باحث في وحدة الدراسات الإيرانية

pin up pinup

أصبح مقعد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية شاغرًا بعد اغتيال آية الله العظمى علي خامنئي يوم السبت الموافق 28 فبراير 2026م؛ ما أدى طبقًا للمادة 111 من الدستور الإيراني إلى تشكيل مجلس ثلاثي من مسعود بزشكيان رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسن إيجئي، وأحد أعضاء مجلس صيانة الدستور هو على رضا أعرافي، وهو ما يجعل الأخير أحد الأسماء المتداولة والمرشحة لمنصب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية.

النشأة وتشكيل الوعي الأيديولوجي

يعد علي رضا أعرافي أحد أبناء قرية ميبد في محافظة يزد، ولد عام 1338هـ.ِش/1959م. والده هو محمد إبراهيم أعرافي أحد علماء ورجال الدين في عصره وكان له باع في مواجهة النظام البهلوي آخر الأسر الملكية في إيران، وأحد الأصدقاء المقربين من آية الله الخميني قائد الثورة الإيرانية عام 1979م ضد الشاه محمد رضا بهلوي وأول مرشد للثورة في إيران. أما والدته فهي ابنة آية الله شيخ كاظم ملك أفضلي أردكاني، ما يعني أن الرجل نشأ في أسرة دينية إلى جانب مزاولة النشاط السياسي.

تلقي أعرافي العلوم الدينية على يد والده في طفولته، ثم انتقل إلى قم عام 1349هـ.ش/ 1970م ليلتحق بالدراسة في الحوزة العلمية في الحادية عشر من عمره ما يعني أنه انخرط في حياة المؤسسة الدينية وتعاليمها منذ نعومة أظافره. وتتلمذ في الحوزة على يد عدد من آيات الله مثل آية الله العظمى فاضل لنكراني، ووحيد خراساني، وجواد تبريزي. وتعلم تفسير القرآن الكريم على يد ميرزا على مشكيني، واستفاد من الحوارات الفلسفية في جلسات العلامة مصباح يزدي وغيره مثل آية الله مطهري.

بالنظر إلى هذه النشأة الدينية في الحوزة إلى جانب أسماء الأساتذة الذين أثروا في فكر أعرافي مثل مطهري ومصباح يزدي اللذان كانا لهما دورًا بارزًا في التنظير إلى الثورة الإيرانية 1357هـ.ش/1979م، فالأول من قادة الثورة الإيرانية وكُلف من الخميني بتشكيل مجلس قيادة الثورة وتولى مجلس قيادتها بعد انتصارها، أما الثاني كان من تلاميذ الخميني ومارس نشاطًا سياسيًا ضد الشاه وعضوًا فاعلًا في الحوزة العلمية التي دعمت الثورة. فيتضح من خلال ذلك أنه نشأ نشأة دينية بقيم ثورية؛ ولذلك ليس غريبًا أن يُسجن في عهد الشاه في سن مبكرة عندما بلغ السادسة عشر من عمره؛ بسبب معارضة النظام البهلوي آنذاك، ما يشير إلى الاندماج منذ النشأة مع النظام الإيراني المعارض الذي سوف يمارس السياسة من منظور ديني، ومع ذلك لا يعد من المنظرين للثورة الإسلامية نظرًا لحداثة سنه في ذلك التوقيت.

تمكن أعرافي خلال دراسته في الحوزة من الحصول على درجة مجتهد. كما أنه يجيد اللغتين العربية والإنجليزية إلى جانب لغته الأم.

مراحل جوهرية في مسيرة أعرافي

لم يحظ أعرافي بشهرة سياسية واسعة، ولكنه كان رجل بارزًا في الأوساط الدينية. رغم أن والده كان من أتباع الخميني إلا أنه لم يتمكن من الوصول إلى أي منصب إلا حينما وصل خامنئي إلى مقعد المرشد في إيران.

كان أعرافي بين قائمة أسماء يرى فيهم الراحل خامنئي أنهم يتمتعون بالقدرة على تنفيذ أهداف النظام؛ لذلك عينه إمام جمعة قرية ميبد خلفًا لوالده 1371هـ.ش/1992م أي في الثالثة والثلاثين من عمره وهي سن مبكر لشغل وظيفة إمام الجمعة ما يعكس مدى الثقة والمكانة التي حظى به لدى خامنئي.

في عام 1381هـ.ش/2002م، عينه خامنئي رئيس “المركز العالمي للعلوم الإسلامية” بعدما تأسس في وقت سابق باسم “مركز رعاية الطلاب غير الإيرانيين” وكانت مهمته الاهتمام بشؤون الطلاب الأجانب والذي أصبح فيما بعد نواة لفكرة تأسيس جامعة المصطفى العالمية عام 1386هـ.ش/2008م.

وقد عهد له خامنئي برئاستها واستطاع أن يحقق من خلالها هدفًا إستراتيجيًا مذهبيًا للنظام عن طريق نشر التشيع عالميًا بين عدد كبير من الطلاب المنتسبين للجامعة، واستطاع من خلال الأيدولوجية التي تتبناها الجامعة أن يساعد النظام في أن يكون له مليشيات تابعة للنظام في عدد من الدول المختلفة تم إعدادهم أثناء الدراسة بما يخدم مصلحة النظام من خلال “ولائهم العقائدي” لإيران على حساب دولهم.

وما يؤكد ذلك افتخار أعرافي أثناء التناحر الداخلي في سوريا على السلطة بأن هناك الكثير من مقاتلي فصيل “الزينبيون” و”الفاطميون” من خريجي هذه الجامعة وأن منهم الشهداء ومنهم مازالوا في ساحة القتال، ولعل هذا ما يبرر اتهام الولايات المتحدة للجامعة بتورطها بأنشطة عسكرية واستخباراتية مع فيلق القدس التابع للحرس الثوري.

