دكتور/ أحمد البدوي سالم

أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر

زميل كلية الدفاع الوطني، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية.

 

أتاحت المناقشة العامة رفيعة المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026 ساحة بالغة الأهمية لمواجهة إسرائيل بانتهاكاتها للقانون الدولي، وممارسة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، وتهجيرهم، تحت مزاعم حق الدفاع عن النفس، وقد أظهرت الكلمات التي ألقاها الملوك ورؤساء الدول ورؤساء الحكومات وكبار ممثلي الدول أن القضية الفلسطينية لم تعد تُعامل باعتبارها مجرد نزاع إسرائيلي فلسطيني ثنائي الجانب، وإنما أصبحت تُطرح بصورة متزايدة في إطار القانون الدولي، وحماية المدنيين، وحق تقرير المصير، وانتهاكات الاحتلال، والتوسع الاستيطاني، والتهجير القسري، والأمن الإقليمي، ومصداقية النظام الدولي.

وتكمن أهمية مناقشات سبتمبر 2026 ليس فقط في عدد القادة الذين انتقدوا السياسات الإسرائيلية، وإنما أيضا في اللغة التي صيغت بها هذه الانتقادات، فقد ربط عدد من القادة صراحة بين الوضع في غزة والضفة الغربية وبين القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وحذر آخرون من أن استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، والإجراءات الإقليمية، والعمليات العسكرية، يسهم في زيادة عدم الاستقرار الإقليمي، كما أكد الأمين العام للأمم المتحدة نفسه أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت تشهد صراعات “متتالية”، وذكر أن حجم القتل والدمار في غزة لا يشبه شيئا مما شهده خلال سنوات عمله أمينا عاما للأمم المتحدة.

  • الأمم المتحدة بوصفها منتدى لمواجهة القوة بالقانون:

يتمثل الموضوع المركزي الذي برز من مناقشات سبتمبر 2026 في التوتر بين القوة العسكرية والقانون الدولي، فقد أكد الأمين العام أنطونيو غوتيريش في خطابه الافتتاحي في 22 سبتمبر 2026، أن السلام يتطلب إخضاع القوة للقانون، وأن القوة لا يمكن أن تحدد في نهاية المطاف أي الأرواح والحقوق والمستقبلات تستحق الاهتمام، ودعا إلى إنهاء القتال، وإيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق، والتزام جميع الأطراف بالقانون الدولي وبأوامر محكمة العدل الدولية، كما ربط بصورة مباشرة بين العنف الإسرائيلي والتهجير والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة وبين خطر التطهير العرقي وتقويض حل الدولتين، وحذر الأمين العام للأمم المتحدة يوم من أن حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني معرض لخطر الانهيار وسط التوسع الاستيطاني الإسرائيلي غير القانوني وضم الأراضي. 

 

وتكتسب هذه الصياغة أهميتها لأنها تضع القضية الفلسطينية في إطار المبادئ الأساسية للنظام الدولي، ومن ثم لم يعد السؤال يقتصر على ما إذا كانت عملية عسكرية معينة مبررة من الناحية السياسية، وإنما أصبح الأمر يتعلق أيضا بمدى توافق سلوك الدول مع القواعد التي وضعها المجتمع الدولي لحماية المدنيين، وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن أبرز الكلمات التي واجهت إسرائيل بانتهاكاتها ضد الفلسطينين:

  • كلمة مصر أمام الأمم المتحدة:

ركز الموقف المصري خلال اجتماعات الأمم المتحدة في سبتمبر 2026 على سلامة الأراضي، ورفض الضم، ومعارضة تهجير الفلسطينيين، فقد أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، نيابة عن فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال اجتماع رفيع المستوى بشأن فلسطين وحل الدولتين، رفض مصر القاطع للضم والتهجير القسري، كما أكد أن السلام الدائم يتطلب إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

وتكتسب مصر أهمية خاصة من منظور الأمن الإقليمي؛ فهي دولة مجاورة لفلسطين، وفاعل رئيسي في جهود وقف إطلاق النار والوساطة الإنسانية، وقد تعاملت باستمرار مع أزمة غزة ليس فقط باعتبارها قضية فلسطينية، وإنما أيضا باعتبارها مسألة ترتبط مباشرة بالأمن القومي العربي والاستقرار الإقليمي.

