د/محمد أحمد صالح
هناك تحوّل استراتيجي عميق في طبيعة العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، لم يعد محصورًا في خلافات تكتيكية بين إدارات أمريكية وحكومات إسرائيلية، بل بات يمسّ القاعدة السياسية والاجتماعية التي استند إليها الدعم الأمريكي لإسرائيل لعقود طويلة.
فقد شكّل الدعم الأمريكي لإسرائيل تاريخيًا أحد أكثر الملفات رسوخًا في السياسة الخارجية الأمريكية، إذ حظي بتوافق واسع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وبدعم قوي داخل الكونجرس، وبقبول شعبي نسبي، خصوصًا لدى الأجيال الأكبر سنًا والناخبين المحافظين والإنجيليين. غير أن العدوان على غزة، وسياسات حكومة بنيامين نتنياهو، وما ارتبط بها من صور دمار إنساني واسع، أدت إلى اهتزاز هذا الإجماع.
تتمثل الدلالة الأبرز في أن التراجع لم يعد مقتصرًا على الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، بل بدأ يمتد إلى مشرعين ديمقراطيين تقليديين، بل وإلى بعض أوساط اليمين الشعبوي الأمريكي المرتبط بتيار “أمريكا أولًا” وحركة “ماجا”. وهذا يعني أن إسرائيل لم تعد تتمتع بالحماية السياسية التلقائية ذاتها التي تمتعت بها في واشنطن، وأن ملف الدعم العسكري والسياسي لها مرشح لأن يصبح قضية خلافية متزايدة في الانتخابات الأمريكية المقبلة.
التحول الأخطر لا يكمن فقط في ارتفاع الأصوات المنتقدة لإسرائيل، بل في انتقال النقد من مستوى الخطاب الأخلاقي إلى مستوى التصويت التشريعي، وخصوصًا في قضايا صفقات السلاح، وتمويل الدفاعات الإسرائيلية، وجدوى الالتزام الأمريكي غير المشروط بأمن إسرائيل.
خلفية استراتيجية
منذ إقامة إسرائيل عام 1948م، تطورت العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة من علاقة دعم سياسي محدود إلى تحالف استراتيجي شامل. وقد ترسخ هذا التحالف بفعل عدة عوامل، أبرزها اعتبارات الحرب الباردة، حين نُظر إلى إسرائيل باعتبارها حليفًا متقدمًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ونفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل واشنطن، والتوافق الحزبي الأمريكي حول أمن إسرائيل، والتقارب العسكري والاستخباراتي بين البلدين، والرواية الأخلاقية والسياسية التي قدمت إسرائيل بوصفها “الديمقراطية الوحيدة” في منطقة مضطربة.
لكن هذه الأسس بدأت تتعرض لضغط متزايد خلال العقدين الأخيرين، خصوصًا مع صعود اليمين الإسرائيلي، وتراجع فرص التسوية السياسية مع الفلسطينيين، وتوسع الاستيطان، ثم وصول حكومة إسرائيلية تُعد من الأكثر يمينية وتطرفًا في تاريخ إسرائيل الحديث. ومع العدوان على غزة، انتقلت الأزمة من كونها خلافًا حول “إدارة الصراع” إلى سؤال جوهري داخل الولايات المتحدة: هل ما تزال إسرائيل تمثل مصلحة استراتيجية وأخلاقية أمريكية، أم بات دعمها غير المشروط عبئًا سياسيًا وأمنيًا وأخلاقيًا على واشنطن؟
الفرضية المركزية
تقوم هذه الورقة على فرضية رئيسية مفادها أن سياسات بنيامين نتنياهو لم تؤد فقط إلى إضعاف صورة إسرائيل عالميًا، بل أسهمت في تفكيك الإجماع الأمريكي الداخلي حولها، عبر ثلاثة مسارات متداخلة: الأول تآكل الدعم الديمقراطي التقليدي لإسرائيل، والثاني تصاعد الاعتراض داخل التيار الشعبوي اليميني الأمريكي، والثالث تحول الدعم العسكري لإسرائيل من مسألة تلقائية إلى قضية انتخابية وتشريعية خلافية. وبذلك، فإن إسرائيل تواجه خطرًا استراتيجيًا طويل المدى يتمثل في فقدان أهم أسسها السياسية في واشنطن: الإجماع العابر للحزبين.
