دكتور/ أحمد البدوي سالم

أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر

زميل كلية الدفاع الوطني، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية.

يتناول هذا الجزء القسم الرابع والخامس والخاتمة للدراسة التي صدرت عن مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS في 17/ 9/ 2026م، وموضوعها: المكانة الدولية لإسرائيل: بين نزع الشرعية، والنقد، والمسؤولية الإسرائيلية، מעמדה הבינלאומי של ישראל: בין דה-לגיטימציה, ביקורת ואחריות ישראליתمن إعداد/ بنينا شارفيت باروخ (פנינה שרביט ברוך)، بالإضافة إلى تعقيب على تلك الدراسة:

سادسًا: القسم الرابع: خريطة الفاعلين والجمهور وتأثير إسرائيل فيهم

تقرر بنينا شارفيت باروخ بناء على الأقسام الثلاثة السابقة يتضح أن إسرائيل توجد في موقف ضعف كبير في ساحة الشرعية الدولية، وأنه يمكن تقسيم الجماهير والجهات المختلفة إلى أربع مجموعات رئيسة:

  • النواة المعادية لإسرائيل.
  • المنتقدون الأيديولوجيون لإسرائيل.
  • الجمهور والجهات الواقعة في المنطقة الوسطى، غير المعادية لإسرائيل في الأصل.
  • أنصار إسرائيل.

وتفصيل ذلك على النحو التالي:

  • النواة المعادية لإسرائيل:

تقرر الباحثة أن هذه المجموعة تضم أعداء إسرائيل المباشرين وأنصارهم، والمتطرفين، والعناصر المعادية للسامية من اليمين واليسار، وحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، ولا يرجح أن يؤدي تغيير السلوك الإسرائيلي إلى تغيير مواقف هذه المجموعة، لأن موقفها يقوم في جزء كبير منه على مواقف أيديولوجية مسبقة تجاه إسرائيل.

  • المنتقدون الأيديولوجيون لإسرائيل:

تقرر الباحثة أن هذه المجموعة تشمل أكاديميين، وهيئات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان، وأحزابا يسارية، ووسائل إعلام، ونقابات، ومنظمات مجتمع مدني، وقطاعات من الجمهور الشاب، وتتمتع هذه المجموعة بتأثير محدود في بعض المجالات، إلا أن مواقفها قد تسهم في تشكيل الخطاب العام والمؤسسي.

  • الجمهور والجهات الواقعة في المنطقة الوسطى:

تضم هذه الفئة أشخاصا لم يكونوا معادين لإسرائيل في السابق، لكنهم بدأوا يبتعدون عنها نتيجة مشاهد الدمار والتهجير والجوع في غزة، والتصريحات المتطرفة، وغياب الأفق السياسي، كما تضم بعض الجمهوريين الذين يتهمون إسرائيل بجر الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران، وقد يتجنب السياسيون في بعض البيئات تحمل الكلفة السياسية المترتبة على دعم إسرائيل، وهذه هي المجموعة التي يكون للسلوك الإسرائيلي تأثير كبير في مواقفها، ولذلك ينبغي التعامل مع الانتقادات الموجهة منها باحترام، فبعض الانتقادات خاطئ من الناحية الواقعية أو القانونية، بينما يكون بعضها الآخر مبررا، وينبغي التعامل مع كل حالة وفقا لطبيعتها، وعندما تكون إسرائيل مسؤولة عن أمر ما؛ فإن الاعتراف بالمسؤولية والاعتذار عند وجود مبرر لذلك يمكن أن يساعدا في التعامل مع الانتقاد.

  • أنصار إسرائيل:

تقرر الباحثة أن أنصار إسرائيل يعترفون بحقها في الوجود، وبالرؤية الصهيونية، وبالتهديدات الأمنية التي تمثلها إيران وحماس وحزب الله؛ لكن دعم إسرائيل لا يعني بالضرورة تأييد كل قرار تتخذه الحكومة الإسرائيلية، وقد تنبع انتقادات بعض المؤيدين من القلق على الديمقراطية والأمن، وفي الفترة الحالية أصبح الدعم العلني لإسرائيل مكلفا اجتماعيا في بعض البيئات، وهو ما يدفع بعض المؤيدين إلى الصمت، وأن إسرائيل تستطيع التأثير بدرجة أكبر في هذه المجموعة.

 

سابعًا: القسم الخامس: ما الذي تستطيع إسرائيل وما الذي ينبغي عليها أن تفعله؟

تقرر الباحثة أنه ينبغي النظر إلى الشرعية الدولية باعتبارها عاملا استراتيجيا، مع عدم التضحية بالمصالح الأمنية الحيوية، كما ينبغي التمييز بين الجماهير المعادية، والمنتقدين الأيديولوجيين، والجمهور غير المعادي، وأنصار إسرائيل، وتقترح الدراسة مجموعة من التغييرات في السلوك الإسرائيلي:

  • احترام قوانين الحرب وقيمها:

ينبغي لإسرائيل أن تلتزم بصورة واضحة بقوانين الحرب، وأن تعمل على ضمان أن تكون عملياتها العسكرية متوافقة مع القواعد القانونية ذات الصلة.

