محمود سامح همام
باحث بوحدة الدرسات الأفريقية
تقف إثيوبيا اليوم أمام مفارقة تاريخية كبرى؛ فالدولة التي تمتلك من المقومات الجغرافية والبشرية والإرث التاريخي ما يؤهلها لتكون قطب الاستقرار والتنمية في القرن الإفريقي، اختارت طواعيةً الانزلاق نحو مسار مذموم يسيء لسمعتها ومكانتها عبر دعم قوات الدعم السريع وتأجيج النزاع في السودان الشقيق، إلى جانب تعقيد مسألة سد النهضة واعتماد سياسات التعنت والمماطلة بدلاً من الوصول إلى حلول توافقية عادلة. وبدلاً من أن تستثمر أديس أبابا إمكاناتها في نهضة حقيقية تبني اقتصاداً قوياً قائماً على الإنتاج، وتؤسس لمرحلة سوية من التعاون وحسن الجوار، فضّلت الارتهان لمكاسب ضيقة وتلقف التمويلات العاجلة لضخها في شرايين اقتصادها الهش والمأزوم، لتطرح بذلك تساؤلاً جوهرياً حول أسباب هذا القصر في النظر الاستراتيجي الذي يضحي بوحدة واستقرار المنطقة بأسرها من أجل أطماع اللحظة والحلول الترقيعية المؤقتة.
المحور الأول: دوامة الأزمات الداخلية والسياسات الخارجية العكسية.. قراءة تحليلية في مآلات التصدع الإثيوبي
تمر الدولة الإثيوبية في المرحلة الراهنة بمنعطف تاريخي بالغ الخطورة والتعقيد، تتداخل فيه الأزمات الهيكلية الداخلية مع السياسات الخارجية المتهورة، مما أفضى بالبلاد إلى حالة غير مسبوقة من التصدع الداخلي والعزلة الإقليمية والدولية. إن الانتقال من محاولة بناء دولة مؤسسات قوية إلى الارتهان لأجندات الفوضى والتمويلات المؤقتة يعكس أزمة عميقة في صياغة القرار الإثيوبي واستراتيجياته بعيدة المدى، ويمكن تفصيل هذا السقوط المتعدد المسارات عبر النقاط التالية:
الازمات الداخلية والتشظي السياسي وغياب الدولة الوطنية:
تعاني إثيوبيا في جوهرها الداخلي من احتقان عريق وصراعات مسلحة ضارية لا تتوقف بين المركز والأقاليم، حيث تمتد من إقليم تيغراي مروراً بإقليم أمهرة وصولاً إلى التوتر المستمر في إقليم أوروميا. لم تنجح السلطة الحاكمة في إرساء دعائم ديمقراطية حقيقية أو تفعيل دولة وطنية جامعة تحتكر العنف المشروع وتضمن حقوق المكونات المختلفة، بل تفاقمت أزمات الانسداد السياسي وتأجلت أو شوهت الاستحقاقات الانتخابية البرلمانية لتصبح مجرد واجهات شكلية تخفي خلفها هشاشة البناء الإثيوبي وانقسامه المجتمعي والعرقي العميق. وعلى سبيل المثال، تسببت صراعات “تيغراي” وما تبعها من معارك محتدمة في إقليم “أمهرة” بوجود ملايين المشردين داخلياً وانهيار الخدمات الأساسية، فضلاً عن تعثر إجراء انتخابات حقيقية شفافة في أوقاتها الدستورية، مما جعل النظام الحاكم يفتقر لأي شرعية شعبية مستدامة ويحكم بالحديد والنار في دولة تترنح على حافة التفكك.
