ولاء عبدالمرضي الحصري
يُعد قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتيك) هو الركيزة الأساسية للاقتصاد الإسرائيلي، لأنه يرتبط بشكل مباشرة بالنمو الاقتصادي والصادرات والاستثمارات والصناعات العسكرية والتكنولوجية في إسرائيل. وعلى الرغم من حالة عدم الاستقرار الأمني التي شهدتها إسرائيل خلال عام 2025 نتيجة الحرب المستمرة على أكثر من جبهة خارجية من جهة، ومن جهة أخرى الخلافات والانقسامات الداخلية إلا أن هذا القطاع أثبت قدرته الكبيرة والمتسارعة في الصمود والصعود، حتى أصبح هو المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي الإسرائيلي.
وقد صدر التقرير السنوي عن سلطة الابتكار الإسرائيلية لهذا العام في مايو 2026 وهي الوكالة الحكومية المستقلة المسؤولة عن تخطيط وتنفيذ سياسة الابتكار، وتُعد المحرك الاستراتيجي لقطاع الهايتك، حيث سلط التقرير السنوي الضوء على النمو الكبير في قطاع التكنولوجيا المتقدمة في إسرائيل؛ حيث ارتفع الناتج الاقتصادي لقطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتيك) الإسرائيلي بنسبة 8.2%، كما شهد زيادة في حجم الاستثمارات بلغت 30%، إلى جانب تحقيق أعلى مساهمة على الإطلاق في الصادرات الإسرائيلية، كذلك حافظت إسرائيل على مكانتها بوصفها إحدى أبرز المراكز التكنولوجية الرائدة عالميًّا، حيث سجلت صادرات بحوالي 85 مليار دولار، وصفقات بقيمة 84 مليار دولار، فضلاً عن استقطاب استثمارات خارجية قاربت 15 مليار دولار خلال العام.
مؤشرات التعافي والنمو في قطاع الهايتيك
تشير بيانات الربع الأول من عام 2026 إلى استمرار الزخم القوي في عمليات جمع الاستثمارات في قطاع الهايتيك على الرغم من البيئة الأمنية غير المستقرة سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، ولكن أظهرت البيانات الأولية أن سوق الاستثمار التكنولوجي الإسرائيلي لا يزال يتمتع بنشاط مرتفع، حيث جرى جمع نحو 3.36 مليار دولار خلال هذه الفترة.
الجدير بالذكر أنه بلغ الناتج المحلي الإجمالي لقطاع الهايتيك الإسرائيلي خلال عام 2025 نحو 123 مليار دولار، وقد أدى هذا النمو إلى ارتفاع الناتج السنوي لكل موظف بنحو حوالي 16 ألف دولار (47 ألف شيكل)، أي بزيادة تقارب 6%. وبذلك وصل الناتج الاقتصادي لكل موظف في قطاع الهايتيك إلى نحو 285 ألف دولار (827 ألف شيكل)، وهو أعلى مستوى إنتاجية بين جميع قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي.
وتشير البيانات الاقتصادية الكلية إلى أن نمو مخرجات قطاع الهايتيك ساهم بنحو 50 % من إجمالي النمو الاقتصادي الإسرائيلي خلال العام، حيث أضاف القطاع 1.44 نقطة مئوية من إجمالي نمو الناتج المحلي البالغ 2.9% وجاءت غالبية هذه الزيادة نتيجة ارتفاع الإنتاجية لكل موظف، وليس نتيجة زيادة عدد العاملين.
الصادرات في قطاع الهايتيك:
ارتفعت صادرات قطاع الهايتيك إلى نحو 85 مليار دولار، وهو ما يمثل 58% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية، وتشكل الصادرات نحو 79% من الناتج المحلي لقطاع الهايتيك، مقارنة بـ 26% فقط في بقية قطاعات الاقتصاد، الأمر الذي يعكس درجة الاعتماد الكبيرة للقطاع على الأسواق الدولية وتقلبات أسعار الصرف.