وقد تعزز هذا المنظور الإقليمي من خلال اجتماع عقد في نيويورك في 21 سبتمبر، وضم وزراء خارجية قطر ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة وإندونيسيا وباكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية، ودعت الدول المشاركة إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية، ورفض التهجير القسري، وانتقدت التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وهدم المنازل وعنف المستوطنين والتدابير التي تستهدف تغيير الطابع الديموغرافي والإقليمي للأراضي الفلسطينية المحتلة.

  • كلمة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني:

قال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين إنه إذا أراد العالم حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فعليه التخلي عن “بعض الأوهام”. وفي كلمته في المناقشة العامة رفيعة المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، قال إن “الوهم الأول هو الاعتقاد بأن غزة والضفة الغربية تمثلان قصتين منفصلتين؛ والحقيقة أنهما ليستا كذلك، بل هما جبهتان لاستراتيجية إسرائيلية واحدة، حيث يُقتل الفلسطينيون في كلتيهما، ويُعاد تشكيل الواقع على الأرض”.

وأشار إلى “وهم آخر” يتمثل في الاعتقاد بأن رفض القيادة الإسرائيلية الحالية لقيام دولة فلسطينية هو موقف قد يتغير، مضيفا: “الحقيقة أنه ليس كذلك، بل هو واقع راسخ على الأرض. لقد عملت هذه الحكومة على تسريع وتيرة الاستيطان ومصادرة الأراضي”. وذكـّر بمبادرة السلام العربية لعام 2002، مشيرا إلى أنه لأكثر من عشرين عاما لم تكمن العقبة في غياب شريك للسلام، بل في غياب حكومة إسرائيلية مستعدة لقبول عرض السلام ذاك.

وقال العاهل الأردني إنه في غزة، دأبت الحكومة الإسرائيلية على تغيير القواعد باستمرار، مواصلة هجماتها وتدميرها للبنية التحتية المدنية، ورافضة الانسحاب، بينما تُضيق الخناق على الفلسطينيين في مساحة لا تكاد تتجاوز ثلث قطاع غزة. وأضاف: “إنها محاولة لطمس الوجود الفلسطيني وفرض واقع جغرافي جديد في غزة”.

وعن الضفة الغربية قال إنه في الوقت الذي ينصب اهتمام العالم فيه على غزة، “يتكشف وضع بالغ الخطورة في الضفة الغربية”. ومضى قائلا: “لا يقتصر الأمر على مجرد تصعيد، بل نحن أمام تحول جذري. فما كان في السابق عملية زحف تدريجي، تحول فجأة إلى واقع أكثر عدوانية بكثير”.

ونبه الملك عبد الله الثاني إلى أن الحكومة الإسرائيلية بدلا من تغيير مسارها، اختارت تشتيت الانتباه والتشكيك في مصداقية منتقديها، مضيفا أن “شعور هذه الحكومة بأنها بمنأى عن المساءلة وصل إلى مستويات مرعبة؛ فهي لم تعد تشعر بالحاجة حتى للتساؤل عما إذا كان بإمكانها الإفلات من العواقب”.، وأشار إلى أن سوريا اليوم تعد بمثابة تحذير يختار المجتمع الدولي تجاهله، حيث تقع توغلات متكررة، وتوسع إقليمي زاحف، وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما في ذلك حول موارد المياه الحيوية.

وأكد أنه بالنسبة للأردن، “لا يوجد أي غموض في هذا الشأن؛ فأي تهديد لحدودنا الشمالية أو لأمننا المائي يعد تهديدا لأمننا الوطني. ولن يدير الأردن ظهره لهذا الواقع، بل سنحمي أمننا ومواردنا المائية ومصالح شعبنا ولن نتخلى عن التزامنا بالسلام العادل. وسوف نستمر في دعم الصمود الفلسطيني”.

 

وأكد أن بلاده تسعى لبناء نموذج راسخ المبادئ، ومنفتح، وثابت، في وقت بات اليقين فيه عملة نادرة، وأصبحت فيه السياسة متقلبة يوما بعد يوم، كما قدم الملك عبد الله الثاني، ملك الأردن، واحدا من أكثر التحليلات مباشرة للعلاقة بين السياسات الإسرائيلية واختفاء إمكانية إقامة دولة فلسطينية، ففي كلمته أمام الجمعية العامة في سبتمبر 2026، أشار إلى أن الانتهاكات الإسرائيلية المتعاقبة ظلت تُعامل دوليا باعتبارها مؤقتة، بينما أدى تراكم آثارها إلى تغيير الواقع السياسي والجغرافي على الأرض، ووصف التطورات في الضفة الغربية بأنها تهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أرضهم، واعتبر صراحة أن التهجير القسري جريمة حرب.

