ء

دخلت المواجهة الإيرانية ـ الأمريكية في الخليج مرحلة جديدة مع إعلان طهران اعتزامها إنشاء منطقة بحرية محظورة أو مقيدة تمتد من نطاق الحصار البحري الأمريكي باتجاه أجزاء من الخليج، وفق منطوق ما قاله أمين عام المجلي الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، الذي أكد أن طهران تعتزم فرض قيود على دخول السفن إلى المنطقة الجديدة، في وقت تقول فيه واشنطن إنها تسعى إلى منع إيران من تصدير نفطها عبر الحصار البحري، بالتزامن مع الحديث عن إنشاء ممر ملاحي جديد بالتنسيق مع سلطنة عمان.
ويكتسب هذا الإعلان أهمية تتجاوز دلالته الجغرافية المباشرة؛ لأنه يعكس محاولة إيرانية لإعادة تعريف البيئة البحرية التي تدور فيها المواجهة، بحيث لا يقتصر الصراع على السيطرة على مضيق هرمز ذاته، وإنما يمتد إلى المجال البحري المؤدي إليه والمحيط به.
وتنبع خطورة هذا التطور من المكانة الاستثنائية لمضيق هرمز في منظومة الطاقة العالمية، فقد بلغ متوسط تدفقات النفط عبر المضيق نحو عشرين مليون برميل يوميا خلال عام 2024، أي ما يعادل قرابة خمس استهلاك السوائل النفطية عالميا، مع محدودية البدائل القادرة على استيعاب هذه الكميات إذا تعطلت الملاحة عبر المضيق.
ومن ثم، فإن أي تراجع في مستوى الأمان الملاحي لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاق قانوني أو عسكري كامل للمضيق حتى ينتج آثارا اقتصادية واسعة؛ إذ يمكن لمجرد ارتفاع المخاطر والتأمين وتراجع ثقة شركات النقل أن يؤدي إلى تقليص الحركة التجارية بصورة كبيرة، وهو ما حدث بالفعل في الأسابيع الأخيرة بعد انتقال المواجهة بين أمريكا وإيران إلى قلب المضيق.
أولا: دلالات إغلاق مضيق هرمز وتوسيع نطاق الحظر البحري
لا يبدو الإعلان الإيراني عن المنطقة المحظورة مجرد تكرار للتهديد التقليدي بإغلاق مضيق هرمز، وإنما يمثل محاولة لنقل نقطة الضغط الإيرانية إلى المجال البحري الذي يسبق المضيق.
فبحسب التصريحات الإيرانية، على لسان محسن رضائي، ستبدأ المنطقة الجديدة من موضع الحصار البحري الأمريكي وتمتد إلى أجزاء أخرى من الخليج، على أن تخضع السفن التي تدخلها دون تصريح لإجراءات عقابية.
وبالتوازي مع هذا، تتحدث طهران عن ممر ملاحي جديد بالتعاون مع سلطنة عمان، بما يوحي بأن إيران لا تتعامل مع الملاحة باعتبارها ملفا ثنائيا بين “فتح” المضيق و”إغلاقه”، وإنما باعتبارها أداة يمكن تنظيمها وتقييدها وإعادة توجيهها وفق تطورات المواجهة.

وتكمن أهمية هذا التحول في أنه ينقل مفهوم السيطرة من نقطة الاختناق إلى المجال المحيط بنقطة الاختناق، ذلك أن المضيق، من الناحية الجغرافية والقانونية، ممر دولي شديد الحساسية، بينما تستطيع الدولة التي تمتلك قدرات عسكرية ساحلية وغير متماثلة أن تجعل الاقتراب منه أو المرور عبر مناطقه المحيطة أكثر خطورة من دون أن تحقق سيطرة بحرية كاملة.
وبذلك تصبح “المنطقة المحظورة” أقرب إلى أداة للردع والضغط وإدارة المخاطر منها إلى منطقة بحرية تتمتع تلقائيا بوضع قانوني دولي معترف به.
ولعل هذه النقطة الجوهرية في فهم الصراع، إذ ينبغي الفصل بين الإعلان السياسي عن منطقة محظورة وبين القدرة على فرض حظر بحري شامل ومستدام، فالأول قرار أحادي الجانب تستطيع طهران إعلانه فورا، بينما يتطلب الثاني قدرة مستمرة على الاستطلاع والتحديد والاستهداف والردع، فضلا عن القدرة على مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها في بيئة بحرية مفتوحة.
ثانيا: الإغلاق الجغرافي ليس شرطا لحدوث الإغلاق الاقتصادي
تظهر أهمية التطور الحالي بصورة أوضح عند التمييز بين الإغلاق الجغرافي للمضيق والإغلاق الاقتصادي الفعلي، فقد لا يكون المضيق مغلقا بصورة كاملة، ومع ذلك يمكن أن تصبح الملاحة من خلاله محدودة إلى درجة تؤدي عمليا إلى تعطيل جزء كبير من تدفقات الطاقة.
