كتب: حسين محمود التلاوي
الملخص: تسعى إثيوبيا إلى نقل صراعها مع جبهة تحرير شعب تيجراي إلى مسارات أخرى، غير المسار الميداني، وتضع إستراتيجية قائمة على الإعلام والدبلوماسية والسياسة في محاولة لتحقيق مكسب عجزت عن تحقيقه عسكريًّا، في ظل استمرار التوتر في الإقليم وتساوي احتمالية بقاء الوضع كما هو مع احتمالية انفجاره.
يتصاعد التوتر في إقليم تيجراي بين جبهة تحرير شعب تيجراي والدولة الإثيوبية، لكن المسئولين الإثيوبيين يعلمون أن المواجهة الميدانية سوف تكلف الدولة كثيرًا، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على مستويات أخرى عدة؛ من بينها عودة التركيز الدولي على الانتهاكات الحقوقية التي تمارسها الأطراف المتحاربة في الإقليم؛ بما فيها الجيش الإثيوبي والقوات الداعمة له، بالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية المتعددة.
لذلك تسعى الدولة الإثيوبية إلى فتح مسارات جديدة للمواجهة مع جبهة تحرير شعب تيجراي، تتلافى المواجهة العسكرية، ويمكن استثمار أية مكاسب تنتج منها في فرض واقع سياسي يحقق ما قد يعجز الميدان عن تحقيقه. وتسير هذه الاستراتيجية البديلة في عدة مسارات؛ هي الإعلامي، والدبلوماسي، والسياسي.
وتهدف هذه الورقة إلى تتبع هذه المسارات ومعرفة مدى فاعليتها في المواجهة بين الدولة الإثيوبية والجبهة.
خلفيات الصراع ووالواقع الميداني الحالي
لكن قبل الحديث عن استراتيجية الدولة الإثيوبية، يكون من المفيد إلقاء نظرة على الخلفيات القريبة للصراع.
تعود خلفيات الصراع بين الدولة الإثيوبية والجبهة إلى عقود؛ حيث حكمت الجبهة إثيوبيا من 1991 إلى 2018، ضمن ائتلاف الجبهة الثورية الديمقراطية، لكنها فقدت نفوذها مع صعود آبي أحمد وتفكيك الائتلاف. بعد ذلك تفاقم التوتر إثر تأجيل أحمد للانتخابات 2020، في الوقت الذي أصرت فيه تيجراي على إجرائها محليًّا معتبرة التأجيل تمديدًا غير شرعي من أحمد لنفسه، وفازت الجبهة بتلك الانتخابات التي نظمتها. اعتبرت أديس أبابا ذلك تحديًا لشرعيتها، واعتبرت الجبهة أن رئيس الحكومة يستهدفها سياسيًّا، وانفجرت مواجهة عسكرية بين الجانبين.
في 4 نوفمبر 2020 اندلعت المواجهات بين الجانبين؛ حيث وجه آبي أحمد اتهامات إلى قوات الجبهة بمهاجمة قاعدة عسكرية للجيش الفيدرالي في إقليم تيجراي والاستيلاء على أسلحة، واستمرت الحرب نحو عامين، إلى أن جرى توقيع اتفاق بريتوريا بين الجانبين في 2 نوفمبر 2022 بوساطة الاتحاد الأفريقي في جنوب أفريقيا.
نصَّ الاتفاق على الوقف الفوري لإطلاق النار، ونزع سلاح قوات تيجراي مقابل إعادة سلطة الحكومة الفيدرالية للإقليم واستئناف الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية، مع تعهد بمعالجة قضايا العدالة الانتقالية. وعلى الرغم من أن الاتفاق أوقف القتال، فإن تطبيقه الكامل تعثر لاحقًا، واستمرت الأسباب الرئيسية للصراع دون حل.
