سعد عبد العزيز محمد
يرى المحللون الإسرائيليون أن اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، لم يعد مجرد تطور أمني إضافي في الشرق الأوسط، بل بات مؤشرًا على تحوّل أوسع في بنية النظام الإقليمي. فالاتفاق الذي جرى توقيعه في مكة في السابع من أغسطس 2026، يفتح الباب أمام مستوى جديد من التعاون العسكري والسياسي والتكنولوجي بين ثلاث قوى تمتلك قدرات استراتيجية متكاملة.
ولا يعني ذلك أن «اتفاق مكة» أصبح بالفعل تحالفًا عسكريًا متكاملًا على غرار حلف شمال الأطلسي؛ فالتفاصيل العملياتية لا تزال محدودة، ولم تُعلن قيادة عسكرية مشتركة أو قوات موحدة أو آلية تلقائية للتدخل في أي حرب. لكن الاتفاق بحسب الإسرائيليين، يتجاوز في صيغته الحالية، مجرد إعلان سياسي، إذ يتضمن خططًا للتنسيق السياسي والعسكري رفيع المستوى، والمناورات المشتركة في البر والبحر والجو والمجال السيبراني، والتعاون في الأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير وإنتاج ونقل التكنولوجيا الدفاعية.
ليس مجرد تحالف عسكري
ما يثير القلق الإسرائيلي هو أن اتفاق مكة يجمع بين عناصر قوة مختلفة، فالسعودية توفر الثقل المالي والاقتصادي والنفوذ السياسي والموقع الجغرافي، وتركيا تضيف جيشًا كبيرًا وصناعة دفاعية متطورة وخبرة عملياتية وحضورًا إقليميًا متناميًا، فيما تمنح باكستان التحالف عمقًا عسكريًا واستراتيجيًا، إضافة إلى كونها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك ترسانة نووية.
ويبعث اجتماع تلك القدرات الثلاث في إطار أمني واحد برسالة سياسية واضحة، مفادها أن القوى الإقليمية باتت أكثر استعدادًا لبناء ترتيبات أمنية ذاتية بدل الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. وهذه الرسالة تبدو أكثر إثارة للقلق في الحسابات الإسرائيلية.
الرياض تٌنوع مصادر القوة
بحسب المحللين الإسرائيليين، فإن الخطوة السعودية لا تعني بالضرورة تخلي الرياض عن واشنطن أو انتقالها إلى محور تركي – باكستاني. والأدق أنها تعكس سياسة تقوم على تنويع مصادر القوة والردع. فالرياض تحتفظ بعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تعزز تعاونها الدفاعي مع تركيا وباكستان، وتوسع علاقاتها مع الصين، وتحافظ على قنوات اتصال مع إيران. وبهذا المعنى، لا تريد السعودية أن تكون تابعة لمحور واحد، بل تسعى إلى امتلاك خيارات متعددة تمكنها من المناورة بين القوى الكبرى والإقليمية.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بعد السنوات التي شهدت فيها المنطقة هجمات على منشآت ومصالح خليجية، وتزايد الشكوك حول مدى استعداد واشنطن لتحمل التكلفة العسكرية الكاملة للدفاع عن شركائها.
إسرائيل والتحدي التركي
في القراءة الإسرائيلية، لا ينبغي اختزال صعود تركيا في شخصية الرئيس رجب طيب أردوغان أو في مواقفه السياسية الحالية. فالمسألة أعمق من ذلك؛ إذ يتعلق الأمر بتحول بنيوي في القوة التركية، يقوم على تطوير الصناعات الدفاعية، وتوسيع القدرات البحرية والجوية، وبناء نفوذ اقتصادي وسياسي، واستخدام القاعدة الصناعية المحلية لتقليل الاعتماد على الخارج.
كما أن تركيا تمتلك موقعًا جغرافيًا فريدًا يربط البحر الأسود بشرق المتوسط والشرق الأوسط، وتتمتع بعلاقات مع دول عربية وآسيوية وأفريقية، بينما يتزايد حضورها العسكري والسياسي في مناطق تتقاطع مباشرة مع المصالح الإسرائيلية، ولا سيما سوريا وشرق المتوسط والبحر الأحمر.
البحر الأحمر.. نقطة التقاء الأمن والتجارة
لا يمكن فصل اتفاق مكة عن التحولات التي يشهدها البحر الأحمر. فالممر البحري الذي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط أصبح خلال السنوات الأخيرة ساحة أمنية واقتصادية شديدة الحساسية، بسبب هجمات الحوثيين واضطراب حركة الملاحة وتزايد أهمية حماية الموانئ والطاقة وسلاسل الإمداد.
