أحمد يحيى
باحث بوحدة الدراسات الإيرانية
ساهمت صور الأقمار الصناعية والدعم الاستخباراتي المقدم من جهات صينية، في تمكين إيران من تهديد السفن في مضيق هرمز وشن ضربات دقيقة على قواعد عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، وفقا لمسؤولين أمريكيين وتقارير متواترة في هذا الصدد، كما عززت البيانات الجغرافية المكانية الصينية قدرة إيران على تعقب السفن عبر المضيق، ما زاد من فرص الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية في إصابة أهدافها.
يتناول التحليل التالي الهدف الإستراتيجي المحتمل للصين من هذا الدعم، والإستراتيجية المحتملة لتحقيقه ووسائلها وأهدافها العملياتية، وقيمة هذا الدعم وتأثيره العملياتي من المنظور الإيراني، دون التطرق إلى دلالات توقيت نشر الأخبار المتعلقة بهذا الدعم، أو علاقتها بما يجري من مفاوضات بين الصين والولايات المتحدة.
الهدف الإستراتيجي للصين: تسعى الصين عبر الدعم الذي تقدمه إلى إيران، خاصة الدعم المؤثر في البعد العسكري، إلى “تحويل التواجد الأمريكي في المنطقة إلى عبء على دولها وتهديد لأمنها، وكذلك عبء على الولايات المتحدة نفسها، وذلك سعيا – على الاقل – لتقاسم هذا التواجد والنفوذ، في إطار التنافس الإستراتيجي الأوسع بينهما.
الإستراتيجية الصينية المتبعة: يمكن إيجازها في تحويل الحرب على إيران إلى مستنقع يستنزف الولايات المتحدة وعلاقاتها بدول المنطقة، من خلال توظيف إيران وشبكة حلفائها كوكيل للصين في صراعها مع الولايات المتحدة، وتوظيف قدراتهم العسكرية كقدرات ضرب ضمن سلسلة قتل صينية تستهدف المصالح والأصول الأمريكية في المنطقة، وذلك عبر توظيف حالة الحرب القائمة وحاجة إيران إلى الرد واستدامة العمل العسكري، مع ضعف قدراتها في الرصد والاستمكان، لتوظيف ضرباتها في خدمة أهداف صينية.
بمعنى أن الصين لا تقدم فقط دعما، بل تسعى للمساهمة في تشكيل القرار العسكري الإيراني بشكل غير مباشر – في الحد الأدنى – عبر الإمداد بمعلومات استخباراتية حول أهداف للضربات، ومن ثم تشارك في الحرب و في التحكم بإيقاعها من تلك الزاوية، وتسعى من خلال هذا المدخل للتحكم نسبيا في الضربات الايرانية لتوظيفها كورقة استنزاف محسوبة على مقياس المصالح الصينية، كوسيلة لمحاولة ضمان عدم تحولها لعبء على الصين ومصالحها وعلاقاتها في المنطقة.
ومن المؤكد أن الصين تسعى لتحقيق ذلك بتكلفة مناسبة، فتبعات الاشتباك مع الولايات المتحدة تقع على إيران وشبكة أذرعها بشكل مباشر، كما أن هذا النوع من المعلومات – صور الأقمار الصناعية وإحداثيات الأهداف – في حال مشاركتها مع دولة تعاني من حالة اختراق كالتي تعاني منها إيران لا تؤثر في حال تسربها أو انكشافها على “مصادر وأساليب” الاستخبارات الصينية.
الأهداف العملياتية الصينية:
- الأصول الأمريكية المختلفة في المنطقة.
- حرية الملاحة في هرمز وباب المندب.
الوسائل:
القدرات العسكرية لإيران وحلفائها، مع دعم صيني استخباراتي وعسكري.
وهنا يمكن القول إن الصين لا تستهدف حرية الملاحة ولا مصالح دول الخليج، لكن تستهدف إبراز قدراتها على المساهمة في حمايتهم مقابل عدم قدرة الولايات المتحدة على ضمان ذلك، والتي تسببت في الأصل في تشكيل بيئة التهديد بشن حربها على إيران.
المنظور الإيراني
تساهم المعلومات التي تقدمها الصين إلى إيران، من المنظور العسكري، فيما يمكن وصفه بالمراحل الأولى في سلسلة القتل الايرانية التي تستهدف الأصول الأمريكية في المنطقة، حيث تساهم في العثور على الهدف (find)، وتثبيته (fix)، وتتبعه (track)، وكذلك يمكنها المساهمة في مرحلة التقييم (asses) الأخيرة، بينما تنفذ القدرات العسكرية لإيران وذراعها مرحلتي الاستهداف (target) والمواجهة (engage).
ومن المؤكد أن إضعاف هذه المراحل، سواء عبر ضغط صيني أو إجراءات وقائية ودفاعية امريكية، سيؤثر في جودة الضربات الإيرانية، ما يؤثر على مدى تأثير الضربات على نمط العمليات الأمريكية حتى لو كان هذا التأثير أصلا ليس بالكبير، لكنه لن يؤثر على عمليات الإطلاق الإيرانية على الأرجح، لأن إيران تعتبر استمرار عمليات الإطلاق تحت أي ظرف هدف في حد ذاته، كرمز للصمود، ولتوظيفها في ساحة حرب المعلومات والسرديات، بغض النظر عن تأثيرها التدميري أو إصابتها لأهداف عملياتية.
كما أن الضربات المبنية على معلومات وأهداف صينية، تساهم في تثبيت قيمة إيران كحليف مؤثر للصين في صراعها مع الولايات المتحدة، ما يضمن استمرار الدعم نفسه، وإيجاد مصلحة صينية في استمرار النظام الإيراني، ويساهم في منطق توسيع أطراف الصراع وأدوارهم – ولو أطراف غير مباشرة – كوسيلة إيرانية لتخفيف ضغط مواجهتها للولايات المتحدة، أي أن هذا الدعم المعلوماتي الصيني يساهم بشكل رئيسي وبصور مختلفة في مجمل الإستراتيجية الإيرانية في الصراع.
الخلاصة
لا ينطلق الدعم الصيني لإيران – مع الإقرار بعدم اليقين فيما يخص حجمه ومدى تأثيره في النتائج، ومدى التحكم الحكومي الصيني فيه – على الارجح من التزامات تحالف بقدر ما ينطلق من رؤية الصين للصورة الحالية كفرصة في إطار المنافسة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، لزيادة نفوذها في المنطقة، على حساب الوجود الأمريكي، عبر توظيف إيران وشبكة وكلائها، لإبراز سلبيات الاعتماد على الولايات المتحدة كشريك وضامن لأمن المنطقة، بل وتصوير تواجدها كعبء مكلف لدولها.
