حسين محمود التلاوي
المستلخص
تناولت أوراق بحثية ومقالات رأي إثيوبية العلاقات مع إريتريا على ضوء التقارب الأخير بين واشنطن وأسمرة، وحاولت رصد ملامح هذا التقارب مع توقع فشله، لكن الرؤى الإثيوبية وقعت في عدة مغالطات معتادة، حيث تجاهلت السلوك العدوانى الإثيوبي إزاء إريتريا كأحد محددات نظرة إريتريا لجارتها.
ركزت الموضوعات البحثية ومقالات الرأي الإثيوبية تأثيرات عودة الولايات المتحدة إلى التعامل مع إريتريا إلى جانب ذكرى دخول قوات الجبهة الإريترية إلى أسمرة خلال المواجهات مع القوات الإثيوبية أواخر مايو عام 1990م؛ ما أفضى إلى حصول إريتريا على استقلالها عام 1991م.
وتتناول هذه المتابعة ورقتين بحثيتين تناولتا العلاقات الإريترية الإثيوبية واشتراطات تطويرها والعراقيل أمام ذلك، مع نظرة تفكيكية سريعة على تلك الرؤى الإثيوبية لتوضيح أوجه القصور فيها.
إريتريا وإثيوبيا: ميراث شك وتحامل إثيوبي
نشر موقع معهد الشئون الخارجية التابع لوزارة الخارجية الإثيوبية تحليلًا للعلاقات بين إريتريا وإثيوبيا أوضح فيه المشكلات التي تعرقل تطور العلاقات، مع استراتيجية لتجاوز تلك المشكلات.
يرى المعهد أن التوتر المتجدد بين إثيوبيا وإريتريا وخطر انهيار اتفاق بريتوريا للسلام عام 2018م يعكسان مشكلات هيكلية عميقة تجعل السلام الدائم بين البلدين صعبًا. ويحدد المعهد ثلاثة عوامل رئيسية وراء استمرار العداء؛ أولها طبيعة النظام الإريتري شديد المركزية، “الذي يفتقر إلى مؤسسات سياسية فاعلة ويعتمد على الخدمة الوطنية غير محددة المدة”؛ ما يجعل الانفتاح والتطبيع الخارجيين محدودي التأثير. وثانيها ما يراه المعهد “شعور مستمر لدى النخبة الحاكمة في إريتريا بالتهديد على سيادة الدولة”؛ ما يدفعها إلى النظر بريبة إلى استقرار إثيوبيا ويُستخدم لتعزيز الشرعية الداخلية. ويتمثل العامل الثالث، حسب المعهد، في بقاء ما يرى أنها “مظالم تاريخية” داخل الخطاب السياسي الإثيوبي مرتبطة بانفصال إريتريا وفقدان إثيوبيا منفذها السيادي إلى البحر.
ولتجاوز هذه المشكلات يقترح المعهد إطارًا من ثلاثة محاور لـ”تحقيق سلام مستدام”، فيشير في تحليله إلى أن نقطة البداية تتمثل في اتخاذ النظام الإريتري إصلاحات تدريجية تنهي حالة التعبئة الدائمة وتوجه الدولة نحو تحسين أوضاع المواطنين وإدارة الشأن العام بصورة أكثر مؤسسية.
ويدعو بعد ذلك، إلى بناء علاقات ثنائية مستقرة تستند إلى ترتيبات مؤسسية تشمل تسوية القضايا الحدودية، وضمانات متبادلة لعدم التدخل، وتعزيز التجارة والاستثمار، وتنظيم حركة السكان، والتوصل إلى اتفاق حول استخدام إثيوبيا لميناء عصب الإريتري على البحر الأحمر. وإلى جانب ذلك، يوصي بإقامة شراكة مؤسسية طويلة الأمد بين البلدين مستوحاة من نماذج المصالحة الناجحة في مناطق أخرى (ألمانيا وفرنسا)، بما يمهد لتعاون إقليمي أوسع في القرن الأفريقي. ويحذر التقرير من أن غياب مثل هذا المسار قد يقود إلى انتقال غير منظم في إريتريا، بما يحمله من فراغ أمني ونزوح واسع وتهديد للملاحة في البحر الأحمر وزيادة نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب؛ الأمر الذي يجعل الاستقرار الإقليمي مصلحة مشتركة للبلدين والمجتمع الدولي.
