عبدالله فارس القزاز .. باحث بوحدة الدراسات الإفريقية
وفقًا لمتابعة ورصد أجرتها وحدة الدراسات الأفريقية، شهد الأسبوع الأخير من سبتمبر 2026 تصاعدًا متزامنًا في وتيرة الأزمات السياسية والعسكرية في عدد من بؤر التوتر بالقارة، بدءًا من تطورات ميدانية في السودان وإثيوبيا، مرورًا بتصعيد دبلوماسي بين إثيوبيا وإريتريا ومصر، وصولًا إلى تحركات سياسية مرتبطة بصدام حفتر والاتصالات المحتملة مع إسرائيل. ولا تقتصر أهمية هذه التطورات على طبيعة كل أزمة بصورة منفردة، وإنما في تزامنها واتصالها بملفات أوسع تتعلق بإعادة توزيع موازين القوة، وشبكات التحالف والدعم الإقليمي، والسيطرة على المساحات والممرات ذات الأهمية الاستراتيجية، وهو ما يفرض انعكاسات على البئية المحيطة بالأمن القومي المصري، خاصة في ظل تداخل التطورات في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر مع حسابات الأمن القومي المصري.
في 25 سبتمبر 2026، أعلنت القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها السيطرة على مدينة سودري بولاية شمال كردفان بعد معارك مع مليشيا الدعم السريع، وذلك ضمن هجوم بدأ منتصف سبتمبر وتمكنت خلاله القوات الحكومية من استعادة عدة مناطق في الولاية. وبعد السيطرة على سودري، تحركت القوات النظامية غربًا لتأمين محيط المدينة والضغط على مواقع الدعم السريع، مع اتجاه العمليات نحو مناطق النهود والخوي وغرب كردفان، بما يقرب مسرح القتال من حدود إقليم دارفور.
ميدانيا :وتكمن أهمية السيطرة على سودري في أنها لا تُقاس بقيمة المدينة في حد ذاتها، وإنما بكونها نتيجة لتقدم عسكري متدرج بدأ باستعادة عدد من المواقع في شمال كردفان، ثم دفع القوات الحكومية غربًا باتجاه مناطق كانت تمثل عمقًا عملياتيًا للدعم السريع. فمنذ منتصف سبتمبر، أعلنت القوات المسلحة استعادة 11 منطقة في شمال كردفان، مع استمرار التقدم نحو سودري ومناطق أخرى، بينما أفادت مصادر ميدانية بأن عناصر الدعم السريع تراجعت باتجاه النهود وغبيش وود بندة وغرب كردفان. ومن هنا، فإن الجيش يحاول الانتقال من عمليات استرداد موضعية إلى تفكيك الحزام الذي يوفر للدعم السريع عمقًا بين شمال كردفان ودارفور. وبمعنى عملياتي فإن نجاح هذا الاتجاه لا يتوقف على السيطرة على المزيد من البلدات، وإنما على قدرة القوات الحكومية على الاحتفاظ بالمواقع التي تستولي عليها وتأمين طرق الإمداد بينها، لأن التقدم السريع في البيئة الصحراوية الواسعة قد يتحول إلى عبء إذا لم يواكبه تثبيت للقوات وتأمين المحاور الخلفية.ويكتسب الموقع الجغرافي لسودري أهمية إضافية، لأنها تقع على شبكة طرق تربط شمال كردفان بشمال دارفور وغرب كردفان، وهو ما يجعلها نقطة ضغط على الحركة بين مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور والمواقع التي ما زالت تملكها في كردفان. وتكشف التطورات السابقة أن طريق دارفور كردفان لم يكن مجرد طريق نقل مدني، بل يمثل أحد الممرات التي اعتمد عليها الدعم السريع في نقل الأفراد والمعدات بين مناطقه الغربية ومسرح العمليات في الوسط والشمال. وبالتالي، فإن استمرار الضغط غرب سودري يضع النهود والخوي والمناطق المحيطة بهما أمام اختبار عسكري حقيقي, فإما إعادة تنظيم خطوط الدفاع والإمداد أو الانسحاب باتجاه دارفور، أو محاولة شن هجمات مضادة تستهدف استنزاف القوات الحكومية ومنعها من تحويل مكاسبها التكتيكية إلى خط تقدم مستقر. ويضيف استخدام الطائرات المسيّرة بكثافة من جانب الطرفين بعدًا مهمًا إلى هذه المعادلة، فالدعم السريع، مع فقدان بعض المواقع البرية، يستطيع تعويض جزء من تراجعه من خلال ضرب خطوط الإمداد والمدن الخلفية، وهو ما ظهر بالفعل في تصاعد هجمات المسيّرات على شمال كردفان خلال الأسابيع الأخيرة.