كما وضع الملك عبد الله الموقف الفلسطيني في إطار الأمن الإقليمي، وأن الاحتلال الممتد وغياب التسوية السياسية لا يؤديان فقط إلى استمرار معاناة الفلسطينيين، وإنما يولدان أيضا حالة من عدم الاستقرار يمكن أن تمتد إلى ما وراء فلسطين. وقد ظهر تأكيده على لبنان واليمن والسودان والأزمة الإقليمية الأوسع باعتباره مؤشرا على أن الصراع الفلسطيني أصبح جزءا من بيئة أمنية أوسع في الشرق الأوسط.

وعلى هامش المناقشة العامة للجمعية العامة، استضاف مقر الأمم المتحدة اجتماعا ركز على تدهور أوضاع الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، والحاجة لتيسير الوصول الإنساني إليهم، وبدأ الاجتماع برسالة فيديو مسجلة عُرضت في القاعة من طفلة فلسطينية اسمها “لونا” من الضفة الغربية. قالت لونا إن حياتها كانت صعبة قبل الحرب، وأصبحت أكثر صعوبة بعدها، وأضافت: “نعلم أننا قد نُقتل في أي لحظة… كل شيء في حياتنا يدور حول الاحتلال. كل يوم نسأل أنفسنا: هل يمكننا الذهاب إلى المدرسة أو الخروج مع أسرنا أو التوجه إلى الطبيب بأمان. لا نشعر بالأمان، بل نشعر بالقلق والخوف والغضب طوال الوقت”، وذكرت أن هذا الوضع يؤثر على كل تفاصيل حياة الأطفال، بما في ذلك صحتهم النفسية، وقدرتهم على التركيز والتعلم في المدرسة، وناشدت لونا المجتمع الدولي وقادة العالم حماية حقوق الأطفال الفلسطينيين والإنصات إليهم.

وقد بدأ وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي كلمته بدعوة الحضور إلى الوقوف دقيقة صمت حدادا على “أرواح جميع الأطفال الفلسطينيين التي زُهقت بسبب الحرب والعدوان من إسرائيل”.

 

  • كلمة الرئيس الفرنسي ماكرون وانتقاد الوضع الإنساني في غزة:

تبنى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أيضا لهجة قوية في انتقاد الوضع الإنساني في غزة،  ففي كلمته أمام الأمم المتحدة، تساءل ماكرون عن مصداقية المجتمع الدولي إذا ظل غير قادر على التحرك بينما تستمر المعاناة الإنسانية، وقال إن الحديث عن السلام يصعب التوفيق بينه وبين استمرار القيود المفروضة على وصول المساعدات الإنسانية، كما حذر من أن السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة يمكن أن تقوض أمن إسرائيل على المدى الطويل إذا تمت ملاحقة الأمن من خلال انتهاك سيادة الدول المجاورة.

ويكتسب الموقف الفرنسي أهمية لأنه يجمع بين انتقاد السياسات الإسرائيلية وقدم ماكرون الدولة الفلسطينية وأمن إسرائيل باعتبارهما عنصرين مترابطين في التسوية السياسية، كما يعكس الموقف الفرنسي اتجاها أوروبيا أوسع نحو التعامل مع التوسع الاستيطاني باعتباره تهديدا مباشرا لحل الدولتين، وكانت فرنسا وكندا والمملكة المتحدة قد أعلنت في وقت سابق إجراءات منسقة تتعلق بالسلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية وبإجراءات تستهدف النشاط الاستيطاني.

  • بريطانيا والرفض المباشر للإجراءات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية:

قدم رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام واحدا من أوضح أشكال التمييز بين هجوم حماس في 7 أكتوبر والسياسات اللاحقة للحكومة الإسرائيلية، ففي كلمته أمام الأمم المتحدة في 22 سبتمبر، وصف الهجوم على إسرائيل بأنه مروع وأكد إدانة بريطانيا لحماس، وفي الوقت نفسه، أوضح بصورة صريحة أن ذلك لا يبرر ما وصفه بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، وأشار إلى العدد الكبير من القتلى الفلسطينيين، وعدم كفاية وصول المساعدات الإنسانية، والخطر الذي يمثله مشروع المستوطنات في منطقة E1 على إمكانية قيام دولة فلسطينية.

