كتب: حسين محمود التلاوي
الملخص:
اهتمت الصحف الفرنسية بالأوضاع في الصومال والتحركات التركية فيها على المستويات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمة الإنسانية في السودان وبالأخص مدينة الأبيض، وتفشي الكوليرا في البلاد.
تناولت الصحف الفرنسية مجموعة من الملفات في منطقة القرن الإفريقي والسودان، تركزت على الأوضاع في الصومال والدور التركي هناك، والأزمة الإنسانية في السودان؛ وبوجه خاص مدينة الأبيض الاستراتيجية، إلى جانب تداعي القطاع الصحي في البلاد مع تفشي وباء الكوليرا هناك. وتلقي هذه المتابعة الضوء على أبرز تلك التقارير والمتابعات الفرنسية.
الاستراتيجية التركية في الصومال
البداية من جريدة “لوموند” التي نشرت تقريرًا بعنوان “تركيا، الراعي القوي للصومال المأزوم”، تناول الاستراتيجية التركية في الصومال.
بدأ التقرير بالقول إن تركيا استثمرت الكثير في الصومال لدرجة تجعلها لا تريد رؤية البلاد تنزلق مجددًا إلى أتون الحرب الأهلية. وأضاف التقرير أنه مع تصاعد حدة التوتر الأخير في الصومال، أوفدت أنقرة “على وجه السرعة” الرجل الثاني في جهاز استخباراتها، “أحمد جمال الدين تشيليك”، ليكون أول مسئول أجنبي يصل إلى مقديشو؛ حيث وصل إلى العاصمة الصومالية مقديشو بالتزامن مع اندلاع الاشتباكات بين ميليشيات مرتبطة بالمعارضة والجيش. وأسفرت تلك المواجهات عن سقوط 13 قتيلاً وإصابة 190 آخرين، وفقًا لمذكرة صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وفيما يتعلق بخلفيات العلاقة بين البلديت، تقول الجريدة في تقريرها إن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، منذ زيارته الأولى إلى مقديشو في عام 2011، جعل من هذا البلد الواقع في القرن الأفريقي أولويته القصوى في القارة السمراء. وبالفعل تتصدر أنقرة المشهد بصفتها “الشريك الأمني الأول” للصومال؛ حيث تهيمن على قطاعات الإنشاءات والتنمية والصحة، كما أن هناك أكبر سفاراتها في العالم، وقاعدتها العسكرية الوحيدة في الخارج، والتي تخصصها لتدريب الجيش الصومالي.
ويذكر التقرير أن تركيا تتطلع إلى استثمار نفوذها القوي هذا؛ إذ تستعد لبدء عمليات التنقيب عن النفط في المياه الإقليمية، والشروع في تشييد أولى قواعدها “الفضائية” في الصحراء الصومالية.
قاعدة “فضائية” تركية في الصومال
وفيما يخص القاعدة التركية “الفضائية” في الصومال، نشرت جريدة “لوموند” تقريرًا بعنوان “لماذا تبني تركيا قاعدة فضائية في الصومال”، ذكرت فيه أن تركيا تطوّر في الصومال موقعًا متطورًا لإطلاق الصواريخ الفضائية والباليستية؛ مما يمنح أنقرة بنية تحتية استراتيجية تؤهلها لتصبح الدولة الثالثة عشرة في العالم التي تمتلك قاعدة فضائية سيادية. وأضاف التقرير أن هذا المشروع “الضخم”، الذي انطلق العمل فيه بتكتم منذ أكتوبر من العام الماضي وتبلغ تكلفته التقديرية نحو 350 مليون دولار، يجري في مدينة وارشيخ الواقعة على شواطئ المحيط الهندي شمال العاصمة مقديشو.
ووفق الجريدة، يهدف هذا المشروع التكنولوجي إلى تمكين تركيا من ولوج الفضاء بـ”استقلالية تامة” وتعزيز مكانتها في الاقتصاد الفضائي العالمي، إلى جانب توفير حقل تجارب متقدم للصناعات الدفاعية التركية القوية لاختبار صواريخها الباليستية.