مؤشرات التحول داخل الحزب الديمقراطي
-من النقد الهامشي إلى التصويت المؤسسي: كان انتقاد إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي، حتى وقت قريب، محصورًا في دوائر تقدمية محدودة، مثل بعض أعضاء “الجناح التقدمي” في مجلس النواب. لكن هذا النقد بات يتوسع داخل مجلس الشيوخ، وهو المؤسسة الأكثر تحفظًا وتقليدية في السياسة الأمريكية. الأكثر دلالة أن عدد الديمقراطيين المؤيدين لحجب أو تقييد مبيعات السلاح لإسرائيل ارتفع من 15 عضوًا في تصويت سابق إلى 40 عضوًا. هذا التحول الكمي يعكس تحولًا نوعيًا في المزاج السياسي داخل الحزب. فمجلس الشيوخ، بخلاف مجلس النواب، غالبًا ما يعبر عن مواقف أكثر حذرًا وأقرب إلى المؤسسة التقليدية. لذلك فإن ارتفاع عدد المؤيدين لتقييد السلاح داخل هذه المؤسسة يعني أن القضية لم تعد احتجاجًا رمزيًا، بل بدأت تتحول إلى اتجاه سياسي قابل للتراكم.
-مرشحو 2028م ومؤشر المستقبل الديمقراطي: جميع الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الذين يفكرون في الترشح للرئاسة عام 2028م صوتوا ضد صفقات سلاح لإسرائيل. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأنها تكشف أن الطموحين للرئاسة باتوا يرون في انتقاد إسرائيل أو تقييد دعمها موقفًا لا يضرهم انتخابيًا داخل القاعدة الديمقراطية، بل ربما يفيدهم. هذا يعني أن المزاج الشعبي داخل الحزب الديمقراطي تغير إلى درجة تجعل دعم إسرائيل بلا شروط عبئًا على المرشح، لا رصيدًا له. وإذا ترسخ هذا الاتجاه، فإن الإدارات الديمقراطية المقبلة قد تكون أقل استعدادًا لمنح إسرائيل غطاءً دبلوماسيًا وعسكريًا مفتوحًا.
-إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل: تصريح النائب جيسون كرو بشأن الحاجة إلى نقاش حول “إعادة ضبط العلاقة” بين واشنطن وتل أبيب يعكس انتقال النقاش من مستوى الاعتراض على سياسة بعينها إلى مستوى مراجعة بنية العلاقة نفسها. وهذا تطور جوهري؛ لأن عبارة “إعادة ضبط العلاقة” تعني أن المشكلة لم تعد محصورة في سلوك حكومة إسرائيلية مؤقتة، بل في نمط العلاقة غير المشروطة الذي حكم التحالف لعقود.
القبة الحديدية وتحول الرموز السياسية
تمويل منظومة “القبة الحديدية” كان يُعد سابقًا من أكثر بنود الدعم الأمريكي لإسرائيل قبولًا، حتى بين بعض منتقدي الاحتلال؛ لأنه كان يُقدَّم باعتباره دعمًا دفاعيًا لا هجوميًا. غير أن بعض الديمقراطيين بدأوا يتراجعون حتى عن دعم هذا النوع من التمويل. وهنا تكمن دلالة استراتيجية مهمة مفادها عندما يصبح تمويل الدفاعات الإسرائيلية موضع خلاف، فهذا يعني أن الأزمة تجاوزت مسألة العدوان على غزة أو صفقات الذخائر، ووصلت إلى التشكيك في مجمل منطق الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل.
