د/محمد أحمد صالح

تواجه إسرائيل في لبنان أزمة مركبة لا تتعلق فقط بقدرات حزب الله، بل أيضا بغياب هدف سياسي واقعي. فالجيش يستطيع تنفيذ ضربات، واحتلال مواقع، وتدمير بنى عسكرية، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج نهاية سياسية للحرب. وإذا لم تحدد القيادة السياسية ما تريده بدقة، فإن الجيش سيبقى في دائرة عمليات مفتوحة بلا أفق.
المشكلة الأساسية أن نتنياهو رفع سقف التوقعات، لكنه لم يوفر شروط تحقيقها. وعندما بدأت الفجوة تظهر بين الخطاب والواقع، بدأت عملية البحث عن جهة تتحمل المسؤولية. ومن هنا جاءت فكرة “كبش الفداء”. إن تحميل الجيش المسؤولية قد يمنح نتنياهو مكسبا سياسيا مؤقتا، لكنه يهدد بإضعاف منظومة القرار الأمني، ويكشف للخصوم حجم التوتر الداخلي الإسرائيلي. كما أنه لا يحل المعضلة الأصلية: كيف يمكن تأمين الشمال من دون حرب شاملة، ومن دون احتلال طويل، ومن دون تسوية سياسية تمنح حزب الله فرصة الادعاء بأنه صمد؟
مقدمة
كشف التقرير الذي أوردته صحيفة “يسرائيل هيوم” عن تصاعد أزمة ثقة داخلية بين المستوى السياسي الإسرائيلي، ممثلا برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وبين المؤسسة العسكرية، على خلفية النتائج المحدودة للعملية العسكرية الإسرائيلية في لبنان. فبينما يحاول نتنياهو الظهور بمظهر القائد الذي أصدر تعليمات صارمة للجيش بالرد بقوة على حزب الله، تشير تسريبات كبار المسؤولين العسكريين إلى أن قواعد الاشتباك لم تتغير فعليا، وأن ما جرى ميدانيا بقي ضمن الإطار المعتاد للعمل العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان.
تنبع أهمية هذا التسريب من أنه لا يقتصر على خلاف تكتيكي حول طبيعة الضربات أو نطاقها، بل يكشف عن أزمة أعمق في إدارة الحرب، وفي توزيع المسؤوليات بين القيادة السياسية والجيش، وفي محاولة مبكرة لصناعة رواية سياسية تبرئ نتنياهو من النتائج غير الحاسمة في الجبهة اللبنانية.
فبحسب ما تنقله الصحيفة، يرى مسؤولون في الجيش الإسرائيلي أن بيان نتنياهو لم يكن تعبيرا عن تحول عملياتي حقيقي، بل كان محاولة سياسية لامتصاص الضغط الشعبي، وتهيئة الرأي العام لفكرة أن الجيش هو الطرف الذي فشل في تنفيذ التعليمات، رغم أن المؤسسة العسكرية تؤكد أنها تعمل وفق القيود والتوجيهات الصادرة من المستوى السياسي نفسه.
تتمثل خطورة ما كشفته “يسرائيل هيوم” في أنه يعرّي انتقال الأزمة الإسرائيلية من ميدان المواجهة مع حزب الله إلى داخل بنية القرار الإسرائيلي نفسها. فنتنياهو، المحاصر بنتائج غير حاسمة وضغط شعبي متزايد، يحاول تحويل الجيش إلى كبش فداء سياسي، رغم أن الجيش يعمل ضمن القيود التي فرضها المستوى السياسي. وبذلك، لا تبدو الأزمة في ضعف الأداء العسكري وحده، بل في غياب استراتيجية سياسية واضحة تحدد ما تريده إسرائيل من لبنان، وكيف يمكن الوصول إليه، وبأي كلفة.
خلفية المشهد العسكري والسياسي
منذ شن العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في لبنان، سعت القيادة السياسية في إسرائيل إلى تقديم الحملة بوصفها فرصة لإعادة تشكيل الواقع الأمني على الحدود الشمالية، وفرض معادلة جديدة على حزب الله، وطمأنة سكان الشمال بأن هذه الجولة لن تنتهي كما انتهت جولات سابقة، أي من دون نتيجة حاسمة.
