د. محمد محسن أبو النور
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية بمركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم
مقدمة
شكلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتي اندلعت في صباح 28 فبراير 2026م، منعطفا مهما في مسار تطور النظامين الإقليمي والدولي، ليس فقط بحكم حجم العمليات العسكرية التي رافقتها، وإنما أيضا بفعل ما أحدثته من تحولات في إدراك القوى الكبرى والإقليمية لطبيعة توازنات القوة ومعادلات الاستقرار في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من أن الحرب جاءت في سياق سعي لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإيران والحد من قدراتها الإستراتيجية، إلا أن انتهائها عبر اتفاق سياسي بين واشنطن وطهران تم الإعلان عن التوصل إليه في مساء 14 يونيو 2026م، تزامنا مع عيد الميلاد الـ80 للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يفتح المجال أمام تساؤلات أوسع تتجاوز نتائجها المباشرة، لتمس على نحو أعمق مستقبل الموقع الذي من المحتمل أن تشغله إيران داخل النظام الدولي خلال المرحلة المقبلة.
ولقد كشفت الحرب عن مفارقة مهمة، فبالرغم من تعرض إيران لخسائر اقتصادية وعسكرية وضغوط غير مسبوقة، إلا أنها نجحت في الحفاظ على تماسك مؤسساتها السياسية والأمنية ومنع تحول الضغوط الخارجية إلى انهيار داخلي أو تغيير للنظام، كما أثبتت أن إيران لم تعد مجرد ملف إقليمي يمكن التعامل معه ضمن ترتيبات الشرق الأوسط التقليدية، وإنما تحولت إلى قضية ترتبط مباشرة بتوازنات القوى العالمية، وأمن الطاقة الدولي، ومستقبل التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، خاصة بعد استخدامها ورقة مضيق هرمز للمحافظة على بقاء نظامها السياسي.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، حيث يتراجع نموذج الهيمنة الأحادية لصالح أنماط أكثر تعقيدا من التوازنات والتحالفات المرنة، وفي هذا السياق تبرز إيران باعتبارها إحدى الدول القليلة التي تمتلك في الوقت نفسه مقومات التأثير الجيوسياسي العالمي، والقدرات العسكرية المتطورة، والموارد الطاقوية الضخمة، والعلاقات المتشابكة مع القوى الدولية الصاعدة.
في ضوء تلك الاعتبارات وبحكم أن مصر من الدول المستوردة للطاقة ومرتبطة عضويا بأمن الخليج العربي، وأمن ممرات الملاحة في الإقليم بدءا من هرمز وحتى باب المندب، فإن المصلحة المصرية العليا في مرحلة ما بعد الحرب تتمثل في تجنب سياسات تؤدي إلى الانخراط في التوتر، والعمل على تعزيز موقع مصر كقوة توازن إقليمي، والاستفادة من التحولات الجارية لإعادة بناء دور مصري أكثر تأثيرا في معادلات الشرق الأوسط، ذلك أنه كلما اتجه النظام الدولي نحو مزيد من التعددية والمرونة، ازدادت أهمية الدول القادرة على الجمع بين الاستقرار الداخلي، والقدرة على المناورة الدبلوماسية، والاستقلال النسبي في صنع القرار، وهي مقومات تمتلك مصر فرصا حقيقية لتعزيزها خلال المرحلة المقبلة.
وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الحرب لم تنه الدور الإيراني الإقليمي بل أعادت تعريفه وتعزيزه في آن واحد معا، وبرهان ذلك نجاح إيران في استخلاص إقرار أمريكي بوحدة الساحات من خلال تضمين لبنان في اتفاق إنهاء الحرب، وهنا فإن المسألة الأساسية لم تعد تتعلق ببقاء النظام الإيراني أو سقوطه، وإنما بطبيعة الموقع الذي ستشغله إيران داخل النظام الإقليمي والدولي المحتمل بعد الحرب.
فهل ستنجح طهران في توظيف نتائج تلك الحرب للتحول إلى قوة تتجاوز حدودها الإقليمية التقليدية، أم أن الأعباء الاقتصادية والعقوبات وتكاليف إعادة الإعمار ستفرض عليها مسارا طويلا من الاستنزاف النسبي؟!
