حسين محمود التلاوي
شهدت إثيوبيا منذ 18 أكتوبر 2026 تصعيدًا مسلحًا بين جماعات من الأورومو والصوماليين في منطقة مويالي الحدودية بين الإقليم الصومالي في إثيوبيا وإقليم الأورومو، على خلفية خلافات تاريخية حول ترسيم الحدود الإدارية بين إقليمي أوروميا والإقليم الصومالي. وتكتسب المنطقة حساسيتها من خضوع أجزاء من مدينة مويالي للإدارة الأورومية، وأجزاء أخرى للإدارة الصومالية، فضلًا عن التداخل السكاني والاقتصادي بين المجتمعات المحلية على جانبي الحدود. وتستطلع هذه الورقة أبعاد هذه الأزمة ودلالاتها على مستوى الأزمة في الداخل الإثيوبي وخطط إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر من خلال إقليم أرض الصومال الانفصالي، وهنا تشير تلك الورقى الى تزامن ثلاثة مستويات من الاضطراب: صراع مسلح بين الحكومة والمعارضة المسلحة، ونزاعات عرقية وإدارية بين الأقاليم، وامتدادات للازمة عابرة للحدود.
خلفيات الأزمة
جاءت الشرارة المباشرة للاشتباكات، عندما افتتحت سلطات الإقليم الصومالي مكتبًا إداريًّا جديدًا في منطقة متنازع عليها داخل مويالي؛ وهي حي كيبيلي 2، ورفعت علم الإقليم؛ ما اعتبره الأورومو محاولة لفرض سلطة إدارية صومالية على المنطقة. وأعقب ذلك اشتباك بين الشرطة التابعة للإقليم الصومالي ومسلحين من الأورومو، أسفر عن مقتل فتاة أورومية تبلغ 13 عامًا، وسط اختلاف الروايات بشأن ظروف مقتلها.
وعلى الرغم من التوصل إلى تفاهم بين وجهاء محليين وقوات الأمن لإزالة العلم وتعليق افتتاح المكتب، أعادت الاحتجاجات المتبادلة التصعيد، قبل أن تتجدد الاشتباكات في 22 أكتوبر وتنتشر في مناطق أخرى؛ منها مالاب وتشاموك وبوله وواكو دوجو، فضلًا عن مناطق في مديريتي أريرو وواتشيل. وتتركز المواجهات بصورة أساسية بين جماعة البورانا الأورومية وجماعة الغرّي الصومالية، مع مشاركة الشرطة الإقليمية والمليشيات المحلية في القتال.
ولا تقتصر جذور الأزمة على الخلاف الإداري الأخير؛ إذ تعود إلى نزاعات أقدم حول الحدود والأراضي والمراعي ومصادر المياه والنفوذ المحلي، تفاقمت بعد استفتاء ترسيم الحدود عام 2004، ثم تجددت بصورة واسعة خلال الفترة 2017-2019. ووفقًا لمنظمة أكليد، امتد القتال في أكتوبر إلى عدد من المواقع المرتبطة تاريخيًّا بالنزاع بين البورانا والغرّي، قبل أن يتراجع نسبيًّا أواخر الشهر، مع استمرار التوتر.
اضطرابات بورمة في أرض الصومال
لم تظل تداعيات الاشتباكات داخل الأراضي الإثيوبية، بل امتدت إلى كينيا وإقليم أرض الصومال الانفصالي، في انعكاس لطبيعة الروابط الاجتماعية والعشائرية العابرة للحدود في منطقة القرن الأفريقي.
في كينيا، تسببت المواجهات في موجة نزوح واسعة باتجاه مقاطعة مارسابيت، حيث قدرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أعداد العابرين من إثيوبيا بنحو 50 ألف شخص في أواخر أكتوبر، مع صعوبة التحقق من العدد بسبب إقامة بعض النازحين لدى عائلات ومجتمعات محلية؛ فلا يقيم كل النازحين في مخيمات الإيواء. وأثارت موجة النزوح مخاوف من الضغط على الموارد والخدمات المحلية، فضلًا عن انتقال التوترات العرقية إلى المجتمعات الحدودية الكينية، وسط تحذيرات من التصريحات السياسية التي قد تؤجج الانقسامات، التي تشير تصريحات عدد من الساسة الكينيين إلى أنها انتقلت إلى المجال السياسي والأمني الكيني.
