د. نسمة عبد النبي عبد العزيز

باحثة بوحدة الدراسات الإيرانية

يشهد الاقتصاد الإيراني واحدة من أكثر مراحله اضطرابا، في ظل التراجع الحاد في قيمة الريال أمام الدولار، بالتزامن مع تصاعد الضغوط النقدية والمالية، واستمرار العقوبات الاقتصادية، وتشديد القيود على صادرات النفط، إلى جانب اضطراب حركة التجارة والملاحة. وقد تجاوز سعر الدولار في السوق الحرة مستويات قياسية خلال سبتمبر 2026، بما يعكس اتساع الفجوة بين احتياجات الاقتصاد الإيراني من النقد الأجنبي وقدرة السلطات على توفيره، كما يكشف في الوقت ذاته عن هشاشة البنية الاقتصادية أمام الصدمات الجيوسياسية الممتدة.

ولا تقتصر خطورة هذا التراجع على سوق الصرف، وإنما تمتد آثاره إلى التضخم والقوة الشرائية ومستويات المعيشة والاستقرار الاجتماعي، فضلا عن انعكاساته على حركة التجارة مع دول الجوار وأسواق الطاقة الإقليمية. ومع تراجع الإيرادات النفطية وشح العملات الأجنبية، تضيق الخيارات المتاحة أمام السلطات النقدية والحكومة الإيرانية لاحتواء الأزمة، في وقت تفرض فيه إجراءات مثل رفع أسعار البنزين وإعادة تنظيم القطاع المصرفي أعباء إضافية على الاقتصاد والمجتمع.

أسباب انهيار العملة الإيرانية

لا يرتبط انهيار الريال الإيراني بعامل منفرد، وإنما يمثل نتيجة لتفاعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية والهيكلية والمباشرة، التي تضافرت لتدفع العملة إلى مستويات غير مسبوقة من التراجع:

1- التصعيد العسكري:

يمثل التصعيد العسكري بين الطرفين الأمريكي والإيراني، وتكرار الضربات والتوترات العسكرية في المنطقة، أحد العوامل الرئيسية التي عمقت حالة عدم اليقين في الاقتصاد الإيراني. كما أن استمرار التوترات الجيوسياسية والتصعيد الميداني والمخاوف الإقليمية يدفعان المستثمرين والمواطنين إلى التحوط عبر زيادة الطلب على الذهب والعملات الأجنبية، بما يضيف ضغوطا جديدة على الريال.

2- العقوبات الاقتصادية الأمريكية وعزل إيران عن النظام المصرفي والمالي العالمي:

يمثل تجديد وتوسيع العقوبات الأمريكية والغربية واستمرار الضغوط على القطاع المصرفي الإيراني، إلى جانب فرض إجراءات مالية عقابية على النظام المصرفي، أحد أهم العوامل التي أسهمت في زيادة الضغوط على العملة الإيرانية. ويؤدي استمرار عزل إيران عن النظام المالي العالمي إلى تقييد قدرتها على الوصول إلى العملات الأجنبية وإدارة تدفقات النقد عبر القنوات الرسمية.

3- الحصار البحري:

أدى الحصار الأمريكي شبه الكامل على الموانئ الإيرانية منذ يوليو 2026 إلى توقف صادرات النفط بصورة شبه كاملة، وهو ما حرم الحكومة الإيرانية من أحد أهم مصادر العملة الصعبة، وفرض قيودا إضافية على قدرتها على تمويل احتياجاتها الخارجية.

4- اختناق صادرات النفط:

أدى تضييق الخناق على ممرات التجارة وشحن النفط البحري عبر مضيق هرمز ومنافذ التصدير إلى تجفيف شريان أساسي من شرايين تدفق العملة الصعبة، وفي مقدمتها الدولار. ومع تراجع القدرة على تصدير النفط، تتراجع الإيرادات الخارجية وتتزايد صعوبة توفير النقد الأجنبي اللازم لتمويل الواردات والوفاء بالالتزامات الخارجية.