الاعتراف بـ”أرض الصومال” والنبذ الإقليمي:
على الصعيد الدبلوماسي الإقليمي، اختارت أديس أبابا الهروب إلى الأمام عبر انتهاك الأعراف والمواثيق الدولية بتوقيع تفاهمات أحادية مع إقليم “أرض الصومال” غير المعترف به دولياً، في محاولة يائسة للوصول إلى البحر الأحمر. هذا القرار المتهور قوبل برفض وموقف موحد وحاسم من دول القرن الإفريقي والمجتمع الدولي بأسره، نظراً لما يمثله من تهديد سافر لسيادة ووحدة جمهورية الصومال، ووضع إثيوبيا في قفص الاتهام كدولة مارقة تضرب الاستقرار الإقليمي عرض الحائط. فعلى سبيل المثال، أثارت مذكرة التفاهم الموقعة في مطلع عام 2024 موجة استنكار عالمية واسعة النطاق من قِبل جامعة الدول العربية، والاتحاد الإفريقي، ومنظمة “الإيجاد”، فضلاً عن التضامن الدولي المطلق مع مقديشو، مما أدى إلى عزل أثيوبيا دبلوماسياً وتحويلها إلى طرف منبوذ يفتقر للثقة في محيطه الجغرافي المباشر.
التعنت في ملف سد النهضة وإدارة الظهر للشقيقة مصر:
في تعاملها مع الملفات الاستراتيجية المصيرية، اتبعت القيادة الإثيوبية سياسة المماطلة والتعنت الأحادي في ملف سد النهضة، متجاهلةً قواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار وحقوق دولتي المصب. وبدلاً من استثمار فرصة الشراكة الاستراتيجية مع مصر – التي كانت تمثل المفتاح الأقوى والأكثر موثوقية لبناء علاقات دولية تنهض باقتصاد إثيوبيا وتضمن استقرارها الفني والتنموي – اختارت أديس أبابا تحويل قضية المياه إلى أداة ابتزاز سياسي، مما خسّرها عمقاً جغرافياً واستراتيجياً لا غنى لأي أمة عن كسبه. وللتدليل بالأرقام والوقائع، رفضت أديس أبابا التوقيع على أي اتفاقيات ملزمة قانوناً لملء وتشغيل السد، متجاوزة أكثر من عقد من المفاوضات العبثية التي أدارتها بلغة المراوغة، متجاهلة تماماً أن مصر تعد الشريك التجاري والدبلوماسي الأهم إفريقياً، وأن خسارة القاهرة تعني حرمان الاقتصاد الإثيوبي من مئات المشاريع الاستثمارية والتنموية المشتركة التي كانت ستوفر آلاف فرص العمل للشباب الإثيوبي.
التورط في دعم قوات الدعم السريع وتخريب مؤسسات الجوار:
توجت إثيوبيا مسارها السلبي بالانخراط المباشر في تخريب الاستقرار السوداني عبر تقديم الدعم اللوجستي والسياسي لقوات الدعم السريع المزعزعة لاستقرار البلاد ومؤسساتها الوطنية. جاء هذا الاختيار المدمر بحثاً عن مكاسب آنية رخيصة وتمويلات خارجية (خليجية/إماراتية) ضُخت لتجمل مؤقتاً وجه اقتصادها المأزوم، متجاهلةً أن استقرار السودان هو الامتداد الحقيقي لأمن إثيوبيا، وأن الإسهام في تمزيق الجيران يرتد عاجلاً أو آجلاً وبشكل مدمر على الداخل الإثيوبي ذاته. ويكفينا هنا الإشارة إلى التقارير الاستخباراتية والحقوقية الموثقة التي كشفت عن استخدام الأراضي والشبكات الإثيوبية كممرات خلفية لتمرير الإمدادات العسكرية واللوجستية للميليشيات المسلحة في السودان، متخلية بذلك عن دور الجار الشقيق لتتحول إلى منصة إقليمية لتصدير الفوضى وتهديد وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية.
الكساد الأمني والمجتمعي والملاحقة بالتقارير الدولية والحقوقية:
أدى هذا التخبط المستمر، داخلياً وخارجياً، إلى حالة خانقة من الكساد الأمني والاقتصادي والمجتمعي، عكستها موجات النزوح والفقر وتراجع معدلات التنمية الحقيقية، حيث تشير تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى تقلبات هيكلية دفعت بمعدلات التضخم للتحليق عند مستويات حرجة تتجاوز 15% وسط توقعات بتثبيت متوسط التضخم السنوي قرب 11.8%، ناهيك عن تراجع تاريخي حاد في قيمة العملة المحلية (البر الإثيوبي) أمام العملات الأجنبية.