تصريح النائب ماكسويل فروست بأن هذا الموقف كان يُنظر إليه قبل أربع سنوات على أنه “متطرف للغاية” يكشف سرعة التحول في البيئة السياسية الأمريكية. فما كان هامشيًا أو راديكاليًا أصبح اليوم جزءًا من نقاش سياسي أوسع.
نتنياهو وتدمير الطابع الحزبي المشترك لدعم إسرائيل
يقول السيناتور روبين جاليجو إن بنيامين نتنياهو يدمر الطابع الحزبي المشترك لدعم إسرائيل. وهذه العبارة تختصر جوهر الأزمة. فإسرائيل اعتمدت تاريخيًا على دعم الحزبين معًا. لكن بنيامين نتنياهو، خصوصًا منذ خلافاته العلنية مع إدارة باراك أوباما، ثم تقاربه الشديد مع دونالد ترامب والجمهوريين، أسهم في تحويل إسرائيل تدريجيًا إلى قضية أكثر ارتباطًا باليمين الأمريكي.
هذا التحول أضر بإسرائيل من زاويتين، الأولى أنه أضعف الثقة الديمقراطية بها، إذ بات كثير من الديمقراطيين يرونها امتدادًا لمشروع يميني محافظ، والثانية جعل دعمها مرهونًا بالتوازنات الحزبية الأمريكية، بدل أن يكون ثابتًا عابرًا للإدارات. وإذا أصبحت إسرائيل قضية حزبية، فإنها ستفقد ميزة استراتيجية هائلة مفادها ضمان الدعم بغض النظر عن الحزب الحاكم في واشنطن.
تحولات الرأي العام الأمريكي
رغم أن التركيز ينصب على الكونجرس حتى الآن، فإن التحولات التشريعية لا تنفصل عن تغيرات الرأي العام، خصوصًا بين الأجيال الشابة. فقد أصبح الشباب الأمريكي، ولا سيما داخل الحزب الديمقراطي، أكثر انتقادًا لإسرائيل وأكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين.
تعود هذه التحولات إلى عدة عوامل، منها تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي نقلت صور الحرب والدمار في غزة مباشرة إلى الجمهور الأمريكي، وصعود خطاب العدالة العرقية وحقوق الإنسان داخل الجامعات والحركات الشبابية، وتراجع تأثير الرواية الإسرائيلية التقليدية لدى الأجيال الجديدة، والربط بين القضية الفلسطينية وقضايا الاستعمار والعنصرية والتمييز، والإحساس بأن واشنطن تمول حربًا لا تنسجم مع القيم التي تعلنها.
وهنا يبرز البعد طويل المدى، والذي يقضي بأنه إذا كانت الأجيال الشابة أقل دعمًا لإسرائيل، فإن التحول الحالي قد لا يكون عابرًا، بل مقدمة لإعادة تشكيل السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط خلال العقدين المقبلين.
تيار “أمريكا أولًا” وتصدع اليمين المؤيد لإسرائيل
لا يقل التحول داخل اليمين الأمريكي أهمية عن التحول داخل الحزب الديمقراطي. فالدعم الجمهوري لإسرائيل ظل قويًا لعقود، مدفوعًا بعوامل دينية وأيديولوجية واستراتيجية. لكن صعود تيار “أمريكا أولًا” أدخل عنصرًا جديدًا إلى المعادلة.
هذا التيار ينظر إلى السياسة الخارجية من زاوية الكلفة والعائد المباشر للولايات المتحدة. ومن ثم، فإن أي التزام خارجي كبير، حتى تجاه إسرائيل، قد يصبح موضع اعتراض إذا بدا أنه يستنزف الموارد الأمريكية أو يورط واشنطن في حروب لا تخدم المواطن الأمريكي.