  • التعامل مع غزة:

ينبغي دعم إعادة إعمار غزة على أساس خطة النقاط العشرين التي طرحها ترامب، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية، وتقديم الحرب باعتبارها حربا ضد حماس وليس ضد السكان المدنيين.

  • الضفة الغربية:

ينبغي التعامل مع العنف الذي يمارسه اليهود ضد الفلسطينيين، ومع قضايا الحقوق والاستيلاء على الممتلكات في يهودا والسامرة.

  • الأفق السياسي:

إن غياب الأفق السياسي يمثل ضررا استراتيجيا، ولذلك ينبغي تقديم إطار سياسي واضح وملموس، يعترف بالمصالح الفلسطينية، بما في ذلك إمكانية حل الدولتين، وكذلك المبادرة إلى خطوات تجاه لبنان وسوريا، ومعارضة الدعوات إلى الاستيلاء الدائم على الأراضي.

  • التصريحات العامة:

تقرر الباحثة أنه ينبغي تجنب التصريحات الضارة، مثل الدعوات إلى «محو غزة»، أو القول إنه «لا يوجد أبرياء في غزة»، أو الدعوة إلى الهجرة، وكذلك التصريحات العنصرية، وينبغي للمسؤولين أن يؤكدوا احترام القانون والقيم الديمقراطية والحلول السياسية.

  • سيادة القانون:

ينبغي الحفاظ على قضاء مستقل، وإجراء تحقيقات ذات مصداقية، وتطبيق القانون الجنائي، وتكتسب هذه المسألة أهمية أيضا في سياق مبدأ التكامل أمام المحكمة الجنائية الدولية، وينبغي التحقيق في الأفعال غير القانونية المحددة، واستخلاص الدروس المنهجية منها.

تعزيز البنية التحتية للصراع على الشرعية

  • بناء أساس موثوق للحقائق والقانون:

تقرر الباحثة أن إسرائيل لم تنجح في نقل صورة الحرب إلى العالم، بما في ذلك أنصارها، ولا التهديد الملموس الذي تمثله حماس، ولا حجم البنية التحتية العسكرية الواسعة للمنظمة، ولا صعوبة التمييز بين المدنيين والمقاتلين في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

ولمواجهة النقد الموضوعي بصورة واقعية وقانونية منظمة، ترى الباحثة أن هناك حاجة إلى ثلاثة تحركات متكاملة:

أولًا:  ينبغي ضمان نشر إجابات بشأن الادعاءات المحددة المتعلقة بجرائم الحرب وغيرها من الأفعال غير القانونية، فغياب إجابة واضحة يعزز الانطباع بأن إسرائيل ليست لديها مصلحة حقيقية في فحص هذه الادعاءات.

كما أن حقيقة أن التحقيقات التي نشرت نتائجها واتخذت إجراءات بناء عليها كانت تتركز بصورة أساسية في الأحداث التي أصيب فيها أجانب أو رموز مسيحية تعزز الانطباع بأن إسرائيل لا تبدي الاهتمام نفسه بالتحقيق في إصابة المدنيين الفلسطينيين أو اللبنانيين الأبرياء.

ثانيا:  ينبغي العمل بصورة مركزة على كشف التشوهات والإخفاقات والأخطاء في تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان وفي التغطية الإعلامية، ولا حاجة إلى دحض كل ادعاء، لكن عرض عدد من الحالات الواضحة بصورة مقنعة قد يساعد في زعزعة الثقة التلقائية بالمصادر المذكورة، وحيثما أمكن، ينبغي أن تستند عمليات الدحض أيضا إلى مصادر خارجية ومستقلة، لأن البيانات الرسمية الإسرائيلية وبيانات الجيش الإسرائيلي ينظر إليها حاليا، في بعض الساحات باعتبارها غير موثوقة مسبقا.

ثالثا:  ينبغي لإسرائيل نشر وثيقة شاملة وعلنية ومهنية بشأن حرب «السيوف الحديدية»، تعرض موقفها الواقعي والقانوني من الادعاءات الرئيسية الموجهة إليها، كما فعلت بعد جولات قتالية سابقة، وحتى إذا كان تأثير هذه الوثيقة على الجمهور العام محدودا، فإنها ضرورية للمحامين والباحثين والصحفيين والدبلوماسيين وأنصار إسرائيل، وربما تؤثر أيضا في المنشورات المستقبلية التي تتناول إسرائيل، كما تكتسب الوثيقة أهمية من الناحية التاريخية، ففي غيابها يستند الأساس المهني والأكاديمي الذي يترسخ بمرور الوقت بدرجة كبيرة إلى تقارير نقدية ومتحيزة.