وتتمثل الأهمية الأوسع للتقدم الحالي في أن الجيش السوداني يحاول إعادة رسم الجبهة الغربية للحرب بطريقة تجعل كردفان منطقة فصل وضغط بين مناطق سيطرة الحكومة في الوسط والشمال وبين المجال الذي يحتفظ فيه الدعم السريع بثقله الأساسي في دارفور. وتأتي هذه العملية في وقت مازال الدعم السريع يحتفظ بمساحات واسعة من دارفور رغم خسائره في شمال كردفان، بما يعني أن الوصول إلى تخوم دارفور لا يساوي بالضرورة القدرة على اختراق الإقليم أو إسقاط مراكز قوته. ولذلك، فإن المعركة القادمة ستكون على الممرات وليس المدن فقط فمن يسيطر على طرق الربط بين كردفان ودارفور يستطيع التأثير في تدفق القوات والوقود والذخائر، وفرض تكلفة أكبر على الطرف المقابل لإعادة توزيع قواته. وفي هذا السياق، يصبح تقدم الجيش غرب سودري جزءًا من محاولة عزل مسرح دارفور عن العمق الأوسط للسودان، بينما يسعى الدعم السريع إلى الحفاظ على هذه الوصلات حتى لا يتحول وجوده في دارفور إلى وجود جغرافي منفصل عن بقية قدراته العسكرية.
بالنسبة للقاهرة ، فإن استمرار تقدم الجيش في شمال كردفان يكتسب أهمية لأنه يقترب من المنطقة التي يمكن أن تتحدد فيها، بصورة عملية، طبيعة الدولة السودانية بعد الحرب. فالصراع لم يعد مجرد معركة على الخرطوم أو مراكز السلطة،وإنما أصبح صراعًا على الجغرافيا التي تربط وسط السودان بشرقه وغربه وشماله. وإذا نجحت القوات المسلحة في تثبيت سيطرتها على شمال كردفان ثم دفع خطوطها غربًا، فقد يتغير ميزان السيطرة الميدانية لمصلحة الدولة المركزية، بينما يؤدي استمرار احتفاظ الدعم السريع بمراكز قوته في دارفور إلى تكريس انقسام جغرافي بين مركز البلاد وغربها. وتزداد خطورة هذا الاحتمال في ظل وجود محاولات لإنشاء سلطة موازية في مناطق سيطرة الدعم السريع بدارفور، بالتي أن استمرار المسار الحالي قد يدفع السودان نحو انقسام فعلي شبيه بالنموذج الليبي. ومن ثم، فإن الحفاظ على وحدة السودان بالنسبة لمصر لا يرتبط فقط بالعلاقة السياسية مع الخرطوم، وإنما بمنع نشوء كيان غربي منفصل يمتلك مصادر قوة عسكرية وشبكات حدودية وعلاقات خارجية مستقلة، بما سيغير البيئة الأمنية جنوب مصر لسنوات طويلة.كما ترتبط الجبهة الغربية للسودان بأمن الحدود المصرية بصورة غير مباشرة، لأن انتقال مركز الثقل العسكري من كردفان إلى دارفور سيعيد تنشيط شبكات الحركة عبر المثلث السوداني التشادي الليبي، في وقت تعاني فيه مناطق واسعة من الإقليم من ضعف سيطرة الدولة وانتشار الجماعات المسلحة. وكلما طال أمد الحرب واستمرت محاولات الدعم السريع للحفاظ على عمقه في دارفور، زادت أهمية خطوط الإمداد القادمة من المجال الغربي للسودان، في مقابل محاولة الجيش قطع هذه الخطوط من جهة كردفان. وهنا تصبح السيطرة على سودري والضغط باتجاه النهود والخوي جزءًا من معركة أوسع على الجغرافيا اللوجستية للحرب. بالتالي فإن نجاح الجيش في تقليص قدرة الدعم السريع على الحركة بين دارفور وكردفان قد يحد من اتساع نطاق الحرب شرقًا وشمالًا، بينما يؤدي فشل ذلك إلى استمرار وجود قوة مسلحة واسعة الانتشار في غرب السودان، بما يرفع مخاطر انتقال السلاح والمقاتلين والشبكات غير النظامية باتجاه الحدود الليبية والتشادية، ويزيد من تعقيد البيئة الأمنية المحيطة بالحدود الجنوبية الغربية المصرية.