وفي التطورات الميدانية الراهنة أفادت مصادر إعلامية إثيوبية بأن الجيش الإثيوبي قصف بطائرات مسيّرة رتلاً من المركبات القتالية التابعة لقوات دفاع تيجراي أوائل يونيو الماضي، في منطقة جبل قمهلو الواقع بين بادمي الإريترية وشيرارو الإثيوبية؛ مما أدى إلى تدمير 9 آليات ومقتل من كانوا على متنها. وذكرت المصادر أن القوات الإريترية تنتشر بكثافة في المنطقة الحدودية الجنوبية الغربية بين إثيوبيا وإرتريا، وتحديدًا عند شبشبيت وأم حجر وجبل سرارات مضيفةً أن إريتريا أغلقت الحدود مع إثيوبيا عند إقليم تيجراي.
استراتيجية ومسارات
ولكي تتجنب الدولة الإثيوبية تكرار السيناريو، صاغت استراتيجية متعددة المسارات للمواجهة خارج ساحة الحرب، ويمكن بلورتها كما يلي.
أولًا: المسار الإعلامي
من المعلوم عن الدولة الإثيوبية؛ وبوجه خاص في حكومة “آبي أحمد”، أنها تنظم حملات إعلامية موسعة لمخاطبة الداخل والخارج في قضايا بعينها. ولم تتخل الدولة عن هذه الاستراتيجية في أزمة إقليم تيجراي؛ حيث وضعت مخططًا إعلاميًّا ذي شقين.
الشق الأول يركز على تلميع صورة الدولة باستغلال أحداث داخلية؛ مثل الانتخابات التشريعية والترويج لنزاهتها ودلالتها على استقرار إثيوبيا، على الرغم من عدم إجرائها في بعض المناطق بسبب الاضطرابات الأمنية. كذلك تستغل أجهزة الدولة في إثيوبيا لقاءات خارجية اعتيادية لرئيس الحكومة، وتحولها إلى دلالة على نجاح إثيوبيا في بناء علاقات دولية فعالة. ويهدف هذا الشق إلى الترويج إلى أن الحكومة تشير بخطى جيدة، وأن اتهامات أهل إقليم تيجراي للحكومة بتهميشهم ليست صحيحة.
يهدف الشق الثاني في هذه الاستراتيجية الإعلامية إلى ما يمكن تسميته “شيطنة” جبهة تحرير تيجراي؛ حيث تركز وسائل الإعلام الرسمية الإثيوبية على الاتهامات الموجهة للجبهة بارتكاب انتهاكات خلال المواجهات مع القوات الحكومية، مع تجاهل أن تلك الاتهامات توجَّه إلى طرفي الحرب؛ أي إلى الحكومة الإثيوبية والجبهة معًا.
وتستغل إثيوبيا في الحملة الإعلامية ضد معارضيها تيجراي شخصيات من الإقليم تساند الحكومة، وتكيل الاتهامات للجبهة؛ وفي مقدمتها جيتاتشو رضا القائد السابق في الجبهة، الذي انشق عنها، وانضم إلى المعسكر الحكومي، ويعمل حاليًّا في منصب مستشار رئيس الحكومة لشئون شرق إفريقيا.
ثانيًا: المسار الدبلوماسي
لا تنفصل الأزمات في إفريقيا سواء كانت إقليمية أو داخلية عن الأزمات الدولية. وفي ظل المواجهات الحالية في الخليج، والتي تتراوح بين العسكرية والسياسية، تبرز الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي؛ ومن أهم أبعادها الإشراف على مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية عالميًّا، وقربها الجغرافي من اليمن؛ حيث جماعة أنصار الله المعروفة باسم “جماعة الحوثيين”، الحليف القوي لإيران.
لهذه الأسباب بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل مجموعة من الخطوات الشاملة لتوطيد علاقاتهما في المنطقة؛ وهي الخطوات التي تضمنت إجراءات سياسية ودبلوماسية.