ولم تتوقف التبعات عند هذا الحد، بل وجدت إثيوبيا نفسها عرضة للإدانات الصريحة في تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان الصادرة في أغسطس 2026 ولجان التحقيق الدولية التي وثقت الانتهاكات الجسيمة ذات الطابع العرقي والتي خلفت ملايين النازحين والمهاجرين، وتوثيق فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي في تقريره الدوري الصادر في سبتمبر 2026 لتورط أديس أبابا في ممرات إمداد النزاعات الإقليمية ” السودان ” بتمويل اماراتي، مما وضع النظام الحاكم في عزلة أخلاقية وسياسية غير مسبوقة على الساحة الدولية. وتتطابق هذه الشواهد الأممية مع ما وثقته تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش لآلاف الانتهاكات وجرائم الحرب المرتكبة في أقاليم النزاع الإثيوبي (لا سيما أمهرة وتيجراي وأوروميا) وسط إفلات تام للمجرمين من العقاب واستمرار أزمات النزوح التي تجاوزت حاجز الـ 3.3 مليون نازح داخلياً.
إهدار الموارد الوطنية في المغامرات العسكرية وتجفيف الاستثمار الحقيقي:
بدلاً من توجيه الموارد المحدودة للدولة نحو قطاعات الإنتاج والتعليم والبنية التحتية المستدامة، انخرطت القيادة الإثيوبية في تمويل الحروب بالوكالة والمغامرات الخارجية التي لا تجلب سوى الدمار. هذا النزيف المالي المنصبّ على الصراعات أدى إلى تجفيف استثمارات التنمية الحقيقية، وترك المواطن الإثيوبي يواجه وطأة الغلاء الفاحش والتضخم المهول، في وقت تُهدر فيه أموال الخزينة العامة على صفقات مشبوهة لا تخدم سوى مصالح طبقة سياسية ضيقة على حساب مستقبل بأكمله. فعلى سبيل المثال، تستنزف ميزانية الدفاع والأمن نسبة هائلة من الناتج المحلي الإثيوبي على حساب مخصصات الصحة والتعليم، حيث تعاني مئات القرى الإثيوبية من غياب أبسط مقومات الحياة الآدمية بينما تُنفق المليارات على شراء الطائرات المسيرة وتمويل الميليشيات العابرة للحدود.
تآكل القوة الناعمة وفقدان الدور التاريخي كوسيط إفريقي:
فرّطت أديس أبابا، بسياساتها الرعناء والصدامية، في رصيدها التاريخي كعاصمة دبلوماسية للقارة السمراء ومقر للاتحاد الإفريقي. فمن المفترض أن تكون إثيوبيا منبراً للحلول السلمية ورعاية المصالح المشتركة، فتحولت بفعل خياراتها الحالية إلى طرف مزعزع للاستقرار ومصدر للأزمات العابرة للحدود، مما أسقط عنها تماماً صفة الوسيط النزيه وأفقدها احترام جيرانها وشركائها الدوليين، ليغدو دورها محصوراً في خانة الدول المعزولة التي تدير السياسة بمنطق العصابات لا بمنطق الدول الكبرى. وتتجلى هذه الخسارة المأساوية في عجز أديس أبابا اليوم عن قيادة أي مبادرة تسوية إفريقية ناجحة، بعد أن فقدت مصداقيتها تماماً وأصبحت رمزاً للدولة التي تتاجر بأزمات جيرانها مقابل حفنة من الدولارات المشبوهة، مما أفرغ العاصمة الإثيوبية من قاصدها الدبلوماسي الحقيقي وحولها إلى مقر صامت لعزلة سياسية.
