(قراءة في ارتدادات الزلزال القضائي والسياسي)

دكتور محمود العدل – رئيس وحدة الدراسات التركية

يعيش المشهد الداخلي التركي اليوم على وقع منعطف تاريخي حاسم، أعاد رسم خارطة التوازنات الحزبية والسياسية في البلاد بشكل دراماتيكي. فبعد مرحلة من الصعود اللافت لتيار المعارضة جاء قرار القضاء التركي الصادم ببطلان المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري المعارض –المنعقد في نوفمبر 2023– ليمثل ضربة ارتدادية عنيفة، وضعت القوى المناهضة للحكومة بين مطرقة الأحكام القضائية وسندان التشرذم الداخلي، في توقيت تتشابك فيه الأزمات السياسية والاقتصادية محليًّا وإقليميًّا بشكل غير مسبوق.

ولفهم أبعاد هذا التحول الاستثنائي، تبرز قراءة (وحدة الدراسات التركية) لسياق التطورات التي سبقت هذا الحكم؛ إذ تمخض المؤتمر العام الفائت للحزب عن ولادة قيادة شابة جديدة برئاسة أوزجور أوزال، جاءت كبديل راديكالي لكمال كليتشدار أوغلو- المرشح الرئاسي السابق وصاحب جولة الإعادة الشرسة أمام الرئيس رجب طيب أردوغان في يونيو 2023-.

هذا التغيير البنيوي شكّل رافعة سياسية كبرى للحزب، حيث تمكنت القيادة الشابة فور تسلُّمها زمام الأمور من تحقيق انتصار تاريخي مدوٍّ في انتخابات البلديات في مارس 2024، قفزت بموجبه للمركز الأول مهيمنة على كبريات الحواضر التركية لأول مرة منذ 47 عاماً، وهو ما عكس حينها تراجعاً ملموساً في شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم، وعدم رضا الشارع عن أدائه الإداري.

بيد أن هذا الصعود لم يدم طويلاً، إذ جاء حكم القضاء التركي الأخير ببطلان ذلك المؤتمر ليحمل صفة (الإبرام القطعي غير القابل للنقض)، مفجراً جملة من التداعيات السياسية العنيفة في بيت المعارضة. وبموجب هذا الحكم المُلزِم، استعاد رئيس الحزب السابق كمال كليتشدار أوغلو (77 عاماً) شرعيته القانونية رئيسًا فعليًّا وحيدًا للحزب، فيما أُقصي أوزجور أوزال وفريقه الشاب من الهياكل الإدارية والتنفيذية، ليعود أوزال مجدداً إلى منصبه السابق كرئيس للكتلة البرلمانية للحزب داخل مجلس الأمة التركي الكبير خاضعاً لإدارة كليتشدار أوغلو.

ولم تتوقف الشظايا السياسية للحكم عند هذا الحد، وإنما امتدت لتقوض البدائل الرئاسية للمعارضة؛ حيث تلاشت آمال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو  في المنافسة المستقبلية إثر انسداد أفقه القانوني، في وقت بات فيه رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش قاب قوسين أو أدنى من العزل والمحاكمة بتهم تتعلق بالرشاوى السياسية، وسط مؤشرات قوية على احتمالية صدور حكم بسجنه وعزله خلال الأيام القليلة القادمة، الأمر الذي يضع خيار الانتخابات الرئاسية والتشريعية المبكرة كأمر واقع ومؤكد خلال عام 2027 بدلاً من موعدها الدستوري في 2028.

ولم تكن البيئة الاقتصادية التركية بمعزل عن هذه الهزات الفوقية، بل تُرجِمَت التطورات القضائية فوراً إلى أرقام حمراء انهمرت على المؤشرات المالية والنقدية، كاشفة عن عمق الارتباط بين الاستقرار السياسي واليقين الاقتصادي. فقد هوى مؤشر بورصة إسطنبول الرئيسي بنسبة تجاوزت 6% في موجة بيع عنيفة قادتها أسهم القطاع المصرفي، مما دفع السلطات التنظيمية إلى تفعيل آلية تعليق التداول التلقائي كبحاً لنزيف الخسائر، بالتوازي مع قفز تكلفة التأمين ضد التخلف عن السداد (CDS) بنحو 15 نقطة أساس، وهو ما يعكس القلق البالغ للمستثمرين الأجانب من عودة المخاطر السياسية إلى الواجهة.

وفي سوق الصرف، بدا استقرار الليرة التركية عند مستويات قريبة من 46 ليرة للدولار الواحد استقرارًا اصطناعيًّا بامتياز؛ إذ جاء نتيجة تدخل مباشر ومكثف من البنوك الحكومية التي ضخت نحو 6 مليارات دولار في يوم واحد للدفاع عن العملة، تم بيع نصفها فور صدور الحكم القضائي مباشرة. ويعكس هذا الاستنزاف تكرارًا لسيناريو مارس الماضي، حينما سجلت الاحتياطيات التركية أضخم هبوط شهري في تاريخها بانخفاض تجاوز 43 مليار دولار، إثر تسييل شبه كامل لحيازات سندات الخزانة الأمريكية.

وأمام هذا المأزق المركَّب، وجد البنك المركزي التركي برئاسة فاتح كاراهان نفسه مجبراً على استخدام أدوات نقدية غير تقليدية لحماية العملة، أبرزها الالتجاء إلى أداة (مبادلات الذهب)، حيث يتم رهن جزء من احتياطيات المعدن الأصفر مقابل الحصول على سيولة عاجلة بالدولار، مما يحول الذهب من احتياطي استراتيجي جامد إلى أداة تمويل نقدية يومية، وهو مؤشر قوي على هشاشة الوضع النقدي. وتتزامن هذه الإجراءات الحمائية المكلفة –والتي تعيد إلى الأذهان إنفاق أكثر من 50 مليار دولار العام الماضي إبان الأزمة القضائية لأكرم إمام أوغلو وتهمة تزوير شهادته الجامعية– مع قفزة التضخم إلى 32.4%، مما دفع المركزي لتعديل مستهدفاته الرسمية نحو الأعلى، واضعاً خطط الإصلاح الاقتصادي الكلي في مأزق حقيقي تجلى في قفز عوائد السندات التركية لأجل عشر سنوات إلى مستوى غير مسبوق بلغ 35.75%..

إن هذه المشهد المعقد الذي تشهد تركيا اليوم يمثل حالة تكرارية لافتة في التاريخ التركي الحديث، يشبه إلى حد بعيد مناخات انتخابات عام 1946م والمعركة السياسية الشهيرة بين عدنان مندريس رئيس الحزب الديمقراطي، وعصمت إينونو خليفة أتاتورك، الذي سجل له التاريخ آنذاك قبوله بمقعد المعارضة طواعيةً حفاظًا على السِّلم الأهلي والتجربة الديمقراطية الناشئة في البلاد.

وبناءً على هذه المعطيات الراهنة، تشير التقديرات الاستراتيجية إلى أن كفة الاستقرار والخبرة السياسية ستظل راجحة لصالح الرئيس رجب طيب أردوغان لقيادة البلاد خلال السنوات المقبلة؛ ففي ظل نفق سياسي داخلي مظلم وأمواج عاتية من التقلبات والمخاطر الإقليمية المحيطة، يبدو أن المزاج العام للدولة والناخب يميل مجدداً إلى خيار (الرجل القوي الممسك بخيوط اللعبة وصاحب الخبرة الطويلة العابرة للأزمات)، وبانتظار ما ستسفر عنه جولة عام 2027 التاريخية المقترحة.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version