ولاء عبد المرضي
بلانتير جوثام هو أحد الأنظمة الثلاثة التي قامت بها شركة بالانتير للتكنولوجيا ) Palantir Technologies) وهي شركة برمجيات أمريكية متخصصة في تحليلات البيانات الضخمة، يقع مقرها الرئيسي في دنفر، كولورادو، وقد أسسها بيتر ثيل وشركاء أخرون عام 2003. وهذه الشركة لها علاقات قوية بالمجمع الصناعي العسكري الإسرائيلي، تشتهر الشركة بثلاثة مشاريع على وجه الخصوص: بلانتير جوثام، وبلانتير ميتروبوليس، وبلانتير فاوندري.
يتم استخدام نظام بالانتير جوثام في مكاتب مكافحة الإرهاب التابعة لمكاتب الاستخبارات الأمريكية ووزارة الدفاع، ويقوم بتحليل البيانات العسكرية، مما يجعل له دورًا محوريًّا في تحديد الأهداف، من خلال دمج كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية، تشمل صور الأقمار الصناعية واعتراضات الاتصالات والمراقبة الجوية، وتحويلها إلى قوائم أهداف جاهزة للتنفيذ .
وقد تم استخدام نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة بالفعل لتسريع ما يُعرف بـ«سلسلة القتل»، وهي العملية التي تبدأ برصد الهدف وتنتهي بتدميره، حيث لها دور كبير في تقليل الزمن اللازم لاتخاذ القرار من أيام أو أسابيع إلى ساعات فقط. وقد تم الاعتماد على هذا النظام بالفعل في الحرب الأخيرة على إيران من خلال تنفيذ حوالي 900 ضربة خلال أول 12 ساعة، وتحديد أكثر من 2000 هدف خلال الأيام الأولى للحرب.
ولم يكن عامل السرعة متاحاً في الحروب التقليدية، فكانت الحروب التقليدية تعتمد على التحليل البشري البطيء في تحديد الأهداف ورصدها والتعامل معها، بينما اليوم في ظل استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي أصبح الأمر أكثر سرعة في الوقت والتحليل والرصد، وكذلك اختيار نوع السلاح المناسب وكذلك تقدير الأضرار المحتملة.
وفي إطار هذا التطور التكنولوجي الكبير يظل هناك جدل كبير بين شركات التكنولوجيا المختلفة في الولايات المتحدة حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، خاصة مع ظهور خلافات بين شركات التكنولوجيا والحكومة بشأن القيود الأخلاقية على استخدام هذه التقنيات، مثلما حدث الاختلاف بين شركة أنثروبك، التي انتجت نموذج “كلود Claude”، الذي يُعتبر أحد أجزاء منظومة بلانتير جوثام، وبين وزارة الدفاع الأمريكية، فيما يتعلق بعدم السماح باستخدام نموذجها في مجالين رئيسيين، توجيه الضربات بدون تدخل بشري في اتخاذ قرار الضرب، والاستخدام في مراقبة البشر وانتهاك خصوصياتهم.
الجدير بالذكر أنه هناك تقرير يشير إلى أن الجيش الأمريكي استخدم مساعد الذكاء الاصطناعي “كلود” التابع لشركة “أنثروبك” في عملية للقبض على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في يناير.
وفي سياق استخدام نظام جوثام بما فيه من تقنيات كبيرة ودقيقة، نجد أن توماس فريدمان، الكاتب والمحلل السياسي في صحيفة نيويورك تايمز، قد أشار إلى أن الخطر الكبير اليوم هو استحداث وابتكار أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تهديد البنية التحتية العالمية. وقد تحدث عن الإعلان الذي أصدرته شركة أنثروبك فيما يخص النموذج الجديد الذي ابتكره فريقها “كلود ميثوس بريفيو ” بأن هذا الابتكار لا يكتفي بكتابة البرمجيات أو تحسينها، بل لديه قدرة متطورة على اكتشاف ثغرات أمنية خطيرة في الأنظمة الأخرى مهما كانت معقدة ومتطورة، مثل متصفحات الإنترنت وأنظمة التشغيل التي تعتمد عليها مرافق حيوية مثل شبكات الكهرباء والمياه والمطارات والمستشفيات وحتى الأنظمة العسكرية.
