ا.د مروة إبراهيم
ملخص
تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية لطبيعة العلاقات الإثيوبية-الكينية المعاصرة، ورصد نهج “الدبلوماسية التنموية” الذي تبنته الحكومة الفيدرالية الإثيوبية عبر محاولة الفصل الاستراتيجي بين التوترات الحدودية وتأسيس شراكة كبرى تُحوّل خطوط التماس إلى ممرات للتكامل الاقتصادي والاستقرار الإقليمي. وقد تجسد هذا النهج مبدئيًا في الدلالة السياسية اللافتة التي حملتها مشاركة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد كضيف شرف رئيس في احتفالات كينيا الوطنية بـ«يوم الأبطال»؛ حيث تعمّد حينها استحضار الإرث النضالي المشترك وموازنته بمعركة “عدوة” التاريخية، لتغليب منطق المصالح الاستراتيجية الكبرى والربط الاقتصادي، غير أن التطورات المستمرة واللاحقة – المتمثلة في تفاقم الصراعات الأمنية والعرقية عبر الشريط الحدودي بين البلدين، ولا سيما في بلدة “مويالي” المقسمة شماليًا ناحية إثيوبيا وجنوبيًا ناحية كينيا-والتي باتت المسرح الأبرز للتوترات الإدارية والعرقية – حيث امتدت آثار تلك الصراعات الجيوسياسية لتهدد حركة التجارة الإقليمية ودول الجوار عبر نزوح آلاف الفارين نحو العمق الكيني؛ حيث عبر نحو 50000 شخص تقريبًا الحدود باتجاه شمال كينيا، وقد وضعت هذه المقاربة علاقات البلدين أمام اختبار حقيقي، مبرزة التحديات الهيكلية التي قد تُعطل كفاءة هذا الخطاب السياسي وتكشف حدود الفصل بين الطموحات التنموية والواقع الأمني المعقد.
وتأتى التحركات الاثيوبية فى محاولة لكسر العزلة الاقليمية التى تسببت فيها التوترات الاثيوبية مع غالبية دول الجوار الاخرى نتيجة لمماراساتها التوسعية ودعمها للميليشيات المسلحة وخطابها العدائى ودعمها للاقاليم الانفصالية وتبنى سياسة أحادية تحت دعاوى تنموية.
تطرح الورقة تساؤلًا رئيسًا مفاده: كيف تُسهم سياسة “الدبلوماسية التنموية” والإطار الفكري لفلسفة آبي أحمد في إعادة تشكيل واقع العلاقات الإثيوبية–الكينية، وتجاوز الهشاشة الأمنية والنزاعات الرعوية على الشريط الحدودي لصالح التكامل الاستراتيجي والإقليمي؟ ويتفرع من تلك التساؤل تساؤلات ثانوية من أهمها:
ما خلفية العلاقات التاريخية والروابط السياسية بين أديس أبابا وكينيا؟ كيف تؤثر التوترات العرقية بين المجتمعات الرعوية العابرة للحدود والتحديات البيئية على الهشاشة الأمنية للشريط الحدودي المشترك؟ ما طبيعة آليات “الفصل الإجرائي” التي تعتمدها الحكومة الإثيوبية لعزل النزاعات المحلية عن المصالح الاستراتيجية الكبرى، وكيف تُسهم مشاركة آبي أحمد في “يوم الأبطال” واستحضار رمزية معركة عدوة لتعزيز هذا التوجه؟
التأسيس التاريخي السياسي للعلاقات الإثيوبية الكينية (1907 – 1970م)
تعود العلاقات الإثيوبية–الكينية إلى شراكة استراتيجية وتاريخية، امتدت لعدة عقود في منطقة قرن أفريقيا؛ إذ بدأت إرهاصاتها بمعاهدة تحديد الشريط الحدودي عام 1907م بين الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني والإدارة الاستعمارية البريطانية، لتثبيت الحدود الشمالية لمحمية شرق أفريقيا، وتلاها تأسيس أول قنصلية إثيوبية في نيروبي عام 1954م، لتسهيل شؤون الرعاة وتأمين الممرات الحدودية في خضم حركات التحرر الكينية. وتوثقت هذه الروابط رسمياً فور نيل كينيا استقلالها عام 1963م، وذلك بعقد اتفاقية الدفاع المشترك (1963-1964م) بين الإمبراطور هيلا سيلاسي والرئيس جومو كينياتا لمواجهة التهديدات الإقليمية المتبادلة وتأمين حدود البلدين، لا سيما في ظل تصاعد حركة الانفصال الصومالية (“حرب شيفتا”) ودعوات التوسع التي هددت أراضي الدولتين آنذاك، وقد عينت أول سفيرة لإثيوبيا عام 1961م. ثم اكتملت هذه الركائز الدبلوماسية بتوقيع معاهدة ترسيم الحدود النهائية في مومباسا بكينياعام 1970م، برعاية اللجان الفنية لتحديد علامات الحدود (Pillars)، بهدف فض النزاعات وحسم الخلافات بين القبائل الرعوية الحدودية المتداخلة، مما أسس لإطار قانوني وسياسي مستقر، ولمحاولة دعم العلاقات بين أديس أبابا ونيروبي وتفادي حدوث ما يعرقل تلك العلاقات.