وأوضحت الجريدة أن اختيار الصومال لاحتضان هذا المشروع جاء مدفوعًا بالعلاقات الثنائية الوثيقة بين البلدين، إلى جانب مزايا تقنية وجغرافية حاسمة؛ إذ يسهم قرب الصومال من خط الاستواء في خفض تكاليف الوقود وزيادة حمولة الصواريخ الموجهة نحو الفضاء، كما يضمن موقعها الجغرافي سقوط شظايا الصواريخ وعوادمها بأمان داخل مياه المحيط الهندي دون تشكيل خطورة على المناطق المأهولة.
وفي الجانب الاقتصادي، أوضح التقرير أن الحكومة التركية تتطلع إلى تحقيق عوائد اقتصادية مجزية من هذه القاعدة، عبر فتح الباب أمام الدول الأخرى للاستفادة منها في إرسال أقمارها الاصطناعية إلى المدارات الفضائية؛ مما يحول الموقع إلى مركز استثماري واستراتيجي بارز في منطقة القرن الأفريقي.
مخاطر القرصنة البحرية أمام سواحل الصومال
ولا زلنا مع الصومال، لكن في ملف القرصنة؛ حيث نشرت جريدة “لوفيجارو” تقريرًا بعنوان “” حول حوادث القرصنة البحرية الأخيرة أمام سواحل الصومال. وقالت الجريدة إن تلك الحوادث أعادت الأخيرة إشعال المخاوف الدولية من عودة نشاط القرصنة البحرية قبالة سواحل القرن الأفريقي؛ حيث أعلنت وكالة الأمن البحري البريطاني اختطاف ناقلة نفط واقتيادها بالقوة إلى عمق المياه الإقليمية الصومالية على يد مجموعة مسلحة، تلاها بيومين فقط اختطاف سفينة صيد ترفع العلم الصومالي على يد أحد عشر مسلحًا.
ويشير التقرير إلى أن هذه التطورات المتلاحقة، بالإضافة إلى هجمات مماثلة شهدتها الأشهر الماضية واستهدفت ناقلات على مسافات بعيدة من الشواطئ، تعد مؤشرًا خطيرًا على “تنامي تهديد حقيقي” يهدد أمن الملاحة الدولية في منطقة شكلت معقلاً للقرصنة في السابق، قبل أن تتراجع وتيرتها بفضل الدوريات العسكرية الدولية ونشر حراس مسلحين على متن السفن التجارية.
ويمضي التقرير بيقول إن هذه التطورات تكتسب خطورة مضاعفة نظرًا للموقع الجغرافي الحساس للصومال الذي يقع عند مدخل مضيق باب المندب الرابط بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويعد المضيق أحد أكثر الممرات التجارية ازدحامًا في العالم لربطه المحيط الهندي بقناة السويس. وتتزايد الأهمية الاستراتيجية لهذا الممر المائي، وفق الجريدة، في ظل الاضطرابات السياسية والأمنية المزمنة التي تعيشها الصومال، فضلًا عن تضاعف حساسية المنطقة بعد إغلاق مضيق هرمز الذي كان يستوعب خُمس إمدادات النفط والغاز المسال العالمية؛ مما يجعل أمن الشواطئ الصومالية عصبًا حساسًا للاقتصاد العالمي.
السودان: وباء الكوليرا وقطاع صحي منهار
تناولت جريدة “لوموند” الأزمة الإنسانية في السودان، مع التركيز على القطاع الصحي؛ حيث نشرت الجريدة تقريرًا بعنوان “أزمة كوليرا متفاقمة في السودان”، أوردت
فيه تحذيرات من منظمة الصحة العالمية من تفشي موجة جديدة لمرض الكوليرا في السودان حصدت أرواح 120 شخصًا منذ شهر مايو الماضي. وذكر التقرير أن السلطات السودانية رصدت ما يزيد عن 1100 حالة مشتبه بها في مناطق نزاع معزولة. وحسب التقرير، تأتي هذه الموجة الثالثة بعد شهرين فقط من إعلان نهاية الموجة السابقة في مارس الماضي، التي أصابت ما يزيد على 124 ألف شخص وتسببت في وفاة 3500 آخرين بين عامي 2024 و2026. ويوضح مسئولو المنظمة أن المرض، الذي كان يظهر دوريًّا كل ثلاثة أعوام، تحول الآن إلى تفشٍّ شبه مستمر نتيجة النزاع المسلح، وصعوبة وصول أطقم الإغاثة الإنسانية للمناطق المتضررة، ونقص الإمدادات الطبية، مع مخاوف شديدة من انفجار عدد الحالات مع اشتداد موسم الأمطار المُرتقب وشح المياه الصالحة للشرب لمللايين السكان.