وتشير التقارير الغربية إلى انخفاض حركة السفن بصورة حادة، فيما تحدث مسؤولون إيرانيون عن عبور أعداد محدودة جدا من السفن في الوقت الراهن، في حين تؤكد واشنطن استمرار عملياتها البحرية لمنع تدفقات النفط الإيراني.
كما أفادت تقارير بأن الحصار الأمريكي أدى منذ منتصف يوليو إلى انهيار كبير في صادرات الخام الإيرانية، مع انخفاض عمليات تحميل النفط الإيراني من نحو مليوني برميل يوميا في مارس إلى ما يتراوح بين 220 و255 ألف برميل يوميا في أغسطس، وفق بيانات نقلتها رويترز عن محللين في قطاع الطاقة.
وهنا يمكن أن تتغير طبيعة المعركة، لأن المطلوب من إيران ليس بالضرورة إغراق عشرات السفن أو إغلاق المضيق بصورة رسمية حتى تحقق مكاسب سياسية، فقد يكفي أن تجعل شركات الملاحة تواجه معادلة اقتصادية غير جذابة، بما يشمل تكلفة المخاطر، والتأمين الأغلى، والتأخير الأطول، واحتمال التعرض لصواريخ أو مسيرات أو ألغام.
وفي مثل هذه البيئة، يمكن للسوق نفسها أن تقوم بجزء من مهمة الحصار، إذ تنسحب بعض السفن أو تتأخر أو تعيد تحديد مساراتها، فتتراجع حركة التجارة حتى من دون إعلان إغلاق كامل.
وهذا تحديدا ما يجعل مضيق هرمز مختلفا عن مجرد ممر بحري عادي، لأن حجمه الإستراتيجي في تجارة الطاقة العالمية يعني أن خفض درجة الأمان الملاحي يمكن أن يكون أداة ضغط في حد ذاته؛ ولذلك فإن المعركة الراهنة ليست فقط حول من يمتلك القدرة على إغلاق المضيق، وإنما حول من يستطيع جعل الطرف الآخر يدفع تكلفة أكبر مقابل إبقائه مفتوحا.
ثالثا: أدوات الرد الإيراني على سياسة الحصار الأمريكية
يمكن فهم الإعلان الإيراني في سياق أوسع من مجرد العمليات البحرية، إذ يأتي في الوقت الذي تستخدم فيه الولايات المتحدة الحصار البحري باعتباره أداة لتقييد قدرة إيران على تصدير النفط والحصول على العملة الأجنبية، ووفق ما أقر به محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، فقد نجح الحصار الأمريكي في تقليص صادرات النفط الإيرانية بصورة كبيرة، الأمر الذي أصاب أحد أهم مصادر الإيرادات الخارجية لطهران.
وبالتالي تحاول إيران تحويل نقطة القوة الأمريكية إلى نقطة ضعف مقابلة، فإذا كان بإمكان واشنطن منع السفن الإيرانية من الوصول إلى الأسواق، تستطيع طهران ــ على الأقل من الناحية النظرية ــ رفع تكلفة الحصار عبر تهديد حركة السفن التجارية في المنطقة الأوسع التي تمر من خلالها إمدادات الطاقة العالمية.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تبدو الرسالة الإيرانية مركبة، لأن طهران تريد إظهار قدرتها على تعطيل الملاحة، لكنها لا تبدو راغبة بالضرورة في تحمل تكلفة الإغلاق الكامل للمضيق، حيث يؤدي الإغلاق الشامل للمضيق إلى توحيد مصالح الولايات المتحدة والدول الآسيوية والأوروبية المتضررة من توقف الطاقة، وقد يوفر لواشنطن مبررا أوسع لتصعيد عملياتها العسكرية.
أما المنطقة المقيدة فتمنح إيران مساحة أكبر للمناورة، ومن خلالها تستطيع رفع مستوى المخاطر ثم خفضه، وفتح ممرات محددة أو تعديلها، وربط انتظام الملاحة بمسار التفاوض.
ومن هنا يصبح الممر الملاحي الذي تتحدث عنه طهران بالتعاون مع سلطنة عمان ذا أهمية خاصة؛ لأنه يعكس محاولة للانتقال من سياسة “المنع” المطلق إلى سياسة التحكم في المرور بالمضيق المهم لحركة التجارة العالمية، وهذا بالتحديد ما يمنح إيران ورقة تفاوضية إضافية، فهي لا تقول بالضرورة إن جميع السفن ممنوعة، وإنما تقول إن المرور يجب أن يتم وفق قواعد وشروط جديدة تفرضها ظروف الحرب.
رابعا: هل تستطيع عمليا إيران فرض المنطقة المحظورة بالأدوات العسكرية؟
تمتلك إيران بالفعل مجموعة من الأدوات التي تجعلها قادرة على تحويل المنطقة إلى بيئة بحرية عالية المخاطر، حتى لو لم تكن قادرة على فرض سيطرة بحرية تقليدية عليها، ويستند ذلك إلى طبيعة العقيدة البحرية الإيرانية التي تطورت تاريخيا على أساس مواجهة خصم متفوق تكنولوجيا، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية.
