عبدالله فارس القزاز
في سياق داخلي يتسم بتفاوت مستويات السيطرة الأمنية وتباين البنية الإدارية بين الأقاليم، لا يمكن التعامل مع الانتخابات الإثيوبية لعام 2026 بوصفها مجرد استحقاق إجرائي موحد، بل باعتبارها اختبارًا فعليًا لمدى تماسك الدولة وقدرتها على بسط حضورها المؤسسي عبر كامل المجال الجغرافي. إذ لا تتحدد العملية الانتخابية في هذا الإطار فقط من خلال القواعد القانونية أو الجداول الزمنية المنظمة لها، بل ترتبط بدرجة أساسية بتوازنات القوة على الأرض، ومدى قدرة السلطة المركزية على النفاذ إلى الأطراف التي تتباين فيها مستويات الاستقرار والانضباط الإداري.
وفي هذا الإطار، تعكس الخريطة الانتخابية في إثيوبيا بنية الدولة ذاتها، حيث تتشابك المحددات الأمنية مع التحديات اللوجستية، وتتقاطع مع مستويات غير متكافئة من السيطرة السياسية والإدارية، بما يؤدي إلى تباين واضح في أنماط الحضور الانتخابي بين الأقاليم. فبينما تظهر بعض المناطق كفضاءات انتخابية مكتملة من حيث القدرة على التنظيم والتنفيذ، تتحول مناطق أخرى إلى نطاقات تشغيل جزئي أو محدود، في حين تظل مناطق بعينها خارج نطاق التغطية الفعلية للعملية الانتخابية. ولا يعكس هذا التفاوت مجرد إشكالات تنفيذية عابرة، بقدر ما يشير إلى أبعاد أعمق تتصل بحدود السيادة الفعلية للدولة داخل إقليمها، ومدى قدرتها على تحويل القرار المركزي إلى ممارسة ميدانية ممتدة على نحو متكامل.
أولًا: تحديات أمنية بإقليم أوروميا وتوترات مسلحة بأمهرة وإنقسامات بتيغراى
تدخل إثيوبيا انتخابات عام 2026 في سياق جغرافي وسياسي يتسم بدرجة واضحة من عدم التجانس، بما يجعل من تحقيق تغطية انتخابية شاملة على مستوى الدولة مسألة غير مضمونة بالضرورة. فعلى الرغم من التقدم النسبي الذي تحقق على مستوى التنظيم الإداري وتوسيع قاعدة تسجيل الناخبين، فإن قدرة الدولة على تنفيذ العملية الانتخابية تظل متفاوتة بين الأقاليم، وذلك تبعًا لاختلاف مستويات الاستقرار الأمني، وتباين كفاءة البنية التحتية، فضلاً عن درجة السيطرة الفعلية على الأرض.
ومن الناحية الأمنية، تمثل أجزاء واسعة من إقليم أوروميا إحدى أبرز بؤر التعثر المحتمل، في ظل استمرار نشاط جيش تحرير أورومو، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على صعوبة تأمين مراكز الاقتراع وضمان انسيابية حركة الناخبين والمرشحين. كما تُعد بعض مناطق إقليم أمهرة بيئة غير مستقرة نسبيًا نتيجة استمرار التوترات المسلحة وتراجع مستويات السيطرة الأمنية الكاملة، بما يرفع من احتمالات التأجيل أو التعطيل الجزئي للعملية الانتخابية. أما في إقليم تيغراي، فعلى الرغم من انتهاء الحرب رسميًا، فإن استمرار الانقسامات الداخلية وضعف مستويات التوافق السياسي مع الحكومة الفيدرالية يجعل من إمكانية تنظيم انتخابات شاملة أمرًا غير محسوم، وقد يدفع نحو تبني ترتيبات إدارية أو انتخابية جزئية بدلًا من إجراء اقتراع كامل.
ثانياً: المناطق الهشة في إثيوبيا 2026
وعلى الصعيد اللوجستي، تواجه المناطق الريفية والنائية تحديات هيكلية تتصل بضعف البنية التحتية وصعوبة الوصول الجغرافي، إلى جانب محدودية الموارد الإدارية، ولا سيما في المناطق التي تأثرت بالنزاعات أو التي تشهد تراجعًا في الحضور الحكومي. ولا تؤدي هذه التحديات بالضرورة إلى استبعاد رسمي من العملية الانتخابية، بقدر ما تسهم في خلق تفاوت واضح في جودة التنفيذ، بما ينعكس على درجة تكافؤ المشاركة بين المواطنين عبر الأقاليم المختلفة.