غير أن الواقع الميداني جاء أكثر تعقيدا من الخطاب السياسي. فالجيش الإسرائيلي، رغم سيطرته على مواقع ومساحات في جنوب لبنان، لم يتمكن من تحقيق هدف مركزي يتمثل في تأمين كامل للجبهة الشمالية أو نزع قدرة حزب الله على تهديد المستوطنات والبلدات الحدودية. وبقي السكان في الشمال يعيشون حالة استنزاف يومي، بينما ظلت القيادة السياسية عاجزة عن تقديم تصور واضح لنهاية المعركة أو طبيعة التسوية المطلوبة.
هنا يظهر التناقض الأساسي: السلطة السياسية رفعت سقف التوقعات أمام الجمهور، بينما الجيش يعمل ضمن قيود ميدانية وسياسية صارمة لا تسمح بتحقيق تلك التوقعات. وبذلك وجد الجيش نفسه في موقع بالغ الحساسية: مطالب بتحقيق نتائج كبرى، لكنه مقيد بقواعد اشتباك محدودة، وباعتبارات أميركية وإقليمية، وبحسابات تتعلق بتجنب توسيع الحرب إلى مستويات يصعب التحكم بها.
بيان نتنياهو بين الخطاب السياسي وواقع العمليات العسكرية
أعلن نتنياهو أنه وجّه الجيش الإسرائيلي للرد بقوة ضد حزب الله في لبنان. غير أن مسؤولين عسكريين، بحسب الصحيفة، أكدوا أن هذا الإعلان لم يغيّر شيئا جوهريا في قواعد الاشتباك. فالضربات التي نفذها الجيش ضد مبان عسكرية يستخدمها حزب الله في جنوب لبنان لم تكن استثنائية، ولم تعبّر عن تصعيد نوعي، بل جاءت ضمن قواعد اللعبة القائمة.
يحمل هذا التباين بين الإعلان السياسي والتنفيذ العسكري دلالتين مهمتين:
الدلالة الأولى – محاولة إنتاج صورة حزم أمام الجمهور الإسرائيلي: نتنياهو يدرك أن سكان الشمال والرأي العام الإسرائيلي يطالبون برد أكثر قوة ونتائج أكثر وضوحا. لذلك، فإن إصدار بيان علني عن تعليمات مشددة للجيش يمنحه فرصة للظهور بمظهر من يتخذ القرار ويضغط باتجاه الحسم.
الدلالة الثانية – التمهيد لتحميل الجيش مسؤولية الفشل: عندما يقول رئيس الوزراء إنه أمر الجيش بالرد بقوة، بينما لا تظهر نتائج ميدانية حاسمة، فإن الرسالة الضمنية للجمهور قد تصبح: المشكلة ليست في القرار السياسي، بل في التنفيذ العسكري. وهنا تكمن خطورة الخطاب؛ لأنه ينقل مركز المسؤولية من الحكومة إلى الجيش.
بذلك يتحول البيان من أداة إدارة حرب إلى أداة إدارة مسؤولية سياسية.
سياسة إلقاء اللوم وصناعة كبش الفداء
تشير تسريبات “يسرائيل هيوم” إلى شعور متزايد داخل الجيش والمؤسسة الأمنية بأن نتنياهو يبحث عن “كبش فداء” يتحمل مسؤولية النتائج المخيبة في لبنان. هذه الفكرة ليست معزولة عن نمط سياسي أوسع لدى نتنياهو، يقوم على إدارة الأزمات عبر نقل المسؤولية إلى مؤسسات أخرى عند تراجع النتائج أو ارتفاع الكلفة الشعبية، كما حدث في السابع من أكتوبر عندما كتب بوست حمل فيه المسئولية للأجهزة العسكرية والأمنية ثم حذفه بعد ذلك.
