حسين محمود التلاوي
المستلخص
أُعلِن عن ترشح الرئيس السنغالي السابق “ماكي سال” إلى منصب الأمين العام للأمم المتحدة. لكن الترشح يواجه عدة أسئلة؛ في مقدمتها مدى تمتع “سال” بالإجماع الإفريقي. تستطلع هذه الورقة فرص “سال” وإمكانية تقدم مصر بمرشح للمنصب.
ترشح الرئيس السنغالي السابق “ماكي سال” إلى منصب الأمين العام للأمم المتحدة؛ وهو المنصب الذي يخلو بنهاية العام الحالي 2026م مع انتهاء الولاية الثانية للأمين العام الحالي “أنطونيو جوتيريش”. لكن ترشح “سال” لم ينل الدعم الكامل من دول القارة ليصبح مرشحها الرسمي، بل إن بعض المراقبين يرى أن ملابسات ترشحه قد تكون عائقًا أمام نيله الإجماع الإفريقي.
لابد فى البداية من إلقاء الضوء على ملابسات ترشح “ماكي سال” إلى المنصب، والعوامل التي قد تعرقل حصوله على دعم القارة الإفريقية، كما تستطلع الورقة إمكانية تقدم مصر بمرشح إلى المنصب، وفرص فوز هذا المرشح المفترض بالإجماع الإفريقي، ومن ثم الانتقال للمرحلة اللاحقة و فوزه بالمنصب نفسه.
غياب دعم السنغال وعوائق أخرى
يثير ترشح “ماكي سال” عددًا من الاستفسارات، قد تكون أجوبة بعضها عائقًا أمام فوزه بدعم الاتحاد الإفريقي كمرشح عن القارة. وفيما يلي مجموعة من النقاط يثيرها هذا الترشح:
أولًا – ليس مرشحًا من بلاده: لم تكن السنغال التي أعلنت ترشح “سال” رئيسها السابق لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، لكن بوروندي؛ وهو ما يؤثر بطبيعة الحال على مصداقية الترشح. عندما لا يحظى رئيس سابق بدعم دولته؛ وهي دولة تتمتع بقدر كبير من الديمقراطية في إدارة تداول السلطة، تتنامى الشكوك والتساؤلات لدى الدول الأخرى؛ فتحجم عن تقديم دعمها له لتولي منصب دولي يمثل القارة في المشهد العالمي، أو على الأقل تتردد في تقديم هذا الدعم. وتتوافر عدة أسباب وراء عدم تقديم السنغال الدعم الرسمي لرئيسها السابق في هذا الترشح؛ وفي مقدمتها الاتهامات بالفساد. شابت ولاية “ماكي سال” اتهامات بالفساد، إلى جانب مساعيه للالتفاف على دستور البلاد؛ بما يسمح له بالترشح مجددًا بعد استنفاده فترتي الرئاسة المسموح بهما دستوريًّا. ويضاف إلى ذلك سجله في قمع المعارضة السياسية والشعبية؛ ومن أبرز وجوهها “عثمان سونكو” رئيس الوزراء السابق والرئيس الحالي للبرلمان السنغالي. لذلك حتى لو كان “سال” يتمتع بدعم بلاده، تكفي هذه العوامل لجعل دول عدة تتردد في تقديم دعمها لترشحه ممثلًا عن القارة الإفريقية في المحافل الدولية؛ وبوجه خاص في منصب حساس مثل منصب الأمين العام للأمم المتحدة، من مهماته تعزيز الديمقراطية والحكم الرشيد في العالم الثالث الذي تنتمي إليه الدول الإفريقية.
ثانيًا – العلاقات مع فرنسا: كان “ماكي سال” على علاقة وثيقة مع فرنسا التى تحظى بقاعدة عسكرية بداكار، خلال توليه رئاسة السنغال، حتى إن البعض يلقبه بـ”حليف فرنسا المفضل في غرب إفريقيا”. يلقي ذلك بشكوك كثيفة على مدى تمثيله لقضايا القارة الإفريقية في التنمية والنهوض واستكمال التحرر من سيطرة الدول الاستعمارية السابقة على بلدان القارة، عبر فرض التبعية الاقتصادية؛ وهي الوجه المعاصر للاستعمار القديم. ولما كانت فرنسا من أبرز القوى الاستعمارية في إفريقيا، تقف علاقات “سال” المتينة مع فرنسا حجرَ عثرة في طريق حصوله على دعم الاتحاد الإفريقي لمشروع ترشحه؛ حيث تشهد إفريقيا حراكًا في عدة مناطق نحو التخلص من النفوذ الفرنسي؛ مثلما يحدث في السنغال نفسها بتصفية الوجود العسكري الفرنسي فيها، وفي منطقة الساحل والصحراء ككل؛ حيث أنهت النيجر ومالي وبوركينا فاسو الوجود فرنسا العسكري، وأخذت عدة خطوات لقطع الارتباط معها في العديد من المجالات الأخرى.