  • العمل الاستباقي في ساحات الصراع

لا خلاف على أن إسرائيل توجد في موقف صعب للغاية في مجالات الأكاديميا والثقافة ومنظمات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، ومع ذلك لا ينبغي التخلي عن هذه الساحات، وترى الباحثة أنه يمكن لإسرائيل بل ينبغي عليها أن تشير إلى التحيزات وعدم التوازن والإخفاقات المهنية، وفي الوقت نفسه، هناك حاجة إلى استجابة دبلوماسية وقانونية منهجية، تشمل العمل مع الباحثين والمحامين والصحفيين والطلاب والجاليات اليهودية وصناع السياسات، وإنتاج وثائق معمقة، وتصحيح الأخطاء، وتقديم السياق، وعرض تعقيد القصة الإسرائيلية، من دون تجاهل الثمن الذي يدفعه الجانب الفلسطيني على مدى سنوات، ولا سيما في أوقات تصاعد الاحتكاك وجولات الصراع العنيف.

وتقرر الباحثة أنه ينبغي تعزيز وزارة الخارجية ومنظومة الدبلوماسية المهنية، اللتين ضعفتا بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأن تجاهل الأمم المتحدة، على طريقة عبارة «أمم متحدة ـ شمم»، وكذلك قطع الاتصال بالدول والجهات التي توجه انتقادات إلى إسرائيل، ليس استراتيجية مناسبة، فغياب إسرائيل يترك الساحة في أيدي منتقديها بصورة شبه كاملة، وعلاوة على ذلك، عندما تقلص إسرائيل من تلقاء نفسها علاقاتها مع منظمات ودول، فإنها تسهم عمليا في عزل نفسها.

  • مخاطبة العاطفة:

في مواجهة الجمهور الواسع الذي يتلقى معلوماته من وسائل الإعلام التقليدية وشبكات التواصل الاجتماعي، ترى الباحثة أن التفسيرات القانونية والواقعية التفصيلية تكون أقل فاعلية، والعاطفة السائدة حاليا هي التعاطف مع الفلسطينيين، باعتبارهم ضعفاء ومتألمين، والعداء لإسرائيل التي ينظر إليها باعتبارها قوية ومتغلبة، وهناك مجال للاستثمار أيضا في الرسائل التي تخاطب العاطفة، بما في ذلك إبراز التهديد والشعور بالهشاشة الذي يعيشه المواطنون الإسرائيليون وجنود الجيش الإسرائيلي، وأنه يجب أن يترافق ذلك مع التعبير عن تعاطف صادق مع معاناة السكان الفلسطينيين، فالرسالة التي تطلب من العالم فهم الواقع الإسرائيلي ستكون أكثر إقناعا إذا أظهرت أيضا أن إسرائيل ترى الثمن الذي يدفعه المدنيون الفلسطينيون.

ويتطلب ذلك حملة مهنية موجهة إلى جماهير محددة، تستند إلى الخبرة في مجالات الإعلام والوعي وشبكات التواصل الاجتماعي، أما الاعتماد على المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي والجنرالات المتقاعدين فلا يفيد في هذا السياق.

  • تعزيز أنصار إسرائيل:

ترى الباحثة أنه ينبغي تطبيق سياسة نشطة للحفاظ على معسكر المؤيدين لإسرائيل، وفي مقدمتهم أفراد الجاليات اليهودية في أنحاء العالم، وتعزيز الصلة بهذه الجهات، كما ينبغي العمل على تقريب اليهود من إسرائيل بمختلف تياراتهم.

وعلى وجه الخصوص، فإن السياسة التي تلحق الضرر باليهود الإصلاحيين تبعد قاعدة دعم مهمة وتضعفها، وهناك حاجة أيضا إلى مساعدة يهود العالم في مواجهة تصاعد معاداة السامية، مع الاستماع إلى الجاليات اليهودية المعنية ومراعاة مواقفها وحساسياتها.

وكذلك في فترة أصبح فيها الدعم العلني لإسرائيل مصحوبا أحيانا بكلفة، من المناسب أن تدعم إسرائيل من يختارون التعبير عن هذا الدعم، بما في ذلك من خلال المساعدة النشطة في القضايا المرتبطة بذلك، مثل الإجراءات ضد من يلحق الضرر بالمكانة الأكاديمية أو المهنية لشخص بسبب تعبيره عن تأييده لإسرائيل.

ثامنًا: الخاتمة

اختتمت الباحثة دراستها بان القول بأن «لا يهم ما تفعله إسرائيل» يعبر عن إحباط مفهوم في مواجهة التحيز والنفاق ومعاداة السامية ونزع الشرعية التي تواجهها إسرائيل منذ سنوات، إلا أن اعتماد هذا القول أساسا للسياسة أمر خطير، فهو يحول إسرائيل إلى لاعب سلبي في ساحة لا تزال لديها فيها قدرة على التأثير.

كما أنه يعفي صناع القرار من مسؤولية الثمن الدولي المرتبط بأفعالهم وتصريحاتهم، ويتخلى تحديدا عن تلك الجماهير والدول التي ليست أعداء واضحين لإسرائيل، لكنها تبتعد عنها بصورة متزايدة، وقد لا يكون الإنجاز الرئيس للحملة ضد إسرائيل هو بالضرورة تحويل أنصارها إلى أعداء لها، وإنما تحويلهم إلى صامتين.