أما من الناحية السياسية والإدارية، فيظل العامل الحاسم مرتبطًا بتفاوت قدرة الدولة على بسط سيطرتها الفعلية على المجال الإقليمي. فالمناطق التي تشهد حضورًا حكوميًا محدودًا أو تنازعًا في النفوذ قد تُدار فيها العملية الانتخابية بصورة جزئية أو رمزية، أو يتم تأجيلها وفقًا للمعطيات الميدانية، بما يجعل من شمول العملية الانتخابية مسألة ترتبط بدرجة السيطرة الفعلية أكثر من ارتباطها بالإطار القانوني الموحد.
ثالثا: هل يتكرر نموذج انتخابات 2021؟
(انسحابات متوقعة ومقاطعة قطاعات من المعارضة وتأجيلات في عدد من الأقاليم بإنتخابات 2026)
دخلت إثيوبيا مسار الانتخابات العامة لعام 2026 عبر إعلان رسمي من الهيئة الوطنية للانتخابات، حيث تم تحديد الأول من يونيو 2026 موعدًا للاقتراع في الانتخابات العامة السابعة، بالتوازي مع إطلاق جدول زمني يتضمن مراحل التسجيل والترشح والحملة الانتخابية بشكل متدرج منذ أواخر عام 2025 وحتى منتصف 2026. وقد مثّل فتح باب تسجيل الناخبين في مارس 2026 محطة مركزية ضمن هذا المسار، إذ انطلقت العملية في السابع من مارس، قبل أن يتم تمديدها عدة مرات حتى أواخر أبريل نتيجة تحديات لوجستية وأمنية. ووفق بيانات رسمية صادرة في أبريل 2026، تجاوز عدد المسجلين 46 مليون ناخب، بما يعكس اتساع نطاق المشاركة على المستويين الإداري والتنظيمي مقارنة بالدورات السابقة،
رابعاً: محددات التشابه والاختلاف
رغم استمرار الجدل بشأن مستويات الشفافية وتكافؤ فرص الوصول إلى مراكز التسجيل، يبدو المسار التنظيمي لانتخابات 2026 أكثر هيكلة نسبيًا مقارنة بانتخابات 2021، التي جرت في سياق استثنائي اتسم بدرجة عالية من الاضطراب، في ظل تأثير مباشر للحرب في تيغراي، إلى جانب انسحاب أو مقاطعة قطاعات من المعارضة، فضلًا عن تأجيلات متكررة في عدد من الأقاليم. وعلى النقيض من ذلك، تسعى انتخابات 2026 إلى تقديم صورة أكثر انتظامًا من حيث الجدولة الزمنية، وتوسيع قاعدة التسجيل، وتعزيز الأدوات الإدارية، وهو ما يتم تقديمه رسميًا باعتباره مؤشرًا على اتجاه نحو مأسسة العملية الانتخابية.
غير أن هذا التحسن الإجرائي لا يلغي استمرار أوجه التشابه مع انتخابات 2021 على مستوى البيئة السياسية والأمنية. ففي كلا الحالتين، تواجه العملية الانتخابية قيودًا واضحة على حركة المعارضة، مع استمرار هيمنة القيادة السياسية القائمة بزعامة آبي أحمد وحزبه على إدارة المجال السياسي، في مقابل معارضة تعاني من التشتت وضعف التنظيم. كما أن استمرار الهشاشة الأمنية في عدد من الأقاليم الرئيسية يجعل من التطبيق الفعلي للعملية الانتخابية غير متكافئ، حتى في ظل وجود إطار قانوني موحد من الناحية الشكلية.
أما على مستوى الاختلافات الجوهرية، فتتميز انتخابات 2026 باتساع نطاق التوترات الجغرافية مقارنة بعام 2021. فبينما تمحور المشهد في الدورة السابقة حول بؤرة صراع رئيسية تمثلت في تيغراي، يتسم الوضع الحالي بتعدد بؤر التوتر، حيث تشمل تيغراي وأوروميا وأجزاء من أمهرة، مع استمرار نشاط جماعات مسلحة في أكثر من إقليم. ويعكس هذا التعدد انتقال البيئة الانتخابية من نمط الصراع المتمركز إلى حالة من التشظي، بما يفرز خريطة انتخابية غير متجانسة من حيث مستويات الاستقرار وإمكانية التطبيق.
خامساً: أنماط مختلفة من القيود على إجراء الاقتراع بعدد من الأقاليم
ومن زاوية الجغرافيا الانتخابية، من المرجح أن تواجه بعض الأقاليم قيودًا متفاوتة على إجراء الاقتراع بشكل كامل. إذ يظل إقليم تيغراي من أكثر المناطق هشاشة في ظل استمرار الانقسامات الداخلية وتوتر العلاقة بين الإدارة المحلية والحكومة الفيدرالية، بما قد يؤدي إلى تقليص فعالية المشاركة أو فرض تأجيلات موضعية.