انتقادات مارجوري تايلور جرين لتورط واشنطن في الدفاع عن إسرائيل والمشاركة في حربها على إيران تعكس هذا الاتجاه. ورغم أن هذه الأصوات لا تزال أقلية داخل الحزب الجمهوري، فإن أهميتها تكمن في أنها تصدر من داخل البيئة الشعبوية المؤيدة سابقًا لترامب.
وهذا يضع دونالد ترامب أمام معضلة: فهو من جهة يريد الحفاظ على الدعم التقليدي لإسرائيل، ومن جهة أخرى يخشى من انقسام قاعدته الشعبوية، خصوصًا قبل انتخابات التجديد النصفي عام 2026م.
كلفة الحرب وسؤال العبء الأمريكي
هنا يظهر على السطح تقرير مشروع “تكلفة الحرب” التابع لجامعة براون، والذي قدر أن الولايات المتحدة قدمت لإسرائيل أكثر من 21 مليار دولار منذ بدء العدوان على غزة، إضافة إلى تعهدات بصفقات سلاح إضافية بقيمة 8 مليارات دولار.
هذه الأرقام تغذي خطابين متوازيين داخل الولايات المتحدة، خطاب ديمقراطي حقوقي يرى أن واشنطن تمول حربًا ذات كلفة إنسانية باهظة، وخطاب يميني شعبوي يرى أن الأموال الأمريكية تُنفق خارج البلاد بينما يعاني الداخل الأمريكي من أزمات اقتصادية واجتماعية.
وبذلك، تتقاطع دوافع مختلفة ضد الدعم غير المشروط لإسرائيل: دوافع أخلاقية لدى اليسار، ودوافع مصالح انعزالية لدى اليمين الشعبوي. وهذا التقاطع لا يعني تحالفًا سياسيًا منظمًا، لكنه يخلق ضغطًا متزايدًا على المؤسسة الأمريكية التقليدية.
انتخابات 2026م وخطر “البطة العرجاء”
يمكن الربط بين تصدع تيار “أمريكا أولًا” واحتمالات انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر 2026م. فإذا تمكن الديمقراطيون من انتزاع أغلبية أحد المجلسين، فقد يتحول دونالد ترامب إلى “بطة عرجاء”، أي رئيس محدود القدرة على تمرير أجندته، ومعرض لتحقيقات وضغوط سياسية متزايدة.
في هذا السياق، يصبح ملف إسرائيل عاملًا انتخابيًا حساسًا. فإذا بالغت الإدارة الأمريكية في دعم إسرائيل، قد تخسر جزءًا من القاعدة الشعبوية الرافضة للتورط الخارجي. وإذا خففت الدعم، قد تصطدم باللوبيات المؤيدة لإسرائيل وبالتيار الإنجيلي والجمهوري التقليدي.
هذا التوازن الصعب يجعل إسرائيل، للمرة الأولى منذ عقود، ليست فقط حليفًا استراتيجيًا، بل عبئًا انتخابيًا محتملًا على بعض السياسيين الأمريكيين.
التداعيات على إسرائيل
-فقدان الغطاء الأمريكي المطلق: أخطر ما تواجهه إسرائيل هو احتمال تراجع الغطاء الأمريكي التلقائي في المؤسسات الدولية، وصفقات السلاح، ومواجهة الضغوط القانونية والحقوقية. صحيح أن التحالف لن ينهار سريعًا، لكن درجة الحصانة السياسية التي تمتعت بها إسرائيل قد تتراجع تدريجيًا.
-تآكل الردع الدبلوماسي: كانت إسرائيل تعتمد على أن خصومها يدركون أن واشنطن تقف خلفها بلا تردد. لكن إذا أصبحت العلاقة محل خلاف داخلي أمريكي، فقد يضعف هذا الردع الدبلوماسي، خصوصًا في الأزمات الطويلة.
-زيادة عزلة إسرائيل داخل الغرب: إذا تغير المزاج الأمريكي، فسيشجع ذلك دولًا غربية أخرى على اتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل. فالولايات المتحدة كانت غالبًا عامل كبح للمواقف الأوروبية والدولية، وأي تراجع أمريكي سيترك إسرائيل أكثر عرضة للضغط.