ولا تستطيع إسرائيل السيطرة على كل ما يقال عنها في العالم، أو إقناع أعدائها الواضحين، أو منع التحيزات والأكاذيب ومعاداة السامية ونزع الشرعية بصورة كاملة؛ لكنها تستطيع تقليل الضرر، والحفاظ على حلفائها، وتعزيز مصداقيتها الأخلاقية عموما والقانونية خصوصا، وجعل تأطير أفعالها بصورة شيطانية أكثر صعوبة، ومنع المزيد من التدهور في مكانتها لدى الجماهير التي لا يزال من الممكن الوصول إليها.

وتفرر الباحثة أن الهدف الواقعي ليس إعادة إسرائيل بسرعة إلى المكانة التي كانت عليها عشية الحرب في قطاع غزة، وإنما الحد من انتقال جماهير المنطقة الوسطى إلى المعسكر المعادي، وإعادة من انتقلوا إلى هذا المعسكر إلى موقف موضوعي، بل وأكثر إيجابية تجاه إسرائيل، وتوسيع دائرة المؤيدين لإسرائيل قدر الإمكان، وإعادة الثقة والقدرة إلى مؤيديها لكي يدعموها علنا، ولتحقيق ذلك، ينبغي التعامل مع الساحة الدولية لا باعتبارها مجرد مشكلة تتعلق بـ«الإعلام والتوضيح»، وإنما باعتبارها ساحة مركزية من ساحات الأمن القومي.

فالسؤال ليس ما إذا كان العالم «ضدنا» أو «معنا»، ولكن السؤال هو: أي أجزاء من العالم لا تزال قابلة للتأثير، وماذا تفعل إسرائيل لتقريبها منها؟

تاسعًا: تعقيب على دراسة: المكانة الدولية لإسرائيل: بين نزع الشرعية، والنقد، والمسؤولية الإسرائيلية، מעמדה הבינלאומי של ישראל: בין דה-לגיטימציה, ביקורת ואחריות ישראליתمن إعداد/ بنينا شارفيت باروخ:

تكشف الدراسة مدى اهتمام مراكز الأمن القومي الإسرائيلية لتعزيز المكانة الدولية لإسرائيل، والتي بلغت لأدنى درجة بسبب الأحداث في غزة ولبنان وسوريا وإيران، وإشعال الحرب في منطقة الخليج العربي، والتأثير على الاقتصاد العالمي بسبب تبعات الحرب الإيرانية في غلق مضيق هرمز، والحرب بين السعودية والحوثيين مما أثر على حركة الملاحة في باب المندب، وتداعيات ذلك على الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، إضافة إلى أن المكانة الدولية لإسرائيل تثير إشكالية مركبة لا يمكن تفسيرها من خلال عامل واحد، سواء أكان ذلك العامل هو ما تسميه الأدبيات الإسرائيلية «حملات نزع الشرعية»، أم السياسات الإسرائيلية ذاتها، أم طبيعة الصراع العربي–الإسرائيلي الممتد منذ قيام إسرائيل، فالمكانة الدولية للدولة لا تتحدد فقط بمدى الاعتراف القانوني بها، وإنما تتشكل من خلال تفاعل مجموعة من العناصر السياسية والقانونية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والأخلاقية، فضلا عن شبكة التحالفات والمصالح الدولية التي تحدد مقدار القبول أو الرفض الذي تحظى به الدولة في النظام الدولي، ومن هذه الزاوية، فإن أزمة المكانة الدولية لإسرائيل ينبغي أن تدرس بوصفها نتيجة لتفاعل بين محاولات نزع الشرعية عن إسرائيل من جهة، والسياسات والممارسات الإسرائيلية التي أصبحت موضوعا للنقد الدولي من جهة أخرى.

وتنطلق دراسة بنينا شارفيت باروخ من ملاحظة أساسية مفادها أن الشرعية الدولية ليست مجرد مسألة تتعلق بصورة الدولة أو بقدرتها على ممارسة «الدعاية» أو «الإعلام الخارجي»، وإنما تمثل موردا استراتيجيا يؤثر في حرية الحركة السياسية والعسكرية، وفي العلاقات الأمنية والدبلوماسية، وفي الاقتصاد، وفي قدرة الدولة على تحقيق أهدافها على المدى الطويل، وهذه الفكرة مهمة من منظور الدراسات الاستراتيجية؛ لأنها تنقل مفهوم الشرعية الدولية من المجال الاتصالي إلى المجال الاستراتيجي، غير أن هذه الفرضية تحتاج إلى تطوير نقدي، لأن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا تراجعت صورة إسرائيل؟ وإنما ينبغي أن يضاف إليه سؤال أكثر عمقا:  إلى أي مدى كان هذا التراجع نتيجة لحملات خارجية تستهدف إسرائيل، وإلى أي مدى كان نتيجة لسياسات وممارسات إسرائيلية أسهمت بنفسها في إنتاج الانتقادات التي تواجهها؟