كما تشهد أجزاء واسعة من إقليم أوروميا نشاطًا مسلحًا مستمرًا، بما يفرض تحديات أمنية على مراكز الاقتراع ويقيد حرية الحركة الانتخابية، في حين تستمر حالة عدم الاستقرار في بعض المناطق الواسعة بإقليم أمهرة، بما يجعل من إمكانية إجراء انتخابات مكتملة هناك محل تساؤل.
سادساً: إجراء انتخابات 2026 في ظل أجواء جيوسياسية معقدة
وفي سياق متصل، يبرز أحد أهم أوجه الاختلاف مقارنة بانتخابات 2021 في تصاعد البعد الإقليمي المحيط بالعملية الانتخابية. إذ تأتي انتخابات 2026 في ظل بيئة جيوسياسية أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها التوترات مع إريتريا بشأن القضايا الحدودية والمنفذ البحري، إلى جانب استمرار أزمة سد النهضة مع مصر والسودان، بما يضفي على الانتخابات بعدًا خارجيًا أكثر وضوحًا مقارنة بالدورة السابقة. ويعكس هذا التداخل اتساع نطاق تأثير العوامل الإقليمية على المسار الانتخابي، بحيث لم يعد مقتصرًا على ديناميات الداخل فقط، بل بات مرتبطًا بتوازنات أوسع على مستوى الإقليم.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن نموذج انتخابات 2021 لا يتكرر بصورة حرفية، بقدر ما يعاد إنتاجه على مستوى الوظيفة، من حيث استمرار اختلال شروط التنافس السياسي، مع تحول في طبيعة الأزمات من بؤرة صراع مركزية إلى شبكة ممتدة من الأزمات متعددة المستويات. ويؤدي هذا التحول إلى توسيع نطاق العملية الانتخابية من حيث الجغرافيا، مقابل زيادة درجة تعقيدها من حيث القدرة على إنتاج شرعية سياسية مستقرة.
سابعاً: سيناريوهات الانتخابات المقبلة بين إعادة إنتاج الأزمة وفرص الاستقرار
تفاوت الأمن واللوجستيات وحدود التغطية الانتخابية
تكشف معطيات المشهد السياسي في إثيوبيا، بالتوازي مع الخطاب الذي ألقاه آبي أحمد أمام البرلمان في فبراير 2026، أن الانتخابات المقبلة تتحرك ضمن بيئة سياسية لا تزال خاضعة لهيمنة واضحة للسلطة التنفيذية، مع اتجاه لإعادة تشكيل أدوات إنتاج الشرعية بدلًا من إعادة توزيعها بين الفاعلين السياسيين. ويعكس هذا الخطاب توجهًا نحو تثبيت صورة الاستقرار الاقتصادي والسياسي، مع تحميل المرحلة السابقة كلفة الأزمات، في إطار زمني يسبق الاستحقاق الانتخابي، بما يشير إلى سعي لإعادة تجديد التفويض السياسي دون إدخال تغييرات بنيوية على موازين القوة القائمة.
السيناريو الأول: فوز الحزب الحاكم وإعادة إنتاج السيطرة المركزية
ينطلق هذا السيناريو من فرضية استمرار هيمنة حزب الازدهار بقيادة آبي أحمد على المشهد السياسي خلال انتخابات 2026، في ظل بنية مؤسسية تميل لصالح السلطة القائمة، إلى جانب تفوقها التنظيمي مقارنة بمعارضة تعاني من التشتت وضعف القدرة على التنسيق. وتشير المعطيات المرتبطة بتطور المشهد السياسي خلال الفترة من 2024 إلى 2026 إلى أن الدولة نجحت في الحفاظ على إطار انتخابي منظم على المستوى الشكلي، من خلال توسيع قاعدة تسجيل الناخبين لتشمل عشرات الملايين، وتثبيت جدول انتخابي واضح، بالتوازي مع استمرار تراجع تأثير الفاعلين المعارضين وعدم قدرتهم على تشكيل تحالف وطني موحد. كما يعزز الخطاب السياسي الرسمي هذا الاتجاه عبر تقديم الدولة باعتبارها في مرحلة استقرار اقتصادي وسياسي، وربط مسار التنمية باستمرار القيادة الحالية، بما يعيد تعريف الانتخابات كآلية لترسيخ الاستمرارية بدلًا من كونها أداة لإعادة توزيع السلطة.