تسعى هذه الورقة إلى استشراف مستقبل الأوضاع في إيران، وتأثيراتها على المصالح المصرية، واقتراح أنماط التموضع الأكثر ملاءمة لمصر في بيئة إقليمية ودولية تتشكل ملامحها من جديد.
أولا: محددات موقع إيران في النظام الدولي بعد الحرب
لا يمكن التنبؤ بموقع إيران في النظام الدولي المحتمل بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية (28 فبراير 2026م ــ 14 يونيو 2026م) من خلال النتائج العسكرية المباشرة وحدها، لأن التجارب التاريخية تشير إلى أن مكانة الدول في النظام الدولي لا تتحدد فقط بما تحققه أو تخسره في ساحات القتال، وإنما بقدرتها على تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية واقتصادية وإستراتيجية مستدامة، ومن ثم فإن استشراف مستقبل إيران يقتضي النظر إلى مجموعة من المحددات المتداخلة التي ستشكل معا طبيعة الدور الإيراني خلال المرحلة المقبلة، كما يلي:
أ ــ سردية النصر العسكري والإستراتيجي: فعلى الرغم من حجم الضربات التي تعرضت لها إيران خلال الحرب، فإن الأهمية الحقيقية لا تكمن في حجم الخسائر المادية بقدر ما تكمن في قدرة الدولة الإيرانية على الحفاظ على تماسك منظومتها الدفاعية واستمرار قدرتها على الردع، وإعادة اللحمة إلى المجتمع بمكوناته العرقية والدينية، ذلك أن الدول الكبرى لا تقاس فقط بما تمتلكه من قدرات عسكرية، وإنما بقدرتها على منع خصومها من تحقيق أهدافهم السياسية النهائية.
وإذا كانت الحرب قد انتهت من دون انهيار النظام السياسي أو تفكيك البنية الإستراتيجية للدولة الإيرانية، فإن ذلك يمنح طهران فرصة لتقديم نفسها داخليا وخارجيا بوصفها دولة استطاعت الصمود أمام تحالف عسكري مكون من دولتين نوويتين، الأمر الذي قد يتحول إلى أحد مصادر القوة السياسية في مرحلة ما بعد الحرب.
ب ــ سردية النصر الاقتصادي: من المؤكد أن سردية النصر الاقتصادي هي المحدد الأكثر حسما في تحديد مستقبل القوة الإيرانية، فالحروب الحديثة لا تحسم فقط في الميدان العسكري، وإنما في قدرة الاقتصادات الوطنية على تحمل تكاليف الصراع وإعادة البناء.
ومن هنا فإن قدرة إيران على جذب الاستثمارات الأجنبية، واستعادة مستويات الإنتاج النفطي، وتطوير البنية التحتية، وتجاوز آثار العقوبات، ستكون عاملا رئيسيا في تحديد ما إذا كانت الحرب ستشكل نقطة انطلاق جديدة للقوة الإيرانية أم بداية مرحلة طويلة من الاستنزاف، خاصة إذا ثبتت صحة مسألة صندوق إعادة الإعمار ذي الـ300 مليار دولار الذي تلتزم به أمريكا، لاسيما وأن تاريخ إيران الحديث والمعاصر يبين أنها استطاعت تعويض خسائرها العسكرية عبر نجاحها الاقتصادي، ولعل برهان ذلك قدرة النظام الإيراني في فترتي رئاسة هاشمي رفسنجاني (1989 ــ 1997م) على تجاوز آثار الحرب العراقية ــ الإيرانية تلك التي استمرت 8 سنوات (1980 ـ 1988م).
ج ــ مستقبل البرنامج النووي الإيراني: فقد أثبتت التجربة أن الملف النووي لم يعد مجرد قضية تتعلق بمنع الانتشار النووي فحسب، وإنما أصبح أحد أهم عناصر تحديد المكانة الدولية لإيران، فطريقة إدارة هذا الملف خلال المرحلة المقبلة ستحدد إلى حد كبير شكل العلاقة بين طهران والقوى الكبرى.