ثالثًا – خلافات القوى الكبرى: يتطلب فوز أي من المرشحين للمناصب الدولية الرئيسية توافقًا دوليًّا؛ وبوجه خاص توافقًا بين الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي. في ظل الظروف الدولية الراهنة، يبدو الوصول إلى توافق أمرًا صعب المنال؛ وهو الأمر الذي قد يعود بالسلب على فرص “ماكي سال” المحسوب على فرنسا.
يعاني المشهد السياسي الدولي من ارتباك كبير جراء الخلافات المتعددة بين أقطابه؛ فالقارة الأوروبية تموج بالخلافات حول مجموعة من القضايا المحورية والثانوية. على سبيل المثال يعاني الاتحاد الأوروبي انقسامًا بشأن التعامل مع روسيا والحرب في أوكرانيا، فضلًا عن خلافات حول المناخ والبيئة وغيرها. يضاف إلى ذلك الخلافات بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا حول الملفات نفسها. وبالحديث عن روسيا، من غير الممكن أن يقبل الروس بمرشح مدعوم من فرنسا؛ بالنظر إلى موقف كلا البلدين من الحرب في أوكرانيا. وإلى جانب هذه الخلافات، تأتي وجهات النظر المتصادمة بين الأوروبيين والإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس “دونالد ترمب”؛ وهي الخلافات التي تجعل من الصعب التوصل إلى توافق، ما لم تقدّم فرنسا تنازلات كبيرة للأمريكيين في ملفات أخرى. هذا المشهد الدولي المضطرب يقف حائلًا أمام إمكانية نيل “ماكي سال” دعم القوى الدولية الكبرى في مسعاه للفوز بالمنصب الدولي.
مصر وتقديم مرشح
يبرز هنا تساؤل عن إمكانية تقديم مصر مرشحًا للمنصب الدولي، في ظل عدم نيل المرشح الوحيد حاليًّا في القارة الإجماع الإفريقي، فضلًا عن الدولي. ويلقي هذا القسم الضوء على المحفزات والعراقيل أمام مثل هذا الترشح المفترض.
أولًا – عوامل داعمة
يتمتع هذا المقترح بعدد من العوامل الداعمة؛ وأهمها:
-الخبرة الدبلوماسية المصرية دوليًّا: تتمتع الدبلوماسية المصرية بخبرة طويلة على الساحة الدولية؛ سواءً كان ذلك من خلال وزارة الخارجية، أو العديد من الشخصيات المصرية التي تولت مناصب دولية؛ وفي مقدمتها بطرس غالي الذي تولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وأبدى فيه كفاءة ملحوظة، جعلته يستمر لفترتين، على الرغم من حساسية الظرف الدولي خلال فترتي ولايته.
-السياسة الخارجية المصرية المعتدلة: تتبنى مصر سياسة خارجية متوازنة، لا تميل فيها إلى طرف عن آخر، وتسعى إلى إرساء مبدأ الاحتكام إلى القانون الدولي والحلول السياسية بعيدًا عن الخيارات العسكرية. أدت هذه السياسة إلى أن تتمتع مصر بعلاقات جيدة مع أطراف العديد من النزاعات؛ وهو ما أهّلها إلى لعب دور الوساطة في تسوية أكثر من نزاع. ظهر ذلك في نجاح مصر في التوصل إلى اتفاق شرم الشيخ لإنهاء عدوان الاحتلال على قطاع غزة، إلى جانب جهودها في التوصل إلى اتفاق إنهاء حرب إيران؛ والتزمت المسار الدبلوماسى ورحبت بكافة جهود الوساطة مع إثيوبيا لتسوية قضية سد النهضة خلال فترة تجاوزت العشر سنوات حتى الآن، وهي الجهود التي كانت محل تقدير من أطراف النزاع والقوى الوسيطة الأخرى فى مختلف تلك الملفات. يمثل هذا كله رصيدًا يمكن أن تستخدمه مصر في دعم مرشح لها يتمتع بالسمات نفسها من اعتدال في الطرح، وعلاقات واسعة، وخبرة في العمل الدبلوماسي على مستوياته كافة.
-القدرة على حشد التأييد للمرشح: لمصر علاقات متوازنة مع القوى الكبرى؛ فعلاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا علاقات استراتيجية، وفي المقابل تمثل مصر الشريك الأكبر لروسيا والصين في الشرق الأوسط وإفريقيا. يمكن أن يساعد هذا في ضمان عدم اعتراض أي من دول مجلس الأمن على المرشح المصري المفترض.