وقد أعلنت تركيا أيضًا مشاركتها في جهود تشكيل تحالف دولي لحماية طرق الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا إلى حضورها البحري الإقليمي. ومن منظور إسرائيل، يعني ذلك أن المنافسة المستقبلية لن تدور فقط حول الجيوش والقواعد والصواريخ، بل حول من يملك القدرة على التأثير في الموانئ والمضائق وخطوط الطاقة والممرات التجارية والبنية التحتية البحرية. وهنا تتقاطع المصالح السعودية والتركية والباكستانية مع حسابات إسرائيل والإمارات والهند وإثيوبيا والقوى الدولية.
من باب المندب إلى قناة السويس
يكتسب البحر الأحمر أهمية خاصة بالنسبة إلى إسرائيل بسبب ميناء إيلات وموقعها على الطرف الشمالي للممر البحري. لكن أمن إيلات لا يبدأ داخل إسرائيل، بل يبدأ في باب المندب، ثم يمتد إلى خليج عدن والمحيط الهندي. وهذا يفسر سبب حساسية الحضور التركي في الصومال والقرن الأفريقي، كما يفسر أهمية أي توسع مستقبلي للشراكة السعودية – التركية في المجال البحري.
وإذا تحولت الشراكة إلى شبكة أوسع تضم مصر أو دولًا أخرى، فإنها قد تصبح قادرة على التأثير في منظومة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط. ولهذا فإن إسرائيل تراقب ليس الاتفاق الثلاثي وحده، وإنما مسار توسعه المحتمل.
اتفاق مكة ومشروع التطبيع مع إسرائيل
ثمة تداعٍ آخر يتعلق بالمشروع الإسرائيلي لتطبيع العلاقات مع السعودية. فحكومة تل أبيب كانت تراهن على أن التهديد الإيراني سيدفع الرياض تدريجيًا إلى التعاون الأمني معها، وأن الحاجة إلى الاستخبارات والدفاع الجوي والتكنولوجيا الإسرائيلية ستشكل أحد دوافع التطبيع. لكن ظهور بدائل أمنية جديدة يغير المعادلة. فكلما ازدادت قدرة السعودية على الحصول على التكنولوجيا والردع والتعاون العسكري من شركاء آخرين، تراجعت حاجتها إلى إسرائيل بوصفها مصدرًا لا غنى عنه لتلك القدرات. ومع ذلك، لا ترى تل أبيب أن اتفاق مكة قد أغلق باب التطبيع السعودي – الإسرائيلي؛ لكنه يمنح الرياض هامشًا تفاوضيًا أوسع. فإذا عادت مفاوضات التطبيع، ستدخل السعودية الطاولة وهي تملك خيارات أمنية وسياسية أكبر، ما قد يسمح لها برفع سقف مطالبها في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والضمانات الأمريكية والتعاون العسكري والتكنولوجيا.
سيناريوهات مستقبل اتفاق مكة
يمكن تصور أربعة مسارات رئيسية لتطور اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان:
الأول: بقاء الاتفاق إطارًا سياسيًا وردعيًا. وفي هذه الحالة ستظل أهميته رمزية وسياسية أكثر منها عسكرية، بسبب اختلاف المصالح والقدرات والأنظمة العسكرية المعروفة بين الدول الثلاث.
الثاني: التحول إلى منظومة أمنية عملية. وذلك من خلال المناورات المشتركة، وتبادل المعلومات، وربط أنظمة الدفاع الجوي، والتنسيق البحري والسيبراني، والتعاون في الصناعات الدفاعية. وهي مجالات يتضمنها بالفعل التصور المعلن للتعاون.
الثالث: توسيع الاتفاق. وهنا تصبح مشاركة مصر أو دول أخرى عاملًا قادرًا على تغيير الوزن الجغرافي والعسكري للتحالف. وقد أعلنت تركيا أن الاتفاق مفتوح للتوسع.
الرابع: تحول الاتفاق إلى نواة لمنظومة إقليمية مستقلة. وهذا هو السيناريو الأكثر إثارة للقلق الإسرائيلي، لأنه يعني انتقال الشرق الأوسط تدريجيًا من منظومة تعتمد بصورة أساسية على المظلة الأمريكية إلى منظومة متعددة الأقطاب، تستطيع فيها القوى الإقليمية إنتاج جزء أكبر من أمنها الخاص.