على الرغم من:
• ارتفاع عدد العاملين في القطاع إلى نحو 400 ألف موظف.
• شكل العاملون في الهايتيك 11.4% من إجمالي القوى العاملة في إسرائيل.
• ارتفع عدد الشركات الناشئة الجديدة التي تأسست خلال عام 2025 إلى نحو 775 شركة جديدة، مقارنة بـ750 شركة في عام 2024 و743 شركة في عام 2023، ومع ذلك لايزال هذا الرقم أقل كثيرًا من العدد الذي سجلته إسرائيل عام 2014 عندما جرى تأسيس أكثر من 1400 شركة ناشئة خلال عام واحد
إسرائيل مركز تكنولوجي عالمي:
حافظت إسرائيل على مكانتها كأحد أبرز مراكز التكنولوجيا العالمية، حيث احتلت خلال عام 2025 المرتبة الرابعة عالميًّا في حجم الاستثمارات، والأولى عالميًّا خارج الولايات المتحدة، بإجمالي استثمارات حوالي 15 مليار دولار.كما شهد عام 2026 صفقات بقيمة بلغت نحو 84 مليار دولار، وقد ارتفع عدد الشركات متعددة الجنسيات في إسرائيل إلى 511 شركة.
على الرغم من ذلك تواصل الشركات الإسرائيلية نقل جزء متزايد من أنشطة البحث والتطوير خارج إسرائيل، وقد تركزت معظم الزيادة في عمليات التطوير والبحث في دول أوروبا الشرقية، والولايات المتحدة الأمريكية، في حين يستمر تراجع إسرائيل في أنشطة التطوير تدريجيًّا.
التحول نحو التكنولوجيا العميقة والذكاء الاصطناعي
لقد تم تعزيز قطاع الهايتيك الإسرائيلي نحو مجالات التكنولوجيا العميقة (Deep Tech) والذكاء الاصطناعي خلال عام 2025، وقد برزت زيادة ملحوظة في الأنشطة والاستثمارات المرتبطة بـ:
• التكنولوجيا في الصناعات الدفاعية (Defense Tech)
• تكنولوجيا الفضاء.
• التقنيات الكمية (Quantum Technologies).
• البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
كما يكشف التقرير عن استمرار توسع نشاط شركات الهايتيك الإسرائيلية خارج إسرائيل، فمع بداية شهر مارس 2026 كان يوجد حوالي 62% فقط من العاملين في الشركات الإسرائيلية الخاصة يعملون داخل إسرائيل، مقارنة بالسنوات الماضية الذي كان أكثر من ذلك، مما رصد تراجعًا مستمرًا في النشاط الاقتصادي الذي يُدار من داخل إسرائيل.
كما أنه يوجد تراجع في نسبة القيادات التنفيذية العاملة داخل إسرائيل؛ حيث سجل عام 2026 انخفاضًا إضافيًّا في نسبة كبار المديرين التنفيذيين العاملين داخل إسرائيل، فمع بداية مارس 2026، تراجعت نسبة القيادات العليا المقيمة في إسرائيل بنحو 9.6%، بالتزامن مع ارتفاع عدد المديرين التنفيذيين العاملين في الولايات المتحدة الأمريكية، ويشير هذا الاتجاه إلى احتمال انتقال مراكز الإدارة وصنع القرار بصورة تدريجية من إسرائيل إلى الخارج.
الولايات المتحدة الأمريكية مركز التشغيل الرئيس للشركات الإسرائيلية:
تواصل الولايات المتحدة تعزيز مكانتها بوصفها المركز التشغيلي الرئيسي لشركات الهايتيك الإسرائيلية، وقد تركزت غالبية الزيادة في التوظيف الخارجي في مجالات: المبيعات، خدمات الدعم، الإدارة، والبحث والتطوير، وهو ما يشير إلى تعاظم الاعتماد على السوق الأمريكية كمحور أساسي للنمو والتوسع.