وتكتسب المواقف البريطانية أهميتها التحليلية لأنها ترفض الإطار الثنائي الذي يجعل إدانة حماس مساوية للقبول السياسي بجميع الإجراءات الإسرائيلية اللاحقة، وبدلا من ذلك، قدمت الحكومة البريطانية موقفين في آن واحد: ضرورة إدانة الهجمات على المدنيين الإسرائيليين، وفي الوقت نفسه إخضاع العمليات العسكرية والسياسات الاستيطانية الإسرائيلية للقانون الدولي.

كما ذكر بيرنهام أن بريطانيا اعترفت بعدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، واتخذت إجراءات بشأن تجارة المستوطنات والأفراد المشاركين في بنائها.

  • السعودية ورفض الانتهاكات الإسرائيلية:

رفض البيان الوزاري المشترك الصادر في 22 سبتمبر محاولات طرد الفلسطينيين أو تغيير الطابع الإقليمي والديموغرافي للأراضي المحتلة، كما أدان التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وهدم المنازل وعنف المستوطنين والتهجير القسري، وأكد دعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

وتتمثل أهمية هذا الموقف الجماعي في أنه يحول المواقف الوطنية الفردية إلى إطار دبلوماسي أوسع، فبدلا من الاعتماد حصرا على الإدانة الخطابية، ربطت الحكومات المشاركة موقفها بمطالب سياسية محددة: الحفاظ على وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإنهاء التوسع الاستيطاني، ومنع الضم، وإيجاد مسار سياسي نحو إقامة الدولة الفلسطينية.

  • أمير قطر يرفض أن تظل فلسطين نقطة عمياء ورفض الإبادة الجماعية للفلسطينيين:

قال أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في كلمته في المناقشة العامة رفيعة المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، إن “جوهر ما نشهده من وضع خطير هو غياب نظام إقليمي للأمن الجماعي، يحترم سيادة الدول وسلامتها ووحدة أراضيها، ويشجع على حل النزاعات بالطرق السلمية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول”. وأكد أنه رغم كل ما حدث، فإنهم مازالوا مقتنعين قناعة عميقة قائمة على أسس واقعية بحل الأزمة في الخليج بالطرق الدبلوماسية عبر فتح مضيق هرمز للملاحة، والعودة إلى المفاوضات. وأضاف: “لا يجوز تفويت فرصة الحل الدبلوماسي السلمي الممكن والواقعي”.

وذكر أن ما جرى في غزة إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ووصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء، وسوف تذهل الأجيال القادمة من ضخامة الفجوة بين الكارثة ومستوى الاستجابة الدولية لوقفها. وأضاف أنه لا يستقيم الحديث عن نظام دولي عادل “ما دامت فلسطين نقطة عمياء فيه”، وأنه على المجتمع الدولي مسؤولية مباشرة في الدفع نحو التنفيذ، وفي ألا يترك تطبيق الاتفاق رهنا بحسابات طرف اعتاد أن ينقض عهوده كلما خلا له الميدان.

وذكر أن “استمرار الاضطهاد والفصل العنصري وإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، وتدنيس المقدسات الإسلامية والمسيحية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، وسلب الشعب الفلسطيني حقوقه، وعلى رأسها حقه الأصيل في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية يبقى جرحا مفتوحا”.

 

وكانت مداخلة أمير قطر ذات أهمية خاصة نظرا إلى الدور الذي تضطلع به مصر وقطر في الوساطة في المفاوضات المتعلقة بغزة، ولذلك جمعت كلمته بين الإدانة السياسية والتأكيد على الوساطة والتنفيذ، فقد دعا إسرائيل إلى الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك وقف العمليات، والانسحاب من غزة، ورفع القيود، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى السكان، كما سلط الضوء على الأوضاع في الضفة الغربية، بما في ذلك النشاط الاستيطاني، وعنف المستوطنين، وما وصفه بالانتهاكات التي تطال الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية.