شخصية المرشح المحتمل
في حال اتخاذ مصر قرارًا بتقديم مرشح للمنصب الدولي، فإن لديها العديد من الشخصيات الدبلوماسية المؤهلة لشغل مثل هذا المنصب الرفيع. ويبرز من بين تلك الأسماء “عمرو موسى” وزير الخارجية المصري الأسبق، الذي يملك رصيدًا من العمل الدبلوماسي يساعد على كسب تأييد واسع لترشحه. فقد شغل “عمرو موسى” منصب وزير خارجية مصر، إلى جانب عدد من المناصب الدولية والاقليمية؛ من أهمها منصب أمين عام جامعة الدول العربية. كذلك من المعروف عن “موسى” رؤاه الداعمة للروابط بين مصر وإفريقيا ودول العالم الثالث في العموم، إلى جانب تأكيده الدائم على ارتباط مصر بمحيطها العربي والإسلامي. يمكن لهذه التوجهات، المدعومة بالخبرة الدبلوماسية والعلاقات الشخصية أن تجعل “عمرو موسى” الشخصية الأنسب، إن قررت مصر الدفع بمرشح.
عراقيل أمام الترشح
لكن الأمور لن تكون سهلة إن قررت مصر التقدم بمرشح للمنصب؛ فهناك عوامل مختلفة قد تقف حائلًا أمام فوز أي مرشح مصري عمومًا، أو “عمرو موسى” خصوصًا، بالمنصب الدولي، لاسيما فى ظل ماقد يدفع به البعض من سابق حصول مصر على هذا المنصب، ومن هذه العراقيل المحتملة:
أولًا – الخلافات مع إثيوبيا: في ظل الخلافات متعددة المسارات بين مصر وإثيوبيا، قد يسعى الإثيوبيون إلى عرقلة ترشح شخصية مصرية، وإن كلفهم ذلك دعم “ماكي سال” المرشح غير المقنع بالنسبة لهم. وقد ينال الإثيوبيون دعمًا من خارج القارة في هذا السياق.
ثانيًا – التحفز الإسرائيلي ضد مصر وموسى: ليس بخافٍ أن إسرائيل لا تريد أن ترى مصر قوية. وتقدم مصر بمرشح لمنصب بهذا الحجم يعني خطوة كبيرة من مصر نحو ترسيخ مكانتها “التاريخية” كعنصر فاعل على الساحة الدولية. لذلك قد تسعى إسرائيل إلى وضع العراقيل في طريق المرشح المصري؛ وهو ما قد يتضمن دعم الجهود المحتملة الإثيوبية في المسار نفسه. بالإضافة إلى ذلك فإن العلاقات بين “موسى” والقادة في إسرائيل ليست على ما يرام، منذ أن كان وزيرًا للخارجية بسبب مواقفه القوية ضد اعتداءات جيش الاحتلال على الفلسطينيين. ويرى الإسرائيليون في “عمرو موسى” امتدادًا للتيار القومي، أو بتعبير أوضح التيار “الناصري” في الخارجية المصرية. قد يعزز هذا من رغبة إسرائيل في عرقلة ترشح “موسى” للمنصب الدولي.
ثالثًا – ثقل أسماء المرشحين للمنصب: تضم قائمة المرشحين لتولي المنصب مجموعة من الشخصيات ذات الخبرة في المحافل الدولية؛ من بينها “رافائيل جروسي” الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع الغرب. كذلك تضم القائمة ثلاث شخصيات نسائية تنتمي جميعها، مع “جروسي” الأرجنتيني، الى إقليم أمريكا اللاتينية والكاريبي؛ ومنها الكوستاريكية “ريبيكا جرينسبان” الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، و”ميشيل باشيليت” رئيسة تشيلي السابقة، والمفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان، إلى جانب “ماريا فرناندا إسبينوسا جارسيس” من الإكوادور، وقد شغلت سابقًا منصب رئيسة الجمعية العمومية للأمم المتحدة. يعني وجود هذه الأسماء ذات الخبرة في المنظمات الدولية، إلى جانب العلاقات الجيدة لبعضهم مع الغرب، أن مهمة أي مرشح مصري لن تكون سهلة. ويضاف إلى ذلك أن هناك إشارات على اتجاه لتعيين مرشحة لتعزيز دور المرأة؛ وبوجه خاص المنتمية إلى دول الجنوب.
الختام
لا يعد طريق “ماكي سال” نحو الحصول على الإجماع الإفريقي ممهدًا؛ بالنظر إلى روابطه مع فرنسا وخلفياته في قمع المعارضة وقت أن كان رئيسًا للسنغال. وفي المقابل لا يعد كذلك طريق أي مرشح مصري سهلًا نحو المنصب الدولي، على الرغم من الثقل الدبلوماسي لمصر، وامتلاكها الشخصيات المؤهلة لشغل مثل هذا المنصب الحساس. لكن الأمر يستحق المحاولة بالنظر إلى أنه بينما قد لا تتأثر مصر سلبًا بخسارة السباق، فإن المردود الدولي المحتمل للفوز كبير؛ ما يجعل الأمر يستحق المحاولة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version