5- تراجع الصادرات والواردات وعرقلة الوصول إلى الأسواق المالية العالمية:

أسهمت العقوبات المشددة والحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية في اضطراب حركة النفط والشحن والتجارة الخارجية، وهو ما أدى إلى انخفاض حاد في صادرات النفط وتراجع عائداته، وبالتالي انخفاض تدفقات الدولار واتساع أزمة شح العملات الأجنبية.

تداعيات الأزمة الاقتصادية

1- التضخم الجامح:

يقترب التضخم السنوي من 70%، مع ارتفاع أسعار الغذاء بصورة حادة وتجاوز الزيادة 100% في بعض السلع. وقد انعكس ذلك على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية وتكاليف المعيشة، بالتزامن مع تراجع ثقة المواطنين والشركات في العملة المحلية، ما يدفع إلى زيادة الطلب على الدولار والذهب كملاذ لحفظ القيمة. وتراجعت القوة الشرائية للريال الإيراني وفقا للتقديرات بنحو 69.9% إلى 70%، فيما بلغ التضخم ذروته في يونيو الماضي عند 88.9%، بالتزامن مع تراجع قدرة إيران على الحصول على الدولار نتيجة العقوبات وانخفاض صادرات النفط.

2- أزمة معيشية:

أدى انهيار قيمة الريال إلى تآكل قيمة الرواتب والمدخرات وفرض ضغوط غير مسبوقة على المواطنين، إذ ينعكس انخفاض قيمة العملة بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات والوقود والمواد الأساسية، وهو ما يزيد من أعباء المعيشة ويعمق تراجع القوة الشرائية.

3- عجز البنك المركزي الإيراني وشح السيولة الأجنبية:

تواجه السلطات النقدية تضييقا متزايدا في قدرتها على التدخل في سوق الصرف ودعم الريال، نتيجة شح السيولة الأجنبية وتراجع الموارد المتاحة من العملات الصعبة، الأمر الذي يقلص فاعلية الأدوات التقليدية المستخدمة لتحقيق الاستقرار النقدي.

4- عجز الحكومة عن توفير الدولار بالسعر الرسمي:

أدى عدم قدرة الحكومة على توفير الدولار بالسعر الرسمي إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الحرة. وقد وصل سعر الدولار في السوق الحرة إلى نحو 2.2 مليون ريال إيراني، وهو مستوى قياسي جديد، لتكون العملة الإيرانية قد فقدت منذ مارس 2026 نحو 63% من قيمتها، مع خسائر أسبوعية بلغت 7% وسنوية تجاوزت 50%، وفقا لبيانات منشورة خلال الشهر الحالي.

وانعكس ذلك بصورة مباشرة على المواطنين، في وقت كان فيه الحد الأدنى للأجور يبلغ 103 ملايين ريال، بما يعادل نحو 86 إلى 110 دولارات شهريا، وهي قيمة تآكلت بصورة كبيرة مع الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء والسلع الأساسية. وفي محاولة لمواجهة هذا التراجع، بدأت الحكومة الإيرانية في بحث رفع الحد الأدنى للأجور من 103 ملايين ريال إلى 166 مليون ريال، بعد زيادة تتجاوز 60%. وبذلك يمر الريال الإيراني بواحدة من أسوأ أزماته، نتيجة تفاعل الحرب والحصار والعقوبات والتضخم الجامح، بما يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في إيران.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة مواطنين يحملون رزم عملات ضخمة ويعدون ملايين التومانات للحصول على مبالغ محدودة من العملات الأجنبية، من بينها دفع نحو 68 مليون تومان مقابل 300 دولار أمريكي فقط، وهو ما يعكس بصورة رمزية حجم التراجع في قيمة العملة والقوة الشرائية للريال الإيراني.

5- احتقان اجتماعي:

تؤدي الضغوط المعيشية المتزايدة إلى تصاعد المخاوف من اتساع دائرة الاحتجاجات وتأثيرها في الاستقرار الداخلي، في ظل تآكل القوة الشرائية وتدهور مستويات المعيشة، خصوصا لدى الطبقتين المتوسطة والفقيرة. ويأتي ذلك في سياق ما يراهن عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خلال زيادة الخنق والضغط الاقتصادي على الشارع الإيراني، بهدف دفع المواطنين إلى حالة من الاختناق المعيشي قد تسهم في إثارة احتجاجات ضد القيادة الإيرانية.