في الحالة اللبنانية، يبدو الجيش المرشح الأبرز لتحمل اللوم؛ لأنه الجهة الأكثر حضورا أمام سكان الشمال، والأكثر احتكاكا بالميدان، والأكثر قابلية لأن يُسأل عن سبب استمرار التهديد. أما المستوى السياسي، بحسب ما تنقله الصحيفة، فيتجنب الظهور المباشر في المنطقة، ولا يقدم إجابات واضحة حول مستقبل الحملة أو حدودها أو شروط إنهائها.
وتبرز هنا مفارقة أساسية مفادها أن الجيش ينفذ توجيهات القيادة السياسية، لكنه قد يُحمّل لاحقا مسؤولية نتائج تلك التوجيهات. وهذا يخلق أزمة خطيرة في العلاقة المدنية-العسكرية داخل إسرائيل؛ لأن المؤسسة العسكرية قد تشعر بأنها تُستخدم كدرع سياسي لحماية رئيس الوزراء من المساءلة.
التناقض بين الوعود السياسية والقيود الميدانية
أحد أبرز أوجه الأزمة يتمثل في الفجوة بين ما وعدت به القيادة السياسية وما يستطيع الجيش تحقيقه فعليا. فقد منحت الحكومة الإسرائيلية سكان الشمال انطباعا بأن الحملة ضد حزب الله لن تنتهي من دون نتيجة حاسمة. لكن الواقع الميداني أظهر أن الحسم ليس متاحا بسهولة، وأن الجيش يعمل ضمن شبكة معقدة من القيود.
ومن أبرز هذه القيود:
-القيود الجغرافية: تتركز العمليات الإسرائيلية غالبا في جنوب لبنان، مع تجنب توسيع الضربات إلى مناطق أكثر حساسية مثل بيروت أو بعلبك، نتيجة الحسابات السياسية والدولية.
-القيود الأميركية: تشير الصحيفة إلى أن الخشية من موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب جعلت بعض المناطق بمنأى عن الاستهداف. وهذا يعني أن حرية الحركة الإسرائيلية ليست مطلقة، بل محكومة بحدود يرسمها العامل الأميركي.
-القيود الإنسانية والسياسية: يحرص الجيش على العمل في مناطق خالية من المدنيين قدر الإمكان، لتقليل احتمالات التصعيد الدولي أو توسيع دائرة الانتقادات.
-تعقيدات وجود القوات على الأرض: وجود قوات إسرائيلية داخل مناطق جنوب لبنان يفرض على الجيش أولوية حماية تلك القوات، ويجعله أكثر حذرا في توسيع نطاق المواجهة.
-قدرات حزب الله ودوافعه: حزب الله لا يبدو في موقع الانهيار، بل وفق قراءة الصحيفة، يستمد دافعا إضافيا من شعوره بالقدرة على الصمود والتأثير في مسار التفاوض.
هذه القيود تجعل الحديث عن “رد قوي” أو “حسم سريع” أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى خطة عسكرية قابلة للتنفيذ.
حزب الله ومعادلة الاستنزاف
تظهر قراءة الصحيفة أن حزب الله يواصل العمل وفق منطق الاستنزاف، لا وفق منطق المواجهة المفتوحة فقط. فالحزب يدرك أن إسرائيل تعاني من ضغط داخلي في الشمال، وأن استمرار حالة عدم الاستقرار يضع الحكومة والجيش تحت ضغط متزايد.
وبذلك، لا يحتاج حزب الله بالضرورة إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي، لكن يكفيه أن يمنع إسرائيل من إعلان نصر واضح، وأن يبقي الجبهة الشمالية في حالة توتر، وأن يربك حسابات العودة الآمنة للسكان الإسرائيليين إلى مناطقهم.
هذه المعادلة تضع الجيش الإسرائيلي أمام مأزق مزدوج: إذا صعّد بقوة، فقد يفتح الباب أمام حرب أوسع لا تريدها القيادة السياسية أو واشنطن، وإذا بقي ضمن قواعد الاشتباك الحالية، فسيتهم بالعجز وعدم القدرة على حماية الشمال. من هنا يصبح الجيش عالقا بين مطلب سياسي مرتفع السقف، وواقع عملياتي لا يسمح بتحقيق هذا السقف.
