د. نسمة عبد النبي
باحثة في وحدة الدراسات الإيرانية
شهدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال العقود الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في عمليات الاختراق الأمني والاستخباراتي التي استهدفت مؤسساتها العسكرية والعلمية والسياسية، وهو ما انعكس في سلسلة من عمليات الاغتيال التي طالت شخصيات بارزة في الدولة، لا سيما في الحرس الثوري والبرنامج النووي الإيراني.
وقد مثّلت هذه العمليات أحد أبرز مظاهر الصراع غير المباشر بين إيران من جهة، وكلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حيث اتخذ هذا الصراع طابع “حرب الظل” التي تعتمد على العمل الاستخباراتي والعمليات السرية بدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة.
وفي هذا السياق، برزت ظاهرة الاغتيالات الموجّهة كأداة إستراتيجية تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية والعلمية الإيرانية، وإرباك البنية الأمنية للنظام، فضلًا عن توجيه رسائل سياسية وأمنية إلى القيادة الإيرانية.
وقد شملت هذه العمليات اغتيال عدد من العلماء النوويين والقادة العسكريين، ما كشف عن وجود ثغرات أمنية واستخباراتية داخلية سمحت بتغلغل شبكات تجسس أجنبية أو بتعاون بعض العناصر المحلية معها.
ومن ثمّ يثير تكرار هذه العمليات تساؤلات مهمة حول طبيعة الاختراقات الأمنية داخل إيران، وآليات عمل أجهزة الاستخبارات المعادية، إضافة إلى مدى قدرة المؤسسات الأمنية الإيرانية على مواجهة هذا النوع من التهديدات المعقّدة.
سياق الاختراق الأمني والاستخباراتي في إيران
تعتمد الإستراتيجية التي واجهتها إيران (خاصة من قبل الموساد الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات الأمريكية) على “عقيدة الأخطبوط”، التي تهدف إلى ضرب رأس النظام وأذرعه الحيوية بدلًا من الاكتفاء بالأطراف، ومن أبرز ملامح هذا الاختراق وسلسلة الاغتيالات والضربات التي تعرّضت لها طهران ما يلي:
أولًا: اغتيالات القيادات السياسية
- (مايو 2024) حادثة المروحية ووفاة إبراهيم رئيسي: برغم أن الرواية الرسمية الإيرانية، بعد التحقيقات النهائية، عزت سقوط مروحية الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان إلى ظروف جوية قاسية وضباب كثيف، فإن الحادثة أثارت تساؤلات أمنية كبرى، من بينها التساؤل حول الفشل التقني: كيف لمروحية تقلّ رئيس الدولة ألّا تمتلك أنظمة تتبع متطورة؟
- (يوليو 2024): اعتُبر اغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في قلب طهران وفي مقر إقامة محروس من قبل الحرس الثوري، فشلًا أمنيًا ذريعًا. وقد جاءت العملية بعد تنصيب الرئيس مسعود بزشكيان، ما أرسل رسالة واضحة حول قدرة الموساد على الوصول إلى أي نقطة.
- (يونيو 2025): شهد منتصف يونيو تصفية كبار القادة الأمنيين والعسكريين داخل إيران، إذ أدت الضربات إلى مقتل أكثر من عشرة من كبار القادة العسكريين والأمنيين الإيرانيين، إضافة إلى عدد من العلماء النوويين، وهو ما اعتُبر أكبر خسارة لقيادة عسكرية إيرانية منذ عقود، ما عزز فرضية وجود “خلايا نائمة” أو عملاء داخل مفاصل الدولة. ومن أبرز القادة العسكريين الذين قُتلوا في يونيو 2025:
- حسين سلامي: القائد العام للحرس الثوري الإيراني.
- محمد باقري: رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية.
- غلام علي رشيد: قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي (مركز القيادة العسكرية العليا للحرب).
- أمير علي حاجي زاده: قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري والمسؤول عن برنامج الصواريخ الباليستية.
- داود شيخيان: قائد الدفاع الجوي في القوة الجوفضائية للحرس الثوري.