استعلاء إثيوبي وتجاهل لسياسات أديس أبابا
وعلى الرغم من النبرة التحليلية لهذا الموضوع، فإنه على عادة كل الأوراق البحثية الإثيوبية، يبالغ في وصف النوايا الحسنة الإثيوبية مقابل إلقاء اللوم على الطرف الآخر في الموضوع محور النقاش. بدايةً تعاني رؤية المعهد من تناقض في الطرح؛ فمن جهة يؤكد التقرير أن النظام الإريتري الحالي يجعل التطبيع شبه مستحيل. ومن جهة أخرى، يبني مشروع السلام المقترح على افتراض إمكانية التوصل إلى اتفاقات طويلة الأمد مع هذا النظام نفسه. يطرح هذا سؤالًا: إذا كان النظام غير قادر بنيويًّا على التعايش الطبيعي، فكيف سيكون شريكًا موثوقًا في تنفيذ إطار سلام واسع ومعقد؟
في جانب ثانٍ يركز التحليل بصورة واضحة على طبيعة النظام الإريتري بوصفه السبب الرئيس لأزمة العلاقات الثنائية، في تقليل لتأثير السياسات الإثيوبية إزاء إريتريا ومظالم ما قبل الاستقلال، والخلافات الحدودية بين البلدين، إلى جانب الصراعات الداخلية في إثيوبيا، والتنافس بين النخب الإثيوبية المختلفة؛ وهي عوامل ألقت بظلالها على العلاقات الثنائية خلال العقود الماضية.
من جانب ثالث يقع التحليل في فخ الاستعلاء والفوقية، عندما يطالب بإصلاحات سياسية داخلية في إريتريا من أجل التوصل إلى اتفاق لتسوية الخلافات بين البلدين؛ وهو أمر لن تتجاوزه إريتريا باعتباره تدخلًا سافرًا في شئونها ونوعًا من فرض الوصاية. وهنا يقع التحليل كذلك في تناقض عندما يقول إن اتفاق السلام المفترض لن يمس سيادة البلدين.
رؤية إثيوبية للاستراتيجية الأمريكية في إريتريا
وفي موقع معهد الشئون الخارجية التابع لوزارة الخارجية الإثيوبية ورد تحليل بقلم “حنان حسين” بعنوان “إساءة قراءة إريتريا: الصراع، والحراك، وفشل التقارب” يستعرض التحليل الاستراتيجية الأمريكية إزاء إثيوبيا في ضوء إعادة الأمريكيين التعامل مع إريتريا بعد سنوات من القطيعة والعقوبات. يشير التحليل إلى إن التحركات الدبلوماسية الأمريكية تجاه إريتريا تتجدد بناءً على ما يصفه “الفرضية الخطأ” ذاتها التي مهدت لتقارب عام 2018م بين إثيوبيا وإريتريا، والتي تزعم أن خفض الضغوط والاندماج الإقليمي كفيلان بتحفيز النظام على الاعتدال. ويزعم كذلك أن هذا النهج يغفل حقيقة أن أسمرة ليست نظامًا معزولًا يرغب في الاندماج، بل نموذج يستند إلى ما يصفه “السيادة القائمة على الصراع”.
وينتقل إلى تفسير هذا المصطلح بقوله إن العسكرة الدائمة، وقمع المجال المدني، واستدعاء التهديدات الخارجية هي الآليات الهيكلية الأساسية التي يعتمد عليها النظام لشرعنة سلطته المركزية وضمان بقائه؛ وهو ما يفسر قبول إريتريا للتأهيل الدبلوماسي الدولي ورفع العقوبات عقب التقارب الإثيوبي “دون تقديم أي تنازلات أو إصلاحات داخلية”.
وينتقل التحليل بعد ذلك إلى الاستراتيجية الأمريكية؛ فيقول إن الولايات المتحدة تخاطر اليوم بتكرار الخطأ التحليلي ذاته مدفوعة بحسابات البحر الأحمر؛ حيث تسيء تفسير مرونة إريتريا التي يصفها بأنها “تكتيكية” تهدف فقط إلى “تخفيف الضغط الخارجي”، وليست تحولًا استراتيجيًّا كما تراه الولايات المتحدة. وينتقل الحديث إلى الهجوم مباشرة على إريتريا بالقول إن “السلام الحقيقي والانفتاح الاقتصادي وتقليص العسكرة خطر وجودي على النظام الشمولي الإريتري؛ لأنه يجرده من مبررات بقائه، ما يجعل الرهان على التقارب الدبلوماسي وحده “عاجزًا عن تحقيق أي تغيير مستدام في سلوك إريتريا”.