لبنان بين الحرب والهدنة والتفاوض
تزداد تعقيدات المشهد مع وجود محادثات سلام أو ترتيبات سياسية جارية بين إسرائيل ولبنان في واشنطن. فهذه المحادثات تجعل العمليات العسكرية محكومة بسقف سياسي؛ لأن أي تصعيد واسع قد ينسف المسار التفاوضي أو يحرج الإدارة الأميركية الراعية له.
في هذا السياق، يمكن فهم الهدنة التي أعلنها ترمب، ثم تمديدها لاحقا، بوصفها محاولة أميركية لضبط التصعيد ومنع انفلات الجبهة اللبنانية. غير أن هذه الهدنة لا تعني بالضرورة انتهاء الأزمة، بل قد تتحول إلى إطار هشّ لإدارة الصراع لا لحله.
فإسرائيل تريد ضمانات أمنية في الشمال، وحزب الله يسعى إلى الحفاظ على معادلة ردع تمنعه من الظهور بمظهر المهزوم، والدولة اللبنانية تبدو واقعة بين ضغط الحرب وضغط التفاوض، بينما تمارس واشنطن دور الضابط الخارجي لإيقاع المواجهة.
المقارنة مع تجربة الحزام الأمني
تلفت الصحيفة إلى مفارقة مهمة حين تقارن الوضع الحالي بفترة الحزام الأمني في جنوب لبنان. فرغم أن تلك المرحلة كانت مكلفة ومثيرة للجدل داخل إسرائيل، فإنها وفرت، وفق بعض القراءات الإسرائيلية، درجة من الاستقرار النسبي للمناطق الحدودية. أما الوضع الحالي، فرغم التفوق العسكري الإسرائيلي والتوغل والسيطرة على مواقع في الجنوب، لا يقدم ضمانة أمنية واضحة لسكان الشمال.
هذه المقارنة تكشف عن أزمة في التصور الاستراتيجي الإسرائيلي. فإسرائيل لا تريد العودة إلى احتلال طويل ومكلف على طريقة الحزام الأمني، لكنها في الوقت نفسه لا تملك بديلا فعالا يضمن الأمن من دون احتلال. كما أنها لا تستطيع تحقيق نزع كامل لسلاح حزب الله بالقوة، ولا تستطيع الاعتماد فقط على تفاهمات سياسية هشة.
وبذلك تبدو إسرائيل أمام ثلاثة خيارات، وكلها مكلفة:
-احتلال أوسع وأطول: يحقق بعض السيطرة الميدانية، لكنه يستنزف الجيش ويزيد الخسائر ويعمق العزلة السياسية.
-تسوية سياسية غير مضمونة: قد تخفف التصعيد، لكنها لا تنهي قدرة حزب الله العسكرية.
-إدارة استنزاف طويلة: تبقي الشمال في حالة عدم استقرار، وتزيد الضغط الداخلي على الحكومة والجيش.
الجبهة الإيرانية وتوزيع المسؤوليات
لا تقف سياسة تحميل المسؤولية عند لبنان فقط. فبحسب ما تنقله الصحيفة، هناك شعور بأن نتنياهو قد يلجأ إلى تحميل الموساد مسؤولية النتائج الجزئية في الجبهة الإيرانية، بينما يُحمّل الجيش مسؤولية الإخفاق في لبنان.
هذا التقسيم في توزيع اللوم يكشف عن نمط سياسي واضح: كل جبهة لها مؤسسة يمكن تحميلها المسؤولية. في إيران الموساد هو الجهة الأكثر ارتباطا بالعمليات السرية والاستخبارية. وفي لبنان الجيش هو الجهة الأكثر ارتباطا بالميدان والحدود وسكان الشمال.
لكن هذه المقاربة تحمل خطرا كبيرا على بنية صنع القرار في إسرائيل؛ لأنها تضعف الثقة بين المؤسسات الأمنية والسياسية، وتدفع كل مؤسسة إلى الدفاع عن نفسها إعلاميا وسياسيا بدلا من التركيز على إدارة الحرب.