وتبدو هذه المسألة أكثر وضوحا عند تحليل مفهوم «نزع الشرعية»، فهذا المفهوم ينبغي ألا يستخدم بصورة واسعة بحيث يصبح مرادفا لكل نقد موجه إلى إسرائيل، فهناك فرق جوهري بين إنكار حق إسرائيل في الوجود، وبين رفض الصهيونية بوصفها أيديولوجية سياسية، وبين انتقاد الاحتلال والاستيطان، وبين الاعتراض على استخدام القوة العسكرية، وبين انتقاد سياسات حكومة إسرائيل بعينها، فالخلط بين هذه المستويات يؤدي إلى إشكالية منهجية؛ لأن الناقد لسياسة الاستيطان، على سبيل المثال، لا يصبح بالضرورة داعيا إلى نزع الشرعية عن إسرائيل، كما أن الاعتراض على سلوك عسكري محدد لا يعني بالضرورة رفض وجود الدولة الإسرائيلية. ومن ثم فإن الدراسة النقدية للمكانة الدولية لإسرائيل تقتضي بناء تمييز واضح بين نقد الدولة أو الحكومة أو السياسة، وبين نزع الشرعية عن الدولة ذاتها.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل وجود تيارات وأطراف تتجاوز نقد السياسات الإسرائيلية إلى رفض شرعية إسرائيل أو التشكيك في حقها في الوجود. وقد اتخذ هذا الاتجاه أشكالا متعددة داخل بعض التيارات السياسية والأيديولوجية والحركات الاحتجاجية، وأن هناك بالفعل خطاب يتضمن مواقف معادية لإسرائيل، وفي بعض الحالات تتقاطع بعض مظاهره مع معاداة السامية، إلا أن الاعتراف بوجود هذا النوع من الخطاب لا يبرر وضع كل أشكال النقد لإسرائيل في الإطار نفسه؛ لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف القدرة التحليلية لمفهوم «نزع الشرعية» ذاته.

ومن أهم الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من التركيز في الدراسة الإسرائيلية مسألة السياسة التوسعية الإسرائيلية، فالمكانة الدولية لإسرائيل لا يمكن فهمها بصورة كافية إذا عولجت السياسات المتعلقة بالأراضي الفلسطينية باعتبارها مجرد مشكلة إعلامية أو اتصالية، فالاستيطان والاحتلال والسيطرة على الأراضي والتوسع في المستوطنات ومسائل الضم أو تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في الأراضي الفلسطينية أصبحت عناصر أساسية في الطريقة التي ينظر بها جزء كبير من المجتمع الدولي إلى إسرائيل، وقد أكد مجلس الأمن الدولي في القرار 2334 لعام 2016 أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا تتمتع بالشرعية القانونية، وربط استمرار النشاط الاستيطاني بإضعاف إمكانية تحقيق حل الدولتين.

وتزداد أهمية هذا البعد في ضوء رأي محكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد تناول الرأي الاستشاري مسائل الاحتلال والاستيطان والضم وتقرير المصير، وخلصت المحكمة إلى نتائج قانونية شديدة الأهمية بشأن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ثم فإن جزءا من النقد الدولي الموجه إلى إسرائيل لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد نتاج لحملات إعلامية أو أيديولوجية؛ إذ توجد أيضا مواقف صادرة عن مؤسسات دولية وقانونية تستند إلى تحليل قانوني محدد.

وهنا يظهر أحد أهم أوجه القصور في التفسير الذي يجعل «نزع الشرعية» التفسير المركزي لتراجع المكانة الدولية لإسرائيل؛ إذ إنه قد يؤدي إلى تجاهل الفرق بين الشرعية السياسية لوجود إسرائيل كدولة وبين مشروعية السياسات التي تمارسها إسرائيل في الأراضي التي احتلتها عام 1967،  فليس من الضروري أن يكون رفض الاستيطان أو اعتبار استمرار الاحتلال مخالفا للقانون الدولي رفضا لوجود إسرائيل ذاته. ولذلك فإن الدراسة النقدية ينبغي أن تفصل بين هذين المستويين، حتى لا يتحول الخلاف حول سياسات محددة إلى خلاف حول شرعية الدولة ذاتها، وأن حق وجودها لا يعطيها الحق في إبادة الفلسطينيين والتطهير العرقي، ودعم المنظمات الإرهابية الإسرائيلية المدعومة من الحومة الإسرائيلية والصمت المطبق على جرائمها، أو الكيل بمكيالين بين حق الفلسطينيين في الدفاع الشرعي عن النفس وبين تذرع المستوطنين أثناء اعتدائهم والتحرش بالفلسطينيين وسفك دمائهم تح نفس الشعار الدفاع الشرعي عن النفس.