- طاهر بور: قائد برنامج الطائرات المسيّرة في الحرس الثوري.
- مهدي رباني: نائب رئيس هيئة الأركان العامة لشؤون العمليات.
- محمد كاظمي: رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري.
- حسن محقق: نائب رئيس الاستخبارات في الحرس الثوري.
- محسن باقري: ضابط استخبارات في الحرس الثوري.
- علي شادماني: قائد مقر خاتم الأنبياء، اغتيل في 17 يونيو 2025 بعد أربعة أيام من تعيينه.
- (فبراير 2026): نُفذت عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة في 28 فبراير 2026 استهدفت مجمع المرشد الأعلى في طهران، ما أدى إلى اغتيال علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية، مع عدد من كبار المسؤولين، منهم علي شمخاني مستشار المرشد الأعلى، الذي كان يُعد حلقة الوصل بين الأجنحة الأمنية والسياسية، وأمير نصير زاده وزير الدفاع الإيراني، ومحمد باكبور قائد الحرس الثوري.
إن استهداف قادة الحرس الثوري جاء ضمن حملة تصفية “الصف الأول” من قادة الحرس، بهدف خلخلة السيطرة الميدانية وتسهيل انهيار المنظومة الأمنية. وقد كشفت هذه العملية عن اختراق استخباراتي هائل، إذ مكّنت الثغرة الاستخباراتية المهاجمين من رصد اجتماع سري لقيادات إيران في مجمع الباستور بطهران وتحديد الموقع بدقة، ما يؤكد أن الاختراق وصل إلى الدائرة اللصيقة جدًا بصنّاع القرار في إيران.
ثانيًا: اغتيال العلماء النوويين
إن استهداف العلماء النوويين يُعد إستراتيجية تهدف إلى تعطيل الطموح النووي الإيراني وضرب العصب التقني. ومن العلماء الذين تم اغتيالهم:
- (2010 – 2012) مجيد شهرياري ومصطفى أحمدي روشن، في سلسلة اغتيالات نُفذت عبر إلصاق قنابل مغناطيسية بسياراتهم في قلب طهران، ما كشف عن سهولة حركة عملاء الاستخبارات الأجنبية في الشوارع الإيرانية.
- (نوفمبر 2020): اغتيال محسن فخري زاده، الذي كان يوصف بـ “أبو البرنامج النووي”، ويُعد هذا الاغتيال الأكثر تعقيدًا، حيث استُخدمت فيه رشاشات تعمل بالذكاء الاصطناعي عبر الأقمار الصناعية.
أساليب الاختراق
تتمثل أساليب الاختراق في عدة محاور:
- التجنيد الداخلي: استغلال الأزمات الاقتصادية لتجنيد أفراد داخل الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات. وقد تزايدت المؤشرات على وجود تجسس داخلي وتجنيد للعامل البشري من داخل الحرس الثوري أو الأجهزة الأمنية، وهو ما يفسر دقة المعلومات حول الاجتماعات السرية والمخابئ المحصّنة.
- الاختراق التكنولوجي والسيبراني: تتم الحرب السيبرانية عبر اختراق الهواتف والتجسس على الاتصالات وتتبع نظام وقد كشفت التحقيقات عن اختراق كاميرات المرور في طهران وأنظمة المراقبة لمتابعة تحركات الحراس الشخصيين للمسؤولين قبل تنفيذ الاغتيالات، إضافة إلى اختراق شبكات الاتصال المشفرة والقدرة على تتبع الهواتف وتحديد المواقع الجغرافية بدقة عالية، والتجسس عبر الأقمار الصناعية وربط البيانات السيبرانية بالصور الفضائية لتحديد المواقع قبل تنفيذ الضربات. وقد تعرضت إيران في مارس 2026 لأكبر هجوم سيبراني في تاريخها، أدى إلى تعطل المواقع الحكومية ووكالات الأنباء وأنظمة القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري.
- التهريب اللوجستي: إدخال أسلحة أو طائرات مسيّرة أو أجهزة مراقبة إلى داخل البلاد.