أزمة الثقة داخل المؤسسة الإسرائيلية
الأزمة الحالية ليست مجرد خلاف بين نتنياهو وبعض القيادات العسكرية. إنها مؤشر على تآكل الثقة بين مستويات الحكم في إسرائيل. فعندما يشعر الجيش بأن القيادة السياسية تستخدمه كغطاء للفشل، وعندما يشعر السياسيون بأن الجيش لا يحقق النتائج المطلوبة، تتراجع فعالية القرار الأمني.
هذه الأزمة قد تنتج عدة تداعيات:
-زيادة التسريبات الإعلامية: كل طرف سيحاول تقديم روايته للرأي العام قبل الطرف الآخر.
-تراجع الانضباط في الرسائل الرسمية: ستظهر تناقضات أكبر بين تصريحات الحكومة وتقديرات الجيش.
-إرباك الجبهة الداخلية: سكان الشمال تحديدا سيجدون أنفسهم أمام روايات متضاربة، الحكومة تقول إنها أمرت بالحسم، والجيش يقول إن الحسم غير ممكن ضمن القيود الحالية.
-إضعاف الردع: الخصوم، وفي مقدمتهم حزب الله، قد يقرأون الخلاف الداخلي الإسرائيلي بوصفه نقطة ضعف يمكن استثمارها.
البعد الداخلي في حسابات نتنياهو
لا يمكن فصل هذا السلوك عن موقع نتنياهو الداخلي. فهو يواجه ضغوطا سياسية وشعبية متراكمة، ويحتاج إلى الحفاظ على صورته كقائد أمني قادر على إدارة الجبهات المتعددة. لكن النتائج غير الحاسمة في لبنان، ومعها النتائج الجزئية في إيران، تهدد هذه الصورة.
لذلك، فإن تحميل الجيش أو الموساد المسؤولية قد يكون جزءا من استراتيجية دفاع سياسي تهدف إلى حماية نتنياهو من المساءلة المباشرة، وتحويل النقاش من فشل القرار السياسي إلى ضعف التنفيذ العسكري، وامتصاص غضب سكان الشمال، ومنع تشكل إجماع داخلي ضده داخل اليمين الإسرائيلي، والحفاظ على تماسك الائتلاف الحكومي.
لكن هذه الاستراتيجية قد تنقلب عليه إذا شعرت المؤسسة الأمنية بأن رئيس الوزراء يضحي بها لحماية نفسه. فالمؤسسة العسكرية في إسرائيل لا تزال تتمتع بثقة واسعة نسبيا لدى الجمهور، وأي صدام مفتوح معها قد يزيد عزلة نتنياهو بدلا من إنقاذه.
دلالات المقال في “يسرائيل هيوم”
تكتسب هذه التسريبات أهمية إضافية لأنها منشورة في “يسرائيل هيوم”، وهي صحيفة معروفة بقربها التاريخي من معسكر اليمين ونتنياهو. لذلك، فإن نشر رواية تحمل انتقادات واضحة لسلوك رئيس الوزراء لا يمكن اعتباره تفصيلا عاديا.
هذا قد يشير إلى أحد احتمالين:
-وجود تململ داخل أوساط قريبة من اليمين: بمعنى أن الانتقادات لم تعد محصورة في خصوم نتنياهو التقليديين، بل بدأت تظهر في بيئات إعلامية أقرب إلى قاعدته السياسية.
-محاولة المؤسسة العسكرية إيصال رسائل عبر منابر يمينية: حتى لا تبدو انتقاداتها وكأنها جزء من حملة المعارضة، بل كتحذير صادر من داخل المعسكر الأمني نفسه.