ويضيف التقرير الفرنسي أن النزاع المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أدى إلى “تدمير شبه كامل للمنظومة الصحية”؛ فبينما خرجت 40% من المنشآت الطبية تمامًا عن الخدمة، تعمل النسبة المتبقية جزئيًّا، ولا تقدم إلا قدرًا بسيطًا من الخدمات، عندما تعمل.
وتضيف الجريدة في تقريرها أن السلطات أعلنت تفشي الوباء مؤخرًا في ولاية غرب كردفان الواقعة على خطوط المواجهة، كما تمدد المرض إلى ولاية شمال كردفان المجاورة؛ لا سيما مدينة الأبيض التي تواجه حصارًا وتهديدًا بهجوم بري، فضلاً عن ضربات جوية متواصلة بالطائرات المسيرة طالت محطات الطاقة والمياه؛ مما يقطع شريان الحياة الأساسي ويضع مئات الآلاف على حافة المجاعة وسط تحذيرات أممية من فظائع إنسانية واسعة النطاق في حربٍ أودت بحياة أكثر من 200 ألف شخص.
الأبيض وكارثة إنسانية متفاقمة
وفي شأن الأوضاع الإنسانية في الأبيض، أوردت جريدة “لوفيجارو” الفرنسية تقريرًا ذكرت فيه أن الأمم المتحدة أطلقت تحذيرًا شديد اللهجة بشأن الأوضاع الإنسانية في المدينة، من خلال إطلاق “الإنذار الأحمر” للدلالة على التدهور الحاد في الأوضاع الإنسانية المتدهورة بالمدينة عاصمة ولاية شمال كردفان الاستراتيجية التي تواجه حصارًا خانقًا فرضه متمردو الدعم السريع. وأعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، “فولكر تورك”، عن مخاوفه العميقة من وقوع كارثة حقوقية جديدة تحاكي الفظائع والانتهاكات الشديدة التي شهدتها مدينة الفاشر في دارفور سابقًا؛ مما يهدد بتهجير مئات الآلاف من المدنيين العزل.
وتتجلى خطورة الوضع الميداني في تصاعد الهجمات الجوية بطائرات دون طيار التي استهدفت الأسواق والمدارس والمرافق الحيوية؛ مثل شبكات الكهرباء والمياه ومحطات الوقود؛ الأمر الذي أسفر عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين، وتدمير البنية التحتية الأساسية وتجميد خطوط الإمداد الحيوية. وتستضيف المدينة، التي يقطنها نصف مليون نسمة، نحو مئة ألف نازح فروا من مناطق أخرى، ويعجز الكثير منهم الآن عن المغادرة بسبب الارتفاع الباهظ لتكاليف النقل والمخاطر الأمنية الجسيمة على الطرقات، فضلًا عن تصاعد خطاب الكراهية والاعتقالات التعسفية والاتهامات بالعمالة للمغادرين.
وفي مواجهة هذا التصعيد الخطير، تحركت قوى دولية بقيادة بريطانيا ودعم دول أوروبية داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، للدفع باتجاه استصدار قرار يطالب بوقف فوري لإطلاق النار. وركزت المناقشات الدولية على ضرورة كبح اقتصاد الحرب واستهداف الأطراف المحلية والأجنبية التي تتربح من هذا الصراع الدامي، وسط تحذيرات منظمة الهجرة الدولية من أن التقاعس عن التدخل العاجل سيؤدي إلى تشريد أكثر من نصف مليون شخص إضافي، لينضموا إلى ملايين السودانيين الذين نزحوا بالفعل منذ اندلاع هذه الحرب.