من بين الإجراءات الأمريكية في القرن الإفريقي رفع حظر تصدير السلاح إلى إثيوبيا؛ وهي خطوة لافتة تعكس مدى اهتمام واشنطن بتطوير العلاقات مع أديس أبابا. وبوجه عام، تستفيد الولايات المتحدة من إثيوبيا في عدد من الملفات؛ أبرزها التواجد الاستخباري في شرق القارة الإفريقية؛ وهو أمر رئيسي في الحرب على الإرهاب، إلى جانب الوجود قرب حدود مصر الجنوبية، والتحرك في السودان وجنوب السودان، والتواجد البري بالقرب من مضيق باب المندب، وأخيرًا وليس آخرًا الوجود في الدولة مقر الاتحاد الإفريقي. كان الحظر بسبب الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الإثيوبية في إقليم تيجراي خلال الحرب الأخيرة؛ ومن ثم يمثل رفع الحظر ورقة رابحة يمكن أن تستغلها الدولة الإثيوبية في نفي تهمة ارتكاب انتهاكات عن نفسها.
ولم تكتف الولايات المتحدة بهذا الإجراء نحو إثيوبيا، بل منعت إصدار تأشيرات لقادة في جبهة تحرير شعب تيجراي، بداعي انتمائهم إلى “الجناح المتشدد”، وعدم تعزيزهم فرص إحلال السلام في الإقليم. مثلت هذه الخطوة دعمًا لسردية الدولة الإثيوبية في مواجهة الجبهة، وعنصر تعزيز للصورة التي تروجها إثيوبيا عن نفسها باعتبارها “دولة قوية التحالفات”.
ثالثًا: المسار السياسي
تسعى الحكومة الإثيوبية إلى الضغط على جبهة تحرير شعب تيجراي؛ بحيث تجبر الجبهة على أن تكون من يبدأ التحرك العسكري، إن تطور الوضع إلى الصراع المسلح. يجعل هذا، حال حصوله، أية عملية عسكرية موسعة للدولة الإثيوبية تبدو في إطار رد الفعل؛ الأمر الذي يرفع الكثير من الضغوط الدولية عن إثيوبيا، بل قد يمنحها دعمًا دوليًّا.
ومن ملامح الضغط السياسي عدم تنفيذ مقررات مؤتمر بريتوريا كاملةً؛ حيث مُنِعت الجبهة من المشاركة في الانتخابات الأخيرة؛ مما أعاد إلى الأذهان أجواء حرب 2020. يضاف إلى ذلك تصعيد منسوب التوتر مع إريتريا لتظهر جبهة تحرير شعب تيجراي بمظهر المتماهية مع أهداف “العدو”، وهو إريتريا، في ضرب الدولة الإثيوبية.
كذلك تواصل إثيوبيا الضغط الإنساني على إقليم تيجراي؛ فلا يزال الإقليم يواجه أزمة إنسانية خانقة؛ حيث يعاني النازحون في المخيمات من نقص حاد في الغذاء والدواء، وسط قيود مفروضة على وصول المساعدات وتراجع الدعم الدولي.
الختام
على الرغم من أن الاستراتيجية الإثيوبية هذه تسير على أكثر من مسار، وتلقى الدعم الدولي؛ مثلما هو الحال في التحركات الأمريكية الأخيرة، لا تزال جبهة تحرير شعب تيجراي تتمسك بضبط النفس، وعدم الانسياق وراء المخططات الإثيوبية، لكنها، في الوقت نفسه، تبقى على أهبة الاستعداد لاحتمالات المواجهة العسكرية مع الدولة الإثيوبية.
وبينما تسير الأمور نحو الثبات وعدم التصعيد، يبقى من المحتمل انفجار الأمور بغتة، نتيجة خطأ في الحسابات من أي طرف، أو تغير حسابات القوى الدولية الفاعلة في الإقليم نتيجة تغير بعض الظروف الإقليمية أو الدولية.