- الذكاء الاصطناعي: استخدام خوارزميات متقدمة لتجاوز جدران الحماية الإيرانية ورصد الثغرات في الأجهزة.
- اختراق سلاسل التوريد: زرع برمجيات خبيثة في المعدات التقنية التي تستوردها إيران عبر قنوات غير رسمية لتفعيلها في “ساعة الصفر”.
- اختراق أجهزة القيادة: استهداف أنظمة الاتصالات المشفرة التابعة للحرس الثوري، ما منع التنسيق بين الوحدات العسكرية أثناء الهجمات الجوية.
- استهداف البنية التحتية الحيوية: شهدت أعوام 2024 و 2025م، ضربات استهدفت عصب الحياة اليومية.
ومنها:
- قطاع الطاقة والوقود: نفذت مجموعة العصفور المفترس (Predatory Sparrow) هجمات أدت إلى تعطل محطات الوقود في أنحاء البلاد، ما تسبب في أزمات سير وخناق اقتصادي.
- القطاع المصرفي: في يونيو 2025 تم اختراق بنك سباه الحكومي وتدمير بيانات ضخمة، إضافة إلى اختراق منصات العملات الرقمية التي يستخدمها النظام للالتفاف على العقوبات.
- المصانع والمنشآت: استهداف أنظمة التحكم الصناعي (SCADA) في مصانع الصلب والمنشآت النووية، ما أدى إلى حوادث تقنية وتعطيل الإنتاج لفترات طويلة.
- رسائل موجهة للشعب: تم اختراق تطبيق باد صبا (BadeSaba)وهو تطبيق تقويم ديني شهير يستخدمه الملايين، وإرسال رسائل سياسية مباشرة إلى هواتف المواطنين تحذر من استمرار سياسات النظام.
الأبعاد السياسية والأمنية للاغتيالات
دور استخبارات إسرائيل (الموساد)
عملت إسرائيل لسنوات على التغلغل داخل الأجهزة الأمنية الإيرانية وتنفيذ عمليات سرية داخل إيران، ما جعلها قادرة على ضرب أهداف داخل البلاد بنجاح في أكثر من مناسبة. ومن أبرز الأمثلة:
- عملية سرقة الأرشيف النووي (2018): أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أن الموساد سرق نحو 55 ألف وثيقة تخص البرنامج النووي الإيراني من مخبأ سري في جنوب طهران.
- عملية يونيو 2025: وفق تقديرات المراقبين الغربيين، نفذ الموساد عمليات تخريب وتجميع طائرات هجومية بدون طيار داخل إيران، وتعاون مع القوة الجوية الإسرائيلية باستخدام هذه الأدوات لضرب مواقع صاروخية ومراكز دفاعية.
- شبكات داخلية من العملاء داخل إيران ساهمت في تحديد مواقع قيادات وأهداف عسكرية وفنية، ما ساعد في تنفيذ ضربات دقيقة.
دور استخبارات الولايات المتحدة
منذ أوائل القرن الحادي والعشرين شاركت الولايات المتحدة في عمليات سيبرانية استهدفت البرنامج النووي الإيراني عبر مشروع مشترك مع إسرائيل يُعرف باسم Operation Olympic Games، الذي أنتج فيروس Stuxnet لتعطيل أجهزة تخصيب اليورانيوم في منشأة نطنز، ما أخر البرنامج النووي الإيراني لسنوات.
كما يوجد تعاون طويل بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) والموساد في تبادل المعلومات الاستخباراتية لتتبع وتحليل تحركات كبار المسؤولين الإيرانيين.
ومن أبرز ما حدث في الأيام التي تلت اغتيال المرشد خامنئي تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه سيستهدف أي مرشد آخر لإيران، في محاولة لإيصال رسالة نفسية ومعنوية تعكس حجم الاختراق داخل إيران.