المحور الثاني: القاهرة شريان الاستقرار الإقليمي ومسار العودة لأديس أبابا
رغم تفاقم المشهد الحالي والسياسات العكسية التي تورطت فيها أديس أبابا، إلا أن الفرصة لا تزال قائمة أمام القيادة الإثيوبية لتدارك الموقف والعودة إلى جادة الصواب، ومدّ يد التعاون للسلام الداخلي والخارجي. إن مفتاح الحل الحقيقي والناجز لجميع أزمات القرن الإفريقي يكمن دوماً في رعاية السلام والتعاون الإقليمي البناء، وهنا تبرز مصر كركيزة أساسية ورائدة لصنع السلام في القارة الإفريقية، وحاضرة دائماً بثقلها التاريخي والاستراتيجي في أي مبادرة تلوح بالاستقرار في العالم وفي القارة الإفريقية بشكل خاص. ويمكن قراءة هذا المخرج الاستراتيجي وعناصر الإنقاذ عبر النقاط التالية:
التعاون الأمني والعسكري ونقل النموذج التنموي والعمراني المصري:
تتمتع الدولة المصرية بخبرات مؤسسية وميدانية واسعة في مجالات برامج التدريب العسكري والأمني المتقدم ورفع كفاءة الجيوش وفق المعايير المهنية الحديثة، مستندة في ذلك إلى تجربتها الناجحة في دحر الإرهاب في سيناء وتثبيت أركان الدولة الوطنية. وعلى الصعيد التنموي والهندسي، تملك المؤسسات والشركات المصرية، مثل شركة “المقاولون العرب”، سجلاً إقليمياً زاخراً بتنفيذ مشاريع عملاقة أبرزها سد ومحطة “جوليوس نيريري” الكهرومائية في تنزانيا بطاقة توليد بلغت 2,115 ميجاوات، إلى جانب النهضة العمرانية الحديثة المتمثلة في مشروع العاصمة الإدارية الجديدة وشبكات البنية التحتية الذكية؛ وهو ما يوفر نموذجاً عملياً متكاملاً لإدارة مشاريع التنمية وبناء الدول. وحيث أن أديس أبابا تمر اليوم بحالة من التخبط العسكري والأمني والكساد العمراني وهشاشة البنية التحتية، فهي في حاجة حتمية إلى هذا النموذج المصري الشامل لتأسيس نهضة حقيقية ترتكز على الإنتاج لا على مغامرات الصراع.
التعامل الرشيد مع ملف سد النهضة والانتقال من الإدارة الأحادية إلى التنفيذ المؤسسي المشترك:
تتعارض المسارات الأحادية لملف المياه وسد النهضة مع قواعد القانون الدولي للاستخدام المنصف للأنهار العابرة للحدود، سيما مع إعلان وزير المياه والطاقة الإثيوبي، حابتامو إيتيفا جيلاتا، عن خطط لإنشاء ثلاثة سدود إضافية على مجرى النيل الأزرق (كارادوبي، وماندايا، وبيكو أبو) بتكلفة استثمارية تناهز 10.5 مليار دولار وبطاقة توليد مستهدفة تصل إلى 5,700 ميجاوات، تزامناً مع التشغيل الفعلي للسد الكبير بتكلفة بلغت نحو 5 مليارات دولار وسعة تخزينية تبلغ 74 مليار متر مكعب. ومن هذا المنطلق، تملك مصر القدرة على قيادة تسوية عادلة تقتضي تجاوز أديس أبابا لسياسات التسويف والمناورات السياسية العبثية، والانتقال نحو آليات التنفيذ المشترك والاتفاقات القانونية الملزمة مع القاهرة عاصمة القارة الإفريقية للسلام والتنمية، ضماناً لتحقيق التنمية المستدامة دون الإضرار بالأمن المائي لدول المصب. وإذ تعاني إثيوبيا من تعنت وأزمات طاقة وهدر مالي في مشاريع أحادية غير قانونية تزيد من عزلتها، فهي في حاجة لمثل هذا التعاون المؤسسي مع القاهرة لتصحيح هذا المسار المعيب.
الدور الدبلوماسي المصري في معالجة الأزمة السودانية وتصحيح اختلالات الجوار:
تستطيع القاهرة، بناءً على روابطها المؤسسية واستراتيجياتها التاريخية مع الدولة السودانية، الإسهام في هندسة تسوية سياسية شاملة ومستدامة بالخرطوم، وهو ما يتيح لأديس أبابا فرصة سياسية لرفع الحرج الإقليمي عبر الكف عن دعم قوات الدعم السريع والحصول على التمويلات الإماراتية وإدماجها في اقتصادها الهش. حيث يعد مساندة الاستقرار السوداني ووقف أي ممرات لوجستية عابرة للحدود المدخل الحقيقي لتصحيح الخطأ الاستراتيجي الإثيوبي وإثبات الجدية في الالتزام بمواثيق حسن الجوار وحفظ كيان الدول الوطنية المجاورة. ولتجنب تورط أديس أبابا في هذه السياسات المذمومة ودفع ثمنها من سمعتها واستقرار جيرانها، فهي تحتاج للوساطة والجهود المصرية لتنقذها من هذا الصدام وتصلح من خطأها في الملف السوداني.