وإذا نجحت إيران في التوصل إلى صيغة تضمن الاعتراف بحقوقها في الاستفادة من الاستخدامات السلمية للطاقة النووية مقابل ترتيبات رقابية محددة، فإن ذلك سيمنحها مساحة أوسع للاندماج في الاقتصاد العالمي، أما إذا عادت الأزمة النووية إلى دائرة التصعيد، فإن ذلك قد يؤدي إلى استمرار الضغوط والعقوبات بما يحد من قدرة إيران على استثمار نتائج الحرب سياسيا واقتصاديا.
د ــ قدرة النظام الإيراني على إعادة إنتاج الشرعية: فقد أظهرت الأزمات الكبرى التي واجهتها الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979 أن النظام يمتلك درجة مرتفعة من المرونة المؤسسية والقدرة على التكيف مع الضغوط الداخلية والخارجية، وقد رأى النظام الإيراني إبان الحرب العراقية ــ الإيرانية أن تلك الحرب تمثل ولادة جديدة للنظام.
وهو ما قاله النظام الإيراني في خلال حربيه الأخيرتين (صيف 2025 ــ شتاء 2026م) غير أن مرحلة ما بعد هاتين الحربين ستفرض تحديات مختلفة تتعلق بمستوى التوقعات الشعبية، ومتطلبات إعادة الإعمار، وإدارة الموارد الاقتصادية المحدودة، وبالتالي فإن قدرة النخبة الحاكمة على تحويل خطاب الصمود والانتصار إلى سياسات اقتصادية واجتماعية فعالة ستصبح عنصرا حاسما في الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتعزيز مكانة الدولة الخارجية.
هــ ــ طبيعة التحولات الجارية في النظام الدولي: فإيران لا تتحرك في فراغ إستراتيجي، بل في بيئة دولية تشهد تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وتشهد كذلك تراجعا نسبيا لفكرة الهيمنة الأحادية، وفي مثل هذه البيئة تزداد أهمية الدول القادرة على توظيف موقعها الجغرافي ومواردها الإستراتيجية وعلاقاتها الدولية لتحقيق مكاسب أكبر في محيطيها الإقليمي والدولي.
وتمتلك إيران عددا من المقومات التي تؤهلها للعب هذا الدور، وهي:
موقعها الجغرافي الرابط بين الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز.
امتلاكها احتياطيات ضخمة من الطاقة.
شراكاتها المتنامية مع الصين وروسيا.
غير أن تحويل هذه المقومات إلى نفوذ فعلي سيظل رهنا بقدرتها على إدارة علاقاتها الدولية بصورة متوازنة تمنع تحولها إلى مجرد ورقة في صراع القوى الكبرى.
وعليه، فإن موقع إيران في النظام الدولي بعد الحرب لن يتحدد بنتائج المعارك العسكرية وحدها، وإنما سيكون نتاجا لتفاعل معقد بين عناصر القوة الصلبة والناعمة، وبين الاعتبارات الداخلية والخارجية، وبين قدرة الدولة على استثمار ما حققته من صمود إستراتيجي وبين حجم التحديات الاقتصادية والسياسية التي ستواجهها خلال مرحلة ما بعد الحرب.
ومن هذا المنطلق يمكن تصور عدد من السيناريوهات المحتملة لمستقبل المكانة الإيرانية، تتراوح بين الصعود إلى موقع أكثر تأثيرا في النظام الدولي وبين التعرض لمسار من الاستنزاف التدريجي، مرورا بسيناريو وسط يجمع بين عناصر القوة والقيود في آن واحد.