في 27 سبتمبر 2026، اتهم رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية المشير برهانو جولا كلًا من إريتريا والسودان ومصر بدعم جماعات مسلحة معارضة للحكومة الإثيوبية، بالتزامن مع تجدد القتال في تيغراي وظهور تحالف يضم سبع جماعات مسلحة وسياسية بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية. وفي المقابل، نفت السودان هذه الاتهامات، كما نفت مصر وإريتريا أي تورط، بينما اتسع نطاق المواجهات ليشمل تيغراي وأمهرة وعفر، بما يعكس اتساع نطاق الضغوط العسكرية والسياسية التي تواجهها الحكومة الإثيوبية.
سياسيا : ظهور تحالف يضم قوى من تيغراي وأمهرة وأورومو، رغم المواجهات المباشرة التي جمعت بينها خلال السنوات السابقة، في أنه يعيد تعريف طبيعة التحدي الذي تواجهه حكومة آبي أحمد. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بتمرد إقليم يمكن احتواؤه من خلال التفاوض أو العمل العسكري في إقليم بعينه، وإنما بدأت تأخذ شكل تقاطع مصالح بين قوى مختلفة تتفق على استهداف مركز السلطة في أديس أبابا، حتى مع استمرار خلافاتها حول شكل الدولة والحدود وترتيبات الحكم. ولا يعني الإعلان عن التحالف امتلاك قيادة عسكرية موحدة أو قدرة عملياتية مشتركة، إلا أن قيمته السياسية تتمثل في كسر عزلة الحركات المسلحة عن بعضها، وتحويلها إلى مظلة معارضة عابرة للأقاليم. وفي هذا السياق، يصبح اتهام مصر والسودان وإريتريا جزءًا من محاولة الحكومة تفسير هذا التحول باعتباره نتيجة دعم خارجي، بدلًا من تركه يُقرأ باعتباره مؤشرًا على تراكم أزمات داخلية مرتبطة بإدارة المركز للأقاليم وبنية النظام الفيدرالي.وفي موازاة ذلك، يمكن فهم اعتماد آبي أحمد المتزايد على العامل الخارجي باعتباره محاولة لتعويض تراجع قدرة الملفات القومية الكبرى على أداء وظيفتها السياسية في الداخل. فسَد النهضة والوصول إلى البحر وإعادة بناء الدور الإثيوبي الإقليمي تمثل ملفات تستطيع الحكومة استخدامها لتقديم نفسها باعتبارها المدافع عن السيادة والمشروع القومي، لكنها تفقد جزءًا من قدرتها التعبوية عندما يصبح الصراع الأساسي بين الحكومة وقوى تنتمي إلى أقاليم ومكونات إثيوبية متعددة. ومن هنا، فإن نقل جزء من تفسير الأزمة إلى خصوم خارجيين يؤدي وظيفة سياسية مزدوجة، تتمثل في منح المؤسسة العسكرية مبررًا لتشديد إجراءاتها ضد المعارضة، وإعادة صياغة الصراع أمام الرأي العام باعتباره دفاعًا عن الدولة في مواجهة تدخل خارجي. والأهم أن هذا الخطاب يسمح لآبي أحمد بتغيير موضوع النقاش من فشل ترتيبات ما بعد حرب تيغراي وصعوبة إدارة العلاقة بين المركز والأقاليم إلى من يقف خلف الجماعات التي تقاتل الدولة. وبالتالي، يصبح إثبات الاتهام أقل أهمية سياسيًا من قدرة الاتهام نفسه على خلق حالة تعبئة داخلية.وتكتسب الإشارة إلى مصر والسودان تحديدًا أهمية في ضوء البيئة الاستراتيجية المحيطة بإثيوبيا. فالقاهرة ترتبط بأديس أبابا بصراع ممتد حول سد النهضة، بينما أصبحت العلاقة الإثيوبية السودانية أكثر توترًا بسبب الحدود والحرب السودانية والاتهامات المتبادلة بشأن استخدام الأراضي في العمليات العسكرية ودعم الأطراف المسلحة. وفي هذا السياق، اتهم رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا إثيوبيا بالسعي إلى استغلال الحرب السودانية للسيطرة على أراضٍ حدودية، وهي اتهامات تنفيها أديس أبابا. وبالتالي، تستطيع الحكومة الإثيوبية وضع مصر والسودان داخل سردية واحدة باعتبارهما طرفين لهما مصلحة في الضغط عليها، حتى وإن كانت طبيعة مصالح كل منهما مختلفة تمامًا. وتكمن خطورة هذا التوظيف في أنه قد يحول الخلافات القائمة أصلًا بين أديس أبابا وكل من القاهرة والخرطوم إلى عناصر في الصراع الداخلي الإثيوبي، بحيث يصبح أي تحرك مصري أو سوداني في الملفات الإقليمية قابلًا للتفسير إثيوبيًا باعتباره جزءًا من دعم المعارضة.