الإجراءات النقدية الإيرانية

أمام وصول التضخم إلى مستويات قياسية وتجاوز سعر الصرف حاجز مليوني ريال للدولار، تحاول السلطات النقدية والبنك المركزي الإيراني استخدام مجموعة من الأدوات للحد من تداعيات الأزمة، من بينها:

1- رفع أسعار الفائدة وتخفيف القيود:

ألغى البنك المركزي السقوف المقيدة لأسعار الفائدة المصرفية في محاولة لكبح التضخم وسحب السيولة المفرطة من السوق، رغم تحذيرات الخبراء من اقتراب الاقتصاد الإيراني من مرحلة التضخم الجامح (Hyperinflation).

2- إعادة هيكلة وحظر الحسابات المصرفية:

فرضت السلطات قيودا مشددة على تحويلات الأفراد وحظرت الحسابات المصرفية المتعددة، في محاولة للحد من عمليات المضاربة ومنع تسريب الأموال إلى الخارج، في ظل اتساع الضغوط على سوق الصرف وشح العملات الأجنبية.

3- اندماج البنوك المتعثرة:

اتجهت السلطات إلى معالجة أوضاع البنوك المتعثرة من خلال دمج بعض الكيانات المتعثرة داخل البنوك الكبرى، ومن أبرز الأمثلة دمج بنكي “نور” و”آينده” داخل بنك “ملّي”، بهدف الحد من مخاطر الإفلاس والذعر المصرفي والحفاظ على قدر من الاستقرار داخل القطاع المالي.

4- رفع أسعار البنزين:

تواجه إيران أزمة حادة في إمدادات البنزين، تمثلت في عجز يومي يتراوح بين 10 و15 مليون لتر، إلى جانب طوابير انتظار طويلة أمام محطات الوقود. وفي هذا السياق اتخذت الحكومة قرارا بمضاعفة أسعار البنزين غير المدعوم، في ظل مجموعة من العوامل التي أسهمت في تفاقم أزمة الوقود.

  • عجز الإنتاج:

يبلغ متوسط الاستهلاك اليومي من البنزين نحو 132 إلى 148 مليون لتر، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي 122 مليون لتر. كما يعوق الحصار البحري الأمريكي والعقوبات المشددة قدرة طهران على استيراد الوقود وتوفير الموارد المالية اللازمة لذلك، في وقت تراجعت فيه الإمدادات الخارجية وانخفضت صادرات البنزين الروسية، بينما توقفت بيلاروسيا عن تزويد إيران بالكميات السابقة، وهو ما أثر سلبا على المخزون.

  • تداعيات قطاع الطاقة:

تضرر قطاع الطاقة المحلي نتيجة القيود المفروضة على النقل، ما زاد من صعوبة سد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. وفي إطار مواجهة هذه الضغوط، اتخذت الحكومة عدة قرارات، من بينها مضاعفة سعر البنزين الحر غير المدعوم وتقليص حصص الوقود المدعوم الشهرية.

وبدأت إيران، الثلاثاء 8 سبتمبر 2026، تطبيق قرار حكومي برفع أسعار الشريحة الثالثة من البنزين بنسبة 100% للمستهلكين الذين يتجاوز استهلاكهم 110 لترات شهريا، في محاولة لمواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة والعقوبات الأمريكية والسيطرة على الطلب المحلي المرتفع على الوقود. ويثير القرار مخاوف من احتمال تكرار احتجاجات نوفمبر 2019 التي اندلعت على خلفية رفع أسعار الوقود، خصوصا في ظل ارتفاع التضخم وتراجع قيمة الريال الإيراني.

والأزمة بشكل أعمق تظهر في عدة زوايا، مثل:

1- تأثير الانهيار على تجارة دول الجوار.

2- تأثير الأزمة على أسعار النفط والأسواق الإقليمية.

تأثير الانهيار على تجارة دول الجوار

أولا: العراق

1- من المؤكد أن انهيار العملة الإيرانية سيكون له تأثير في التجارة مع العراق وحجم التبادل التجاري، خصوصا أن العراق يعد من أكبر مستوردي السلع والبضائع الإيرانية، بقيمة تتجاوز 17 مليار دولار سنويا.

