارًا لتفسير تقارب عدد من الدول العربية والإقليمية.

غير أن هذا المصطلح يثير إشكالية معرفية، إذ يجمع بين توصيف طائفي ظاهري وسلوك سياسي براجماتي قائم على المصالح. ومن ثم، تطرح هذه الورقة تساؤلا محوريا: إلى أي مدى يعكس مفهوم “المحور السني الجديد” واقعًا تحالفيًا حقيقيًا؟، أم أنه مجرد بناء تحليلي يختزل شبكة معقدة من المصالح؟

المنهجية

تعتمد الورقة على المنهج التحليلي النوعي لفهم طبيعة العلاقات بين الدول المعنية المشاركة، والمنهج المقارن لمقارنة هذا “المحور” بمحاور أخرى، مثل “محور المقاومة” الذي يغلب عليه المذهب الشيعي، وتحليل السيناريوهات لاستشراف المسارات المستقبلية المحتملة.

حدود الدراسة:

لا تعتمد الورقة على تحليل بيانات كمية، فضلا عن محدودية البيانات التجريبية، مع التركيز على التحليل السياسي التفسيري أكثر من الاقتصادي التفصيلي.

الإطار النظري

يمكن تفسير الظاهرة ضمن ثلاث مقاربات رئيسة: الواقعية  (Realism)التي تفترض أن الدول تسعى إلى الحفاظ على أمنها، وتعزيزه، وموازنة التهديدات، ينطبق ذلك على سلوك الدول تجاه النفوذ الإيراني. ونظرية توازن القوى (Balance of Power)، التي تشير إلى أن الدول تشكّل تحالفات لمواجهة قوة مهيمنة، ما يُفسّر التقارب بين دول إقليمية لمواجهة إيران. البنائية (Constructivism)، التي تركّز على دور الهوية والخطاب، بما يفسر استخدام مصطلح “سني” رغم أن السلوك سياسي براجماتي.

إطار المفاهيم

-تعريف “المحور السني الجديد”: توصيف تحليلي يشير إلى تقارب سياسي وأمني غير رسمي بين عدد من الدول ذات المصالح المشتركة في مواجهة تحديات إقليمية.

إشكالية التسمية: ليست طائفية بالمعنى الصارم، وتعكس تبسيطًا إعلاميًا، وتُخفي تعقيدات المصالح.

“الحلف السني” وأوهام نتنياهو

إن الحديث المتداول عن “حلفٍ سنّي”، تقوده دول مثل تركيا والسعودية ومصر وباكستان، يقابله “تحالف مضاد” تسعى إليه إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، يمثل خلطا بين تصريحات سياسية جزئية، وتحليلات إعلامية، ومبالغات متداولة على وسائل التواصل، وليس واقعًا متبلورًا على الأرض حتى الآن.

تصريحات نتنياهو

تشير التصريحات إلى أن بنيامين نتنياهو تحدث عن وجود “محور شيعي” تقوده إيران تسعى إسرائيل لإضعافه، وفي المقابل، حذّر من تشكل “محور سنّي” جديد قد يضم دولًا كبرى في المنطقة. لكنه لم يعلن رسميًا عن خريطة تحالفات تفصيلية للدول المشاركة فيه بالشكل الذي يُتداول (مثل: إثيوبيا ضد مصر، أو الهند ضد باكستان، وقبرص واليونان ضد تركيا)، بل إن هذه التفاصيل تأتي غالبًا من تحليلات أو منشورات غير موثقة.

حقيقة “الحلف السنّي”

-من حيث الواقع: لا يوجد حلف عسكري رسمي معلن يضم تركيا، والسعودية، ومصر، وباكستان. لكن توجد تقاطعات مصالح بين هذه الدول في بعض الملفات، مثل مواجهة النفوذ الإيراني أو قضايا الأمن الإقليمي. مايوجد فقط هو اتفاقيات ثنائية، مثل التعاون الدفاعي بين السعودية وباكستان، الذي يعكس تقاربًا استراتيجيًا دون أن يشكل “حلفًا موحدًا”.

-من حيث التحديات: هذا “الحلف المفترض” يصطدم بعقبات كبيرة، منها اختلافات سياسية عميقة (مثل التوتر السابق بين تركيا ومصر)، وتباين الأولويات (اقتصادية، وأمنية، وجيوسياسية)، وعدم وجود قيادة موحدة أو إطار مؤسسي. لذلك ينظر إليه على أنه أقرب إلى تصور نظري أو احتمال جيوسياسي وليس تحالفًا قائمًا.

حقيقة “التحالف المضاد” التي تقوده إسرائيل

تعمل إسرائيل بالفعل على بناء شبكة تحالفات مرنة (وليس حلفًا رسميًا واحدًا)، وتعزيز علاقاتها مع دول أوروبية (مثل اليونان وقبرص)، وقوى آسيوية (مثل الهند)، ودول إفريقية (مثل إثيوبيا). لكن هذه العلاقات ثنائية أو ثلاثية ولاتشكل “محورًا موحدًا ضد دول بعينها”، ولا يوجد إعلان رسمي عن “تحالف مضاد” بهذه الصيغة.