في الحالتين، يعكس المقال تحولا مهما في النقاش الإسرائيلي الداخلي حول لبنان: من سؤال “كيف ننتصر؟” إلى سؤال “من سيتحمل مسؤولية عدم الانتصار؟”.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول – استمرار الوضع الحالي: في هذا السيناريو، تبقى إسرائيل ضمن قواعد الاشتباك القائمة، مع ضربات محدودة في جنوب لبنان، وتجنب استهدافات واسعة في بيروت أو بعلبك. سيؤدي ذلك إلى استمرار الاستنزاف، وتزايد الضغط على سكان الشمال، وتصاعد الخلاف بين الجيش والحكومة. هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحا إذا بقيت الضغوط الأميركية قائمة، وإذا استمرت محادثات واشنطن، وإذا لم يقع حدث كبير يفرض تصعيدا واسعا.
السيناريو الثاني – تصعيد عسكري محدود: قد تلجأ إسرائيل إلى توسيع الضربات نسبيا لإظهار الجدية واستعادة الردع، من دون الوصول إلى حرب شاملة. هذا السيناريو يخدم نتنياهو سياسيا لأنه يمنحه صورة الرد القوي، لكنه لا يضمن تحقيق نتيجة استراتيجية حاسمة. الخطر هنا أن حزب الله قد يرد بطريقة تفرض توسيع المواجهة، ما يجعل التصعيد المحدود مدخلا لحرب أكبر.
السيناريو الثالث – تسوية أمنية برعاية أميركية: قد تدفع واشنطن نحو تفاهم أمني جديد يخفف التصعيد، ويعيد ترتيب الانتشار في الجنوب، ويمنح إسرائيل ضمانات معينة بشأن الحدود. لكن هذا السيناريو سيبقى هشّا إذا لم يتضمن آلية واضحة للتعامل مع سلاح حزب الله وانتشاره. كما أن نتنياهو قد يجد صعوبة في تسويق تسوية غير حاسمة لجمهوره، خاصة إذا لم تسمح بعودة آمنة وكاملة لسكان الشمال.
السيناريو الرابع – انفجار الخلاف بين الجيش ونتنياهو: إذا استمرت محاولة تحميل الجيش المسؤولية، فقد تتوسع التسريبات، وقد يظهر صدام علني أو شبه علني بين المؤسسة العسكرية والمستوى السياسي. هذا السيناريو سيكون خطيرا داخليا؛ لأنه سيعمق أزمة الثقة في إدارة الحرب، وقد يؤثر على أداء الجيش وعلى ثقة الجمهور بالقيادة.
ختاما
تكشف قراءة “يسرائيل هيوم” عن لحظة حساسة في إدارة إسرائيل للجبهة اللبنانية. فنتنياهو يحاول الظهور بمظهر القائد الحازم، لكنه في الوقت نفسه يواجه نتائج ميدانية لا ترقى إلى مستوى الوعود التي قدمها لسكان الشمال وللرأي العام الإسرائيلي. وبينما يؤكد الجيش أنه يعمل وفق توجيهات المستوى السياسي وضمن قيود واضحة، يبدو أن رئيس الوزراء يسعى إلى إعادة صياغة الرواية بحيث يتحول الجيش إلى المسؤول عن الإخفاق.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: هل تستطيع إسرائيل حسم المعركة في لبنان؟ بل أصبح: من سيدفع ثمن عدم الحسم؟
وفق المعطيات التي تنقلها الصحيفة، يبدو أن نتنياهو يريد تحميل الجيش الإسرائيلي مسؤولية النتائج المخيبة في لبنان، كما قد يسعى إلى تحميل الموساد مسؤولية النتائج الجزئية في إيران. لكن هذه السياسة، وإن ساعدته مؤقتا في تخفيف الضغط الشعبي، قد تفتح أزمة أعمق داخل المؤسسة الإسرائيلية، وتزيد من هشاشة القرار الأمني في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.
فالجيش ليس مستقلا عن القرار السياسي، والعمليات العسكرية لا تنجح بمعزل عن هدف سياسي واضح. وإذا استمرت القيادة السياسية في إنتاج وعود كبرى من دون توفير شروط تحقيقها، فإن إسرائيل ستبقى عالقة بين حرب لا تستطيع حسمها، وتسوية لا تستطيع تسويقها، واستنزاف لا تستطيع تحمله طويلا.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version