على هذا النحو استطاع أعرافي أن يعزز مكانته لدى المرشد لينقله إلى محطة جديدة تقربه وتأهله لمقعد المرشد.

تسببت ثقة المرشد في أن يعينه عام 1390هـ.ش/2011م عضوًا في المجلس الأعلى للثورة الثقافية ثم عينه إمام الجمعة في مدينة قم التي تعد مركز الحوزة العلمية ومدينة دينية إستراتيجية لنقل رسائل المرشد ومجابهة الحرب الثقافية للأعداء، ولم تتوقف الثقة به عند هذا الحد، بل شغل منصب مدير الحوزات العلمية في إيران ما مكنه من الإلمام بكل تفاصيل أهم مؤسسة دينية في البلاد.

عضوية مجلس صيانة الدستور            

ولقد قفز أعرافي إلى قمة السياسة في إيران وتحديدا بالعام 1397هـ.ش/2019م حين عينه خامنئي عضوًا فقهيًا في مجلس صيانة الدستور ما يصور ثقة المرشد الكبيرة في أعرافي ويعد ذلك المنصب الأرفع سياسيًا من بين المناصب الكثيرة التي شغلها أعرافي؛ لأن هذا المجلس هو الهيئة المنوط بها قبول ورفض أي سياسة للحكومة أو استبعاد أي مرشح سياسي لأي انتخابات، ويتكون من 12 عضوا فقط، ولقد كان هذا المنصب خطوة كبيرة قربت أعرافي من خلافة المرشد خاصة أنه ترشح لعضوية “مجلس خبراء القيادة” المنوط به اختيار المرشد في حالة شغور مقعده، ونجح وأصبح نائبا لرئيس المجلس.

 

 

رؤية المرشد المحتمل

إن البعد النسبي لأعرافي عن الدوائر السياسية المؤثرة في صنع القرار إلا عضويته في “مجلس صيانة الدستور” يجعل من الصعب التعرف بشكل قاطع عن المسار الذي ستتخذه الدولة، لكن حين النظر إلى كلمة ألقاها أعرافي في أثناء زيارة له في المدرسة الفيضية في قم يؤكد فيها عن فكرة وصول دولة إيران إلى الحضارة الإسلامية وهو ما يتفق مع رؤية خامنئي ومن قبله الخميني القائل بمصطلح “الحضارة الإسلامية الجديدة”.

وتعويلًا على الدور الذي قام به أثناء رئاسة جامعة المصطفى يمكن توقع الرؤية أو الإستراتيجية التي سوف يتبناها أعرافي إذا ما وصل لمقعد المرشد، وهى تعميق الفكر الإسلامي الشيعي الذي يخدم إيران خارج حدودها، ويستكمل المشروع الذي بدأه بحيث يستطيع بواسطة العقل والفكر والثقافة أن يمد حدود إيران بحيث تكون حاضرة في وجدان كل شخص متأثر بأيدولوجيتها خارج حدودها، وبالتالي يمكن أن يمثل ذلك قوة موازية للقوة العسكرية وما يؤكد ذلك وصول أفكار هذه الجامعة إلى عدد من الدول الإفريقية.

كثيرًا ما كان يتردد اسم أعرافي كخليفة لخامنئي لكن هناك من يرى أن (الوجه الديني) له يغلب على (الوجه السياسي)، وأن توليه القيادة سيمثل تغييرا جذريا للجمهورية الإسلامية وسوف ينكمش معه ظل ولاية الفقيه، غير أن هذا الرأي ضعيف نسبيًا خاصة أن أعرافي نشأ وترعرع إداريًا وسياسيًا في كنف خامنئي ومن المتوقع أن يسير على نهج أستاذه، أو ربما على نهج أكثر تشددا.

ومن المعروف أن يتبنى أعرافي وجهة نظر الاتجاه الأصولي المتشدد ويظهر ذلك من خلال معارضة اتفاقية مجموعة العمل المالي FATF التی یرى أنها وسيلة لقطع شرايين المقاومة. بالإضافة إلى ذلك وصف احتجاجات الثورة الخضراء لعام 2009م، بأنها فتنة واتهم قادتها بتنفيذ أجندات أجنبية، وهو ما يعزز وجهة النظر السالفة التي تقول إنه سوف يسير على خطى خامنئي.

خاتمة

إن أعرافي ليس مجرد سد خانة في إدارة ثلاثية تملء شغور مقعد المرشد وتدير البلاد لحين اختيار “مجلس خبراء القيادة” خليفة جديد لخامنئي ولكنه شخصية ذات بعد ثوري، على خلفية النشأة في عائلة ناضلت ضد الشاه وساهمت في حشد أهالي القرية ضده، ومن جهة أخرى تمتع بخبرة إدارية واسعة خاصة عندما وصل إلى قمة سلطة الحوازات الدينية ما يمنحه دعما وتأييدا في دوائر واسعة ومهمة في إيران ذات بعد شرعي ديني.

ومن طرف ثالث موالي للتيار الأصولي المتشدد وهاتين السمتين الأخيرتين أساسيتين فيمن يجلس على مقعد مرشد الثورة الإيرانية، وعلى أي حال لو قُدر لأعرافي خلافة المرشد فسيكون أمامه تحد مصيري في فترة حرجة لإيران في حرب وجودية تخوضها أمام الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.    أ ىلاببسؤتتتتتتت

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version