وتكمن الدلالة الأوسع للموقف القطري في محاولته الربط بين الكارثة الإنسانية والبنية السياسية التي تؤدي إلى استمرار الصراع، فمن هذا المنظور، لا يمكن للمساعدات الإنسانية أن تحل محل التسوية السياسية، كما أن وقف إطلاق النار لا يستطيع بمفرده معالجة السؤال الأساسي المتعلق بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

  • كلمة رئيس تركيا والتنديد بالانتهاكات الإسرائيلية:

دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إصلاح مجلس الأمن وتحرك دولي أقوى بشأن غزة، قائلا إن “العالم أكبر من خمسة”، في إشارة إلى الدول الأعضاء دائمة العضوية في مجلس الأمن، وأكد أن بلاده تمثل “جزيرة استقرار” في خضم الصراعات التي تشهدها المناطق المحيطة بها، ودعا إلى تطبيق القانون الدولي بصورة متساوية على الدول القوية والضعيفة، محذرا من أن النظام الذي يصبح فيه الإفلات من العقاب أمرا معتادا سيكون مصيره التآكل.

وقد استهل أردوغان كلمته بالتعبير عن حزنه لعدم تمكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس من حضور جلسات الأمم المتحدة للعام الثاني على التوالي، واصفا غياب عباس بأنه ظلم “يسيء بعمق إلى ضمير الإنسانية”، وأكد أن تركيا ستواصل، في في غياب الرئيس الفلسطيني، التحدث باسم “فلسطين حرة وذات سيادة”، داعيا الدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين إلى إعادة النظر في موقفها.

أما بشأن الوضع في غزة، قال أردوغان إن القطاع أصبح “أكبر مقبرة للأطفال في العالم”، ووصف غزة أيضا بأنها “أكثر معسكرات الاعتقال اللا إنسانية والمخزية في عصرنا”.

وقال إن وقف إطلاق النار تم التوصل إليه “بفضل جهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومساهمات دول، بينها تركيا”، لكنه أضاف أن أكثر من 1500 شخص من سكان غزة قتلوا حتى بعد وقف إطلاق النار.

وقال: “إذا كنا ملتزمين حقا باستعادة الثقة في الأمم المتحدة، فإن الخطوات التي يجب اتخاذها واضحة بالفعل. يجب أن يكون أطفال غزة آمنين”. وتابع أن الأطفال الفلسطينيين عندما ينظرون إلى السماء يجب أن يروا “طائرات ورقية تحلق بحرية، وليس طائرات مقاتلة أو طائرات مسيرة”.

  • كلمة الرئيس الإيراني:

أكد رئيس جمهورية إيران الإسلامية مسعود بزشكيان أن السلام لن يتحقق في ساحات المعارك، وضرورة توفير الأمن اللازم لإيران وشعبها، مشددا على أن بلاده لم تكن يوما معتدية ولم تبدأ حربا قط، بل أثبتت دائما التزامها بنهج التفاوض، وأكد أن بلاده لا تسعى للقوة من أجل الهجوم أو العدوان، “بل نسعى للطاقة من أجل التقدم، لا لتهديد المجتمعات بالسلاح، ونرغب في التعاون والتكاتف من أجل الأمن”، وقال: “نحن بحاجة إلى القوة، لأن الشعب العاجز عن الدفاع عن نفسه سيُسحق في عالم اليوم. نحن نعيش في عالم يبدو فيه الأقوياء – بدلا من التفكير في الإنسانية والعدالة والإنصاف والديمقراطية – وكأنهم حماة وصنّاع لعدم الاستقرار والدمار”.

وقال: إن “فلسطين لا تزال جرحا مفتوحا في ضمير المجتمع الدولي، ورمزا لفشل الآليات الدولية في الحيلولة دون معاناة المدنيين”.، وأكد أنه لا يمكن الحديث عن السلام مع تجاهل فلسطين، فالسلام الدائم في غرب آسيا مستحيل دون تحقيق العدالة لها، كما نبه إلى أنه طالما استمر الاحتلال والعدوان والظلم في العالم، فستستمر المقاومة؛ مضيفا: “وإذا ضعفت المقاومة في شكل ما، ستظهر مجددا بأشكال أخرى، وربما تكون أقوى من ذي قبل”.، وأشار إلى أنه يجب حل قضايا المنطقة داخل المنطقة وعلى أيدي دولها، دون أن تتحول هذه القضايا إلى أداة في أيدي المعتدين الخارجيين.