ثانيا: السيناريوهات المحتملة لموقع إيران في النظام الدولي بعد الحرب
تكشف الخبرة التاريخية الإيرانية خاصة في ظل نظام الجمهورية الإسلامية (1979 ــ الآن) أن الحروب الإيرانية لا تنتهي عند لحظة وقف إطلاق النار، وإنما تبدأ بعدها مرحلة أكثر أهمية تتعلق بإعادة توزيع القوة والنفوذ بين الفاعلين، وفي حالة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران (28 فبراير 2026 ــ 14 يونيو 2026م) فإن السؤال الرئيسي لا يتعلق فقط بحجم الخسائر أو المكاسب العسكرية التي حققها كل طرف، وإنما بالكيفية التي ستنعكس بها نتائج الحرب على المكانة الدولية لإيران خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول: تحول إيران إلى قوة فوق إقليمية صاعدة
يفترض هذا السيناريو نجاح إيران في تحويل نتائج الحرب إلى مصدر جديد للقوة السياسية والإستراتيجية، ذلك أن مجرد صمود الدولة الإيرانية أمام ضغوط عسكرية غير مسبوقة من قوتين نوويتين يمتلكان أعلى مستوى من التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، واستخدام إيران لورقة مضيق هرمز، ثم تهديدها بورقة مضيق باب المندب، ثم الانتقال إلى اتفاق سياسي مباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية، يمنح طهران فرصة لتقديم نفسها باعتبارها قوة لا يمكن تجاوزها في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
ويستند هذا السيناريو إلى عدد من المرتكزات الأساسية، وهي:
نجاح إيران في الحصول على تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية بما يسمح بعودة الاستثمارات الأجنبية وزيادة صادرات الطاقة.
استمرار الشراكات الإستراتيجية مع الصين وروسيا وتوسعها لتشمل مجالات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية.
قدرة القيادة الإيرانية على توظيف نتائج الحرب لتعزيز التماسك الداخلي وإعادة إنتاج شرعية النظام السياسي.
حفاظ النظام الإيراني على دوره الإقليمي من خلال تضمين لبنان في اتفاق إنهاء الحرب.
وفي حال تحقق هذه المعطيات، قد تتحول إيران من مجرد قوة إقليمية مؤثرة إلى فاعل يمتلك وزنا متزايدا في قضايا تتجاوز حدود الشرق الأوسط، خصوصا في ملفات الطاقة والممرات التجارية والتوازنات الأوراسية، كما قد تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها نموذجا لدولة استطاعت تحدي الضغوط الغربية وفرض نفسها طرفا معترفا به في النظام الدولي الجديد.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يظل مقيدا بعدة عوامل، وهي:
استمرار المخاوف الدولية المرتبطة بالبرنامج النووي حال أصرت إيران على عدم تسليم اليورانيوم المخصب عند 60 بالمئة والذي يبلغ نحو 450 كجم إلى أمريكا.
احتمال عودة التوتر مع الولايات المتحدة أو إسرائيل لو نجح نتنياهو في تقويض مسار السلام بين مجتبى خامنئي ودونالد ترامب.
التحديات الاقتصادية الهيكلية التي يصعب تجاوزها في المدى القصير إثر اقتراب سعر كل دولار أمريكي في التعاملات اليومية الفعلية إلى نحو 2 مليون ريال إيراني (نحو 200 ألف تومان).
السيناريو الثاني: الاستنزاف التدريجي والتراجع النسبي
يقوم هذا السيناريو على فرضية أن الحرب، رغم انتهائها سياسيا، تركت آثارا اقتصادية وإستراتيجية عميقة تجعل من الصعب على إيران استعادة مستويات القوة التي كانت تتمتع بها قبل الصراع، ووفقا لهذا التصور، فإن تكاليف الحرب وإعادة الإعمار، واستمرار بعض العقوبات، وتراجع ثقة المستثمرين، قد تؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي وإضعاف قدرة الدولة على تمويل مشروعاتها التنموية ونفوذها الخارجي.
ولا يعني هذا السيناريو، انهيار النظام السياسي أو تفكك الدولة، بقدر ما يعني دخول إيران في مرحلة طويلة من الانشغال بالتحديات الداخلية على حساب الطموحات الخارجية، وقد ينعكس ذلك في تقليص حجم الإنفاق الإستراتيجي، وإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، والتركيز على تثبيت الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
كما أن استمرار الضغوط الاقتصادية قد يؤدي إلى تزايد الفجوة بين التوقعات الشعبية والقدرات الحكومية، وهو ما يفرض على الدولة الإيرانية توجيه جزء أكبر من مواردها لمعالجة الملفات المعيشية والتنموية، وفي هذه الحالة ستظل إيران لاعبا إقليميا مهما، لكنها ستفقد جزءا من قدرتها على المبادرة والتأثير في القضايا الدولية الكبرى.