إقليما :فإن تحول الاتهام الإثيوبي لمصر من خطاب مرتبط بالخلاف حول سد النهضة إلى اتهام مباشر بدعم قوى تسعى لإسقاط الحكومة يرفع مستوى الحساسية السياسية في العلاقة بين البلدين. فالقاهرة أصبحت، وفق السردية التي تطرحها المؤسسة العسكرية الإثيوبية، جزءًا من البيئة التي تستهدف بقاء النظام، وهو ما يخلق احتمالًا لاستخدام أديس أبابا أدوات ضغط إضافية في الملفات محل الخلاف، وعلى رأسها المياه. وتزداد خطورة ذلك لأن سد النهضة لم يعد بالنسبة للحكومة الإثيوبية مجرد مشروع تنموي، بل تحول إلى أحد أهم رموز السيادة الوطنية، وبالتالي يمكن إعادة تقديم الخلاف مع مصر حول قواعد تشغيله باعتباره امتدادًا لصراع أوسع على استقلال القرار الإثيوبي. وإذا استمرت الأزمة الداخلية في التصاعد، فقد يصبح توظيف ملف السد أكثر فائدة سياسيًا للحكومة، ليس بالضرورة لتحقيق مكاسب تفاوضية مع القاهرة، وإنما لتعبئة الداخل وإعادة إنتاج صورة الخصم الخارجي في مواجهة تزايد الضغوط الداخلية.كما أن الاضطراب الإثيوبي يحمل في الوقت نفسه مخاطر على البيئة الأمنية المحيطة بالسودان، وهو ما يهم القاهرة بصورة مباشرة. فاستمرار الحرب في السودان بالتوازي مع عودة القتال في شمال إثيوبيا يخلق احتمالًا لتداخل مسارين من عدم الاستقرار على جانبي الحدود السودانية الإثيوبية خصوصًا مع وجود مناطق نزاع حدودي وشبكات مسلحة وممرات لوجستية تمتد عبر الحدود. وإذا تحولت الاتهامات المتبادلة إلى دعم فعلي لوكلاء مسلحين، فقد تصبح الأراضي السودانية والإثيوبية جزءًا من مساحة صراع غير مباشر بين عدة أطراف، وهو ما يرفع احتمالات انتقال السلاح والمقاتلين والاضطرابات باتجاه المجال السوداني. وهنا تكمن المشكلة في أن تزامن هذه التطورات مع استمرار الحرب السودانية قد ينتج بيئة أمنية ممتدة من البحر الأحمر حتى الحدود الجنوبية المصرية، بما يجعل احتواء الأزمة السودانية أكثر ارتباطًا بمنع انتقال التنافس الإثيوبي الإريتري إلى داخل السودان.
في 27 سبتمبر 2026، وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي، بالتزامن مع وصول طائرة مرتبطة بصدام حفتر، نائب قائد الجيش الوطني الليبي ، في وقت أفادت فيه صحيفة «إيل فوغليو» الإيطالية في 29 سبتمبر بوجود لقاء سري بين نتنياهو وصدام حفتر خلال الزيارة، في إطار تحركات الأخير للحصول على دعم سياسي خارجي لمساعيه نحو رئاسة ليبيا. ورغم عدم صدور تأكيد رسمي إسرائيلي أو إماراتي أو ليبي بشأن اللقاء.الا إن مصدر عسكري نفي صحة اللقاء بين الطرفين وفقا لما نقلته صحيفة الشرق الأوسط
سياسيا وإقليميا وتكتسب التحركات المرتبطة بصدام حفتر أهمية سياسية، في حال تأكدت طبيعتها واتصالاتها الخارجية، بالنظر إلى أنها قد تعكس محاولة لنقل مركز الثقل من امتلاك النفوذ داخل شرق ليبيا إلى اكتساب قابلية أوسع لتسويقه كمرشح محتمل لإدارة الدولة الليبية. فالمعضلة اليوم التي تواجه صدام لا ترتبط بغياب أدوات القوة، وإنما بالفجوة بين النفوذ الذي تمثله المنظومة الشرقية وبين القدرة على تحويل هذا النفوذ إلى شرعية سياسية وطنية تحظى بقبول الأطراف الليبية والقوى الدولية المؤثرة. ومن هنا، تكتسب الاتصالات الخارجية أهمية تتجاوز قيمتها البروتوكولية، لأنها تتيح بناء شبكة دعم يمكن استخدامها لاحقًا لتطبيع التعامل الدولي مع صدام باعتباره طرفًا مركزيًا في ترتيبات السلطة، وليس مجرد أو سياسيا أو عسكريا في شرق ليبيا. ويعني ذلك أن التحرك، إذا كان منظمًا بالفعل يستهدف معالجة معادلة الشرعية من خارج المؤسسات الليبية، بالتوازي مع محاولة التأثير في مسارها من الداخل.