وتشمل هذه العقيدة الألغام البحرية، والصواريخ المضادة للسفن، والزوارق السريعة، والغواصات الصغيرة، والطائرات المسيرة، والقدرات الساحلية، وتوضح خبرات السنوات الأخيرة أن إيران طورت مزيجا من هذه الوسائل بهدف تنفيذ هجمات مفاجئة وعمليات إغارة وأسراب من الزوارق السريعة وزرع الألغام وتهديد السفن التجارية، بدلا من خوض معركة بحرية تقليدية مع البحرية الأمريكية.
وتزداد فاعلية هذه الأدوات بسبب جغرافيا الخليج، الذي يتصف بالمسافات المحدودة، وبالكثافة في حركة الناقلات، وبحساسية البنية التحتية النفطية، ولعل كل ما سبق يجعل حتى القدرة المحدودة على الاستهداف ذات أثر اقتصادي أكبر من حجم القوة المستخدمة؛ ولذلك فإن إيران لا تحتاج إلى امتلاك أسطول قادر على منافسة البحرية الأمريكية في معركة تقليدية، إذ يكفيها في بعض السيناريوهات أن تمتلك قدرة مستمرة على تهديد السفن وإجبارها على تغيير مساراتها.
وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين عسكريين مختلفين، وهما: السيطرة البحرية والحرمان البحري، فالسيطرة البحرية تعني القدرة على استخدام البحر بحرية ومنع الخصم من استخدامه، بينما يقوم الحرمان البحري على منع الخصم من تحقيق الاستخدام الآمن والمستمر للبحر دون الحاجة إلى السيطرة الكاملة عليه، وفي هذا المجال تحديدا تملك إيران أدوات أكثر واقعية.
وقد أشارت الوقائع الأخيرة أن إيران، رغم تعرض قدراتها البحرية التقليدية لخسائر كبيرة خلال الحرب، لا تزال قادرة على تهديد الملاحة التجارية في مضيق هرمز، في حين تملك الولايات المتحدة قدرات أكبر بكثير على حماية القوافل، وإزالة الألغام، وقمع منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة.
خامسا: دور الألغام البحرية في المعركة المقبلة بالمضيق
يمثل ملف الألغام أحد أكثر عناصر المواجهة البحرية حساسية، فقد كشفت تقارير نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية عن عملية أمريكية سرية استمرت نحو أربعة أشهر لإزالة ألغام في مضيق هرمز، باستخدام قوات خاصة وقوارب آلية وغواصات ومعدات متخصصة للكشف عن الألغام وتفكيكها.
وتشير تقديرات نقلتها صحيفة فايننشال تايمز إلى العثور على عشرات الألغام أو التعامل مع تهديدات مرتبطة بها، في وقت ظلت فيه شركات الشحن مترددة في العودة إلى الملاحة الطبيعية بسبب استمرار مخاطر الصواريخ والمسيرات والألغام.
وتكشف هذه العملية أن الصراع لا يدور فقط حول السفن الحربية، ذلك أن الألغام، بخلاف الصواريخ، لا تحتاج إلى إصابة سفينة حتى تحقق هدفها الإستراتيجي، ويكفي فقط أن تخلق شكا بشأن سلامة الممر الملاحي حتى تبدأ شركات التأمين والمشغلون التجاريون في إعادة تقييم قراراتهم.
ومن ثم، فإن أحد أخطر السيناريوهات المستقبلية لا يتمثل في إغلاق هرمز بوساطة هجوم عسكري واسع، وإنما في إطالة فترة عدم اليقين الملاحي، من خلال الإعلان عن زرع ألغام بحرية جديدة، وكلما طال الشك بشأن وجود الألغام أو إمكانية استهداف السفن، ارتفعت تكلفة التأمين والنقل، وأصبح فتح المضيق عسكريا أقل أهمية من إعادة بناء الثقة التجارية في سلامة الملاحة.
خاتمة
يمثل الإعلان الإيراني عن منطقة محظورة في محيط مضيق هرمز تطورا نوعيا في إدارة طهران للمواجهة مع الولايات المتحدة، إذ يتجاوز التهديد التقليدي بإغلاق المضيق إلى توسيع نطاق الضغط نحو المجال البحري المؤدي إليه والمحيط به.
ومع أن إيران لا تمتلك القدرة على فرض سيطرة بحرية تقليدية على الخليج في مواجهة التفوق الأمريكي، فإن قدراتها غير المتماثلة، ولا سيما الصواريخ الساحلية والمسيرات والزوارق السريعة والألغام، تمنحها قدرة على ممارسة الحرمان البحري ورفع تكلفة الملاحة، بما يكفي لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية دون الحاجة إلى إغلاق المضيق بالكامل.
وعليه، فإن المعادلة الأرجح في المرحلة المقبلة لن تكون بين “فتح هرمز” و”إغلاقه”، وإنما حول إدارة مستوى المخاطر داخله وحوله، وفي المرحلة الراهنة تسعى إيران إلى الاحتفاظ بالقدرة على تضييق الملاحة أو تخفيف القيود وفق تطورات المواجهة والتفاوض، بينما تعمل الولايات المتحدة على استعادة حرية الملاحة عبر إزالة الألغام وحماية السفن وتحييد أدوات التهديد الإيرانية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version