د/محمد أحمد صالح
مقدمة
يعتمد بنيامين نتنياهو في خطابه السياسي على توظيف مكثف للنصوص الدينية، خاصة من التوراة، ليس بوصفها مرجعية دينية فقط، بل كأداة استراتيجية لإعادة تعريف الصراع، وبناء الشرعية، وتحفيز الجمهور داخليًا وخارجيًا.
وعلى هذا النحو خطاب بنيامين نتنياهو الديني ليس مجرد زخرفة لغوية، بل هو أداة استراتيجية لإعادة هندسة الواقع السياسي عبر التاريخ والدين والنفس، وفي المقابل، فإن ردود الإعلام العربي والغربي ليست مجرد تغطية، بل هي جزء من معركة أوسع وأرحب: معركة الرواية والسردية (Narrative Warfare).
من هنا تكشف هذه الورقة أن هذا التوظيف ليس عفويًا بل ممنهج وموجّه، ويعمل على ثلاثة مستويات: نفسي، وسياسي، وإعلامي، ويخلق استقطابًا عالميًا في تفسير الصراع، من هنا تستند هذه الورقة على نصوص وخطابات وتحليلها.
الإطار النظري – الدين كأداة قوة ناعمة
-من الإيمان إلى الشرعية السياسية: الدين هنا يتحول من منظومة قيم إلى أداة تبرير سياسي، ليلعب عدة وظائف أساسية، منها إضفاء قداسة على القرار السياسي، وتحصين الخطاب ضد النقد، وتحويل الصراع إلى قدر تاريخي.
-السردية الكبرى (Meta-Narrative Engineering): يعتمد نتنياهو على وعد إبراهيم، ودخول يشوع بن نون فلسطين، واستمرارية التهديد، وهذا يشكل “خطا زمنيا مقدسا” يربط الماضي بالحاضر.
إعادة تعريف الصراع (Strategic Reframing)
-من صراع سياسي إلى صراع وجودي: باستخدام مفاهيم مثل: “عماليق”، و”شعب يسكن وحده”، يتم نقل الصراع من نزاع قابل للحل إلى معركة صفرية (Zero-sum conflict).
-نزع الإنسانية (Dehumanization Mechanism): عندما يُشبَّه الخصم بـ”كيان تاريخي شرير” يتم تقليل التعاطف والحد من الانحياز، وتبرير العنف، وإلغاء الحلول الوسط.
التأثير النفسي الجماعي
-تفعيل عقلية الحصار: عبر استخدام تراكيب جاهزة ومتكررة “العالم ضدنا”، و”نحن وحدنا”، لتكون النتيجة تماسك داخلي عالي، وقبول قرارات متشددة.
-تقليل التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance): عندما يُربط القرار بـ”واجب ديني” يصبح الاعتراض ليس سياسيًا فقط، بل أخلاقيًا.
الاستراتيجية الإعلامية متعددة الطبقات
-الرسالة الداخلية (داخل إسرائيل): تعزيز الهوية، وتعبئة الجمهور، وخلق إجماع.
-الرسالة الخارجية (الغرب): استخدام نصوص من العهد القديم، ومخاطبة المسيحيين الإنجيليين، لتحقيق التعاطف الدني والعام، والدعم السياسي المباشر وغير المباشر.
ردود الفعل الإعلامية – صراع السرديات
-الإعلام العربي: يركّز على تفكيك الشرعية الدينية، وإعادة تعريف الصراع كـ”احتلال”، والاستناد إلى الأمم المتحدة، لتصبح الاستراتيجية: تفكيك+ إعادة تأطير+ شحن عاطفي مضاد.
-الإعلام الغربي:
-التيار الليبرالي (مثل BBC): تحليل الخطاب، ونقد ضمني.
-التيار المحافظ: تفهم أو دعم، واعتبار الخطاب جزءًا من الهوية.
-التيار الأكاديمي: تحليل فاتر، ودراسة استخدام الدين كأداة.
ميزان التأثير
-نقاط القوة في خطاب نتنياهو: بسيط وقوي عاطفيًا، ومتجذر تاريخيًا، وفعال في الأزمات.
-نقاط الضعف: يزيد الاستقطاب، ويقلل فرص التسوية، ويُنتج ردود فعل مضادة قوية.
السيناريوهات المستقبلية
-السيناريوالأول – تصعيد ديني مستمر: زيادة استخدام النصوص، وتحول الصراع إلى ديني بالكامل.
-السيناريوالثاني – توازن براجماتي: تقليل الخطاب الديني خارجيًا، والحفاظ عليه داخليًا.
-السيناريو الثالث – ارتداد عكسي: فقدان التأثير بسبب النقد الدولي، وتغير المزاج العالمي.
توصيات استراتيجية إلى
-الإعلام العربي: الانتقال من رد الفعل إلى بناء سردية مضادة متماسكة.
-الباحثين: تحليل الخطاب كأداة نفسية وليس فقط سياسية.