2- صعوبة التسعير:

يواجه التجار صعوبة متزايدة في تحديد أسعار مستقرة للبضائع نتيجة تذبذب سعر الصرف ونقص العملات الأجنبية، وهو ما يزيد حالة عدم اليقين داخل حركة التجارة الثنائية.

3- تغير المسارات:

تحولت بعض التدفقات التجارية إلى طرق برية داخل العراق، إلا أن هذه المسارات أصبحت تستغرق وقتا أطول وترفع تكاليف النقل، بما يزيد من تكلفة السلع المتبادلة.

4- تعثر السداد والتبادل التجاري:

تواجه بغداد صعوبات متزايدة في تسديد مستحقات تجارة الغاز والكهرباء لإيران نتيجة العقوبات والآليات المصرفية المشددة، وهو ما يربك آليات التبادل التجاري ويضغط على الموازين التجارية للأطراف المعنية.

ثانيا: سوريا:

1- من المؤكد أن انهيار العملة الإيرانية ستكون له انعكاسات على التجارة مع سوريا، خصوصا من خلال ارتفاع التكاليف، إذ أدى تراجع قيمة الريال ونقص النقد الأجنبي إلى ارتفاع أسعار السلع والمواد الخام المستوردة من إيران.

2- الاعتماد على الشبكات غير المباشرة:

تعتمد المعاملات التجارية على شركات وسيطة وشبكات غير مباشرة لتجاوز العقوبات، وهو ما يزيد أعباء النقل ويعمق حالة عدم اليقين. كما يعاني السوق السوري من غياب الاستقرار في تكاليف الإنتاج نتيجة ارتباط جزء من التوريدات بالأسواق الإيرانية المضطربة.

وبذلك تؤثر الأزمة الاقتصادية وتدهور العملة الإيرانية بصورة مباشرة في اقتصادات الدول المحيطة، خصوصا العراق وسوريا، كما أدى شح الدولار داخل إيران إلى زيادة الضغوط على أسواق الصرف في بغداد ودمشق، مع تنامي عمليات تهريب وإعادة توجيه الدولار نحو السوق الإيرانية لتلبية الطلب.

ثالثا: تركيا والدول الآسيوية:

اتجه التبادل التجاري بصورة أكبر نحو نظام المقايضة السلعية، مثل تبادل الغاز الإيراني بالكهرباء التركية أو الأرز والسلع الأساسية مع أطراف أخرى، مع تقليص الاعتماد على الدولار لتفادي انقطاع الإمدادات الأساسية.

رابعا: الإمارات ودول الخليج:

تشهد حركة إعادة التصدير والوساطة التجارية عبر المراكز المالية الإقليمية، مثل دبي، اضطرابات شديدة نتيجة تشديد الرقابة وتوقف بعض الخطوط التجارية الحيوية، تجنبا للتبعات القانونية والمالية المرتبطة بالعقوبات.

تأثير الأزمة على أسعار النفط والأسواق الإقليمية

يرتبط تدهور الريال الإيراني بصورة وثيقة بأزمة الصادرات النفطية والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، ويمكن رصد أبرز التأثيرات في النقاط التالية:

1- علاوة المخاطر الجيوسياسية (Geopolitical Risk Premium):

يؤدي أي اضطراب في إنتاج النفط الإيراني أو أي تهديد لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى قفزات مفاجئة في أسعار خامات النفط العالمية، مثل برنت، وكذلك أسعار الغاز الطبيعي المسال، نتيجة ارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة.

2- تراجع الصادرات واختناق التوريد:

تسببت الضغوط والحصار البحري في هبوط شحنات النفط الإيراني إلى مستويات متدنية، ما أدى إلى تقليص المعروض من النفط الثقيل الموجه إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين والهند.

3- ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين:

ارتفعت أسعار التأمين البحري على الناقلات وتكاليف سلاسل الإمداد في الخليج العربي، ما أدى إلى زيادة تكلفة الواردات الغذائية والصناعية في دول المنطقة، ورفع معدلات التضخم الإقليمي.