وفي هذا الإطار، يؤدي تحقق هذا السيناريو إلى ترسيخ نموذج حكم مركزي قائم على شرعية انتخابية شكلية، مع استمرار اختلال التوازن بين المركز والأقاليم، خاصة في ظل بقاء بؤر التوتر في تيغراي وأوروميا وأجزاء من أمهرة. وتتمثل المخاطر الرئيسية في تعميق فجوة الشرعية السياسية في المناطق التي تخرج عن نطاق السيطرة الكاملة، إلى جانب تزايد الاعتماد على الأدوات الأمنية لضبط المجال السياسي، مقابل محدودية فعالية التمثيل التعددي. كما أن توظيف القضايا السيادية، مثل ملف سد النهضة والعلاقات مع إريتريا، يعزز من مركزية الدولة على مستوى الخطاب، لكنه في الوقت ذاته يحد من فرص بناء توافق داخلي واسع.
ولضبط هذا المسار، تعتمد السلطة على مزيج من الأدوات السياسية والأمنية، يشمل إدارة العملية الانتخابية ضمن إطار مؤسسي منضبط، وتوسيع الخطاب التنموي بهدف احتواء الضغوط الاجتماعية، إلى جانب الحفاظ على تماسك الأجهزة الأمنية في الأقاليم الحساسة. ويعني نجاح هذا السيناريو إنتاج حالة من الاستقرار السياسي النسبي على المستوى المؤسسي، إلا أنه استقرار يقوم على إعادة إنتاج البنية السياسية القائمة دون معالجة الجذور العميقة للصراعات الإثنية والإقليمية.
السيناريو الثاني: انتخابات منقوصة التغطية وإعادة توزيع الأزمة جغرافيًا
يفترض هذا السيناريو أن انتخابات 2026 ستُجرى ضمن نطاق جغرافي غير متكامل، نتيجة استمرار التوترات الأمنية في عدد من الأقاليم، بما يؤدي إلى تفاوت واضح في تطبيق العملية الانتخابية بين المركز والأطراف. وتشير المعطيات الميدانية إلى استمرار عدم الاستقرار في أجزاء من أوروميا بفعل نشاط الجماعات المسلحة، إلى جانب هشاشة الوضع في تيغراي نتيجة الانقسامات الداخلية وعدم اكتمال التسوية السياسية، فضلًا عن اضطرابات متفرقة في أمهرة، وهو ما يجعل من ضمان تغطية انتخابية شاملة أمرًا صعب التحقق. وفي هذا السياق، يعكس الخطاب السياسي الرسمي إدراكًا ضمنيًا لتعدد بؤر الأزمة، من خلال التركيز على إدارة الاستقرار بدلًا من معالجته جذريًا، بما يفتح المجال أمام نموذج انتخابي جزئي أو متدرج من حيث التطبيق.
ويؤدي تحقق هذا السيناريو إلى إنتاج سلطة ذات شرعية جغرافية غير مكتملة، حيث تُدار الدولة وفق تفاوت في مستويات المشاركة السياسية بين الأقاليم، بما يعزز نمط الحكم القائم على إدارة الأزمات بدلًا
من إنكشاف الحدود السيادة الفعلية للدولة.
ختامًا:لا يمكن قياس انتخابات إثيوبيا لعام 2026 فقط من زاوية انتظامها الإجرائي أو اكتمال مسارها القانوني، بقدر ما يُقاس جوهرها بمدى قدرتها على إنتاج تغطية سياسية وجغرافية متكافئة داخل دولة ماتزال تتسم بتباين واضح في مستويات السيطرة من إقليم إلى آخر. فالتفاوت القائم بين مناطق مستقرة وأخرى مضطربة، وبين فضاءات خاضعة لسلطة المركز بشكل مباشر وأخرى تُدار عبر ترتيبات محلية أو نفوذ غير مركزي، يجعل من العملية الانتخابية انعكاسًا مباشرًا لبنية الدولة ذاتها، أكثر من كونها حدثًا سياسيًا منفصلًا عنها.
وبناءً على ذلك، فإن الصورة النهائية للانتخابات لا تُختزل في نتائجها أو في مخرجاتها السياسية فقط، بل تمتد إلى ما تكشفه من حدود السيادة الفعلية للدولة، وقدرتها على تحويل أدواتها المؤسسية والتنظيمية إلى حضور ميداني شامل على كامل الجغرافيا الوطنية. فبينما تُدار العملية الانتخابية ضمن إطار قانوني وإجرائي منظم، يظل جوهرها محكومًا بتفاوتات المكان والسلطة والأمن، بما يجعلها أقرب إلى اختبار فعلي لمدى تماسك الدولة واستقرارها البنيوي، لا مجرد محطة دورية لتجديد الشرعية السياسية.

اترك تعليقاً