-صناع القرار: فهم أن الصراع لم يعد فقط على الأرض بل على المعنى والسردية.
استشهادات توراتية في خطابات نتنياهو
يقدم هذا المحور نص الاستشهاد التواتي، ومصدره، وأين استُخدم، وتفسيره السياسي والنفسي، مع الإشارة إلى أن نتنياهو يوظف استشهادات تتعلق بالوعد، والصراع، والهوية، ويتجاهل استشهادات تتعلق بالنقد، والتسامح. كما يحدد هدفه وفق الجمهور المستهدف، فحينا يكون خطابه داخليا يتحدث عن عماليق ويوشع بهدف التعبئة وغثارة الخوف، وحينما يكون خطابه خارجيا-دوليا يتحدث عن إشعياء بهدف إحداث التوازن بين القوة ورسم صورة سلمية، وحينما يكون خطابه سياسيا يكون هدفه البحث عن الشرعية التاريخية. وهكذا يحول نتنياهو الاستشهادات الدينية إلى “أدوات”، لا لتكون مرجعا دينيا فقط بل كإطار تفسير للواقع السياسي. أي أن الاستشهادات التوراتية في خطاب بنيامين نتنياهو ليست مجرد اقتباسات دينية، بل هي أدوات استراتيجية لإعادة تعريف الشرعية، والعدو، وطبيعة الصراع.
ومن الاستشهادات التي كررها نتياهو في مناسبات مختلفة داخلية وخارجية، في إسرائيل وخارجها، على منصة الأمم المتحدة وعلى منصة الكونجرس الأمريكي:
-“لنسلك أعطي هذه الأرض” (التكوين 12:7): وظفها نتياهو سياسيا فأشار إليها في عدة خطابات، منها: خطاب الكونجرس الأمريكي عام 2015م، ليشير إلى- مايعتبره- العلاقة “الأزلية” بين بني إسرائيل والأرض، ليعني التوظيف السياسي تحويل الأرض من “قضية نزاع” إلى “حق مُسبق”، ويعني التوظيف النفسي خلق شعور بأن التخلي عن الأرض يعني التخلي عن الوعد الإلهي.
-“شعب يسكن وحده وبالأمم لا يُحسب” (العدد 23:9): وظفها نتياهو سياسيا فأشار إليها في خطاب الأمم المتحدة عام 2015م، ليشير إلى تبرير العمل الأحادي ورفض الضغوط الدولية، ويعني التوظيف النفسي تعزيز “عقلية الحصار”، وأن العالم ليس مرجعًا أخلاقيًا.
-“اذكر ما فعله بك عماليق” (التثنية 25:17): وظفها نتياهو سياسيا فأشار إليها في عدة خطابات، منها خطاباته في مؤسسة “יד ושם ياد فاشيم”، التي تعنى بتخليد ذكرى ضحايا الهولوكوست، وحفظ أسمائهم وقصصهم، فضلا عن خطاباته بعد أحداث السابع من أكتوبر عام 2023م، بهدف تحويل الخصم إلى تهديد وجودي مطلق، ويعني التوظيف النفسي إزالة التعاطف، وتبرير أقصى درجات القوة، وهذا أخطر استشهاد توراتي لأنه يُحوّل الصراع إلى “لا يقبل التسوية”.
-“لا ترفع أمة على أمة سيفًا” (إشعياء 2:4): وظفها نتياهو سياسيا فأشار إليها في خطابه بالأمم المتحدة عام 2012م، بهدف تقديم إسرائيل كدولة سلام، كما وظفها استراتيجيًا ليقول أن إسرائيل تعني القوة والسلام.
-“يشوع ودخول “أرض الميعاد” (يشوع: بداية دخول 3–4، وتثبيت الدخول والانتصارات 5–12، والاستقرار وتقسيم الأرض 13–21): تكرر استهادات نتنياهو بهذه الفقرات في خطابات داخلية وسياسية، فوظفها سياسيًا بهدف تحويل الدولة الحديثة إلى امتداد تاريخي، وعلى المستوى النفسي يهدف إلى إحساس “العودة الطبيعية” وليس “الاستيطان”.
-“السيف لا يفارق بيتك..” (رمزية التهديد المستمر) بصياغة مختلفة (صموئيل الثاني 12:10): ليس اقتباسًا حرفيًا دائمًا، بل توظيف رمزي في الخطاب، يفسر سياسيًا بأنه تبرير عسكرة الدولة، ونفسيا بتوظيف “الخطر الدائم” لدعم دائم للقيادة.
تقييم نقدي
-نقاط القوة: تمنح الاستشهادات التوراتية خطاب نتنياهو عمقًا تاريخيًا، ويعزز تماسكه الداخلي، وتقنع جمهورًا متدينًا عالميًا.
-نقاط الإشكال: يخلط نتنياهو في خطاباته بتوظيف الاستشهادات التوراتية بين الدين والسياسة، مايصعّب الحلول السياسية، ويفتح الباب لتفسيرات متطرفة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version