ويرتبط ذلك مباشرة بالصراع على قواعد الانتقال السياسي في ليبيا، وليس فقط بالصراع حول الشخص الذي سيشغل السلطة. فمسار 4+4 يرتبط بتهيئة الإطار المؤسسي والقانوني للانتخابات، وإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات, ومعالجة الأساس الدستوري والقانوني للاستحقاقات الرئاسية والبرلمانية، وترتيبات السلطة التنفيذية ,وبالتالي فإن أي محاولة لتغييره أو تعطيله، إذا ثبتت، لا تتعلق بمجرد تعديل في المسار السياسي، وإنما تمس القواعد التي تحدد كيفية انتقال القوة الميدانية إلى شرعية انتخابية. وهنا يصبح الصراع الحقيقي حول من يمتلك القدرة على التأثير في شروط المنافسة نفسها، ومن يحق له الترشح، وتحت أي إطار قانوني، وبأي توقيت، وتحت إشراف أي مؤسسات. وإذا تمكن صدام من الجمع بين نفوذ عسكري مستقر في الشرق وبين بيئة انتخابية وقانونية أكثر ملاءمة لطموحه السياسي، فإنه سيكون قد قطع المسافة الأصعب بين القوة الفعلية والسلطة الرسمية.وفي هذا السياق، تكتسب القناة الإسرائيلية المحتملة أهميتها من موقعها داخل شبكة العلاقات الأمريكية والإقليمية، أكثر من ارتباطها بملف التطبيع في ذاته. إقامة اتصالات مع إسرائيل يمكن أن تمنح صدام منفذًا إضافيًا إلى دوائر سياسية وأمنية أمريكية، بينما توفر الإمارات منصة إقليمية قادرة على جمع هذه الأطراف وتنسيق المصالح بينها. وفي حال صحت المطالب المنسوبة إلى صدام بشأن دعم طموحه الرئاسي أو تعزيز وضع المؤسسة العسكرية الشرقية، وكذلك المطالب المنسوبة إلى الجانب الإسرائيلي بشأن التطبيع أو ملفات غزة، فإن الأمر قد يتخذ شكل مقايضة سياسية تتجاوز ليبيا نفسها. غير أن هذه المطالب لم يثبت رسميًا أنها شكلت اتفاقًا بين الأطراف، ولذلك فإن الدلالة الأكثر ثباتًا تتمثل في محاولة بناء شبكة خارجية متعددة الأطراف يمكن أن تمنح صدام هامش مناورة أكبر في مواجهة القوى الليبية المنافسة، وتقلل اعتماده على أي طرف إقليمي منفرد.
مصريا ، تتمثل المسألة الأكثر أهمية في احتمال إعادة توزيع مصادر التأثير الخارجي على شرق ليبيا. فارتباط صدام بشبكة إقليمية ودولية جديدة، إذا تحول إلى دعم سياسي مؤسسي، يعني أن القرار السياسي في شرق ليبيا سيصبح أكثر اتصالًا بمصالح أطراف تتجاوز البيئة المصرية المباشرة. وهذا لا يعني بالضرورة تراجع الدور المصري، لكنه يرفع عدد الأطراف القادرة على التأثير في خيارات القيادة الشرقية، ويجعل قدرة القاهرة على إدارة الملفات الليبية من خلال قنواتها التقليدية أقل انفرادًا. وتزداد خطورة هذا التطور بالنظر إلى الموقع الجغرافي شرق ليبيا، حيث يتداخل الاستقرار السياسي والعسكري هناك بصورة مباشرة مع أمن الحدود الغربية المصرية، ومسارات مكافحة التهريب ، وحركة الجماعات المسلحة، ومستقبل ترتيبات السلطة في طرابلس وبنغازي. وبالتالي، فإن أي تحول في مصادر شرعية القيادة الشرقية ستكون له انعكاسات تتجاوز المجال السياسي الليبي إلى البيئة الأمنية المحيطة بمصر.