-أزمة داخل النخبة الإسرائيلية: سياسات بنيامين نتنياهو قد تفتح نقاشًا داخليًا في إسرائيل حول كلفة الارتهان لليمين الأمريكي، وما إذا كانت الحكومة الحالية ضحت بعلاقة استراتيجية طويلة المدى من أجل مكاسب سياسية داخلية قصيرة المدى.
التداعيات على الولايات المتحدة
-إعادة تعريف المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط: تصاعد الجدل حول إسرائيل قد يدفع واشنطن إلى مراجعة أوسع لسياستها في الشرق الأوسط، خاصة في ظل تراجع أهمية المنطقة نسبيًا مقارنة بالمنافسة مع الصين وروسيا.
-انقسام داخلي حول السياسة الخارجية: قضية إسرائيل قد تصبح جزءًا من الانقسام الأمريكي الأوسع بين المؤسسة التقليدية والتيارات الشعبوية والتقدمية. وهذا سيجعل السياسة الخارجية أكثر خضوعًا للحسابات الانتخابية الداخلية.
-تراجع قدرة واشنطن على ادعاء القيادة الأخلاقية: استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل في ظل مشاهد الدمار في غزة يضعف خطاب واشنطن حول حقوق الإنسان والقانون الدولي، خصوصًا في مواجهة خصومها الدوليين.
التداعيات على الفلسطينيين والعرب
-فرصة استراتيجية للفلسطينيين: تآكل الإجماع الأمريكي حول إسرائيل يفتح نافذة سياسية مهمة أمام الفلسطينيين، بشرط امتلاك خطاب موحد وفعال داخل الساحة الأمريكية. فالمزاج الجديد، خصوصًا بين الشباب والجامعات والحركات الحقوقية، قابل للتحول إلى ضغط سياسي مؤثر.
-أهمية العمل داخل الكونجرس: التحول في مواقف المشرعين يثبت أن الكونجرس لم يعد ساحة مغلقة بالكامل أمام الرواية الفلسطينية. لذلك، فإن الاستثمار في التواصل السياسي والحقوقي والإعلامي داخل الولايات المتحدة أصبح ضرورة استراتيجية.
-فرصة للدبلوماسية العربية: يمكن للدول العربية استثمار هذا التحول عبر خطاب لا يكتفي بإدانة إسرائيل، بل يربط بين الاستقرار الإقليمي، وحقوق الفلسطينيين، ومصالح الولايات المتحدة نفسها.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول – احتواء التصدع وعودة الدعم التقليدي: في هذا السيناريو، تنجح المؤسسة الأمريكية واللوبيات المؤيدة لإسرائيل في احتواء الغضب الحالي، خصوصًا إذا توقفت الحرب أو تغيرت الحكومة الإسرائيلية. يبقى الدعم قويًا، لكن مع بعض القيود الخطابية والرمزية، واحتماله متوسط، ودلالته استمرار التحالف، لكن مع ضرر طويل المدى في صورة إسرائيل.
السيناريو الثاني – تقييد تدريجي للدعم العسكري: يتزايد عدد المشرعين المطالبين بربط المساعدات العسكرية بشروط تتعلق بالقانون الدولي وحقوق الإنسان. لا يتوقف الدعم، لكنه يصبح أكثر خضوعًا للنقاش والمراجعة، واحتماله مرتفع، ودلالته نهاية مرحلة الدعم غير المشروط، وبداية مرحلة الدعم المشروط سياسيًا وأخلاقيًا.
السيناريو الثالث – تحول إسرائيل إلى قضية حزبية أمريكية: تزداد الفجوة بين الديمقراطيين والجمهوريين حول إسرائيل، بحيث تصبح أكثر ارتباطًا باليمين الأمريكي. في هذه الحالة، تتغير طبيعة العلاقة تبعًا للحزب الحاكم، واحتماله مرتفع على المدى المتوسط، ودلالته خسارة إسرائيل لأهم عناصر قوتها في واشنطن: الإجماع العابر للحزبين.