كما أن الباحثة ركزت على أحداث السابع من أكتوبر، وتناست أن قضية الصراع العربي–الإسرائيلي تمثل عاملا تاريخيا لا يمكن عزله عن تطور المكانة الدولية لإسرائيل، فقيام إسرائيل عام 1948 والحروب العربية–الإسرائيلية اللاحقة وحرب عام 1967 واحتلال الأراضي الفلسطينية ثم تطور الاستيطان ومفاوضات السلام واتفاقيات أوسلو ثم الانتفاضات والحروب المتكررة في غزة، ثم الحرب مع لبنان وإيران، وإشعال منطقة الشرق الأوسط، وجعل الدول العربية تحت القصف الإيراني والحوثيين والحشد الشعبي كلها مراحل أسهمت في تشكيل الصورة الدولية لإسرائيل، وبالتالي فإن المكانة الدولية الحالية ليست نتاجا للحرب الأخيرة وحدها، وإنما هي نتيجة تراكم تاريخي طويل تتداخل فيه عوامل الحرب والسلام والاحتلال والمفاوضات والتحالفات الدولية.

ومن هنا يمكن نقد التفسير الذي يفترض أن العالم كان دائما معاديا لإسرائيل وأن تغير المواقف الدولية لا يرتبط بصورة جوهرية بسلوك إسرائيل، فهذا التفسير يتجاهل أن المواقف الدولية ليست ثابتة، وأن الدول والمجتمعات يمكن أن تغير مواقفها تبعا لتغير الظروف والسياسات والأحداث، كما أن الدول التي تربطها علاقات وثيقة بإسرائيل قد تنتقد سياساتها خصوصًا سياستها التوسعية ومخطط التهجير والاستيطان وأحداث الضفة الغربية، والإضرار العمدي باقتصاد الدول العربية، ولذلك فإن مفهوم «العالم» نفسه ينبغي تفكيكه؛ فالمجتمع الدولي ليس وحدة سياسية متجانسة، وإنما يتكون من دول وحكومات ومؤسسات دولية ومحاكم ومنظمات مجتمع مدني وجامعات ووسائل إعلام وجماعات ضغط وجمهور عام، لكل منها مصالحه ومحدداته.

ومن أهم المتغيرات التي أثرت في المكانة الدولية لإسرائيل أيضا طبيعة العمليات العسكرية في الأراضي الفلسطينية، فكلما ارتفع عدد الضحايا المدنيين واتسعت دائرة الدمار وبرزت أزمات إنسانية، أصبح من الصعب تفسير النقد الدولي كله بوصفه نتاجا للدعاية المعادية لإسرائيل، وهذا لا يعني -كما تدعي الباحثة – أن جميع التقارير أو الروايات الدولية غير صحيحة بالضرورة، وإنما يعني أن الوقائع الميدانية أصبحت جزءا من عملية إنتاج المكانة الدولية،  فالدولة لا تتحكم فقط في كيفية وصف أفعالها، وإنما تتأثر أيضا بالنتائج التي تترتب على تلك الأفعال.

وفي هذا السياق، تكتسب مسألة استخدام القوة والإفراط فيها دون مبرر مشروع أهمية خاصة، فإسرائيل تنطلق في خطابها الأمني من وجود تهديدات عسكرية وتنظيمات مسلحة تستهدفها، وتؤكد حقها في الدفاع عن نفسها، وفي المقابل، يركز منتقدوها على ضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين، ومن ثم فإن الصراع لا يدور فقط حول سؤال: هل لإسرائيل حق في الدفاع عن نفسها؟، وإنما يتضمن سؤالا آخر هو:  ما حدود استخدام القوة في ممارسة هذا الحق، وما الآثار الإنسانية والقانونية والسياسية المترتبة على ذلك؟!

وتتضح أهمية البعد القانوني بصورة أكبر مع انتقال جانب من الصراع إلى المؤسسات القضائية الدولية، فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وأعلنت المحكمة أن الدائرة التمهيدية رأت وجود «أسباب معقولة» للاعتقاد بارتكاب جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة، وهذه المذكرات تمثل إجراء قضائيا دوليا، كما أن إسرائيل قدمت اعتراضات قانونية على اختصاص المحكمة والإجراءات المتخذة، ولذلك فإن دراسة أثر هذه الإجراءات في المكانة الدولية لإسرائيل ينبغي أن تميز بين الادعاء القضائي، والإجراء القضائي، والحكم النهائي.

ومن هنا يمكن القول إن أزمة المكانة الدولية لإسرائيل انتقلت جزئيا من مستوى «الصورة» إلى مستوى «القانون»، فالمسألة لم تعد متعلقة فقط بكيفية تقديم إسرائيل لنفسها في الإعلام الدولي، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بقرارات مجلس الأمن، وآراء محكمة العدل الدولية، والإجراءات أمام المحكمة الجنائية الدولية، وتقارير المنظمات الدولية والحقوقية. وهذا التطور يجعل من الصعب التعامل مع الأزمة باعتبارها مشكلة علاقات عامة يمكن حلها بمجرد تحسين الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، أو تحسينه عن طريق مؤيديها.

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن جميع ما يصدر عن المؤسسات الدولية أو منظمات حقوق الإنسان يمثل حقيقة غير قابلة للنقاش، فالمؤسسات الدولية نفسها قد تتعرض للنقد بشأن التحيز، أو الدعم للتظاهرات المؤيدة لإسرائيل والتضييق على كافة سبل التعبير عن الرأي في الغرب تجاه القضية الفلسطينية، مما يعني ممارسة الازدواجية للمعايير، كما أن التقارير الحقوقية والإعلامية قد تختلف في المنهج والمصادر والنتائج، ولذلك فإن المنهج العلمي يقتضي فحص كل ادعاء وفقا لمصدره ودليله ومنهجه، بدلا من قبول الادعاءات الدولية بصورة مطلقة أو رفضها بصورة مطلقة.