غير أن تحقق هذا السيناريو بصورة كاملة يظل رهنا بـ:
استمرار العزلة الاقتصادية.
غياب أي انفتاح دولي حقيقي على إيران.
قدرة الدولة على معالجة أوجه القصور والفساد الداخلي.
وهي أمور لا يبدو أنها مضمونة في ظل المتغيرات التي أفرزتها الحرب.
السيناريو الثالث: الصعود الإقليمي المقيد
يمثل هذا السيناريو نقطة وسط بين الصعود الكبير والتراجع النسبي، وهو الأقرب إلى طبيعة التجربة الإيرانية خلال العقود الخمسة الماضية، فلقد أثبتت الجمهورية الإسلامية مرارا قدرتها على الصمود والتكيف مع الضغوط الخارجية دون أن تنجح بالضرورة في تحويل ذلك إلى قفزات نوعية في مكانتها الدولية.
ووفقا لهذا السيناريو، فقد تخرج إيران من الحرب أكثر حضورا وتأثيرا مما كانت عليه قبلها، لكنها لا تتحول إلى قوة فوق إقليمية بالمعنى الكامل للكلمة، إذ تحتفظ الدولة بقدراتها العسكرية الأساسية، وتواصل تطوير شراكاتها مع القوى الدولية الصاعدة، وتستفيد جزئيا من تخفيف الضغوط الاقتصادية، لكنها في الوقت ذاته تبقى مقيدة بتحديات داخلية وخارجية تحد من قدرتها على تحقيق طموحات أكبر.
ويعني ذلك أن إيران ستظل إحدى القوى الرئيسية في الشرق الأوسط، وستحافظ على موقعها كفاعل مؤثر في معادلات الأمن والطاقة والتوازنات الإقليمية، غير أن تأثيرها سيظل مرتبطا إلى حد كبير بحدود الإقليم ومحيطه المباشر، كما ستواصل انتهاج سياسة تقوم على تعظيم المكاسب التدريجية بدلا من السعي إلى تحولات جذرية وسريعة.
وتزداد احتمالات تحقق هذا السيناريو إذا نجحت طهران وواشنطن في إدارة مرحلة ما بعد الحرب عبر آليات احتواء متبادل تمنع العودة إلى المواجهة الشاملة، دون أن تصل العلاقات بينهما إلى مستوى التطبيع الكامل أو الشراكة الإستراتيجية.
وعليه، فإن مستقبل إيران في النظام الدولي لن يتحدد وفق منطق الانتصار أو الهزيمة، وإنما وفق قدرتها على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، ومن المؤكد أن الدولة التي نجحت في الصمود خلال الصراع ستكون مطالبة بتحويل هذا الصمود إلى قوة اقتصادية وسياسية مستدامة، ومن ثم فإن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في بقاء إيران قوة إقليمية كبرى ذات تأثير دولي متزايد، دون أن تصل إلى مرتبة القوى فوق الإقليمية، ودون أن تنزلق في الوقت نفسه إلى مسار التراجع أو الانكفاء الإستراتيجي.
ثالثا: الموقف المصري الأمثل في ظل السيناريوهات المحتملة لمستقبل إيران
لا تكمن أهمية استشراف مستقبل إيران بالنسبة لمصر في معرفة مصير دولة إقليمية مجاورة فحسب، وإنما في إدراك طبيعة التحولات التي قد تصيب البيئة الإستراتيجية المحيطة بالدولة المصرية خلال السنوات المقبلة، لاسيما أن إيران أصبحت أحد المتغيرات المؤثرة في أمن الطاقة العالمي، وحركة التجارة الدولية، والتوازنات العسكرية الإقليمية، والعلاقات بين القوى الكبرى؛ ومن ثم فإن أي تغير جوهري في مكانة إيران الدولية ستكون له انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على المصالح المصرية.