وفي حال انتقل صدام من موقع داخل المنظومة العسكرية الشرقية إلى موقع سياسي وطني محتمل مع احتفاظه بقاعدة القوة المرتبطة بهذه المنظومة، فإن ذلك قد يطرح على القاهرة معادلة مختلفة في التعامل مع الدولة الليبية مستقبلًا. فاندماج النفوذ العسكري والسياسي في مركز واحد قد يرفع قدرة هذا المركز على فرض شروطه داخل مؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه يجعل أي خلاف معه أكثر ارتباطًا بمسألة توازنات القوة، وليس فقط بالتنافس السياسي. وإذا اقترن ذلك باعتراف دولي أوسع بالمؤسسة العسكرية الشرقية أو بإعادة ترتيب وضعها داخل الدولة الليبية فإن شكل المؤسسة الأمنية الليبية المستقبلية قد يتغير بصورة تؤثر في ترتيبات الحدود والتنسيق الأمني مع مصر وعلية، فإن اهتمام القاهرة لا ينبغي أن يتركز فقط على موقع صدام في المعادلة السياسية، وإنما على طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية، ومن يملك القرار الفعلي في الملفات الأمنية والعسكرية بعد أي تسوية سياسية.كما تزداد المخاطر المحتملة إذا تحولت الملفات المرتبطة بغزة إلى جزء من ترتيبات سياسية أوسع في ليبيا. فالحديث عن إعادة توطين فلسطينيين في ليبيا لا يزال في نطاق المعلومات غير المؤكدة، ولا يمكن التعامل معه باعتباره اتفاقًا قائمًا، إلا أن تحققه سيغير البيئة الأمنية المحيطة بمصر بصورة مباشرة، لأنه سيخلق امتدادًا جغرافيًا جديدًا لتداعيات الحرب في غزة، ويربط بين المجال الفلسطيني والمجال الليبي عبر مسارات تقع على جانبي الحدود المصرية. وفي هذه الحالة، ستواجه القاهرة تحديًا مركبًا يتمثل في منع تحول الأراضي الليبية إلى مساحة لإعادة إنتاج أزمة غزة بصورة مختلفة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقرار الحدود الغربية وعدم السماح بتكوين ترتيبات أمنية أو سكانية جديدة تفرض واقعًا دائمًا على حساب المصالح المصرية. وبالتالي ستشهد المرحلة المقبلة ظهور خطوات عملية في أربعة مسارات مترابطة: تعديل قواعد العملية الانتخابية، وتوسيع الاعتراف الدولي بصدام، وإعادة تعريف وضع المؤسسة العسكرية الشرقية، وظهور أي ترتيبات فعلية تتعلق بنقل سكان من غزة إلى الأراضي الليبية.وهنا ، ستحدد المرحلة المقبلة ما إذا كانت الاتصالات المنسوبة إلى صدام تمثل مجرد محاولة لتوسيع شبكة علاقاته الخارجية، أم جزءًا من مشروع متكامل لإعادة هندسة طريق الوصول إلى السلطة. فإذا ظهر دعم دولي منظم لصدام بالتزامن مع تغييرات في المسار الانتخابي أو وضع المؤسسة العسكرية الشرقية، فإن ذلك سيعني انتقال التحرك من مستوى الاتصالات إلى مستوى إعادة تشكيل قواعد السلطة في ليبيا. أما في حال غياب هذه الخطوات، فستبقى الواقعة في إطار التحرك السياسي والاستطلاع الخارجي دون ترجمة مؤسسية واضحة.
في 1 أكتوبر 2026، أعلنت إثيوبيا إغلاق سفارتها في أسمرة وطرد 10 دبلوماسيين إريتريين، متهمة إريتريا بأعمال عدائية وتهديد مباشر لأمنها القومي، وردت أسمرة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع أديس أبابا. وفي اليوم نفسه، أعلنت إثيوبيا دبلوماسيًا مصريًا شخصًا غير مرغوب فيه وأمهلته 48 ساعة للمغادرة، وردت القاهرة بإجراء مماثل تجاه دبلوماسي إثيوبي. وجاءت هذه الخطوات بالتزامن مع تجدد القتال في تيغراي، واتهامات إثيوبية لمصر والسودان وإريتريا بدعم التحالف المعارض، إلى جانب تصاعد الخلاف حول مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر.