في إقليم أرض الصومال، شهدت مدينة بورمة، عاصمة إقليم أودال، اعتداءات استهدفت سكانًا إثيوبيين، معظمهم من الأورومو. ووفقًا لتقرير BBC الصومالية في 30 أكتوبر، أفاد سكان بأن أكثر من 150 منزلًا مملوكًا لإثيوبيين تعرضت للتخريب أو النهب خلال يومين، مع إحراق بعض المنازل والاستيلاء على ممتلكات، واضطرار بعض الأسر إلى اللجوء إلى مطار المدينة ومواقع أخرى أكثر أمنًا. وربط السكان الاعتداءات بتداعيات الاشتباكات في مويالي، مشيرين إلى تنظيم مجموعات من الشباب لاستهداف الإثيوبيين؛ وبوجه خاص الأورومو.
وعلى المستوى الرسمي، أدانت سلطات أرض الصومال الاعتداءات، وأعلن مسؤولون محليون اعتقال مشتبه في تورطهم وملاحقة آخرين، فيما دعا عمدة بورمة الشباب إلى عدم الانسياق وراء المنشورات ومقاطع الفيديو التحريضية. وتكشف هذه التطورات أن الارتباطات العرقية والعشائرية قد تتجاوز الحدود السياسية، وأن الصراعات المحلية داخل إثيوبيا قابلة للانتقال إلى مجتمعات مجاورة، حتى في ظل اختلاف جنسية السكان ومواقع إقامتهم.
دلالات الأزمة على وحدة النسيج الإثيوبي
تكتسب اشتباكات مويالي أهمية تتجاوز نطاقها الجغرافي؛ لأنها تتزامن مع تصاعد المواجهة بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وقوى المعارضة المسلحة في مناطق أخرى، وبوجه خاص أمهرة وتيجراي. ففي سبتمبر 2026، أعلنت 7 جماعات مسلحة تشكيل تحالف “القوات الإثيوبية من أجل البقاء”، الذي يضم جبهة تحرير شعب تيجراي، والحركة الوطنية لقوات فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب حركات أخرى من أقاليم مختلفة. وأعلن التحالف استهداف إسقاط حكومة آبي أحمد، مع طرح التعاون السياسي والعسكري بين مكوناته.
وقد تجددت الاشتباكات في تيجراي بين القوات الفيدرالية ومقاتلي الجبهة، وسط شبه اختفاء كامل لاتفاق بريتوريا للسلام الموقع عام 2022، كما استمرت المواجهات بين القوات الحكومية ومسلحي فانو في أمهرة. وشهدت المنطقة الأخيرة، في أواخر أكتوبر، هجمات بطائرات مسيرة على مخيم للنازحين أسفرت عن مقتل 15 شخصًا على الأقل، وفقًا لمصادر نقلتها رويترز.
تزامن ثلاثة مستويات من الاضطراب:
صراع مسلح بين الحكومة والمعارضة المسلحة، ونزاعات عرقية وإدارية بين الأقاليم، وامتدادات للازمة عابرة للحدود
وتتجلى خطورة هذه التطورات في تزامن ثلاثة مستويات من الاضطراب: صراع مسلح بين الحكومة الفيدرالية وقوى معارضة منظمة، ونزاعات عرقية وإدارية بين أقاليم ومجتمعات محلية، وامتدادات عابرة للحدود لهذه النزاعات. وبذلك تواجه الحكومة الإثيوبية تحديًا يتصل بقدرتها على الحفاظ على سلطة الدولة المركزية وضبط العلاقات بين الأقاليم، وليس فقط احتواء تمرد مسلح بعينه.