وتتصل بذلك مسألة الخطاب السياسي الإسرائيلي، الذي يمثل أحد العناصر المؤثرة في المكانة الدولية للدولة، فالتصريحات التي تصدر عن مسؤولين سياسيين يمكن أن تؤثر في تفسير السياسة الإسرائيلية، ولا سيما عندما تتضمن مواقف حادة تجاه الفلسطينيين أو الأراضي الفلسطينية أو مستقبل الصراع، أو الادعاء الكاذب أمام الرأي العالمي بأن مصر هي السبب في غلق المعابر، وعدم وصول المساعدات الدولية على غزة، وعندما زار الأمين العام للأمم المتحدة المعبر ورؤساء وقادة الدول تبين لهم كذب الرواية الإسرائيلية، ومن ثم فإن المسؤولية الإسرائيلية لا تقتصر على القرارات الرسمية والإجراءات العسكرية، وإنما تشمل أيضا المستوى الخطابي؛ لأن الخطاب السياسي يمكن أن يعزز أو يضعف قدرة الدولة على الدفاع عن سياستها أمام الرأي العام الدولي.

وفي هذا السياق يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات للمسؤولية الإسرائيلية:

المستوى الأول: مسؤولية السياسات: مثل الاستيطان والاحتلال والإجراءات المتعلقة بالأراضي الفلسطينية.

المستوى الثاني: مسؤولية السلوك العسكري ومدى توافقه مع قواعد القانون الدولي الإنساني.

المستوى الثالث: المسؤولية الاتصالية والسياسية، أي الكيفية التي تقدم بها القيادة الإسرائيلية سياستها للعالم ومدى اتساق خطابها مع القيم والمبادئ التي تعلن إسرائيل التزامها بها.

ومن ناحية أخرى، لا يمكن أن تكتمل الدراسة النقدية إذا تجاهلت المسؤولية الفلسطينية والعربية عن تطورات الصراع، فحركات المقاومة الفلسطينية، وممارسات استهداف المدنيين الإسرائيليين المعارضين لسياستها، واحتجاز الرهائن، والانقسام الفلسطيني، والصراعات الإقليمية، وتداعيات الحرب الإيرانية، كلها عناصر أثرت في البيئة التي تتحرك فيها إسرائيل، ولذلك فإن نقد السياسات الإسرائيلية لا يلغي مسؤولية إسرائيل عن سياساتها الخاصة، وإنما يجعل تحليل الصراع أكثر تعقيدا وواقعية.

وتكشف هذه المقاربة عن مفارقة استراتيجية مهمة تتمثل في أن التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة التفوق الاستراتيجي الشامل، فقد تمتلك الدولة قدرات عسكرية وتكنولوجية واستخباراتية متقدمة، لكنها قد تواجه في الوقت نفسه ضغوطا سياسية وقانونية ودبلوماسية متزايدة، ولذلك فإن الأمن القومي في البيئة الدولية المعاصرة لا يقوم على القوة الصلبة وحدها، وإنما يتطلب أيضا الحفاظ على شبكة من الشرعية والعلاقات والتحالفات والقبول الدولي.

وبناء على ذلك، فإن العلاقة بين السياسة التوسعية والمكانة الدولية يمكن أن تفسر من خلال مفارقة أساسية:  كلما أدى التوسع والسيطرة الميدانية إلى تحقيق مكاسب جغرافية أو أمنية قصيرة المدى، فقد يؤدي استمرارها إلى زيادة الكلفة السياسية والقانونية والدبلوماسية على المدى الأبعد،  وهذه المفارقة لا تعني بالضرورة أن كل إجراء إسرائيلي يترتب عليه تراجع دولي، وإنما تعني أن العلاقة بين القوة الميدانية والمكانة الدولية ليست علاقة طردية بسيطة.

ومن هنا فإن مفهوم «المسؤولية الإسرائيلية» ينبغي ألا يفهم بوصفه بديلا عن مفهوم «نزع الشرعية»، بل بوصفه أحد المتغيرات التي تتفاعل معه، فهناك جهات قد تكون معادية لإسرائيل مهما كانت سياساتها، وهناك جهات أخرى تتخذ مواقفها بناء على السياسات التي تراها أمامها، وفي الحالة الثانية تكون للسياسة الإسرائيلية قدرة فعلية على التأثير في الموقف الدولي. ولذلك فإن افتراض أن «إسرائيل ستتعرض للنقد مهما فعلت» كما ذكرت الباحثة في دراستها لا يمكن تعميمه على جميع الدول والمؤسسات والمنظمات.

وعلى هذا الأساس، يمكن إعادة بناء مفهوم المكانة الدولية لإسرائيل باعتباره ناتجا عن التفاعل بين أربعة متغيرات أساسية: القوة، والشرعية، والسلوك السياسي، والإدراك الدولي.