دبلوماسيا: انتقال إثيوبيا من اتهام إريتريا بالتدخل في الأزمة الداخلية إلى إغلاق سفارتها وطرد دبلوماسييها، في أن أديس أبابا بدأت تتعامل مع أسمرة باعتبارها جزءًا من معادلة الصراع نفسها، وليس مجرد دولة مجاورة يُشتبه في تقديمها دعمًا للمعارضة. ويكتسب توقيت القرار أهمية خاصة، فقد جاء في وقت تتوسع فيه المواجهات في تيغراي وعفار، وتواجه الحكومة الإثيوبية تحالفًا يضم قوى مسلحة من عدة أقاليم، بالتزامن مع ورود تقارير عن انفجارات في أديس أبابا واحتمال استخدام المعارضة للطائرات المسيرة ضد أهداف داخل العاصمة. ولهذا فإن قطع القنوات الدبلوماسية مع إريتريا يمثل انتقالًا من إدارة التهديد عبر الوسائل السياسية إلى التعامل معه باعتباره تهديدًا أمنيًا مباشرًا. والأخطر أن هذه الخطوة تقلص أدوات منع سوء التقدير بين جيشين سبق أن خاضا الحرب جنبًا إلى جنب، قبل أن يتحولا إلى خصمين محتملين. ومع استمرار القتال بالقرب من الحدود الإثيوبية ـالإريترية، فإن أي احتكاك ميداني أو اتهام متبادل بشأن دعم القوات المتحاربة قد يتحول سريعًا من صراع بالوكالة إلى مواجهة مباشرة بين الدولتين.وتأخذ القطيعة بعدًا أعمق عندما توضع في إطار ملف الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر. فإصرار آبي أحمد على إنهاء حالة الحبيسة الإثيوبية لم يعد قضية اقتصادية فقط، وإنما أصبح مرتبطًا بتصور أوسع للأمن القومي الإثيوبي، إذ ترى أديس أبابا أن الاعتماد شبه الكامل على موانئ دول الجوار يقيد قدرتها الاقتصادية والاستراتيجية. وفي المقابل، تنظر أسمرة بحساسية شديدة إلى أي صيغة تمنح إثيوبيا وجودًا دائمًا أو سيادة فعلية على ميناء إريتري، خصوصًا ميناء عصب، الذي أصبح إحدى أكثر نقاط الاحتكاك حساسية بين البلدين. وبالتالي، يمكن فهم اتهام إريتريا بدعم خصوم آبي أحمد باعتباره يؤدي وظيفة مزدوجة فمن ناحية يوفر مبررًا أمنيًا للضغط على أسمرة، ومن ناحية أخرى يضعف البيئة السياسية التي تستطيع من خلالها إريتريا مقاومة المطالب الإثيوبية المتعلقة بالبحر. ولا يعني ذلك أن التصعيد الدبلوماسي يثبت وجود خطة إثيوبية للسيطرة على عصب، إلا أن تزامن الملفين يجعل قضية المنفذ البحري عاملًا لا يمكن فصله عن تفسير مسار التوتر الحالي.
وبالنسبة لمصر ، تتضح قيمة الخطوة الإثيوبية ضد مصر عندما تُقرأ إلى جانب التصعيد مع إريتريا، وليس باعتبارها واقعة دبلوماسية منفردة. ففي مايو 2026، اتهمت أديس أبابا القاهرة بمحاولة عرقلة جهودها للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، وذلك بعد توقيع مصر وإريتريا اتفاقًا للتعاون في النقل البحري، بينما أكدت القاهرة أن الاتفاق يتعلق بالتعاون اللوجستي والاقتصادي بين البلدين. وبذلك أصبحت مصر وإريتريا تظهران في التصور الإثيوبي ضمن مساحة واحدة تتصل بالبحر الأحمر، رغم اختلاف طبيعة علاقة كل منهما بأديس أبابا. وعندما تضيف الحكومة الإثيوبية إلى ذلك اتهام مصر بدعم المعارضة الداخلية، فإنها تنتقل من مجرد خلاف حول سد النهضة إلى بناء سردية أوسع تعتبر أن القاهرة تتحرك سياسيًا وأمنيًا ضد المصالح الإثيوبية في الداخل والخارج. وهذه السردية لا تعني ثبوت الاتهامات، لكنها تكشف طريقة تفكير النظام في إدارة أزمته، من خلال تجميع مصادر الضغط الداخلية والخارجية داخل إطار واحد، بما يسمح بتحويل الأزمة من مشكلة حكم وأمن داخلي إلى معركة حول السيادة والمصالح الاستراتيجية لإثيوبيا.