  • سوريا ورفض السياسة الإسرائيلية:

قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن الثوابت الوطنية السورية تزيد رسوخا “بقوة القانون وإرادة الشعب”، مؤكدا أن الجولان “سيبقى أرضا سورية، وجميع إجراءات الضم باطلة ملغية بقوة قرار مجلس الأمن 497” ، ورفض “التعديات الإسرائيلية” المتكررة والمستمرة على بلاده، و”محاولاتها الدائمة لفرض الأمر الواقع واعتداءاتها الممتدة في الإقليم إخلالا بالأمن والاستقرار”، مؤكدا التزام بلاده باتفاق فض الاشتباك بين القوات لعام 1974، وقال إن فرصة “السلام التاريخية قائمة لمن أراد العيش بسلام، سلام عادل يحفظ حق الجميع”.

 

  • القضية الفلسطينية والأغلبية الدولية:

حدث تطور مهم آخر قبل بدء المناقشة العامة رفيعة المستوى، ففي 17 سبتمبر، صوتت الجمعية العامة بأغلبية 152 دولة مقابل ثلاث دول، مع امتناع أربع دول، لصالح السماح لدولة فلسطين بالمشاركة افتراضيا في المناقشة العامة رفيعة المستوى، وجاء القرار بعد قرار الولايات المتحدة بشأن عدم منح الوفد الفلسطيني التأشيرات لحضور جلسات الأمم المتحدة، وأظهرت النتيجة الواسعة للتصويت حجم التأييد داخل الجمعية العامة لاستمرار التمثيل الفلسطيني في المناقشة العامة رفيعة المستوى للأمم المتحدة.

ولا ينبغي تفسير هذه النتيجة باعتبارها دليلا على وجود إجماع دولي كامل بشأن جميع جوانب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فما زالت الدول تختلف بصورة جوهرية حول حماس، وأمن إسرائيل، والاستراتيجية الدبلوماسية المناسبة، وتفسير أحداث بعينها، ومع ذلك، فإن نتيجة التصويت تقدم مؤشرا ملموسا على مدى اتساع الدعم داخل الجمعية العامة لاستمرار التمثيل الفلسطيني ولعدد من عناصر القضية الفلسطينية.

  • الانسحاب أثناء خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة ورمزية الرفض الدبلوماسي:

إن انسحاب عدد من الوفود أثناء خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة في العام الماضي يستحق اهتماما خاصا؛ لأنه أصبح أحد أقوى الرموز البصرية المرتبطة برد الفعل الدولي على السلوك الإسرائيلي خلال حرب غزة، وقد ذكرت الأمم المتحدة في تغطيتها الرسمية لجلسة عام 2025 أن نتنياهو كان المتحدث الأول في 26 سبتمبر، وأن عددا من الوفود غادر القاعة عند اعتلائه المنصة، كما أشارت الأمم المتحدة إلى وجود استقبال متباين ومسموع بين الذين بقوا في القاعة. وقد وثقت وكالة رويترز كذلك مغادرة عشرات المندوبين القاعة مع اقتراب نتنياهو من المنصة.

وينبغي فهم الانسحاب باعتباره إشارة دبلوماسية، فالانسحاب يعبر عن الرفض السياسي من خلال الحضور أو الغياب؛ لكنه لا يمثل حكما قانونيا. ومع ذلك، كانت رمزيته كبيرة لأنه حدث داخل القاعة الرئيسة للأمم المتحدة، وبمشاركة ممثلي دول كانوا يشاركون في أعمال الجمعية العامة.

ويكتسب التناقض بين إعلان نتنياهو عزمه على “قول الحقيقة” في الأمم المتحدة عام 2026 وبين الانسحاب الدبلوماسي أهمية خاصة، فقد ظن نتنياهو أنه سيقدم حجة مقنعة  أمام الأمم المتحدة لمواجهة ما يراه أنه من قبيل المعلومات المضللة بشأن إسرائيل، وفي المقابل، حاول الرد الدبلوماسي المعارض بصورة متزايدة تأطير القضية من خلال الأدلة الإنسانية والقانون الدولي وحق الفلسطينيين في تقرير المصير.

ثانيًا: من الخطاب الدبلوماسي إلى المواجهة الاستراتيجية:

تكشف مناقشات سبتمبر 2026 في الأمم المتحدة أن الصراع تجاوز الحدود التقليدية للمواجهة، فهو في الوقت نفسه مواجهة قانونية، ومواجهة دبلوماسية، ومواجهة معلوماتية، وصراع على الشرعية الدولية، ولا تزال إسرائيل تمتلك قدرات عسكرية كبيرة وعلاقات دولية واسعة، إلا أن البيئة الدبلوماسية المحيطة بسياساتها أصبحت أكثر إثارة للجدل، فقد أدى الاعتراف الأوروبي بالدولة الفلسطينية، والإجراءات المتعلقة بالمستوطنات، والانتقادات الصادرة عن الحكومات العربية والإسلامية، والتصريحات المتزايدة الصراحة من جانب القادة الدوليين إلى إيجاد بيئة تخضع فيها السياسات الإسرائيلية لمزيد من التدقيق الدولي.