السيناريو الرابع – تصدع مزدوج داخل الحزبين: يتوسع النقد داخل الديمقراطيين، ويتصاعد في الوقت نفسه داخل تيار “أمريكا أولًا”. عندها تواجه إسرائيل معارضة من يسار حقوقي ويمين انعزالي في آن واحد، واحتماله متوسط، لكنه بالغ الخطورة، ودلالته تحول الدعم لإسرائيل إلى عبء سياسي داخل قطاعات متعددة من المجتمع الأمريكي.
رؤى استراتيجية للفلسطينيين والعرب
-بناء خطاب موجه للداخل الأمريكي: ينبغي عدم الاكتفاء بخطاب عربي موجه للعرب. المطلوب خطاب سياسي وحقوقي موجه للناخب الأمريكي، يركز على كلفة الدعم العسكري لإسرائيل على دافع الضرائب الأمريكي، والتناقض بين دعم إسرائيل وقيم حقوق الإنسان، وأثر الحرب على مكانة الولايات المتحدة عالميًا، وضرورة ربط المساعدات الأمريكية باحترام القانون الدولي.
-الاستثمار في الجامعات والحركات الشبابية: الأجيال الشابة هي مركز التحول الحالي. لذلك يجب دعم المبادرات الأكاديمية والحقوقية والإعلامية التي تقدم الرواية الفلسطينية بلغة يفهمها الشباب الأمريكي، معتمدة على العدالة، والمساواة، والحرية، ومناهضة التمييز.
-التواصل مع الجناحين المتباينين في أمريكا: ينبغي إدراك أن الاعتراض على دعم إسرائيل يأتي من مصدرين مختلفين: اليسار التقدمي بدافع حقوق الإنسان، واليمين الشعبوي بدافع رفض الإنفاق الخارجي والتورط العسكري. ولكل جمهور لغة مختلفة، فالخطاب الحقوقي يصلح للأول، بينما خطاب الكلفة والمصلحة الأمريكية يصلح للثاني.
-تحويل الأرقام إلى سردية سياسية: الأرقام المتعلقة بالمساعدات الأمريكية لإسرائيل يجب ألا تُعرض كبيانات جافة فقط، بل كسؤال سياسي مباشر: لماذا تُنفق واشنطن مليارات الدولارات على حرب خارجية بينما تواجه أزمات داخلية في الصحة والتعليم والبنية التحتية؟
-دعم مسار تقييد السلاح: التحول داخل مجلس الشيوخ حول صفقات السلاح يمثل فرصة عملية، فيجب التركيز على مطلب واضح وقابل للتسويق سياسيًا: لا مساعدات عسكرية بلا شروط، ولا أسلحة أمريكية تستخدم في انتهاكات ضد المدنيين.
رؤى استراتيجية القرار الأمريكيين
-إعادة تقييم الدعم غير المشروط: على واشنطن أن تدرك أن الدعم المطلق لإسرائيل لم يعد يحمي المصالح الأمريكية تلقائيًا، بل قد يضر بها، خصوصًا إذا ارتبط بانتهاكات واسعة للقانون الدولي.
-الفصل بين أمن إسرائيل وسياسات حكومتها: يمكن للولايات المتحدة أن تؤكد التزامها بأمن إسرائيل، مع رفض سياسات حكومة بنيامين نتنياهو. هذا الفصل ضروري للحفاظ على ما تبقى من التوافق الداخلي الأمريكي.
-ربط المساعدات بالقانون الدولي: وضع شروط ليست عداءً لإسرائيل، بل وسيلة لحماية المصالح الأمريكية ومنع التورط في أزمات أخلاقية وقانونية.