الهشاشة الحدودية والتعقيدات العرقية وأبعادها
تُشكّل العلاقات التاريخية والسياسية بين كينيا وإثيوبيا نموذجًا مستقرًا ورسميًا إلى حد ما في شرق أفريقيا، إلا أن هذا الاستقرار يواجه اختبارات ميدانية وضغوطًا مستمرة تنبع من الهشاشة الأمنية والتحديات البيئية الممتدة عبر الشريط الحدودي المشترك، والبالغ طوله نحو 861 كيلومترًا. وتتأثر كينيا بصورة مباشرة وغير مباشرة بالاضطرابات الداخلية والنزاعات المسلحة والتوترات العرقية المتفاقمة في إثيوبيا، حيث تتجاوز تداعيات هذه الأزمات الحدود السياسية لتلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي من خلال عدة أبعاد رئيسة: ضغوط اللاجئين والأزمات الإنسانية: تتدفق أعداد كبيرة من النازحين واللاجئين الفارين من القتال وموجات الجفاف عبر الحدود – ولا سيما نحو مقاطعة “مارسابيت” ومدينة “مويالي” الكينية – مما فرض عبئًا ثقيلًا على الخدمات الأساسية المحدودة مثل المياه والغذاء والرعاية الصحية.
التداخل العرقي والتنافس على الموارد: يتشارك الجانبان روابط قبائل ورعاة عابرة للحدود (مثل البورانا والأورومو)؛ ورغم أن هذه الأواصر تُيسّر استضافة النازحين، إلا أن حركة الماشية والبحث المستمر عن الكلأ والمياه يُجهدان البيئة المحلية ويُذكِيان النزاعات العشائرية بين المجتمعات الرعوية على طرفي الحدود. التحديات الأمنية وإدارة الشريط الحدودي: تواجه السلطات الكينية استنفارًا أمنيًا دائمًا لمنع امتداد الصراعات المسلحة وتسلل الجماعات المسلحة، إلى جانب المخاوف المتزايدة من انتعاش تجارة وتهريب الأسلحة الخفيفة عبر الحدود غير المنضبطة.
الأبعاد الاقتصادية والتجارية: تتباطأ حركة الشحن والتبادل التجاري البري عبر الشريان الاقتصادي الحيوي الرابط بين أديس أبابا ونيروبي (طريق مويالي)، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف السلع والإضرار بالنشاط الاقتصادي المحلي للبلدات الحدودية.
الاشتباكات العرقية المتكررة: وتعد الاشتباكات العرقية أبرز المشاكل التى تسهم فى تزايد التوترات بين المجتمعات الرعوية، وفي مقدمتها: قبائل البورانا: فرع محوري من شعب الأورومو يتمركز بين جنوب إثيوبيا وشمال كينيا (في مناطق مثل بورانا، ومويالي، ومارسابيت). وقبائل التركانا: إحدى كبرى المجموعات العرقية النيلية الشرقية المنتمية لتكتل “أتيكير” – الذي يضم أيضًا قبائل الكاراموجونغ في أوغندا والتوبوسا في جنوب السودان – وتستوطن الإقليم الشمالي الغربي لكينيا محاذاةً لبحيرة توركانا وحوض نهر أومو، عند نقطة تماس ثلاثية حساسة تجمع بين كينيا وإثيوبيا (قبالة قبيلتي البورانا والداساناش) وجنوب السودان، بالقرب من “مثلث إليمي” المتنازع عليه تاريخيًا. وقبائل النيانغاتوم (المعروفة بـ “البومي”): مجموعة نيلية شرقية تنتمي كذلك لتكتل “أتيكير” وتستوطن وادي نهر أومو السفلي بجنوب إثيوبيا والمناطق الحدودية المتاخمة. وتُشكّل بنمطها الاقتصادي المزدوج (الذي يدمج بين الرعي المترحل وزراعة ضفاف الأنهار) وتاريخها المسلح طرفًا فاعلاً في معادلة التنافس على الموارد، ومحورًا رئيسًا لمبادرات السلام التي تديرها اللجان الأمنية المشتركة بين أديس أبابا ونيروبي.