للمرة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات، سُجل انخفاض في عدد العاملين في وظائف البحث والتطوير داخل قطاع الهايتيك الإسرائيلي، وفي المقابل، شهدت وظائف تطوير المنتجات (Product Roles) ارتفاعًا ملحوظًا، وهو ما قد يعكس تحولاً في هيكل القوى العاملة نتيجة التغيرات التي أحدثها عصر الذكاء الاصطناعي.
يكشف التقرير أن 47 % من تمويل البحث والتطوير في القطاع التجاري الإسرائيلي يأتي من مصادر أجنبية، مقارنة بمتوسط يبلغ 9 % فقط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
كما أن 70 % من استثمارات رأس المال المخاطر في إسرائيل خلال 2025 كانت استثمارات أجنبية، في المقابل:
• يشكل المستثمرون الإسرائيليون 61% من إجمالي المستثمرين النشطين.
• تمثل صناديق رأس المال المخاطر الأجنبية نحو 25% من المستثمرين النشطين.
• عمل في إسرائيل 89 صندوق استثمار مؤسسي أجنبي (CVC) مقابل 13 صندوقاً إسرائيلياً فقط.
نمو التوظيف مع تراجع وظائف البحث والتطوير
ارتفع عدد العاملين في قطاع الهايتيك الإسرائيلي إلى نحو 400 ألف موظف خلال عام 2025، مسجلاً نموًا بنسبة 2.5% مقارنة بعام 2024، وهي نسبة أقل بكثير من متوسط النمو السنوي البالغ نحو6 %خلال العقد السابق.
وللمرة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات، انخفض عدد العاملين في وظائف البحث والتطوير داخل إسرائيل، حيث فقد القطاع نحو 3500 وظيفة، في المقابل، ارتفع عدد الوظائف الشاغرة بنسبة 12.1 % ليصل إلى18,340 وظيفة خاصة في شركات البرمجيات والخدمات التكنولوجية.
أما في قطاع الصناعات التكنولوجية، فقد ارتفعت وظائف البحث والتطوير بنسبة 11.9%، بالتزامن مع نمو إجمالي التوظيف بنسبة 8.9% ، بينما شهد قطاع خدمات البرمجيات انخفاضًا بنسبة 3.5 % في وظائف البحث والتطوير، وتراجعًا طفيفًا في إجمالي العمالة بلغ 0.1%
وترى سلطة الابتكار الإسرائيلية أن التغير الهيكلي في توزيع الوظائف داخل القطاع، بما في ذلك انخفاض نسبة العاملين في البحث والتطوير وارتفاع نسبة العاملين في وظائف إدارة المنتجات إلى 24%، قد يكون مرتبطًا جزئيًّا بالتوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التي تسهم في تسريع عمليات التطوير البرمجي ورفع كفاءتها، ورغم هذه التحولات، حافظ القطاع على تفوقه الإنتاجي الكبير مقارنة ببقية قطاعات الاقتصاد. ففي عام 2025 بلغ الناتج السنوي لكل موظف في الهايتيك نحو 827 ألف شيكل، مقارنة بـ:
• 721 ألف شيكل في قطاع الخدمات المالية والتأمين.
• 283 ألف شيكل في قطاع التجارة.
• 166 ألف شيكل في قطاع البناء والتشييد.
توسيع نطاق شركات الذكاء الاصطناعي:
استحوذت شركات الذكاء الاصطناعي الأساسية (Core AI) على 35 % من إجمالي الاستثمارات في قطاع الهايتيك الإسرائيلي خلال عام 2025، كما استحوذت قطاعات الأمن السيبراني، وبرمجيات المؤسسات، التكنولوجيا المالية (FinTech) على أكثر من 60 % من إجمالي الاستثمارات. في المقابل، تراجعت نسبة قطاعي الصحة الرقمية والأجهزة الطبية بصورة ملحوظة.