ويقتضي ذلك أن تنظر القاهرة إلى السيناريوهات الإيرانية المحتملة من منظور المصالح الوطنية المصرية، لا من منظور الاصطفافات الإقليمية أو الحسابات الأيديولوجية، ذلك أن المعيار الحاكم للسياسة المصرية يجب أن يظل مرتبطا بـ:
حماية الأمن القومي المصري.
تعزيز الاستقرار الإقليمي.
الحفاظ على حرية الملاحة الدولية.
توسيع الفرص الاقتصادية والتنموية.
الحفاظ على العلاقات التاريخية والبنيوية مع دول الخليج العربي.
منع صعود إسرائيل كقوة إقليمية مركزية.
وفي حالة تحقق سيناريو الصعود الإيراني الكبير، ستواجه مصر واقعا إقليميا جديدا تصبح فيه إيران أكثر حضورا وتأثيرا في قضايا الأمن والطاقة والتجارة الدولية، وفي هذه الحالة يصبح من الضروري تطوير سياسة انخراط محسوب مع طهران تقوم على الحوار السياسي المنتظم وتوسيع قنوات الاتصال الدبلوماسي والأمني، بما يتيح للقاهرة فهم التحولات الجارية والتأثير فيها بدلا من الاكتفاء بمراقبتها.
كما ينبغي لمصر في هذا السيناريو أن تعمل على منع تحول المنطقة إلى ساحة استقطاب حاد بين معسكرات متنافسة، وأن توظف علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف لتعزيز الاستقرار الإقليمي وتخفيف حدة التوترات، وأن تعزز من علاقاتها مع كل من باكستان وتركيا والسعودية.
أما إذا تحقق سيناريو الاستنزاف والتراجع النسبي لإيران، فإن التحدي الرئيسي أمام مصر لن يكون صعود النفوذ الإيراني، بل احتمال نشوء فراغات أمنية واضطرابات إقليمية ناجمة عن تراجع دور إحدى القوى الرئيسية في المنطقة، وتشير التجارب التاريخية إلى أن تراجع القوى الإقليمية الكبرى لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة الاستقرار، بل قد يفتح المجال أمام صراعات جديدة بين الفاعلين الإقليميين والدوليين.
ولذلك يتعين على القاهرة في هذه الحالة أن تركز على دعم منظومات الأمن العربي الجماعي، وتعزيز قدراتها الذاتية في مضمار حماية أمن البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية، والاستعداد للتعامل مع أي تداعيات أمنية أو اقتصادية محتملة تنتج عن حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
غير أن السيناريو الأكثر ترجيحا، والمتمثل في بقاء إيران قوة إقليمية كبرى ذات نفوذ متزايد ولكن ضمن حدود معينة، يفرض على مصر تبني مقاربة أكثر تعقيدا ومرونة، والمطلوب في هذه الحالة ليس الانحياز الكامل إلى أي طرف، ولا السعي إلى بناء سياسات قائمة على افتراض المواجهة الدائمة أو الشراكة الكاملة، وإنما إدارة العلاقات الإقليمية وفق منطق التوازن الإستراتيجي.
ويعني ذلك أن تواصل مصر تعزيز شراكاتها التقليدية مع الدول العربية والخليجية، والحفاظ على علاقاتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا، بالتوازي مع الانفتاح المدروس على القوى الصاعدة في الشرق، بما في ذلك الصين والهند وروسيا، دون أن تتحول إلى طرف في أي صراع دولي أو إقليمي.
كما يعني أيضا التعامل مع إيران باعتبارها حقيقة جيوسياسية ثابتة في المنطقة، وليس باعتبارها ظاهرة مؤقتة أو أزمة عابرة.
وفي هذا الإطار تمتلك مصر فرصة مهمة لتعزيز دورها كقوة توازن إقليمي، فالموقع الجغرافي المصري، والثقل السياسي والدبلوماسي الذي تتمتع به الدولة المصرية، وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، كلها عوامل تؤهل القاهرة للعب دور محوري في بناء ترتيبات أمنية إقليمية جديدة أكثر شمولا واستدامة.