تنتشر هذه النزاعات الحدودية بفعل ظواهر أمنية معقدة مثل غارات سرقة الماشية وانتشار الأسلحة الخفيفة، فضلاً عن الملفات البيئية والمائية الحساسة وشح الموارد؛ وعلى رأسها المخاوف الكينية من التأثيرات الهيدرولوجية لسد “جيلجل جيب” الإثيوبي على انخفاض تدفقات نهر أومو وتراجع منسوب بحيرة توركانا الحدودية، مما ينعكس سلبًا على سبل عيش المجتمعات المحلية واقتصاد الصيد التقليدي.
تُسلّط أحداث العنف المتصاعدة حاليًا في بلدة “مويالي” الحدودية الضوء مجددًا على هشاشة البنية الأمنية والتعقيدات العرقية في المناطق الفيدرالية الإثيوبية. فقد تحول خلاف محلي حول رمزية إقليمية، إلى مواجهات عسكرية بالأسلحة الثقيلة بين قوات إقليَمي “أوروميا” و”صومالي”. ولم تقتصر تبعات هذا التصعيد المتواصل على حصد الأرواح وتعميق الشلل الخدمي والتعليمي داخل المدينة فحسب، بل امتدت آثاره الجيوسياسية لتهدد حركة التجارة الإقليمية ودول الجوار عبر نزوح آلاف الفارين نحو العمق الكيني؛ حيث عبر نحو 50000 شخص تقريبًا الحدود باتجاه شمال كينيا وفقاً لتقديرات المنظمة الدولية للهجرة ، إلى جانب لجوء الآلاف إلى البلدات القريبة وتحديداً ضمن منطقة “بورانا” التابعة لإقليم أوروميا قرب الحدود الكينية. مما يعكس عجز الآليات المحلية عن احتواء الأزمات قبل ارتدادها على الإقليم برمته.
آفاق الشراكة المعاصرة والدبلوماسية التنموية
بالرغم من التناقض الصارخ بين الاستقرار الدبلوماسي الرسمي والتوتر الحدودي الميداني بين إثيوبيا وكينيا، تتبنى أديس أبابا في الوقت الراهن سياسة “الدبلوماسية التنموية”؛ القائمة على الفصل التكتيكي بين التحديات الأمنية المحلية والمصالح الاستراتيجية الكبرى. وتتجلى هذه السياسة عبر محورين رئيسين: المحور الأول: القوة الناعمة والتضامن الرمزي: ويبرز في حرص رئيس الوزراء الإثيوبي على المشاركة الرسمية في الأعياد الوطنية الكينية، ولا سيما احتفالات “يوم الأبطال” (يسمى ماشوجا التى تعني باللغة السواحيلية “الأبطال) بمدينة إلدوريت في أواخر أكتوبر من كل عام – وهو يوم يُخصص لتكريم مناضلي الاستقلال الكيني. وتهدف هذه الدبلوماسية الرمزية إلى إعادة تعريف الشريط الحدودي وتحويله من بؤر احتكاك أمني إلى ممرات للرخاء والتكامل الإقليمي.