وهذا يعني أن الخطورة تكمن في أن هذا النظام صُمم في الأساس لتعزيز الأمن السيبراني، ولكن كما أن لكل علم وتطور وجه يوظف في الخير وآخر في الشر، فإن هذا التطور قد يتحول ويصبح طريقة ونظام غير مسبوق للاختراق والتخريب. بدلًا من أن يكون وسيلة لحماية الأنظمة، ويمكن أن يمنح جماعات إرهابية أو جهات معادية القدرة على تعطيل أو اختراق بُنى سيادية وحيوية في دول مختلفة بجهد محدود وتكلفة زهيدة.
نظام “بلانتير جوثام” في إسرائيل:
يُعتبر نظام جوثام من أكثر الأدوات التكنولوجية إثارة للجدل والاهتمام في الأوساط الأمنية والتقنية في إسرائيل، حيث أنه منصة لاستخبارات الإشارات (SIGINT) والبيانات الضخمة (Big Data). وهو محرك البحث الخاص بـ CIA الذي تستخدمه الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، يقوم النظام بربط نقاط البيانات التي تتعلق بالهواتف، أو لوحات تراخيص، أو سجلات السفر، أو العلاقات الاجتماعية؛ وذلك لإنشاء صورة استخباراتية شاملة. وقد كشفت صحيفة هآرتس (הארץ) استخدام تقنيات مشابهة أو تابعة لبلانتير في تحليل البيانات المتعلقة بالضفة الغربية وغزة للتنبؤ بالعمليات الفردية، ما يسمى “التنبؤ الشرطي”. بينما على الجانب الهندسي للنظام نفسه يعتبرونه ليس مجرد قاعدة بيانات، بل هو نظام ( Semantic Integration) تكامل دلالي، ولديه قدرة كبيرة على دمج بيانات غير هيكلية مثل الصور، النصوص، الفيديوهات، وتحويلها إلى أهداف يسهل تعقبها على الخريطة. ويتم استخدام “جوثام” داخل الوحدة 8200 ولكن تحت رقابة عسكرية مشددة.
الجدير بالذكر أنه هناك اتفاقية موقعة بين وزارة الدفاع الإسرائيلية وشركة بلانتير في أوائل عام 2024 لتعزيز القدرات العملياتية خلال الحرب، حيث عقد مجلس إدارة شركة بلانتير اجتماعه الأول في إسرائيل والتقى أليكس كارب الرئيس التنفيذي، بمسؤولين في وزارة الدفاع الإسرائيلية، ومنهم دانيال جولد رئيس إدارة تطوير الأسلحة والبنية التحتية التكنولوجية.
تضمنت اتفاقية الشراكة ما يلي:
- الاتفاق على استخدام منصات بلانتير بكل أنظمتها المتقدمة لدعم المهام المتعلقة بالحرب.
- التركيز – لأول مرة – على إدخال منصة الذكاء الاصطناعي (Palantir AIP) التي يمكنها دمج نماذج لغوية ضخمة مع البيانات الاستخباراتية لمساعدة قيادات الوحدات العسكرية في سهولة اتخاذ قرارات سريعة أثناء الحرب.
- استخدام نظام جوثام لربط المعلومات الواردة من الطائرات بدون طيار، وأجهزة الاستشعار، والمصادر البشرية وذلك لسهولة تحديد الأهداف بدقة عالية.
ختامًا:
تُشكل إسرائيل اليوم مختبرًا في تجارب أنظمة الذكاء الاصطناعي ووضع هذه الاختبارات ضمن أبعاد استراتيجية لها، حيث انتقلت من التركيز على مجرد التحسين التقني إلى الاعتماد الكلي على الأنظمة الخوارزمية في مجالات الأمن السيبراني، الاستخبارات، والمنظومات الدفاعية. وإن هذا التسارع لم يقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل امتد ليخلق بيئة حاضنة للشركات الناشئة التي تدمج بين الابتكار المدني والخبرة العملياتية، مما جعل هذه التكنولوجيا ركيزة أساسية في صياغة مفهوم الأمن القومي وتفوقها التكنولوجي في المنطقة، وسط نقاشات دولية متزايدة حول أخلاقيات هذه التقنيات وحدود استخدامها في النزاعات الحديثة.