كما يمكن لمصر أن تقود جهودا تهدف إلى خفض التوترات الإقليمية، وتعزيز الحوار بين القوى المتنافسة، والمساهمة في صياغة قواعد جديدة للأمن الجماعي في الشرق الأوسط.
ومن منظور إستراتيجي أوسع، فإن المصلحة المصرية لا تكمن في إضعاف إيران أو تمكينها، وإنما في وجود نظام إقليمي مستقر ومتوازن لا تهيمن عليه قوة واحدة، ولا تتحول فيه الخلافات السياسية إلى صراعات عسكرية مفتوحة، ويثبت التاريخ الحديث للمنطقة أن الاستقطاب الحاد والحروب الممتدة كانا دائما من أكبر مصادر التهديد للمصالح العربية عموما والمصالح المصرية خصوصا.
وعليه، فإن السياسة المصرية الأكثر ملاءمة في مرحلة ما بعد الحرب تتمثل في تبني إستراتيجية “التوازن المرن”، وهي إستراتيجية تقوم على الجمع بين الحفاظ على الشراكات التقليدية، والانفتاح المدروس على القوى الإقليمية كافة، وتعزيز القدرات الوطنية الذاتية، وتجنب الانخراط في محاور صدامية مغلقة، وتتيح هذه المقاربة لمصر الحفاظ على هامش واسع من الحركة والمناورة في بيئة دولية وإقليمية تتسم بدرجة متزايدة من السيولة وعدم اليقين.
خاتمة
كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما أعقبها من اتفاق لإنهاء العمليات العسكرية عن حقيقة جوهرية مفادها أن الشرق الأوسط دخل بالفعل مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن المراحل التي أعقبت حروب العراق 1980، و1991، و2003، كما تختلف عن البيئة الإقليمية التي تشكلت بعد موجة الاضطرابات العربية منذ عام 2011م، ذلك أن حرب فبراير 2026 الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بقدر ما كانت اختبارا عمليا لموازين القوة الإقليمية والدولية في لحظة يشهد فيها النظام الدولي نفسه تحولات عميقة نحو أنماط أكثر تعقيدا من التعددية القطبية والتنافس بين القوى الكبرى.
وقد خلصت الدراسة إلى النتائج التالية:
1. لم تخرج إيران من الحرب كقوة منتصرة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، كما لا يمكن القول إنها تعرضت لهزيمة إستراتيجية تؤدي إلى تقويض أسس النظام السياسي أو إنهاء دوره الإقليمي، ذلك أن النتيجة الأكثر دقة تتمثل في أن إيران نجحت في تجاوز أخطر اختبار أمني وعسكري واجهته في تاريخها الحديث والمعاصر، وحافظت على استمرارية الدولة ومؤسساتها وقدرتها على التفاوض من موقع الفاعل لا من موقع المنهزم، لكنها في المقابل خرجت من الحرب وهي تواجه تحديات اقتصادية وتنموية وإستراتيجية ضخمة ستحدد قدرتها على استثمار هذا الصمود خلال السنوات المقبلة.
2. يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحا لا يتمثل في تحول إيران إلى قوة فوق إقليمية قادرة على إعادة تشكيل التوازنات الدولية بصورة منفردة، كما لا يتمثل في انحدارها نحو مسار طويل من التراجع والانكفاء، وإنما في استمرارها كقوة إقليمية كبرى ذات تأثير دولي متزايد، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي وقدراتها الإستراتيجية وشبكة علاقاتها الدولية، ولكن ضمن حدود تفرضها اعتبارات الاقتصاد والسياسة الداخلية وطبيعة التوازنات الدولية القائمة.
3. تشير نتائج الحرب إلى أن النظام الدولي الناشئ لن يقوم على هيمنة قوة واحدة أو على تحالفات جامدة طويلة الأمد، بل على شبكات متغيرة من المصالح والشراكات المؤقتة والمرنة، وفي مثل هذه البيئة تصبح قدرة الدول على المناورة والتكيف أكثر أهمية من الانحيازات الصلبة أو الاصطفافات التقليدية.