المخاوف الإسرائيلية من “اتفاق مكة”
يرى المحللون الإسرائيليون أن المشكلة الأساسية لا تكمن في تحول السعودية إلى حليفة لتركيا على حساب الولايات المتحدة، بقدر ما تكمن في أن الرياض باتت تمتلك خيارات وبدائل أمنية واستراتيجية أوسع من أي وقت مضى. فتنويع الشراكات الدفاعية السعودية يقلل من اعتمادها على طرف واحد، ويمنحها هامشًا أكبر للمناورة في مواجهة التحديات الإقليمية.
وفي هذا السياق، تبدو تركيا الحلقة الأكثر إثارة للقلق في الحسابات الإسرائيلية. فإذا كانت السعودية توفر للمنظومة الجديدة الثقل المالي والاقتصادي والنفوذ السياسي، وتمتلك باكستان قدرات عسكرية وخبرة استراتيجية وعمقًا ردعيًا، فإن تركيا تمثل العنصر القادر على تغيير طبيعة المعادلة برمتها، نظرا لأن أنقرة تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متقدمة، وقدرات متنامية في مجالات الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والصناعات البحرية والجوية، فضلًا عن خبرة عملياتية وحضور عسكري في عدد من الساحات الإقليمية. ومن هنا، يتمثل أحد أبرز مصادر القلق الإسرائيلي في احتمال انتقال التعاون السعودي – التركي من مجرد صفقات تسليح إلى مستوى أكثر عمقًا يُتيح للمملكة السعودية بناء قدرات عسكرية وصناعية وتكنولوجية مستقلة.
دوائر القلق الإسرائيلي
يمكن اختزال المخاوف الإسرائيلية من “اتفاق مكة” في أربعة مستويات مترابطة:
أولًا: الخطر السياسي والاستراتيجي: ويتمثل في احتمال تراجع مركزية إسرائيل داخل منظومة الأمن الإقليمي، مع ظهور بدائل أمنية وعسكرية تستطيع الدول العربية والإسلامية الاعتماد عليها فى مواجهة إيران بعيدًا عن إسرائيل، بما يقلل من قدرة الدولة العبرية على تقديم نفسها بوصفها الشريك الأمني والتكنولوجي الأكثر أهمية في المنطقة.
ثانيًا: الخطر العسكري والتكنولوجي: ويتمثل في انتقال التكنولوجيا والخبرات الدفاعية التركية إلى السعودية، بالتوازي مع تطوير قدرات محلية في الإنتاج والتصنيع والتطوير العسكري، بما قد يؤدي، على المدى البعيد، إلى تقليص الفجوة التكنولوجية التي حافظت إسرائيل عليها لعقود.
ثالثًا: الخطر الجيوسياسي، ويتمثل في صعود تركيا بوصفها قوة أكثر تأثيرًا في الخليج وسوريا والبحر الأحمر وشرق المتوسط، بالتزامن مع امتلاك السعودية للثقل الاقتصادي والمالي والسياسي، وباكستان للعمق العسكري والاستراتيجي. ومن شأن تكامل هذه العناصر أن يمنح المنظومة الجديدة قدرة أكبر على التأثير في توازنات المنطقة وقواعدها الأمنية.
رابعًا: الخطر الاقتصادي، حيث لا يتوقف القلق الإسرائيلي عند الجانب العسكري، إذ يبرز خطر اقتصادي طويل الأمد يتمثل في احتمال نشوء ممرات تجارية وشبكات طاقة ونقل بديلة تربط الخليج بتركيا وآسيا وأوروبا، بما قد يقلل من أهمية إسرائيل في مشاريع الربط الإقليمي وسلاسل الإمداد، ويحد من القيمة الجيوسياسية التي تسعى إلى ترسيخها بوصفها حلقة وصل بين الشرق والغرب.
خلاصة القول، فإن اتفاق مكة يمثل تحولا خطيرا في الحسابات الإسرائيلية، لأن السعودية تحاول بناء منظومة أمن متعددة الطبقات، وتركيا تسعى إلى تحويل قوتها العسكرية والصناعية إلى نفوذ إقليمي طويل الأمد، وباكستان توفر عنصرًا استراتيجيًا وردعيًا مختلفًا، فيما يبقى الباب مفتوحًا أمام توسيع المنظومة.
وهذا يعني أن الشرق الأوسط قد ينتقل تدريجيًا من نظام كانت إسرائيل تراهن فيه على التفوق العسكري والشراكة الأمريكية لتكون مركزًا أمنيًا لا غنى عنه، إلى نظام أكثر تعددًا وتنافسًا، تمتلك فيه السعودية وتركيا وباكستان وغيرها قدرة أكبر على إنتاج الأمن والتحالفات والطرق التجارية بصورة مستقلة

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version