-منع تحول إسرائيل إلى قضية حزبية: إذا استمر ربط إسرائيل باليمين الأمريكي، فإن العلاقة ستصبح أكثر هشاشة. لذلك تحتاج واشنطن وتل أبيب إلى إعادة بناء جسور مع الديمقراطيين والشباب والأقليات، وهي مهمة باتت أكثر صعوبة بعد حرب غزة.
ختاما
يمكن القول إن سياسات بنيامين نتنياهو أحدثت ضررًا استراتيجيًا عميقًا بصورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة. فالمشكلة لم تعد فقط في حجم الدمار في غزة، بل في أن إسرائيل باتت تُرى من قبل قطاعات متزايدة من الأمريكيين باعتبارها دولة تستنزف الدعم الأمريكي، وتحرج واشنطن أخلاقيًا، وتورطها في صراعات لا تنتهي.
هذا لا يعني أن التحالف الأمريكي-الإسرائيلي على وشك الانهيار. فالمؤسسات العسكرية والاستخباراتية واللوبيات السياسية والعلاقات الاقتصادية والدينية ما تزال قوية. لكن ما يتغير هو البيئة السياسية المحيطة بهذا التحالف. فقد أصبح الدفاع عن إسرائيل أصعب، وتبرير الدعم غير المشروط لها أكثر كلفة، وانتقادها أقل خطورة سياسيًا مما كان عليه في السابق. والأهم أن التحول يجري داخل الأجيال الصاعدة. وهذا يعني أن إسرائيل قد لا تواجه أزمة فورية في واشنطن، لكنها تواجه أزمة مستقبلية في المجتمع الأمريكي نفسه.
تكشف التحولات عن لحظة مفصلية في تاريخ العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية. فالدعم الأمريكي لإسرائيل لم يعد ثابتًا سياسيًا مطلقًا، بل أصبح موضوعًا للنقاش والمساءلة والانقسام.
لقد راهن بنيامين نتنياهو على القوة العسكرية، وعلى الدعم الأمريكي التقليدي، وعلى تحالفه مع اليمين الأمريكي. لكنه، وفق المؤشرات الحالية، أسهم في إضعاف أهم رصيد استراتيجي لإسرائيل وهو صورتها داخل الولايات المتحدة كحليف يحظى بإجماع الحزبين.
وإذا استمر هذا المسار، فإن إسرائيل قد تجد نفسها خلال السنوات المقبلة أمام واقع جديد مفاده دعم أمريكي أقل تلقائية، وكونجرس أكثر مساءلة، وحزب ديمقراطي أكثر نقدًا، ويمين شعبوي أكثر تحفظًا، وأجيال أمريكية شابة لا ترى إسرائيل كما رآها آباؤهم.
بذلك، فإن الأزمة ليست أزمة علاقات عامة عابرة، بل تحول بنيوي في البيئة السياسية الأمريكية. وقد يكون ما يجري اليوم بداية انتقال تاريخي من مرحلة “الدعم غير المشروط” إلى مرحلة “الدعم المشروط والمكلف سياسيًا”.
أحدث المنشورات
- إسرائيل بين “التفوق المطلق” وإشكالية الأمن الدائم: حرب 1967م وحرب أكتوبر 1973م وتحديات غزة وإيران المعاصرة
- “العيون الخمسة” وإسرائيل: هندسة الهيمنة الرقمية العالمية
- العامل الأذربيجاني في الصراع الإيراني ــ الإسرائيلي
- من الإجماع إلى التصدّع: سياسات نتنياهو تحوّل الدعم الأمريكي التقليدي إلى عبء سياسي
- أهمية العمق الاستراتيجي في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر!
- إسرائيل على مفترق طرق”: تداعيات تمرير قانون حل الكنيست على الاستقرار السياسي والجبهة الداخلية
- أمن الطاقة وأُثره على قطاع السياحة في تركيا.
- صمود إيران بطعم النصر وهجوم إسرائيلي بطعم الفشل
الإثنين, 8 يونيو