السيناريوهات الاقتصادية المتوقعة لمعدلات التضخم والنمو في إيران خلال الفترة القادمة

تتوقف مسارات الاقتصاد الإيراني خلال المرحلة المقبلة على مجموعة من المتغيرات الرئيسية، في مقدمتها مدى حدة العقوبات الدولية، واستقرار الملاحة الصادرة من مرافئ النفط، وقدرة السلطات النقدية على استعادة الحد الأدنى من السيطرة على سوق الصرف.

وتدور التقديرات والسيناريوهات الاقتصادية المتوقعة حول ثلاثة مسارات أساسية:

1- سيناريو الركود التضخمي الحاد (السيناريو المرجح حاليا)

يفترض هذا المسار استمرار الوضع القائم من الضغوط النقدية والتضييق على الصادرات النفطية، دون الاندفاع نحو مواجهة شاملة، مع استمرار ارتفاع التضخم. وتشير توقعات المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى بقاء متوسط معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 60% و70% سنويا، مع إمكانية ارتفاعها إلى مستويات أعلى إذا واصل سعر الصرف في السوق الموازية تراجعه.

أما فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي، فمن المرجح أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انكماشا يتراوح بين -4% و-6%، نتيجة انخفاض العوائد النفطية وتراجع الاستهلاك المحلي وانكماش قطاعات الصناعة والخدمات تحت وطأة ارتفاع التكاليف.

2- سيناريو التضخم الجامح والانكفاء الاقتصادي (السيناريو التشاؤمي)

يتحقق هذا المسار في حال حدوث توقف كامل أو شبه كامل لمبيعات النفط بالتزامن مع تصعيد عسكري في المنطقة. وفي هذه الحالة قد ينزلق الاقتصاد الإيراني إلى ما يعرف بالتضخم الجامح (Hyperinflation)، لتتجاوز معدلات التضخم حاجز 100% سنويا، نتيجة فقدان الريال الإيراني خصائصه كمستودع للقيمة، واتساع الاعتماد على العملات الأجنبية والذهب في المعاملات اليومية.

أما معدل النمو الاقتصادي، فمن المرجح في هذا السيناريو أن يشهد انكماشا حادا يتراوح بين -8% و-10%، بالتزامن مع تراجع القدرة الإنتاجية للمؤسسات شبه الحكومية وتفشي البطالة الهيكلية على نطاق واسع.

3- سيناريو الاستقرار المشروط (السيناريو التفاؤلي)

يفترض هذا المسار نجاح إيران في التوصل إلى ترتيبات إقليمية أو تحقيق تخفيف جزئي للضغوط المفروضة على صادراتها، بما قد ينعكس على معدلات التضخم ويتيح تباطؤها تدريجيا إلى مستويات تتراوح بين 35% و45%، بشرط كبح نمو الكتلة النقدية وإعادة ضخ الدولار في السوق الرسمية.

الخاتمة

يكشف انهيار الريال الإيراني عن أزمة تتجاوز حدود السياسة النقدية وسوق الصرف، لتصبح انعكاسا مباشرا لتراكم الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية التي تواجهها طهران. فالحرب والعقوبات وتراجع صادرات النفط وشح العملات الأجنبية تتفاعل مع اختلالات داخلية مزمنة، بما يضعف قدرة الحكومة والبنك المركزي على الدفاع عن العملة واحتواء التضخم، في وقت يؤدي فيه تراجع القوة الشرائية إلى زيادة الضغوط على الأسر والقطاعات الاقتصادية المختلفة.

ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود إيران، وإنما تمتد إلى دول الجوار وأسواق الطاقة والتجارة الإقليمية، خصوصا مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطراب حركة النفط والإمدادات. وفي ضوء السيناريوهات المطروحة، تبدو قدرة إيران على تجنب مزيد من التدهور مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرتها على استعادة تدفقات النقد الأجنبي، والحفاظ على الحد الأدنى من صادرات النفط، وتخفيف الضغوط على حركة التجارة والملاحة، بالتوازي مع احتواء التضخم واستعادة الثقة في العملة المحلية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version