أخطاء منهجية وتجاوز للواقع
كعادة التحليلات السياسية الإثيوبية يقع هذا التحليل في تناقضات منهجية ويتجاهل وقائع تاريخية. ومن ذلك أن التحليل يطرح مفهوم “السيادة المعتمدة على الصراع” وكأنه حتمية تاريخية للنظام الإريتري، لا يمكن الفكاك منها، ويغفل مساحات البرجماتية السياسية التي أظهرتها اريتريا في محطات تاريخية مختلفة. حيث أثبت النظام الإريتري في أكثر من مناسبة قدرته على بناء تحالفات متناقضة ومتغيرة (مع دول الخليج، وروسيا والصين، وإثيوبيا نفسها) بناءً على حسابات الربح والخسارة التكتيكية والاستراتيجية؛ ما يعني أن سلوك الدولة ليس جامدًا كليًّا، بل يخضع لحسابات عقلانية ومصالح قومية قد تتغير بتغير الظروف والمحفزات، وليست مرتبطة فقط بـ”فوبيا” التهديد الداخلي.
يركز التحليل كذلك على “الآليات الداخلية” للنظام الإريتري كدافع وحيد لسياساته، متغافلًا في المقابل دور القوى الإقليمية والدولية في تشكيل هذا السلوك. وكذلك يسعى التحليل الى تصوير إريتريا وكأنها تتحرك في فراغ، دون إعطاء وزن حقيقي للمخاوف الأمنية المشروعة أو التهديدات الخارجية التي واجهتها البلاد تاريخيًّا؛ مثل النزاع الحدودي الطويل مع إثيوبيا وعدم تنفيذ إثيوبيا قرار مفوضية الحدود الدولية لسنوات. كذلك يتجاهل التحليل أن تحولات موازين القوى في منطقة القرن الأفريقي، والتنافس الدولي المحموم على البحر الأحمر، يفرضان على أي قيادة في إريتريا اتخاذ مواقف حذرة وعسكرية بغض النظر عن طبيعة نظام الحكم. وأخيرًا، تكتفي الورقة البحثية بنقد المقاربة الأمريكية والتحذير من تكرار أخطاء الماضي، دون تقديم أية بدائل سياسية قابلة للتطبيق. وبنظرة مدققة للموضوع، لا يترك الباحث أي مجال للتعامل السلمي مع اريتريا، فإذا كان الانفتاح الدبلوماسي وتقليل الضغوط غير مجدٍ، وكانت العزلة والعقوبات قد أثبتت فشلها سابقاً في تغيير سلوك النظام، فهذا يعني أنه لم يتبق سوى الحسم العسكري ضد النظام الإريتري لإجباره على “تبني سلوك مقبول لدى إثيوبيا”.
أحدث المنشورات
- أديس أبابا وأسمرة: تخوف إثيوبي من العلاقات الأمريكية الإريترية
- السيناريوهات المحتملة لنتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وانعكاساتها على المشهد السياسي الإسرائيلي
- ديناميات الجماعات المسلحة في أفريقيا (1) حركة الشباب والحوثيون في ضوء رهانات النفوذ الإقليمي والدور المصري لحماية أمن القرن الافريقي
- تحولات انتشار فيروس الإيبولا في إفريقيا وانعكاساته على الأمن الصحي والاستقرار الإقليمي
- الانتخابات الإثيوبية: ديمقراطية مزيفة تحت وطأة الاستقطاب قراءة في السرديات الإعلامية الإثيوبية
- الصومال بين ضغوط الإقليم وفرص التعافي: قراءة في المشهد السياسي والإنساني الراهن في مقديشو
- الضبعة في المنظور الإسرائيلي: بين النفوذ الروسي والقدرة النووية الكامنة وإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية
- صحافة دولية: انتخابات إثيوبيا وتحديات الشرعية والأزمة الإنسانية السودانية
الإثنين, 15 يونيو