مفارقات استراتيجية:
تكشف نتائج التقرير الذي أصدرته سلطة الابتكار الإسرائيلية، عن مفارقة استراتيجية مهمة في قطاع الهايتيك؛ فمن ناحية، يواصل القطاع تحقيق معدلات نمو قياسية في الصادرات والاستثمارات وقيمة الشركات، ويعزز مكانة إسرائيل كقوة عالمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، ومن ناحية أخرى، تظهر مؤشرات هيكلية مقلقة تتمثل في انتقال مراكز الإدارة والبحث والتطوير والوظائف عالية القيمة إلى الخارج، وخاصة إلى الولايات المتحدة.
وتشير هذه الاتجاهات إلى أن التحدي الرئيس أمام إسرائيل لم يعد يتمثل في جذب الاستثمارات أو إنشاء الشركات الناشئة، بل في الحفاظ على تمركز رأس المال البشري والقدرات الابتكارية داخل إسرائيل، بما يضمن استمرار تفوقها التكنولوجي وقدرتها التنافسية في ظل اشتداد المنافسة العالمية على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والكفاءات المتخصصة.
العلاقة بين الحرب ونمو قطاع التكنولوجيا:
رغم أن الحرب عادة ما تؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي، فإن الحالة الإسرائيلية أظهرت نتائج مختلفة نسبيًّا، فقد أدت التحديات الأمنية المتزايدة إلى زيادة الطلب على:
• تقنيات الأمن السيبراني.
• أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية.
• تكنولوجيا المراقبة والتحليل الاستخباري.
• أنظمة الدفاع والاتصالات المتقدمة.
ومن ثم، تحولت الأزمة الأمنية إلى عامل دعم لبعض فروع التكنولوجيا الإسرائيلية، خاصة تلك المرتبطة بالقطاعين الأمني والعسكري، كما ساهمت الخبرة المتراكمة لوحدات النخبة التكنولوجية في الجيش الإسرائيلي، وعلى رأسها الوحدة 8200، في استمرار تدفق الكفاءات البشرية إلى سوق التكنولوجيا المدنية.
خاتمة
يؤكد تقرير الهايتيك الإسرائيلي لعام 2026 أن قطاع التكنولوجيا المتقدمة نجح في قيادة الاقتصاد الإسرائيلي نحو التعافي والنمو خلال عام 2025، رغم التحديات الأمنية والسياسية غير المسبوقة. فقد سجل القطاع أرقامًا قياسية في الصادرات والاستثمارات والصفقات الخارجية معززًا مكانته باعتباره المحرك الرئيسي للاقتصاد الإسرائيلي.
إلا أن المؤشرات المتعلقة بتراجع أنشطة البحث والتطوير داخل إسرائيل وانتقال الوظائف والمراكز الإدارية إلى الخارج تطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة إسرائيل على الحفاظ على تفوقها التكنولوجي على المدى البعيد. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام صناع القرار الإسرائيليين لم يعد تحقيق النمو فحسب، بل ضمان استدامة منظومة الابتكار الوطنية والحفاظ على تمركز رأس المال البشري والتكنولوجي داخل إسرائيل.
أحدث المنشورات
- قطاع الهايتيك الإسرائيلي يقود الاقتصاد الإسرائيلي: تعافٍ قوي وتحديات مستقبلية
- من التجنيس إلى إعادة تشكيل النفوذ مقترح منح الجنسية لأبناء اليهود المغاربة وأحفادهم والرهانات الجيوسياسية
- إسرائيل بين “التفوق المطلق” وإشكالية الأمن الدائم: حرب 1967م وحرب أكتوبر 1973م وتحديات غزة وإيران المعاصرة
- “العيون الخمسة” وإسرائيل: هندسة الهيمنة الرقمية العالمية
- العامل الأذربيجاني في الصراع الإيراني ــ الإسرائيلي
- من الإجماع إلى التصدّع: سياسات نتنياهو تحوّل الدعم الأمريكي التقليدي إلى عبء سياسي
- أهمية العمق الاستراتيجي في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر!
- إسرائيل على مفترق طرق”: تداعيات تمرير قانون حل الكنيست على الاستقرار السياسي والجبهة الداخلية
الإثنين, 8 يونيو