الأهداف المحتملة

إذا أخذنا الفكرة كتصور نظري، فإن أهداف هذه المحاور قد تكون:

-بالنسبة لإسرائيل: منع تشكل قوة إقليمية موحدة ضدها، وموازنة النفوذ الإيراني، وتوسيع شبكة الشراكات الأمنية والاقتصادية.

-بالنسبة للدول الإقليمية: تحقيق توازن قوى في المنطقة، وحماية المصالح الاستراتيجية (الطاقة، والممرات البحرية، والأمن).

قابلية التحالفات للتحقق

بواقعية شديدة المنطقة لا تعمل وفق “محاور صلبة” (مثل الحرب الباردة)، بل وفق تحالفات مرنة ومتغيرة، وتعاون جزئي وفق الملفات المطروحة. لذلك من غير المرجح ظهور “حلف سنّي موحد”، أو “تحالف إسرائيلي مضاد شامل”، بل الأرجح استمرار شبكة علاقات متداخلة ومتغيرة.

الخلاصة

ما يُتداول عن حلف سنّي موحد وتحالف إسرائيلي مضاد بتوزيع دولي محدد هو تبسيط مفرط لمشهد معقد جدًا. الحقيقة الأقرب هي أن هناك تنافسا إقليميا ومحاولات اصطفاف، لكن دون تحالفات رسمية شاملة بهذا الشكل، والواقع على الأرض تحكمه البراجماتية أكثر من الانقسام الطائفي الصارم.

طبيعة “المحور السني”

-غياب البنية المؤسسية: لا توجد معاهدة مشتركة، وبالتالي لم تتشكل قيادة موحدة، ولا التزام دفاعي مشترك.

السمات الأساسية: مرونة عالية، وبراجماتية سياسية، وانتقائية في التعاون.

يعكس غياب البنية المؤسسية والسمات الأساسية المشتركة- الناتجة عن غياب معاهدة مشتركة وقيادة موحدة والتزام دفاعي- “شبكة مصالح” لا “تحالفًا مذهبيا تقليديًا”.

بين “المحور السني” و”المحور الشيعي”

البعد المحور السني المحور الشيعي
التنظيم غير مؤسسي شبه مؤسسي
الأيديولوجيا ضعيفة قوية
الأدوات دبلوماسية عسكرية
القيادة غائبة مركزية

يكشف جدول المقارنة بين المحورين اختلافا ليس فقط في الأهداف، بل في البنية ذاتها.

التحليل الجيوسياسي

-البعد الأمني: تتمثل مجالاته في مكافحة الإرهاب، والتنسيق في ملفات إقليمية، واحتواء النفوذ الإيراني.

-البعد السياسي: تتمثل مجالاته في رفض الفوضى الإقليمية، وتقارب في مواقف الحكم والاستقرار.

-البعد الاستراتيجي: تتمثل مجالاته في إعادة تشكيل ميزان القوى، ومنع الهيمنة الإقليمية.

السيناريوهات المستقبلية

-السيناريو الأول – التحالف المؤسسي: تتمثل نتائجه في ردع إقليمي أقوى وتوازن قوى واضح، أما مخاطره فتتمثل في استقطاب حاد وسباق تسلح.

-السيناريو الثاني – الاستمرار كشبكة مرنة (الأرجح): تتمثل نتائجه في تعاون انتقائي وتجنب التزامات رسمية.

-السيناريو الثالث – التفكك: تتمثل نتائجه في فراغ استراتيجي، وتصاعد نفوذ إيران، وزيادة عدم الاستقرار.

الفاعلون الدوليون

-إسرائيل: ترى فرصة للتعاون وتخشى تحالفًا موحدًا.

-إيران: تعتبره تهديدًا وتعمل على موازنته.

-القوى الكبرى: الولايات المتحدة تقدم دعما غير مباشر، أما الصين وروسيا فتعملان على استثمار في التوازنات.

الخاتمة

هكذا تكشف الورقة عن تحول مهم، مفاده الانتقال من نظام محاور صلبة إلى نظام شبكات مرنة، وعلاقات غير ثابتة، وتحالفات ظرفية، ومصالح تتغير بسرعة، كما تظهر أن الصراعات لا تُدار بالكامل، لكنها تُوجّه وتُستثمر. وتخلص أيضا إلى أن “المحور السني الجديد” ليس تحالفًا بالمعنى التقليدي، بل هو انعكاس لتحول أعمق في بنية النظام الإقليمي، حيث تحل شبكات المصالح محل التحالفات الصلبة. وبالتالي فهم هذا “المحور” يتطلب تجاوز التصنيفات الطائفية، والنظر إليه ضمن ديناميات التوازنات الاستراتيجية والمصالح المتغيرة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version