ولا ينفصل التصعيد بين إثيوبيا وإريتريا عن وضع السودان، الذي قد يتحول إلى الساحة الأكثر تعرضًا لانتقال تداعيات المواجهة بين الطرفين. فإثيوبيا تواجه بالفعل اتهامات سودانية مرتبطة بالحدود الشرقية وبالتدخل في مسار الحرب السودانية، بينما تنظر أديس أبابا إلى الأراضي السودانية باعتبارها إحدى المساحات التي يمكن أن تتحرك عبرها قوى معادية لها، وهو ما يجعل الحدود الإثيوبية السودانية جزءًا من الحسابات الأمنية للحكومة الإثيوبية بالتوازي مع حدودها مع إريتريا. ومع إغلاق القنوات الدبلوماسية مع أسمرة وتصاعد القتال في تيغراي، قد تزداد أهمية العمق السوداني في الحسابات الإثيوبية، سواء باعتباره مجالًا للمراقبة والتحرك أو باعتباره مسارًا محتملًا لتدفق السلاح والمقاتلين. وفي المقابل، فإن استمرار الحرب السودانية يحد من قدرة الخرطوم على ضبط حدودها الشرقية، بما يرفع احتمالات تداخل الصراعين الإثيوبي والسوداني بصورة أكبر. وبالنسبة لمصر تكمن الخطورة في أن تتحول الحدود السودانية الإثيوبية إلى منطقة اتصال بين أزمتين مسلحتين، بما يضغط على استقرار السودان ويزيد من التحديات الواقعة على المجال الأمني الجنوبي لمصر، خصوصًا إذا ارتبط ذلك بتصاعد المنافسة على البحر الأحمر والممرات البرية المؤدية إليه.
أما على مستوى الأمن القومي المصري، فإن التصعيد الإثيوبي مع مصر يختلف عن الخلاف التقليدي حول سد النهضة، لأنه يضيف بعدًا أمنيًا مباشرًا إلى العلاقة فإعلان دبلوماسي مصري شخصًا غير مرغوب فيه، ثم الرد المصري بالمثل، يمثلان تراجعًا في مستوى الثقة السياسية في وقت تتهم فيه أديس أبابا القاهرة صراحةً بدعم تحالف مسلح يسعى لإسقاط الحكومة. وإذا استمر هذا الخطاب، فمن المحتمل أن تصبح القرارات الإثيوبية المتعلقة بالنيل والبحر الأحمر والأمن الإقليمي أكثر تأثرًا بالاعتبارات الأمنية الداخلية. فالحكومة التي تواجه تحالفًا مسلحًا متعدد الأقاليم تستطيع استخدام الخصومة مع مصر كجزء من سردية أوسع حول وجود مؤامرة إقليمية تستهدف الدولة، بما يمنحها مساحة أكبر لتشديد خطابها تجاه القاهرة. وبالتي لا تكمن المشكلة الأساسية في الإجراء الدبلوماسي نفسه، وإنما في احتمال تحول العلاقة المصرية الإثيوبية إلى علاقة تُدار بصورة متزايدة بمنطق الأمن والمواجهة، بدلًا من الفصل بين الخلافات الثنائية والاضطرابات الداخلية الإثيوبية.كما أن اقتران التصعيد مع القاهرة بالقطيعة مع أسمرة يمثل تطورًا أكثر حساسية بالنسبة للمجال البحري المصري. فإذا كانت إثيوبيا ترى بالفعل أن تحركات مصر وإريتريا في البحر الأحمر تقيد طموحها للحصول على منفذ بحري، فإن تدهور العلاقة مع أسمرة قد يدفع أديس أبابا إلى رفع قيمة هذا الملف داخل استراتيجيتها الإقليمية. وفي هذه الحالة، يصبح البحر الأحمر جزءًا من صراع أوسع بين دولة حبيسة تسعى إلى امتلاك ترتيبات وصول أكثر استقلالًا، ودول ساحلية تتمسك بسيادتها على موانئها، مع دخول مصر باعتبارها دولة عربية وإقليمية معنية مباشرة بأمن البحر الأحمر وحركة الملاحة فيه. ويمنح اتفاق التعاون البحري المصري ـالإريتري الموقع في مايو 2026 هذا الملف أهمية إضافية، لأنه قد يدفع أديس أبابا إلى النظر إلى التعاون المصري مع أسمرة ليس فقط من زاوية اقتصادية، وإنما باعتباره جزءًا من البيئة الإقليمية التي ينبغي عليها التعامل معها عند صياغة سياستها البحرية. وبالنسبة لمصر، فإن التحدي يتمثل في الحفاظ على تعاونها مع إريتريا دون السماح بتحويله إلى ذريعة لإدخال القاهرة في مواجهة مباشرة مع المطالب الإثيوبية المتعلقة بالبحر.
ا