دبلوماسية السلام مع إريتريا واحتواء التوترات المتصاعدة في إقليم أمهرة:
تطرح الأوضاع الميدانية المشتعلة والنزاعات الهيكلية في إقليم “أمهرة” الداخلي مؤشرات مقلقة تنذر بتفاقم الاضطرابات على الحدود الإثيوبية الإريترية وخروجها عن نطاق سيطرة الحكومة المركزية في أديس أبابا. وهنا تمتلك الدبلوماسية المصرية قنوات اتصال رصينة وعلاقات متوازنة مع إريتريا تمكنها من أداء دور الوسيط الإقليمي الفاعل لتهدئة الجبهة الشمالية الإثيوبية، وتخفيف حدة الاحتقان الجيوسياسي الذي يهدد التماسك الداخلي لإثيوبيا، تأكيداً لحقيقة أن اعتماد سياسات العداء مع المحيط الإقليمي يعجل بانهيار الدولة ولا يحقق سيادتها. ومع بلوغ أزمة “أمهرة” والتوتر مع إريتريا مراحل حرجة تنذر بنهاية سيطرة الحكومة، تبدو أديس أبابا بحاجة ماسة لهذا الثقل الدبلوماسي المصري للسيطرة عل هذا الانهيار الوشيك.
تفكيك الاختلالات الاقتصادية الهيكلية والانفكاك عن فخ التمويلات المؤقتة:
تؤكد المؤشرات المالية والنقدية أن الاقتصاد الإثيوبي يمر بمرحلة من العجز الهيكلي العميق والتضخم المتصاعد، وهو ما لا يمكن معالجته عبر الاعتماد على دعم قوات الدعم السريع للحصول على التمويلات الإماراتية وإدماجها في اقتصادها الهش، والتي أسفرت بدورها عن تقارير أممية وحقوقية تدين سياسات الانتهاكات وتكرس العزلة الدولية للبلاد. ويتطلب الخروج من هذا الكساد المزمن إعادة توجيه بوصلة القرار الإثيوبي نحو الاندماج في شرايين التكامل التجاري والاقتصادي مع القوى الإقليمية الكبرى وفي مقدمتها مصر، وبناء أسس إنتاجية حقيقية تتجاوز فخ التمويلات المشروطة بأجندات التفكيك والوصاية الإقليمية. وفي ظل ما تعانيه إثيوبيا من كساد أمني واقتصادي وعزلة دولية مفروضة بتقارير عالمية علنية، فإنها تظل في حاجة بالضرورة للانفكاك عن هذه التمويلات الهدامة واللجوء إلى الشراكة الحقيقية مع مصر لتأمين مستقبل اقتصادها.
ختامًا، تؤكد المعطيات الإقليمية والدولية أن استقرار الدول ووحدة كياناتها لا يُبنيان على سياسات الحافة والرهانات العابرة للحدود، بل على الالتزام بمبادئ القانون الدولي ومقتضيات الأمن القومي المشترك. لقد أثبتت مجريات المشهد الإثيوبي أن التمادي في النهج الأحادي والصدامي لا يفضيان إلا إلى مزيد من الهشاشة والعزلة الهيكلية. وفي المقابل، تثبت الدولة المصرية يوماً بعد يوم أنها ركيزة الاستقرار الحقيقي ومحور التوازن في القارة الإفريقية. إن المعادلة الإقليمية الحاكمة لمستقبل القرن الإفريقي تضع أديس أبابا أمام خيار استراتيجي حاسم؛ فإما الاستمرار في مسار التصدع والتبعية، أو اللجوء إلى مسارات العقل والتعاون البناء تحت مظلة الشراكة الإستراتيجية التي تقدمها القاهرة. فالتاريخ والجغرافيا يفرضان حقيقة واحدة لا تبديل لها، وهي أن أمن واستقرار الإقليم لا يمكن أن يتحققا إلا بالتكامل المؤسسي واحترام سيادة الدول، لا عبر مغامرات الوكالة والصدام.

اترك تعليقاً