الدوافع الأمريكية والإسرائيلية للاختراق الاستخباراتي
- ترى كل من إسرائيل والولايات المتحدة في التغلغل الاستخباراتي داخل إيران وسيلة لزيادة الضغط على برنامجها النووي وتحييد التهديدات الصاروخية والميليشياوية المنتشرة في المنطقة، وذلك ضمن إستراتيجية أوسع للحد من النفوذ الإيراني النووي والإقليمي.
- ترى كل من إسرائيل والولايات المتحدة أن هذا النوع من الحروب أقل كلفة من الحرب المباشرة، ولا يجر إلى مواجهة شاملة، بل يربك الخصم داخليًا ويستهدف “العقل لا الجيش”.
تداعيات الاختراق الأمني والاستخباراتي على النظام الإيراني
ترك الاختراق الأمني والاستخباراتي تأثيرات واسعة على إيران، من أبرزها:
- التداعيات الداخلية: اهتزاز الثقة داخل الأجهزة الأمنية، وزيادة حملات الاعتقال والتحقيق، وارتفاع مستوى القلق داخل النخبة العلمية.
- التداعيات الإقليمية: اتجهت إيران إلى دعم حلفائها ووكلائها الإقليميين (حزب الله والحوثيين) والرد غير المباشر، ما أدى إلى انتقال الصراع من مواجهة مباشرة إلى حرب ظل طويلة.
- التداعيات السياسية: تراجع صورة الدولة الحصينة، وتصاعد نفوذ التيار الأمني المتشدد، وتقلص هامش الإصلاحيين.
- التداعيات على البرنامج النووي: أدى اغتيال العلماء إلى تباطؤ مؤقت في التطوير نتيجة فقدان بعض الخبرات، مع زيادة السرية والعسكرة، دون أن يتوقف البرنامج بالكامل.
كما جاء الرد الإيراني السيبراني عبر تشكيل ما عُرف بـ “غرفة العمليات الإلكترونية” في فبراير 2026، ونفذت هجمات مضادة شملت:
- محاولات اختراق لأنظمة المياه والطاقة في الولايات المتحدة وإسرائيل.
- هجمات DDoS لتعطيل مواقع البنوك والمطارات في بعض دول الخليج والأردن.
الخاتمة
شهدت إيران خلال السنوات القليلة الماضية (2024–2026) سلسلة من التطورات الأمنية التي كشفت عن ثغرات استخباراتية عميقة، وتُعد هذه الفترة من أكثر الفترات حرجًا في تاريخ النظام الإيراني المعاصر من حيث حجم الاختراق الأمني والاستخباراتي. فقد أظهرت العمليات الأمنية والاغتيالات التي استهدفت كبار القادة والعلماء في إيران نمطًا متصاعدًا من الاختراق الاستخباراتي طال مفاصل الدولة، بدءًا من البرنامج النووي وصولًا إلى هرم السلطة.
ويمثل الاختراق التقني والسيبراني أحد أكثر فصول الصراع الحديث تعقيدًا، حيث تحولت التكنولوجيا من وسيلة دعم إلى سلاح كاسر للتوازن. وخلال الفترة بين 2024 و2026 انتقلت العمليات السيبرانية من مجرد التجسس إلى التدمير المباشر للبنية التحتية والتحكم في شبكات الاتصالات.
وقد جرت هذه الاختراقات عبر مزيج من العمليات السيبرانية والتغلغل البشري واستخدام العملاء داخل إيران، إضافة إلى ضربات جوية دقيقة بتنسيق استخباراتي واسع. كما طالت عمليات الاغتيال كبار العلماء والكوادر العسكرية والقيادات السياسية، ما يعكس عمق الصراع بين طهران من جهة وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى.
وعلى الرغم من إعلان إيران إحباط عدد من مخططات الاغتيال ضد مسؤولين آخرين، فإن ذلك يعكس استمرار هذا الصراع الطويل والمفتوح في الظل. ومن ثمّ يمكن القول إن إيران تواجه تحديات كبيرة في حماية النخبة السياسية والعلمية، في ظل اختراقات بشرية وضعف نسبي في بعض جوانب الأمن الداخلي، وهو ما جعل ملف الاغتيالات أحد أبرز أدوات الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة.