4. تبرز أهمية تبني مصر مقاربة إستراتيجية قائمة على التوازن المرن، بما يسمح لها بالحفاظ على شراكاتها التقليدية مع القوى العربية والدولية، والانفتاح في الوقت نفسه على القوى الإقليمية الصاعدة، دون الوقوع في فخ الاستقطاب أو التبعية لأي محور.
5. على المدى الأبعد، قد لا تكون القضية الأساسية بالنسبة لمصر هي تحديد ما إذا كانت إيران ستصعد أو ستتراجع، وإنما كيفية توظيف التحولات الجارية لبناء دور مصري أكثر فاعلية في النظام الإقليمي الجديد، ذلك أنه كلما ازدادت سيولة التوازنات الدولية والإقليمية، ازدادت أهمية القوى القادرة على الجمع بين الاستقرار الداخلي، والمرونة الدبلوماسية، والاستقلال النسبي في القرار الإستراتيجي.
6. تمتلك مصر من المقومات السياسية والجغرافية والتاريخية ما يؤهلها لأن تكون أحد أهم مراكز الثقل في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة، مع ضرورة إدراك أن خروج إيران منهزمة في هذه الحرب سيعود بالضرر الهائل على مصر لأن انتصار إسرائيل سيجعلها قوة إقليمية مركزية ويدفعها نحو القيام بحرب على دول إقليمية كبرى أخرى مثل تركيا أو باكستان ثم مصر في الجولة الأخيرة من الصراع.
7. الدرس الأهم الذي تفرضه الحرب لا يتعلق بمستقبل إيران وحدها، وإنما بطبيعة النظام الإقليمي والدولي الذي يتشكل، فالعالم لا يتجه نحو هيمنة جديدة، ولا نحو انهيار شامل للتوازنات القائمة، بل نحو مرحلة انتقالية طويلة تتراجع فيها الثوابت القديمة وتتصاعد فيها أهمية إدارة التوازنات.
8. لن تكون الأفضلية للدول الأكثر قوة فحسب، وإنما للدول الأكثر قدرة على قراءة التحولات والتكيف معها وتوظيفها لخدمة مصالحها الوطنية، ومن هذه الزاوية تحديدا، يصبح الحفاظ على سياسة مصرية قائمة على التوازن والمرونة والاستقلال النسبي ليس مجرد خيار دبلوماسي، ولكن ضرورة إستراتيجية تفرضها طبيعة النظام الدولي الجديد.
9. يظهر البعد الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، ولكنه يمتد إلى قدرة الدول على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية الناتجة عن التحولات الجيوسياسية في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاستثمار، وفي هذا السياق، تزداد أهمية تعزيز مرونة الاقتصاد المصري، وتنويع مصادر الدخل القومي، وتسريع برامج الإصلاح الهيكلي ومكافحة الفساد وعمليات غسيل الأموال، بما يضمن تقليل مستويات الهشاشة أمام الصدمات الخارجية، ورفع القدرة على تحويل المتغيرات الإقليمية إلى فرص للنمو بدلا من كونها مصادر تهديد.
10. كما تؤكد تجربة تلك الحرب أن فعالية أي دور إقليمي للدولة ترتبط ارتباطا وثيقا بدرجة تماسكها الداخلي وقدرتها على الحفاظ على اللحمة المجتمعية في مواجهة الأزمات والضغوط الإقليمية والدولية، ومن ثم فإن تعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحصين الجبهة الداخلية عبر سياسات عادلة في توزيع الأعباء والفرص، وتحصين المجتمع من خلال قوانين عادلة في مضمار الأسرة تستند على تعاليم الأديان والأعراف الموروثة، يمثل شرطا أساسيا لضمان قدرة مصر على لعب دور فاعل ومستقر في بيئة إقليمية شديدة السيولة والتقلب، حيث تصبح الجبهة الداخلية أحد أهم عناصر القوة الإستراتيجية للدولة في المرحلة المقبلة.