كذلك فإن انضمام جماعات متباينة عرقيًّا وسياسيًّا إلى تحالف واحد ضد الحكومة لا يعني زوال خلافاتها التاريخية، وإنما يعكس تقاطع مصالحها في مواجهة السلطة الفيدرالية. وقد تظل النزاعات على الأراضي والحدود والتمثيل السياسي قائمة بين بعض مكونات التحالف نفسه. لذا، فإن اتساع الاضطرابات لا يعني بالضرورة اقتراب تفكك الدولة، لكنه يكشف هشاشة التوافق الوطني، وصعوبة بناء مركز سياسي قادر على استيعاب التباينات العرقية والإقليمية.
إثيوبيا وأرض الصومال بين الاشتباكات والبحر الأحمر
تضع أحداث بورمة العلاقات بين أرض الصومال وإثيوبيا أمام مفارقة سياسية وأمنية؛ فبينما تسعى سلطات الإقليم الانفصالي إلى تعزيز شراكتها مع أديس أبابا، تكشف الاعتداءات على مواطنين إثيوبيين؛ وبخاصة الأورومو، عن حدود قدرة المصالح الحكومية على احتواء التفاعلات العرقية والاجتماعية المحلية.
وتتصل هذه المفارقة بمذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا والإقليم في يناير 2024، والتي استهدفت إتاحة منفذ بحري لإثيوبيا عبر ساحل الإقليم، مع طرح ترتيبات تتعلق باستخدام ميناء بربرة والتعاون البحري، مقابل اتخاذ خطوات نحو الاعتراف الإثيوبي بـ”استقلال” الإقليم. وعلى الرغم من اعتراض دولة الصومال الفيدرالية والاعتراضات الإقليمية والدولية التي أعقبت الاتفاق، ظلت سلطات أرض الصومال تعلن استعدادها لمناقشة ترتيبات وصول إثيوبيا إلى الساحل واستخدام الميناء.
وتضيف أحداث بورمة عاملًا جديدًا إلى العقبات التي تواجه هذه الخطط؛ إذ إن نجاح مشروعات الموانئ والنقل والربط التجاري لا يعتمد على الاتفاقات الحكومية وحدها، بل يتطلب أيضًا بيئة أمنية واجتماعية مستقرة، وقبولًا محليًّا بالتعاون مع إثيوبيا. وإذا انتقلت التوترات العرقية إلى المناطق المرتبطة بممر بربرة أو إلى المجتمعات التي تستضيف مشروعات البنية التحتية، فقد تتحول إلى مصدر مخاطر إضافي أمام تنفيذ تلك المشروعات.
وتتجاوز الدلالة هنا الاعتداءات ذاتها إلى اختبار مدى تماسك السردية التي تروج لها سلطات أرض الصومال بشأن وجود إجماع داخلي على الاستقلال، وتمتع الإقليم باستقرار استثنائي بعيدًا عن اضطرابات محيطه. فعلى الرغم من أن الأحداث لا ترتبط مباشرة بالمشروع الانفصالي، تكشف تلك التطورات أن الانتماءات العشائرية والمصالح المحلية قد تتقدم على الحسابات السياسية والاقتصادية للسلطات، وأن الإقليم ليس بمنأى عن ارتدادات الصراعات المجاورة.
لكن يتعين الإشارة هنا إلى أن إثيوبيا قد تستفيد من هذه الاشتباكات في مفاوضاتها مع إقليم أرض الصومال على المنافذ البحرية من زاويتين؛ الأولى أنها قد تبرر نقل تجهيزات عسكرية لحماية أصولها البحرية في موانئ الإقليم بداعي عدم قدرة الإقليم على حماية المصالح الإثيوبية في أحداث بورمة. كذلك قد تساعد تلك الاضطرابات إثيوبيا على طلب تسهيلات استثمارية قد لا تكون سلطات الإقليم على استعداد لتقديمها في الظروف الطبيعية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version