ثالثًا: إسرائيل ومخاطر التصعيد الإقليمي:

إن العمليات العسكرية الإسرائيلية، والتوسع الاستيطاني، والسياسات الإقليمية، والأعمال العسكرية التي تشمل دولا مجاورة، قد أسهمت في عدم استقرار المنطقة العربية، وقد ربط الملك عبد الله بصورة مباشرة بين الصراع الفلسطيني وبين عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، كما أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن الصراعات تتسع وتتتابع في مختلف أنحاء المنطقة، وحذر من نتائج استمرار العنف.

وتتمثل الأهمية الاستراتيجية لذلك في أن صراعا يبدأ في مسرح جغرافي واحد يمكن أن ينتج آثارا ثانوية من خلال الانتقام العسكري، والتهجير، والهجمات على أراضي الدول المجاورة، واضطراب طرق التجارة، والاستقطاب السياسي، وانخراط القوى الإقليمية والدولية، ولذلك أصبحت القضية الفلسطينية لا تمثل فقط مسألة تتعلق بالعلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، وإنما أيضا أحد المتغيرات التي تشكل بنية الأمن في الشرق الأوسط.

الخاتمة

أظهرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026 أن القضية الفلسطينية تحتل موقعا متزايد المركزية في النقاشات الدولية المتعلقة بالقانون والشرعية والحماية الإنسانية والأمن الإقليمي. وقد أسهمت مداخلات رئيس الوزراء المصري، وأمير قطر، والملك عبد الله الثاني ملك الأردن، والرئيس أردوغان رئيس تركيا، والرئيس ماكرون رئيس فرنسا، ورئيس الوزراء آندي بيرنهام في المملكة المتحدة، كل بطريقته، في بلورة انتقاد دولي متزايد للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، وما يجمع كثيرا من هذه المداخلات هو التأكيد على أن حقوق الفلسطينيين وحماية المدنيين لا يمكن فصلهما عن البحث عن سلام مستدام.

ومن ثم فإن مواجهة إسرائيل ونقد سياساتها في الأمم المتحدة ليس مجرد مواجهة بين روايات دبلوماسية متنافسة، وإنما أصبحت بصورة متزايدة صراعا حول معنى القانون الدولي وسلطته العملية، ولا يزال الانسحاب الذي حدث أثناء خطاب نتنياهو رمزا مهما لهذه المواجهة الدبلوماسية.

لقد أصبحت فلسطين تناقش بصورة متزايدة ليس فقط باعتبارها نزاعا سياسيا لم يحل، وإنما باعتبارها قضية تتعلق بتقرير المصير، والقانون الدولي، والحماية الإنسانية، وسلامة الأراضي، ومستقبل الأمن الإقليمي. ويبقى السؤال الحاسم هو ما إذا كان هذا التحول في اللغة الدبلوماسية سينتج عنه تحول مماثل في السياسات.

لقد وفرت الأمم المتحدة مرة أخرى المنصة، وقد وضعت الكلمات الأدلة والروايات المتنافسة والمبادئ القانونية أمام المجتمع الدولي، أما القضية التي لم تحسم بعد فهي ما إذا كان النظام الدولي قادرا على تحويل هذه الكلمات إلى إجراءات فعالة تكفل حماية المدنيين، وتمنع المزيد من التصعيد الإقليمي، وتوجد مسارا سياسيا ذا مصداقية نحو إقامة الدولة الفلسطينية وتحقيق السلام والأمن الدائم في المنطقة العربية، وحماية الفلسطينيين العزل ومقدراتهم من مخططات التهجير والاعتداءات المتتابعة لتنفيذ المشروع التوسعي في دول الجوار الذي تسعى إسرائيل إلى جعله واقعًا وأمرًا مفروضًا، مما يعد انتهاكًا صارخًا على للسيادة  الدولية، وأتوقع أن النقد الدولي الموجه إلى إسرائيل ورفض سياستها دوليًّا سيجد الداخل الإسرائيلي صداه في الانتخابات المقبلة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version