المحور الثاني: التأطير الفكري وتوظيف فلسفة “الميديمر (Medemer)
في توثيق علاقات أبي أحمد الخارجية (وهي العقيدة السياسية والاقتصادية لآبي أحمد، والتي تعني “التآزر” أو “التكامل التجميعي”، تقوم هذه الفلسفة وفقاً لرؤيته على استثمار مكامن القوة المتبادلة وربط الإرث التاريخي بالرؤية الاستشرافية لبناء قدرات مشتركة تتجاوز الأزمات). وقد انعكس هذا التوجه في الخطاب السياسي لآبي أحمد – كما وصفته المواقع الإخبارية – الذي دعا فيه إلى تعزيز التعاون بين إثيوبيا وكينيا، مؤكداً “أن البلدين الجارين يجب أن يبنيا مستقبلاً مشتركاً يقوم على تاريخهما المتشابك، ومصالحهما المتبادلة، وتطلعاتهما نحو الرخاء؛ حيث أشاد بأبطال البلاد الذين ناضلوا من أجل الاستقلال وقدموا تضحيات جسام للدفاع عن سيادتها”، كما عقد رئيس الوزراء مقارنة بين إرث البطولة والتضحية في كينيا وبين النصر التاريخي لإثيوبيا في معركة عدوة، مستحضراً رمزية تلك المعركة التاريخية (1896م) – التي حققت إثيوبيا من خلالها انتصارًا عسكريًا على إيطاليا- ومقارناً إياها بنضال كينيا ضد الاستعمار البريطاني (ثورة الماو ماو1952-1960م). وأشار رئيس الوزراء إلى أن هذه التجارب التاريخية المشتركة تقدم درساً خالداً مفاده: «إن الحرية لا تُمنح أبداً، بل تُنتزع بالشجاعة والوحدة والتضحية».
سعت أديس أبابا إلى ترجمة هذا التضامن الرمزي إلى شراكة اقتصادية واعدة؛ دعمها تعاون ملموس في مجالات البنية التحتية، تمثل في تصدير الطاقة النظيفة، وتطوير ممر لابسيت (LAPSSET) لربط الموانئ الكينية بالأسواق الإثيوبية، فضلاً عن تعزيز الاتصالات والتجارة البينية وتفعيل اللجان الحدودية المشتركة، وهو ما يعكس سعيها الحثيث نحو تعزيز العلاقة بين البلدين.
ختامًا
هدفت هذه الورقة إلى تفكيك مسارات العلاقات الإثيوبية – الكينية المعاصرة وإبراز أبعادها؛ فبالرغم من رصد التوترات والنزاعات الحدودية المتفاقمة بين البلدين، تسعى إثيوبيا في عهد رئيس الوزراء آبي أحمد إلى تعميق ما يُعرف بـ”الدبلوماسية التنموية”، وتقوم هذه المقاربة على الفصل الاستراتيجي والتكتيكي بين التحديات الأمنية والنزاعات المحلية المزمنة من جهة، وبين المصالح الكبرى ومشاريع التكامل الاقتصادي العابرة للحدود من جهة أخرى، فى محاولة لكسر العزلة الاقليمية التى تسببت فيها التوترات الاثيوبية مع غالبية دول الجوار الاخرى نتيجة لمماراساتها التوسعية ودعمها للميليشيات المسلحة وخطابها العدائى ودعمها للاقاليم الانفصالية وتبنى سياسة أحادية تحت دعاوى تنموية.
تجسدت هذه الدبلوماسية في عدة محاور؛ أبرزها : المشاركة في فعاليات “يوم الأبطال”، واستحضار الإرث النضالي، وتوظيف الذاكرة التاريخية المتمثلة في نضال كينيا التحرري عبر موازنته بمعركة “عدوة” الإثيوبية. علاوة على ذلك، توظيف فلسفة “الميديمر” (التآزر التجميعي) لتحويل الشريط الحدودي من خطوط تماس صراعية إلى ممرات للرخاء الإقليمي.
غير أن الصراعات الحدودية الأخيرة تفصح عن تحديات هيكلية وأمنية قد تُعطل كفاءة هذه المقاربة؛ إذ تظل الدبلوماسية التنموية – التي تتبناها الحكومة الفيدرالية عبر المشاركة في الاحتفالات الوطنية الكينية، والمضي قدمًا في المشاريع التحتية الكبرى كتصدير الطاقة النظيفة، وتطوير ممرلابسيت (LAPSSET)، وتفعيل اللجان الحدودية المشتركة – بحاجة إلى ضمانات أكثر موثوقية لمستقبل الاستقرار في قرن أفريقيا، واحتواء النزاعات المحلية والعمل الجاد على تسويتها من جذورها.