فالقوة قد تمنح إسرائيل القدرة على الردع والحركة، والشرعية تمنحها مجالا أوسع للتحرك الدولي، والسلوك السياسي يؤثر في مستوى القبول أو الرفض، بينما يحدد الإدراك الدولي الطريقة التي تفسر بها الدول والمجتمعات تلك السياسات. ومن ثم فإن المكانة الدولية لا يمكن اختزالها في القوة العسكرية أو الصورة الإعلامية وحدهما، وهذا ما أخفقت في إسرائيل وأغرقها في النقد على المستوى الدولي، أو المنظمات الأممية، وجعلها تحت طائلة المساءلة الدولية.

وتقود هذه الرؤية إلى نتيجة نقدية أساسية، هي أن أزمة المكانة الدولية لإسرائيل ذات طبيعة مركبة؛ فهي من ناحية تواجه حملات حقيقية لنزع الشرعية عنها بسبب ما ترتكبه من استخدام القوة المفرطة في فلسطين ودول الجوار في سوريا ولبنان، واختراق الحدود الدولية للعراق للوصول إلى ضرب أهدافها في إيران، ومن ناحية أخرى تواجه نقدا دوليا يتعلق بسياساتها ولا سيما الاحتلال والاستيطان واستخدام القوة وسلب الأراضي الفلسطينية.

إضافة إلى أن معالجة أزمة المكانة الدولية لإسرائيل لا يمكن أن تكون إعلامية فقط، فالحملات الإعلامية يمكن أن تؤثر في الإدراك، لكنها لا تستطيع وحدها إلغاء آثار السياسات التي تنتج الوقائع على الأرض، وبيان الحقيقة بموضوعية والتمييز بين الادعاءات الصحيحة والادعاءات الخاطئة، وبين الانتقادات التي يمكن الرد عليها بالحجة القانونية والسياسية، والانتقادات التي تستدعي مراجعة فعلية للسياسة.

وتتمثل الخلاصة النقدية للدراسة في أن المكانة الدولية لإسرائيل أصبحت ساحة للصراع نفسه؛ فالصراع لم يعد يقتصر على السيطرة على الأرض أو تحقيق التفوق العسكري كما تزعم الباحثة، وإنما أصبح أيضا صراعا على الشرعية، والقانون، والرواية التاريخية، والصورة الدولية، والقدرة على حشد الدعم، فالمكانة الدولية تتشكل من التفاعل بين الوقائع والمصالح والقانون والخطاب والسياسات.

وعليه، فإن الأطروحة الأكثر قابلية للدفاع عنها علميا هي أن أزمة المكانة الدولية لإسرائيل ليست مجرد أزمة «نزع شرعية»، وليست أيضا مجرد نتيجة تلقائية للسياسة الإسرائيلية، وإنما هي أزمة مركبة تتفاعل فيها محاولات نزع الشرعية مع نتائج السياسات الإسرائيلية ومع بنية الصراع العربي–الإسرائيلي ومعايير القانون الدولي والتحولات في الرأي العام الدول،  ومن ثم فإن فهم مستقبل المكانة الدولية لإسرائيل يتطلب دراسة التفاعل بين هذه المتغيرات بدلا من اختزال الأزمة في عامل واحد مثلما تبرر إسرائيل أفعالها في استخدام القوة المفرطة أو الضربات الاستباقية بالدفاع الشرعي عن النفس، وتبرير الحرب الإيرانية بالدافع عن النفس والتخوف من امتلاك إيران السلاح النووي، وفي المقابل، تمتلك إسرائيل سلاحًا نوويًا من دون محاسبة دولية.

ويمكن أن يكون الإطار الأكثر ملاءمة لدراسة هذه الإشكالية هو النظر إلى المكانة الدولية لإسرائيل بوصفها متغيرا استراتيجيا تسببت فيه السياسة الإسرائيلية في عدم الاكتراث بالرأي الدولي، ولا بسمعتها دوليًّا، أو الامتثال للقانون الدولي الإنساني، والتذرع بالسياسة التوسعية، والاحتلال، والاستيطان، واستخدام القوة المفرطة، والتحالفات الدولية للإضرار ببعض الدول، ونزع الشرعية عن مخالفيها، وممارسة الإدراك الإعلامي لغسل سمعتها دوليًّا بسبب جرائم الحرب في غزة ولبنان، وثبوت أنها كانت على علم بمخطط السابع من أكتوبر، وأنها كانت شريكا لتوظيفه سياسيا ولتنفيذ خطتها في غزة أو تهجير أهلها إلى مصر أو الأردن، لكن هذه المخططات فشلت بسبب رفض مصر والأردن، كما رفضت مصر كافة صور الترغيب عن طريق حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية للموافقة على ذلك المشروع الجائر في حق الإنسانية، والآن تتنصل إسرائيل عن مسؤوليتها في كافة الأحداث في المنطقة وتبحث عن سيناريوهات لتعزيز مكانتها الدولية!!!

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version